أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - فائض القوة وفشل الحسم: لماذا أخفقت الولايات المتحدة وإسرائيل في بلورة انتصار على إيران؟














المزيد.....

فائض القوة وفشل الحسم: لماذا أخفقت الولايات المتحدة وإسرائيل في بلورة انتصار على إيران؟


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 14:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



مع دخول الحرب الامريكية الاسرائيلية شهرها السادس، واتساع نطاق تداعياتها الإقليمية والدولية، خاصة ما يرتبط منها بأمن الملاحة في مضيق هرمز وارتدادات ذلك على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، فان القضية الأساسية لم تعد تتمثل فقط في حجم الدمار الذي خلفته العمليات العسكرية، وإنما في السؤال الأهم وهو: لماذا لم تتمكن القوة العسكرية الهائلة التي تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل من تحويل هذا التفوق إلى حسم سياسي يفرض شروطها وينهي الحرب وفق أهدافها المعلنة؟
الحقيقة انه منذ اللحظات الأولى للمواجهة، بدا أن الفارق الهائل في ميزان القوة العسكرية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، سيجعل مسار الحرب محسوم الاتجاه، فالقوة الجوية الأمريكية، والدعم الاستخباراتي والتكنولوجي الإسرائيلي، والقدرة على توجيه ضربات بعيدة المدى، كلها أوحت بأن إيران ستواجه اختباراً يفوق قدرتها على الاحتمال، وأن فائض القوة سيكون كافياً لإجبارها على القبول بتسوية تفرضها واشنطن وتل أبيب.
غير أن المسار اللاحق لهذه الحرب جاء مختلفاً عن هذه التوقعات، فقد تعرضت إيران فعلا لضربات قاسية وأضرار كبيرة، لكنها لم تنهَر، ولم تفقد قدرتها على إدارة المواجهة، كما لم تُبدِ استعداداً لتقديم التنازلات السياسية التي كان الطرف الآخر يراهن عليها، مما اظهر المفارقة الاستراتيجية الأساسية وهي: كيف يمكن لدولة تواجه قوة عسكرية متفوقة بهذا الحجم أن تصمد، بل وأن تمنع خصمها من تحقيق النتيجة السياسية التي سعى إليها؟
والراجح هنا ان الإجابة عن هذا السؤال تبدأ من حقيقة أساسية في علم الاستراتيجية، وهي أن الحروب لا تُقاس فقط بحجم القوة المستخدمة، وإنما بقدرة هذه القوة على تحقيق الأهداف السياسية التي شُنت الحرب من أجلها. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، تبقى وسيلة وليست غاية، ولذا فان عجزها عن إنتاج واقع سياسي جديد يخدم أهداف مستخدمها، يحول هذا التفوق العسكري إلى نجاح عملياتي محدود لا يرقى إلى مستوى الانتصار الاستراتيجي.
وبهذا المعيار، فإن التقييم في هذه الحالة لا يتعلق بعدد الأهداف التي دُمرت أو بحجم الخسائر التي لحقت بإيران، بل بالسؤال: هل تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من تغيير سلوك إيران وفرض الشروط التي أرادتاها؟ إذا كانت الحرب تهدف إلى إخضاع طهران، أو دفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية في ملفاتها النووية والإقليمية، فإن استمرار إيران في موقفها السياسي والعسكري يشير إلى أن القوة العسكرية لم تتحول بعد إلى مكسب سياسي حاسم.
وهنا يمكن القول ان هذه الحرب كشفت عن خطأ جوهري في تقدير طبيعة المواجهة. فقد بدا أن واشنطن وتل أبيب افترضتا أن حجم الضربة سيكون كافياً لإنتاج الانهيار أو التراجع، وأن الفارق الهائل في القدرات سيختصر الزمن ويمنع الخصم من إعادة تنظيم صفوفه. غير أن هذا الافتراض تجاهل حقيقة تاريخية مفادها أن الدول لا تُهزم دائماً بحجم الضربات التي تتعرض لها، بل بقدرتها على الحفاظ على تماسكها السياسي والعسكري وتحويل الحرب إلى اختبار إرادات طويل الأمد.
وفي هذا السياق، تعاملت إيران مع الحرب بمنطق مختلف، حيث لم تكن تراهن على تحقيق تفوق عسكري تقليدي على الولايات المتحدة، وهو أمر غير واقعي في ظل اختلال ميزان القوى، وإنما على منع خصمها من تحقيق أهدافه الأساسية. فبالنسبة للطرف الأضعف، لا يكون الانتصار دائماً عبر هزيمة الطرف الأقوى، وإنما عبر حرمانه من القدرة على فرض النهاية التي يريدها.
وهنا تبرز مسألة الزمن كأحد العناصر الحاسمة في هذه المواجهة، فالولايات المتحدة، بحكم موقعها الدولي والضغوط السياسية الداخلية، تحتاج عادة إلى تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سريعة قابلة للتوظيف السياسي، بينما تستطيع إيران، بحكم طبيعة نظامها السياسي وخبرتها الطويلة في مواجهة العقوبات والضغوط، التعامل مع الصراع باعتباره معركة استنزاف وصبر استراتيجي، وانه ومع مرور الوقت، يتحول عامل الزمن من ميزة للطرف الأقوى عسكرياً إلى عنصر ضغط عليه.
