هشام الكيلاني
الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 17:44
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مغالطة مفهوم (التعليم) والتناقض المنهجي
التعليم بين الواقع والتنظير و بين ثروة المادة وثروة الفكر
ردا على مقال الاستاذ حيدر الشمري ..
كتب الاستاذ حيدر الشمري مقال تحت عنوان
(اكاذيب المنظرين ليضحكوا علينا)
علمونا أن اليابان نهضت بالتعليم، وكوريا نهضت بالتعليم، وسنغافورة نهضت بالتعليم.
سؤال واحد يهدم كل هذه الكذبة:
لماذا نهضت كل دول شرق آسيا بوقت واحد بعد 1973؟
هل اتفقت آلهة العلم أن توزع الذكاء عليهم كلهم سنة 1973؟ هل ناموا جهلة واستيقظوا علماء بنفس السنة؟
لا. الذي حدث هو أن خزنة واحدة فتحت لهم جميعا بنفس الوقت.
خزنة البترودولار بعد إغلاق قناة السويس.
1973 أغلقت القناة وقطع النفط، البرميل من 2.90 إلى 11.65 دولار. مليارات العرب فاضت وذهبت كودائع لبنوك نيويورك ولندن، والبنوك أقرضتها لكل آسيا دفعة واحدة استثمر الغرب فيها فاليد العاملة رخيصة و الاسواق مفتوحه . لهذا نهضوا دفعة واحدة.
متى رأينا صناعاتهم وكيف ظهرت بعد 1973؟ الدليل بعيوننا:
قبل 1973: شوارعنا لا تعرف شيئا اسمه ياباني أو كوري. سياراتنا أمريكية، راديوهاتنا ألمانية.
1974 - 1978 بعد الحصار مباشرة: فجأة ظهرت السيارات اليابانية. تويوتا كرولا، داتسون 120Y، ميتسوبيشي. أصبحت تاكسي بغداد والرياض والقاهرة. لماذا؟ اليابان تستورد 100 بالمئة من نفطنا، فاقترضت بترودولارنا من بنوك امريكا و اوربا وصنعت سيارات اقتصادية وباعتها لنا بنفس فلوسنا.
1978 - 1985: ظهرت الأجهزة اليابانية. أول مرة نرى سوني وتوشيبا وناشيونال. تلفزيون ملون، مسجل، ثلاجة. كلها بعد تدفق البترودولار.
1985 - 1990: ظهر الكوري. أول مرة نسمع هيونداي بوني، كيا برايد، ثم سامسونغ و LG. كوريا ربحت من السعودية وحدها 3 مليار دولار سنة 1977 من عقود البناء، بهذه الفلوس فتحت مصانع السيارات والأجهزة.
1990 - 2000: ظهر الماليزي والتايلندي. سيارات بروتون الماليزية، وأجهزة تايلندية. كلها مصانع مولتها نفس القروض.
2001 - 2010: ظهر الصيني واكتسح كل شيء. من ولاعة الشورجة إلى مولدة، إلى موبايل هواوي، إلى سيارة شيري و BYD التي تراها اليوم في مدينتك. لماذا الآن؟ لأن اليابان وكوريا بعدما اغتنت من أموالنا، استثمرت تلك الأموال في الصين. الصين دخلت منظمة التجارة 2001 فانفجرت.
2005 - 2015: حتى الفلبين التي كانت أعلى تعليما من كوريا سنة 1970، ظهرت صناعاتها كخادمات وممرضات يصدرون للخليج، لأنها بددت البترودولار الذي اقترضته ديونها من 2.3 مليار إلى 26.2 مليار بقصور ماركوس، فأفلست.
هل فهمت اللعبة؟
لم ينهضوا لأنهم فجأة أحبوا المدرسة. نهضوا لأن نفس البنك في نيويورك أعطاهم جميعا قرضا من نفس الفلوس العربية بنفس السنة.
لو كانت النهضة بالتعليم، لماذا لم تنهض الأرجنتين التي تعليمها أعلى من كوريا في وقتها؟ لماذا لم تنهض مصر او العراق او ليبيا؟
لأن القرض لم يذهب لهم، ذهب لآسيا.
كذبة التعليم اخترعها الغرب حتى لا يقول لك الحقيقة ان اهم من التعليم هو الاقتصاد و المال و البطون التي اذا شبعت فكرت و انتجت.
