هشام الكيلاني
الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 00:24
المحور:
قضايا ثقافية
قراءة في فكر الدكتور جاسم الفارس عند صفحات كتابه
(مقالات في الثقافة والاقتصاد)، الصادر عن دار بابل للنشر والتوزيع في تونس
إن انطباق قراءتي لكتاب(مقالات في الثقافة والاقتصاد) الذي اخترته يمس جوهر الأزمة التي نعيشها، وهي محاولة ردم الفجوة بين "التنظير الثقافي" و"الواقع الاقتصادي".
يقدم الفارس في كتابه قيد القراءة أطروحة حضارية تتجاوز حدود التوصيف التقليدي للأزمات العربية، لينتقل بنا إلى منطقة "الجراحة الفكرية".
الكتاب ليس مجرد تجميع لمقالات، بل هو خريطة طريق للخروج من تيه "التبعية" نحو أفق "الأصالة والمعاصرة" المتجانسة. فقد حاول الفارس في محاولة جادة لفك الارتباط بين التخلف الحضاري والواقع العربي الراهن، يأتي كتاب "مقالات في الثقافة والاقتصاد" ليضع النقاط على الحروف في مشروع التجديد العربي الإسلامي. لا يقدم الفارس في هذا الكتاب مجرد دراسات أكاديمية جُمعت من مؤتمرات دولية، بل يقدم رؤية فكرية متكاملة تهدف إلى بناء "درع" قيمي ومعرفي لمواجهة الغزو الثقافي الذي يسعى لتشتيت قوى الأمة وتكريس تبعيتها.
ففي احدى محاولاته الجادة في ما يخص هذا العنوان (الثقافة من البرج العاجي إلى نبض الشارع) يرى الدكتور الفارس أن الأزمة الكبرى في ثقافتنا المعاصرة تكمن في عزلتها. فالثقافة التي لا تصيغ التفاصيل اليومية للمواطن، ولا تتفاعل مع المكونات السياسية والاجتماعية، هي ثقافة "نخبوية" محبوسة في برج عاجي.
وينتقد الفارس بشدة الثقافة التي تعيش في "الماضي" كملجأ للهروب، أو التي تكتفي بـ "العبادات" كإطار ضيق للتدين.
الثقافة الحقيقية في منظور الفارس هي "ثقافة القرآن" التي لا تنفصل عن السياسة والاقتصاد والعلم.
ويذهب المؤلف إلى أبعد من ذلك في نقد حصر الثقافة الإسلامية في إطار "العبادات" فقط؛ فهذا التحجيم للدين يفرغه من محتواه الشامل الذي قدمه القرآن الكريم، والذي يستوعب العلم والفكر والسياسة. إن بقاء الذات العربية مشتتة بين ماضٍ لا تستطيع الانفكاك منه، و"آخر" (الغرب) لا تستطيع الانتماء إليه، خلق حالة من "الترقيع" الفكري الذي يفتقد للانسجام والجمال والفاعلية.
من أجمل ما طرحه الفارس هو تعريف الثقافة بوصفها "الوسيلة التي تمنح عناصر الحياة قيمة إنسانية". فهي التي تعيد تركيب أذواقنا وطرق عيشنا، من أبسط الرغبات البشرية إلى أعقد العمليات الإنتاجية كبناء المصانع واستصلاح الأراضي.
إن الثقافة في هذا المنظور هي "الدم" الذي يجري في شرايين الأمة، وهي القوة التي تدعم العلوم كافة لتطوير ارتباطها بالتاريخ والمجتمع. فلا يمكن لأي مجتمع أن يحقق نهضة اقتصادية أو استقراراً سياسياً ما لم تكن الثقافة هي القوة الكفوءة التي تدير الحوار بين الاتجاهات الفكرية المختلفة لتوحيد المشتركات.
وفي ثنائية الروح والمادة: يكمن سر النهضة الحضارية, يضعنا الكتاب أمام معادلة ذهبية للتحول الاجتماعي, حيث أن الثقافة: هي العمق الروحي والعقلي للحضارة. والاقتصاد ـــ هو البعد المادي الذي يحمل عبء التحول على الأرض.
تضافر هذين العنصرين هو ما يمنح النهضة قوة دفع كبرى. فالاقتصاد بدون عمق ثقافي يصبح مادياً جافاً، والثقافة بدون سند اقتصادي تظل أفكاراً معلقة في الهواء.
يشير الكاتب أن الاقتصاد هو الجسد والثقافة هي الروح، ومن هنا يرى الكاتب أن الانفصال بين الثقافة والاقتصاد في الوعي العربي هو أحد أسباب الفشل التنموي.
وفي الكتاب نقد للازدواجيةــــ يرى المؤلف أن الذات العربية تعاني من تمزق؛ عينٌ تلتفت للماضي بحنين عاجز، وعينٌ تنظر للآخر (الغرب) بانبهار يفتقد للانتماء. هذا "الترقيع" الثقافي هو ما يجعل الأمة عاجزة عن صياغة مشروع مستقبلي متكامل.
ويرى ان الفعل الاجتماعي ــــ والثقافة هي "القوة المحركة" التي تحول الطعام، والجنس، وبناء المصانع، والزراعة، من مجرد حاجات بيولوجية أو مادية إلى قيم إنسانية حضارية.
