أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هشام الكيلاني - دياجير الموصل: انبعاث الوعي من عتمة الأيديولوجيا وقهر الحروب















المزيد.....

دياجير الموصل: انبعاث الوعي من عتمة الأيديولوجيا وقهر الحروب


هشام الكيلاني

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 00:25
المحور: الادب والفن
    


رواية تنبش في ذاكرة الموصل المثخنة بالجراح ـ "دياجير الموصل" التي تستحق وقفة تأملية تليق بجرأة الكاتبة مها الفارس وقدرتها على تطويع الألم إلى سرد معرفي. تأتي رواية "دياجير الموصل" للكاتبة الموصلية مها الفارس، الصادرة عن دار الحكمة في لندن، كوثيقة أدبية واجتماعية صادمة وضرورية؛ لا تكتفي برصد وقائع الحرب، بل تغوص في "الديجور" – ذلك الظلام الحالك – الذي خيّم على العقول والنفوس قبل أن يخيّم على الأزقة والمباني. وعلى مدار (486) صفحة، وفي سبرٍ عميقٍ لأغوار الذات المنهكة، لم تكن الفارس مجرد راوية للأحداث، بل بدت جراحةً نفسيةً تشرح بنصل قلمها مسببات التطرف والانكسار. استخدمت الكاتبة أسلوب المحاكاة والمقارنة بذكاء حاد، واضعةً "الموصل التاريخية" بحضارتها العريقة في كفة، وواقع "الضياع الشبابي" في كفة أخرى، لتطرح سؤالاً جوهرياً: كيف نفقد لغة التفاهم لنعتنق لغة الرصاص؟
ولنأخذ على سبيل المثال، وليس الحصر، عائلة "ماريا" بوصفها مجهر التناقضات: من خلال هذه العائلة، قدمت الرواية نموذجاً مصغراً (مايكروكوزم) للمجتمع الموصلي بتعقيداته. فبين الأب المثقف الرزين، والأم المعتزة بجاهها وطبقتها، وبين "أمجد" طالب الهندسة الذي يمثل جيلاً عالقاً بين مطرقة الحب العابر للأديان (قصته مع نادين المسيحية) وسندان الانغلاق الاجتماعي، نجد أنفسنا أمام "انهيار منظومة العقل" التي تحدثت عنها الكاتبة. هذا الانهيار هو الذي مهد الطريق للدياجير لتلتهم وعي الشباب وتدفعهم نحو هاوية التطرف. إن التوثيق، بوصفه أداةً للشفاء، يتجلى في جرأة طرح مها الفارس، وقدرتها على تتبع خمسة عشر عاماً سبقت سقوط المدينة، كاشفةً عن الجذور التي سُقيت بـ"الجهل وفقدان الإرادة". فالرواية ليست بكائية على الأطلال، بل دعوة صريحة للارتقاء بالوعي الإنساني؛ إذ إن الهدف الأسمى من هذه السردية هو "إزالة الجروح" عبر مواجهتها، وتصحيح مسار الأجيال القادمة، لضمان عدم تكرار مآسي الماضي، سواء في مدينتها أو في مدينة أخرى.
أما في القسم الثاني من الرواية، فتبرز مقاطع سردية عميقة وثّقت لحظات مفصلية في تاريخ مدينة الموصل، إبان احتلالها من قبل ما يسمى تنظيم الدولة، حيث يغدو الأدب، في هذا السياق، فعلاً من أفعال المقاومة الفكرية والتنويرية. وفي هذا القسم، الممتد من الصفحة (161) إلى (168)، تتكثف "ذروة التراجيديا" في العمل، إذ ينتقل الصراع من الفضاء العام للمدينة إلى أدق تفاصيل الفضاء الخاص (المنزل)، لتغدو المواجهة بين "الأمومة" بوصفها فطرة إنسانية نقية، و"الأيديولوجيا" بوصفها فكراً مشوهاً وعنيفاً.
صراع الفطرة والوهم: قراءة في المأساة العائلية داخل "دياجير الموصل"
في هذا الجزء، تنقلنا الكاتبة من وصف الرعب الذي حلّ بالمدينة عامة، إلى مجهر المعاناة الإنسانية داخل البيت الموصلي، مسلطةً الضوء على واحدة من أكثر القضايا إيلاماً: انشطار العائلة الواحدة نتيجة التضليل الفكري.
أولاً: الثوب الدخيل.. صدمة البصر والبصيرة
تبدأ المواجهة في الصفحة (161) بلحظة بصرية حادة؛ إذ تصف الكاتبة "الدشداشة القصيرة" و"البنطال الصحراوي" لا بوصفهما مجرد زي، بل علامة على سقوط الابن (مهران) في فخ التنظيم. إن صرخة الأم ولطم وجهها تمثلان رد فعل الفطرة الموصلية التي رأت في هذا الهندام غريباً عن هوية مدينتها ودينها السمح، بينما يرد الابن بتعالٍ مقيت: "بل أميراً في الدولة"، في تجلٍّ واضح لـ"الانتفاخ الزائف" للذات الذي منحه التنظيم لشباب غرر بهم.