لان الجائع المتعلم لا يساوي فلساً لانه لم يتعلم من العمل
والمعارض الذي يجلد حكومته ويقول كونوا مثل كوريا اهتموا بالتعليم هو أغبى من أن يفهم أن كوريا اهتمت بالتعليم بعدما قبضت اموال القروض ليكون تعليمها هادف نحو انتاج حقيقي و ليس فائض شهادات بلا فرص انتاجيه.
أنتهى مقال حيدر الشمري ...
..................................................................
أخي القارئ اليك مقالي للرد على ما كتبه الاستاذ حيدر الشمري
الطرح الذي قدمه الأخ الاستاذ حيدر الشمري، رغم اتسامه بالجاذبية الظاهرية والأسلوب (المباشر) الذي يستعرض وقائع تاريخية معروفة
مثل (طفرة النفط عام 1973 وتدفق البترودولار)، يحمل مغالطة وتفكير وتفكيكاً مجتزءاً للتاريخ.
مقال الشمري يختزل (السبب) في (الشرط)؛ فنشاط رؤوس الأموال والقروض (البترودولار) كان عنصراً مسرّعاً وممكناً.، لكنه لم يكن أبداً السبب الجوهري أو الأساسي للنهضة أو التقدم العلمي .
إن تفكيك ما طرحه الأخ الشمري يبدأ في عدة نقاط ومنها
أولاً / مغالطة تفكيك ــــــ العربة والحصان ـــــــ (أسبقية التعليم والرصيد البشري) الكاتب يدّعي أنهم أخذوا القروض ثم اهتموا بالتعليم، وهذا ينافي الواقع التاريخي والديموغرافي.
اليابان قبل عام 1973 كانت أسطورة صناعية بالفعل؛ فمعجزة اليابان الاقتصادية بدأت في الخمسينيات. وفي الستينيات كانت اليابان تصنّع بالفعل سيارات وقطعت شوطاً كبيراً، وكانت المنتجات اليابانية تباع في أمريكا وأوروبا قبل حرب 1973.
أما كوريا الجنوبية بدأت خططها التنموية الخمسية عام 1962 في عهد (بارك تشونغ هي)، وهو جنرال وسياسي كوري جنوبي، شغل منصب رئيس كوريا الجنوبية من عام 1962 (رسمياً منذ 1963) حتى اغتياله في 26 أكتوبر 1979. ورغم أنه وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في 16 مايو 1961، وحكم البلاد لمدة 18 عاماً بقبضة حديدية , لكنه صنع معجزة نهر هان وحول كوريا الجنوبية من دولة فقيرة ومدمرة إلى قوة اقتصادية عالمية كبرى, ثم تبنى سياسة التصنيع للتصدير وركّز على دعم الصناعات الموجهة للتصدير وتطوير البنية التحتية والتعليم الصناعي وحدده التعليم المهني والهندسي كأساس للتصنيع المتجه للتصدير. حين جاءت أموال السبعينيات، وجدت بنية بشرية ومؤسسية جاهزة للاستثمار، ولم تكن المجتمعات أمية فجأة استيقظت لتتعلم.
ثانياً -- لغز (لماذا آسيا تحديداً؟).. في هذه النقطة تنفي (_إبطال حجة المال وحده) .. لأن البنوك الغربية (في نيويورك ولندن) لم تكن مؤسسات خيرية تمنح قروض البترودولار لشرق آسيا حباً فيهم، بل منحتم إياها لأن لديهم قدرة استيعابية ومؤسسات قادرة على إدارة تلك الأموال وإعادتها مع أرباح.
أموال البترودولار أُقرضت أيضاً لدول أخرى في أمريكا اللاتينية (مثل الأرجنتين والمكسيك وبوليفيا ـــــــ وأفريقيا ودول عربية؛ وإذا راجعنا حسابات البنوك حول القروض سوف يتبين لنا هذا ــــــ السؤال هنا .. ماذا كانت النتيجة؟ دخلت تلك الدول في أزمة الديون الشهيرة في الثمانينيات (1982) وأفلست، لأن المال سكب في بيئات تفتقر للرصيد المؤسسي والتعليمي والتخطيط الصارم.
وهذا ما حدث في العراق ويحدث الان .. رغم ان العراق يملك اموال ضخمة لا تحسب على القروض !!!