كما أن هذه الحرب أظهرت الفجوة بين النجاح التكتيكي والانتصار الاستراتيجي. فالقدرة على ضرب منشآت أو إلحاق خسائر عسكرية لا تعني بالضرورة القدرة على إعادة تشكيل سلوك الخصم. وقد أثبتت تجارب عديدة في التاريخ الحديث أن القوى الكبرى تستطيع الانتصار في المعارك، لكنها قد تفشل في تحقيق الأهداف السياسية للحرب. فالانتصار الحقيقي لا يتحقق عندما تنجح القوة في إحداث الضرر، بل عندما تنجح في إنتاج واقع جديد يقبل به الطرف الآخر.
ومن هذه الزاوية، فإن المشكلة الأساسية التي واجهتها الولايات المتحدة وإسرائيل لم تكن في امتلاك القوة، بل في الاعتقاد بأن القوة وحدها كافية. فقد أثبتت الحرب أن القدرة على بدء الصراع لا تعني بالضرورة القدرة على التحكم بمساره ونهاياته. وعندما يصبح الطرف الأقوى مضطراً للبحث عن مخرج سياسي يحفظ أهدافه أو صورته، فإن ذلك يكشف حدود القوة العسكرية مهما بلغت.
غير ان كل ذلك لا يعني ذلك أن إيران خرجت من الحرب دون خسائر كبيرة، فقد دفعت ثمناً مادياً وعسكرياً مرتفعاً، الا ان هذه الخسائر وحدها لا تحدد نتيجة الحرب، فالمعيار الأساسي هو مدى تحقق الأهداف. وإذا كان الهدف الأمريكي الإسرائيلي هو فرض الاستسلام السياسي أو إعادة تشكيل سلوك إيران الاقليمي، فإن عدم تحقق ذلك يمثل إخفاقاً استراتيجياً، حتى لو بقي التفوق العسكري قائماً.
في النهاية، تكشف هذه الحرب عن مفارقة مركزية في عالم الصراعات الحديثة وهي ان الطرف الذي يمتلك فائضاً هائلاً من القوة، قد يعجز عن تحويل هذا الفائض إلى انتصار سياسي. وفي المقابل، قد يتمكن الطرف الأقل قوة من تحقيق مكسب استراتيجي بمجرد نجاحه في منع خصمه من فرض إرادته. ولذلك فإن السؤال الأهم بعد هذه الحرب ليس حجم ما خسرته إيران، وإنما حجم ما عجزت الولايات المتحدة وإسرائيل عن تحقيقه رغم استخدامهما لأدوات قوة تفوق بكثير ما يملكه خصمهما.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل نحن مع القصف الايراني لدول الجوار؟؟
- الرئيس يحارب... والنائب يفاوض: هل دخلت الولايات المتحدة مرحل ...
- ديكتاتورية التحمل وديناميكية الاشتباك: تفكيك بنية الصمود وإش ...
- على هامش إقالة الوزير بكار: عقل الدولة بين الثوابت العضوية و ...
- سيميولوجيا السلطة في إيران: ما الذي كشفته جنازة خامنئي عن هن ...
- فرنسا وأوهام الحضور الدولي... لماذا تصل باريس دائماً بعد أن ...
- بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين طهران وواشنطن.. من سيقرأ الفات ...
- الاتفاق الأمريكي–الإيراني: نهاية حقبة -الاحتواء- وترسيم الأم ...
- الرد الإيراني على قصف الضاحية الجنوبية يُعيد خلط أوراق جوزيف ...
- نحو ديمومة الاشتباك: استحقاقات الاستراتيجية الفلسطينية في مر ...
- من احتواء إيران إلى دمج إسرائيل: ماذا تكشف دعوة ترامب إلى أب ...
- حين يتحول التهديد إلى منتجٍ للحرب: قراءة تداولية في خطاب ترا ...
- بأية أوراق يقاتل لبنان للذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل؟
- مؤتمر فتح والمشروع الوطني: معركة الأسماء بين تأكيد الثوابت و ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين سؤال القيادة وتحديات المرحلة
- الحصار البحري على إيران: مقامرة -الصفر الافتراضي- والقفزة في ...
- من الردع إلى إدارة الألم: هل تنفّذ واشنطن تهديدها، وكيف تعيد ...
- من الحرب إلى المعنى: لماذا يجب على ترامب وقف الانزلاق نحو صر ...
- من كسر الخطوط الحمراء إلى اختبار سقف الحرب: ديمونة كنقطة تحو ...
- اغتيال لاريجاني: ضربة وظيفية في قلب النظام لا كسرًا لبنيته


المزيد.....




- فيديو يُظهر مراهقاً متهماً بإطلاق النار في مدرسة بتايلاند وم ...
- بين -الكوتور- والحرفية.. العرائس الثريات يرسمْن مستقبل الموض ...
- -من دون ملابس-.. مطعم يُتيح لزبائنه تجربة تناول الطعام عراة ...
- تعليق إيراني جديد على اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وباك ...
- المبعوث الأممي: اليمن يواجه أكبر خطر لتجدد الصراع منذ هدنة 2 ...
- صحيفة ألمانية: مبادرة غربية لنقل الأصول الروسية المجمدة من - ...
- الحرس الثوري: إقرار الإعلام الأجنبي بهزيمة ترامب نتيجة لجهود ...
- قراء -ديلي ميل- يسخرون من تحذيرات أمريكية بشأن هجوم روسي محت ...
- مقتل عنصر من الجيش السوري وإصابة اثنين بهجوم في ريف دير الزو ...
- إعلام إيراني: اندلاع حريق في سفينة أخرى بمضيق هرمز


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - فائض القوة وفشل الحسم: لماذا أخفقت الولايات المتحدة وإسرائيل في بلورة انتصار على إيران؟