ثانياً: حوار الصم.. بين توسل الأم وصلف "الأمير"
تتجلى عبقرية مها الفارس في صياغة الحوار الدرامي بين الأم وابنها؛ فبينما تتوسل الأم بلسان المحبة: "أقبّل قدميك أن تفعل ذلك"، يقابلها الابن بلغة جافة منفصلة عن الواقع، بل يبلغ به العقوق حدّ التبرؤ من وشيجة القربى: "لست ابناً لأحد". هنا توثق الرواية عملية "غسيل الأدمغة" التي مارسها التنظيم، حيث استبدل عاطفة الأمومة بقداسة وهمية، جعلت الابن يرى في أمه عدواً لمجرد أنها تحاول إنقاذه.
ثالثاً: الهوية المنهوبة والسؤال الوجودي
تطرح الأم سؤالاً جوهرياً يمثل لسان حال الكثيرين: "ومنذ متى تعرف الإسلام؟" وهو تساؤل يعري زيف الادعاءات التي اتكأ عليها التنظيم، ويكشف أن "الدين" في الرواية ليس سوى ستار لممارسة العنف وتدمير الروابط الاجتماعية.
رابعاً: البعد الاجتماعي والسمعة الموصلية
لم تغفل الكاتبة عن "الهم الاجتماعي" الذي يثقل كاهل الأم؛ فخوفها من "كلام الجيران"، ومن أن تُوصم بأنها "أم لداعشي"، يعكس ثقافة موصلية رصينة ترفض الإرهاب وتعدّ الانتماء إليه وصمة عار. إنها صرخة ألم لا تخشى الموت بقدر ما تخشى فقدان الكرامة والهوية. كما أن مشهد "آمنة" وهي تمسح على كتف أمها بحركة تهدئة، يمثل "صوت العقل" المكلوم، الذي يدرك أن النصائح لا تفيد أمام فكر انتحاري أعمى. لقد نجحت مها الفارس في هذا الفصل في تحويل الحوار المنزلي إلى وثيقة تاريخية تجسد كيف حاول الظلام اختطاف الأبناء من أحضان أمهاتهم، وكيف صمدت "الأمومة" بوصفها حقاً مطلقاً أمام باطل زائل.
وفي جانب آخر من السرد، تنقلنا الكاتبة إلى لهيب البدايات وبرودة النهايات؛ ففي أحد أكثر المقاطع شجناً، ننتقل إلى "السرداب المتهالك" أثناء معارك التحرير، حيث يتحول المكان من ملجأ من القذائف إلى فضاء لاستعادة الذاكرة. هناك، في عتمة السرداب، يلتقي عبق المدينة القديمة بمرارة الواقع، لنكتشف أن التشبث بالبدايات الجميلة هو الوقود الوحيد لمواجهة هول النهايات.
لقد برعت مها الفارس، على الرغم من فتوة تجربتها، في تقديم عمل ملحمي يزاوج بين السرد القصصي والتوثيق التاريخي والتحليل النفسي. "دياجير الموصل" هي صرخة من أجل الإنسان، وتأكيد على أن النهوض من تحت ركام الحروب يبدأ أولاً بتنوير العقل وانتشاله من ظلمات الجهل، لتكون الحياة – والحياة فقط – هي ما يليق بإنسانيتنا.
إن أهمية هذا العمل تكمن في كونه يتجاوز حدود السرد التقليدي ليغدو رسالة خلاص؛ ففي وطن مثقل بالدموع، تبقى القصة العراقية شرفة تطل منها الأرواح المكدودة على الضوء. قد لا تغير قصة واحدة وجه العالم، لكنها بالتأكيد تغير قلب قارئ، وتضيء زاوية كانت معتمة في ذاكرتنا الجمعية. وربما هذا ما تحتاجه الموصل اليوم أكثر من أي وقت مضى: أدب يرمم الخراب، كلمةً كلمة، وقصةً قصة. لقد أثبتت مها الفارس، بوعيها المتميز، أنها ابنة شرعية لهذه المدينة التي ترفض الانكسار، مقدمةً سردية تليق بإنسانية الإنسان القادر على النهوض من جديد من أجل حياة أفضل.
"دياجير الموصل": رواية، بما تحمله من ألم وأمل، تستحق أن تُقرأ بعناية، وأن يُسلط الضوء على زواياها الإنسانية العميقة، ولا سيما تلك الحوارات التي تلامس جوهر الصراع بين النور والظلام.



#هشام_الكيلاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفكيك الوجود وإعادة حلج الذاكرة قراءة في رواية (أحفاد معطف ا ...
- الثقافة والاقتصاد: جدلية النهضة وصناعة المستقبل
- قراءة نقدية لكتاب -الإهلاك الإلهي في القرآن حتميّة يمكن تلاف ...


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هشام الكيلاني - دياجير الموصل: انبعاث الوعي من عتمة الأيديولوجيا وقهر الحروب