أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هشام الكيلاني - تيه الحشود... حين يُصادَر العقل الفردي في مسارح الضجيج الرقمي















المزيد.....

تيه الحشود... حين يُصادَر العقل الفردي في مسارح الضجيج الرقمي


هشام الكيلاني

الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 01:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هذه الاسطر التي اكتبها هنا هي أقوال مفرغة من فيديو سمعته أكثر من مرة .. وعند سماعي له كأني سمعته او كتبته أنا او ما جاء به يوافق فكري ..
إن ما أكتبه هنا حول تعليقي عن الفيديو (المفرغ) يصوغ هذه الفكرة بلغة مكثفة ورصينة، فعلى القارئ أن يتبع النص المفرغ مع التغطية النقدية والتعليق
أولاً ــــــ النص المفرغ ..
إن العالم الفرنسي في علم النفس الاجتماعي (غوستاف لوبون) لم يكن يبالغ حين قال (ان الفرد داخل الجماعة يتحول الى كائن) حيث أشار إلى أن الفرد يفقد وعيه واستقلاليته وينصهر داخل الحشد, وهذا في كتابه الشهير (سيكولوجية الجماهير) الصادر عام 1895م .
الفكرة ليست ان الناس يصبحون اغبياء فجأة بل ان العقل الفردي يفقد استقلاله تدريجياً عندما يذوب داخل الحشود, الانسان حين يكون وحده يفكر يراجع يشك ويخاف من الخطأ, اما داخل القطيع فأنه يشعر بقوة زائفة تعفيه من المسؤولية هنا تبدأ الكارثة الحقيقية, لان اخطر الجرائم الفكرية والسياسية والاجتماعية في التاريخ لم يرتكبها افراد اشرار فقط بل جماهير مقتنعة بأنها على حق, انظر الى محاكم التفتيش في اوروبا الاف البشر شاركوا في مطاردة النساء بتهمة السحر, ليس لان لديهم ادلة حقيقية بل لان الهستيريا الجماعية صنعت يقيناً اعمى, الناس كانوا يصفقون لحرق امراه لأنها مختلفة او لان اشاعة انتشرت حولها, القطيع وقتها لم يكن يرى انساناً بل كان يرى فكرة جماعية يجب الدفاع عنها, الشيء نفسه تكرر في الثورة الفرنسية حين تحولت شعارات الحرية الى مذابح علنية, الجماهير التي هتفت للعدالة بالأمس كانت تصفق للمقسلة في اليوم التالي, القطيع لا يملك ذاكره أخلاقية طويلة بل يعيش على الانفعال اللحظي, في القرن العشرين تكررت المأساة اكثر وحشية المانيا لم تكن دولة متخلفة او بلد غير متمدن عندما صعد هتلر على دفت الحكم بل كانت من اكثر المجتمعات تقدما في العلم والفلسفة والفنون ومع ذلك ذابت ملايين العقول داخل خطاب جماعي صنع عدواً وهمياً واقنع الناس بأن الكراهية واجب وطني, كثير من الاطباء والمهندسين وأساتذة جامعيين شاركوا في آلة النازية ليس لانهم جميعهم ساديون بل لان القطيع يمنح الانسان شعوراً مريحاً وبانه غير مسؤولة, حين يتحرك الجميع في اتجاه واحد يصبح التوقف للتفكير عملا شجاعاً ونادراً المشكلة ان البشر يعتقدون دائما انهم اكثر وعياً من أن يقعوا في هذا الفخ بينما الواقع يقول العكس, القطيع لا يأتيك دائما بوجهٍ سياسي مخيف او بشعارات متطرفة, احيانا يأتيك في صورة ترينت أو هاشتاك أو حملة غضب جماعية على مواقع التواصل فالماضي كان الناس يجتمعون في الساحات واليوم يجتمعون داخل الشاشات, الادوات تغيرت لكن النفس البشرية بقية كما هي, تأمل كيف تتحول مواقع التواصل احياناً الى محاكم علنية, شخص يرتكب خطاً أو يقططع له مقطع متجزأ فتبدا موجة هجوم هستيريا, خلال ساعات يتحول الملايين الى قضاة وجلادين ومحققين لا أحد ينتظر الحقيقة كاملا ولا احد يهتم بالسياق المهم ان القطيع تحرك ومن لا يشارك يشعر بانه معزول او متهم بالتعاطف مع العدو, هنا تحديداً يختفي العقل يختفي العقل الفردي, كثيرون لا يهاجمون لانهم مقتنعون بل لانهم يخافون من مخالفة المزاج العام, هذا ما يجعل القطيع خطيرا فهو لا يقتل التفكير فقط بل يقتل الشجاعة ايضا, الانسان بطبيعته يخاف العزلة ولذلك يفضل احيانا ان يردد ما يقوله الجميع حتى لو كان داخله غير مقتنع كم من كاتب غير رايه خوفا من الهجوم كم من اعلامي نافق المزاج العام حتى لا يخسر جمهوره كم من سياسي قال ما يريده الناس لا ما يعتقده فعلاً القطيع لا يصنع فقط جماهير منقاده بل يصنع ايضا نخباً جبانه والمفارقة ان عصر الانترنت الذي كان يفترض ان يحرر العقول صار في كثير من الاحيان مصنع ضخماً لإنتاج القطيع, الخوارزميات لا تحب التفكير العميق بل تحب الانفعال السريع المحتوى الهادئ لا ينتشر مثل الغضب والراي المتزن لا يحصد التفاعل مثل الشتائم والاستقطاب, لهذا اصبحت المنصات تكافئ اكثر الاصوات تطرفا لأنها تعرف ان الجماهير تتفاعل مع الصدام اكثر من الحكمة وهكذا يجد الانسان نفسه محاطا بألاف النسخ المتشابهة من الراي نفسه, فيتوهم ان الحقيقة محسومة وان أي رأي مخالف هو خيانة او جهل حتى الثقافة الاستهلاكية اصبحت شكلا من اشكال القطيع, الناس لم يعودوا يشترون اشياء لانهم يحتاجونها بل لان الجميع يشتريها, الهواتف الموضة المطاعم اساليب