ثالثاً --- النقطة الثالثة تأتي بالمقارنة المفاهيمية بين (المال) و(الرأس المال البشري) .
المال (البترودولار) هو مجرد وقود، أما التعليم والرصيد المعرفي والتنظيم الاجتماعي فهو المحرك.
الوقود بدون محرك مصمم بدقة لا يحرك سيارة، بل يسبب انفجاراً أو هادراً للموارد وينتج كارثة ..
نأخذ هنا مثال من الفلبين الذي ذكره مقال حيدر الشمري ينقض حجته ذاتها, الفلبين تلقت القروض والمال بالفعل ولكنها فشلت بسبب الفساد وغياب التخطيط المؤسسي والتعليم الموجه، مما يثبت أن (المال وحده لا يصنع نهضة).
وقد شاهدتُ فلماً في الثمانيات يطرح هذه الاشكالية ..
هذا في الفليبين وحدها فقط, يا ترى كم دولة مثل الفليبين ؟؟!!!
رابعاً ---- في هذه النقطة يتبين التناقض في مفهوم التعليم
الكاتب يهاجم (كذبة التعليم) ثم يعود ليناقض نفسه في نهاية المقال بعبارة ((كوريا اهتمت بالتعليم بعدما قبضت الأموال ليكون تعليمها هادفاً)).
في رأي الشخصي وهذه حقيقة واضحة أن التعليم ليس مجرد (شهادات جامعية معلقة)، كما يحدث اليوم في العراق بل هو إعداد الكوادر الفنية والهندسية والادارية وتوظيفهم في مؤسسات تنتج ..
التخطيط الكوري والياباني اعتمد على التعليم الموجه للتصنيع والصيانة والإدارة والتطوير، وهو ما جعل القروض تتحول إلى مصانع (مثل سامسونج وهيونداي) بدلاً من استهلاكها أو تهريبها للخارج.
(المال وقودٌ لا يحرك إلا محركاً مأهولاً.. كيف أخطأ مقال "أكاذيب المنظرين" في قراءة النهضة الآسيوية؟»
إن القول بأن نهضة شرق آسيا كانت مجرد ضربة حظ ناجمة عن تدفق قروض "البترودولار" عام 1973 هو اختزال مخل لطبيعة التنمية. المال بلا (رصيد بشري وتعليمي ومؤسسي) ينتهي إلى ديون وأزمات، كما حدث في أمريكا اللاتينية وبعض دول أفريقيا في الفترة ذاتها, واليوم العراق ماله سائب للحرامية والفاسدين وتعليمه في الحضيض !!!
لقد انطلقت آسيا لأن البنوك وجدت فيها "رأسمالاً بشرياً جاهزاً" ومؤسسات متعلمة قادرة على استثمار القرض وتصنيع القيمة المضافة، لا مجرد استهلاكه. التعليم الفعال لم يكن كذبة، بل كان هو المحرك الذي حوّل الوقود المالي إلى نهضة مستدامة.
تستوقفنا دائماً من حين لآخر مقالات تتوشح بوشاح (كشف المستور) وتُقدّم التاريخ الاقتصادي بأسلوب تبسيطي يختزل الظواهر التنموية المعقدة في سبب واحد صادم. ومن ذلك الطرح الذي صوّر نهضة دول شرق آسيا وكأنها مجرد (عطية بنكية) اعتقد تصور خاطئ , أقولها مرة أخرى , الوقود بلا محرك مبني بمهارة وبشر متعلمين لا ينتج حركة، بل يسبب انفجاراً.
ثم مغالطة مفهوم (التعليم) والتناقض المنهجي يخلط مقال حيدر الشمري بين التعليم بصفته (تضخماً في الشهادات الجامعية وركوناً للوظائف الحكومية) -وهو النمط الذي ابتليت به بعض المجتمعات المستهلكة- وبين "التعليم التنموي الموجه"
ثم من المريء والمسموع , وهذا واقع, أن الدرس الأكبر الذي علمنا إياه تاريخ شرق آسيا ليس أن المال يشتري النهضة، بل إن التعليم والرصيد البشري هما اللذان يجعلانه ينبت نهضة وتقدم وتطور في البنية التحتية .
ها هو العراق يملك أكبر ميزانية في المنطقة أين تكمن نهضته وتقدمه ..
ويبقى للكلام بقية مادام في العمر بقية ....
#هشام_الكيلاني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