الحياة كلها تتحول الى موجات جماعية الفرد يخاف ان يكون خارج السرب فيستهلك ما لا يحتاج ويتبنى ما لا يؤمن به فقط حتى يشعر انه ينتمي, الشركات الكبرى فهمت هذه النفسية مبكراً ولذلك تبيع الاحساس بالانتماء اكثر مما تبيع المنتج نفسه لكن اخطر ما في القطيع أنه يمنح الانسان وهماُ اخلاقياُ, كثير من الناس يعتقدون انهم اخيار فقط لانهم يقفون مع الأغلبية, مع ان التاريخ يعلمنا ان الأغلبية كثيراً ما كانت مخطئه, سقراط حكم عليه بالموت بقرار جماعي كاليليو حوربا لان القطيع العلمي والديني رفض افكاره, وحتى في حياتنا اليومية كم مرة اكتشف الناس بعد سنوات انهم كانوا يهاجمون شخصاً بريئاً, فقط لان الجميع فعل ذلك, الاستقلال الفكري ليس رفاهية بل ضرورة اخلاقية, ان تكون قادرا على الوقوف وحدك احياناً وان تقول لا لا اعلم حين يصرخ الجميع بثقة هذه قوة نادره, المشكلة ان كثيرين يخلطون بين الوعي والمشاركة الدائمة, يظنون أن عليهم ابدأ الراي في كل قضية والانضمام الى كل معركة والتعليق على كل حدث لكن الانسان الذي يدخل كل المعارك يفقد تدريجياً صفائه الداخلي ويتحول دون ان يشعر الى مجرد صدى للضجيج العام, ليس المطلوب ان تعيش منعزلا او متكبرا على الناس بل ان تحافظ على مسافه امنه بينك وبين الهستيريا الجماعي تابع إقراء ناقش لكن لا تسمح للجماعة ان تصادر عقلك لأن أخطر لحظة ليس حينا يصرخ القطيع بل حينا تبدأ أنت الصراخ معهم تسأل نفسك لماذا في النهاية القطيع لا يطلب منك ان تكون غبياً بل يطلب فقط ان تتوقف عن التفكير المستقل وهذه هي البداية الحقيقية لكل سقوط جماعي عرفه التاريخ ..
ثانياً - التعليق
إن النص المفرغ الذي قرأته عزيزي القارئ يحمل عمقاً فكرياً وتفكيكاً نقدياً في غاية الأهمية والرهنية, فهو يمس بنيوية الجماهير وتحولات (تأثير الحشد) أي التأثير الجمعي من الفضاءات التقليدية إلى الفضاءات الرقمية، ويكشف كيف تستنسخ الخوارزميات اليوم أوهام اليقين والتماثل.
لم يكن الفيلسوف والطبيب الفرنسي غوستاف لوبون، وهو يرصد تشكّل (سيكولوجية الجماهير) في أواخر القرن التاسع عشر، يتنبأ فقط بمآلات الحشود الميدانية في الساحات والميادين، بل كان يضع البذور الأولى لتفكيك ظاهرة أشد ضراوة ونفاذاً في عصرنا الراهن وهو تلاشي الذات العاقلة داخل السيل الجارف للجماعة.
إن الفكرة المركزية التي يضعنا هذا الطرح أمامها لا تتعلق بهبوط مفاجئ في الذكاء الفردي، بقدر ما تتعلق بـ (استقالة إرادية للوعي المستقل( فالإنسان بمفرده يتأمل، يشك، يراجع، ويخشى الوقوع في الخلل الأخلاقي أو المنهجي؛ لكنه بمجرد انخراطه في (الكتلة) – سواء كانت مظاهرة في الشارع أو "هاشتاغ" في العالم الافتراضي – يتجرد من شعوره بالمسؤولية الفردية، ليحل محلها شعور زائف بالقوة المطلقة.
وحين يتطرق الفيديو المفرغ من المذابح التاريخية إلى (محاكم الشاشات)
هو ذلك التاريخ الإنساني محكوم بمتوالية دالة على هذا العمى الجماعي؛ بدءاً من محاكم التفتيش ومطاردة الساحرات، مروراً بانتكاسات الثورات حين تتحول شعارات العدالة إلى مقاصل، وصولاً إلى أعتى الأنظمة ــــ الشمولية الاحادية في القرن العشرين والتي شارك في آلتها الأكاديمي والطبيب والمهندس.
والليلة، أضحت المنصات الرقمية وخوارزميات التواصل تشيد (سيركاً) جديداً للهستيريا الجماعية. لقد انتقل الفيديو القطيع من الساحات إلى الشاشات
حيث أن صناعة الاستقطاب: الخوارزميات لا تكافئ الصوت الهادئ المتزن، بل تغذي الغضب السريع والصدام اللحظي.
والنخب الجبانة يظهر فيها مظهر الخوف من العزلة والنفي الاجتماعي يدفِع المفكر أو الإعلامي إلى مجاراة المزاج العام ومسايرة الموجة، ليكون المنتج النهائي جماهير منقادة، ونخب مستكينة.
وهناك الوهم الأخلاقي أي أنها توهم الفرد بأنه على حق لمجرد أنه يقف مع (الأغلبية)، في حين أن تاريخ المعرفة والحرية كان دوماً تاريخاً للقلة الشجاعة التي تجرأت على قول (لا ـــــ كلا)
إن الاستقلال الفكري لم يعد مجرد رفاهية أكاديمية، بل هو شجاعة أخلاقية وحصن أخير لوقاية العقل الإنساني من الانحلال في الضجيج العام.
يضعنا هذا النص التفريغي أمام مرآة صريحة تشرح مأساة (استقالة العقل) في عصر الحشود والرقميات. إن خطورة (القطيع) – بمفهومه النفسي والاجتماعي – لا تكمن في قسوة شعاراته فحسب، بل في قدرته على انتزاع الشجاعة الفردية وإغراء الإنسان بالراحة الزائفة للتخلي عن مسؤوليته الأخلاقية.
إن ما نعيشه اليوم عبر المنصات الافتراضية ليس سوى استعادة جديدة، وأكثر اتساعاً، لهستيريا الجماهير القديمة؛ حيث يُستبدل الحوار بالنفي، والنقد بالتحزّب، واليقين بالصخب. إن حماية العقل الفردي، والقدرة على التوقف والتأمل وسط هذا العفيف، هي الفعل الحر الأهم الذي يحتاجه المثقف والإنسان المعاصر كي لا يتحول – دون أن يدري – إلى صدى في جوق الضوضاء.



#هشام_الكيلاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- منصة (اكتشف) واختراق القنوات الإعلامية درس في صمود الصوت الح ...
- بوركينا فاسو أرض الرجال النزهاء وركائز الحل الجذري لإصلاح ...
- طرفة عراقية المأساة الساخرة للواقع السياسي العراقي.
- كتاب -ثرثرات وارفة-: لقاسم حسن علي
- تصريح النائب الاميركي في الكونغرس #تيم_بورشيت ) لقد أضعت صبا ...
- إضاءة على الذاكرة الوطنية قراءة في كتاب (دراسات وبحوث في تار ...
- دياجير الموصل: انبعاث الوعي من عتمة الأيديولوجيا وقهر الحروب
- تفكيك الوجود وإعادة حلج الذاكرة قراءة في رواية (أحفاد معطف ا ...
- الثقافة والاقتصاد: جدلية النهضة وصناعة المستقبل
- قراءة نقدية لكتاب -الإهلاك الإلهي في القرآن حتميّة يمكن تلاف ...


المزيد.....




- أذربيجان تراهن على الرمان ليصبح صادرها الكبير المقبل
- تقرير: السعودية تدرس دعم حملة برية يمنية لاستعادة ساحل البحر ...
- -حماس- تُعلن مشاركتها في الانتخابات الفلسطينية المقبلة ضمن ا ...
- أنقرة تدعم التحالف البحري الإقليمي بقيادة الرياض في البحر ال ...
- قاضٍ أميركي يردّ دعوى ترامب ضد جامعة هارفارد بشأن الاحتجاجات ...
- -فالكون سترايك-.. الجيش الأمريكي يشكل قوة متعددة الجنسيات لل ...
- غارة إسرائيلية تقتل مدير شرطة غزة.. وتل أبيب تتهمه بالمشاركة ...
- جريمة العميل الفخ ( ممو ) في وثائق حزب البعث السرّية
- وسط ضغوط كثيرة عليه.. اتحادات عربية تعلن دعمها -الكامل- لـ إ ...
- الدفاع السعودية تعلن انعقاد اجتماع التحالف البحري الدفاعي في ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هشام الكيلاني - تيه الحشود... حين يُصادَر العقل الفردي في مسارح الضجيج الرقمي