فالاقتصاد هو البعد المادي الذي يحمل عبء التحول الاجتماعي.
والثقافة هي العمق الروحي والعقلي الذي يوجه هذا الاقتصاد.
بدون هذا التضافر، يتحول الاقتصاد إلى استهلاك مفرط، وتتحول الثقافة إلى تنظير معزول في "الأبراج العاجية".
وإذا ذهبنا في رحلة عبر فصول الكتاب الثمانية، يأخذنا الدكتور الفارس في رحلة معرفية شاملة، تبدأ من استحضار مشروع مالك بن نبي وفلسفة داريوش شايغان، مروراً بتكريس مفاهيم المواطنة عبر بوابة الثقافة والاقتصاد، وصولاً إلى نقد التنمية البشرية المستدامة وقراءة الفكر السياسي الأمريكي.
واذا ذهبنا مع الدكتور الفارس الى وقفة تحليلية معه في الفصل الثامن، "تأملات إسلامية في الفكر السياسي الأمريكي: من جيفرسون إلى روزفلت"
نرى ان هذا الفصل يمثل ذروة الاشتباك المعرفي في الكتاب، حيث يحلل الفارس الجذور الفلسفية للسياسة الأمريكية برؤية إسلامية ناقدة ومتأملة، متتبعاً التحولات من "التأسيس" إلى "الهيمنة" حيث ان توماس جيفرسون.. روح التنوير والديمقراطية المباشرة, يتأمل الفارس في فكر جيفرسون، الأب الروحي للديمقراطية الأمريكية، الذي كان يؤمن بحقوق الإنسان الفردية وتقليص سلطة الحكومة المركزية.
ومن خلال الزاوية الإسلامية ـــــ يحلل الفارس تقاطع فكر جيفرسون مع بعض القيم الإنسانية الكونية (العدل، الحرية، والمسؤولية الفردية). يرى الفارس أن قيم "الحرية" التي نادى بها جيفرسون كانت تقترب في بداياتها من فطرة إنسانية سليمة، لكنها كانت تفتقر إلى "الضابط الأخلاقي الغيبي" الذي توفره الرؤية الإسلامية، مما جعلها عرضة للتحول لاحقاً نحو المادية البحتة.
ولكن التحول نحو المؤسساتية والسلطةــــ يرصد المؤلف كيف انتقل الفكر السياسي الأمريكي من "المثالية الجيفرسونية" التي تقديس الفلاح والحرية البسيطة، إلى تعقيدات الدولة الصناعية. وهنا يشير إلى أن الفكر السياسي حين يبتعد عن "القيم الروحية" (التي تؤكد عليها الثقافة الإسلامية) فإنه يميل بالضرورة نحو "سلطة الاقتصاد" والمصلحة البراغماتية الصرفة.
وامام فرانكلين روزفلت.. الدولة الراعية والإمبراطورية الصاعدة ـــــ يصل الفارس إلى عهد روزفلت و"الصفقة الجديدة" (New Deal). هنا يحلل كيف استطاع الفكر السياسي الأمريكي أن "يؤمم" الأزمة الاقتصادية لصالح الدولة.
وفي التأمل الإسلامي ـــــ يطرح الفارس تساؤلاً جوهرياً حول مفهوم "الرفاه" و"العدالة الاجتماعية". فبينما قدم روزفلت حلولاً مادية للأزمات، يرى الفارس أن النموذج الإسلامي يقدم "التكافل" كقيمة إيمانية واجتماعية أعمق من مجرد تشريعات حكومية جافة. كما ينتقد المؤلف بدايات النزعة الإمبريالية التي بدأت تظهر في الفكر السياسي الأمريكي في ذلك العصر، والتي تتصادم مع قيم "التعارف الحضاري" والعدل التي ينادي بها الإسلام.
وقبل الانتهاء من هذا الفصل أرى أن الفارس استنتج أن الفكر السياسي الأمريكي، رغم نجاحه المادي التنظيمي من جيفرسون إلى روزفلت، إلا أنه ظل "أعور"؛ يرى المصالح المادية ولا يرى التوازنات الروحية والقيمية التي تحمي البشرية من طغيان القوة. وهذه هي الثغرة التي يرى الفارس أن على الثقافة الإسلامية المعاصرة ملأها، ليس عبر العداء الصرف، بل عبر تقديم "بديل قيمي" يوازن بين المادة والروح.
وفي ختامي للقراءة القصيرة هذه ــــ اقول إن كتاب الدكتور جاسم الفارس هو صرخة لترميم "الذات العربية".
هو يؤكد أننا لن نستطيع مواجهة الغزو الثقافي بالانكفاء على الماضي، بل بامتلاك "ثقافة كفوءة" قادرة على إدارة الحوار واستيعاب العلوم وتطوير الاقتصاد، تماماً كما فعل الآخرون، ولكن ببوصلة أخلاقية قرآنية تحمينا من السقوط في فخ المادية التي استنزفت حضارات كبرى.
إن كتاب "مقالات في الثقافة والاقتصاد" هو دعوة صريحة لإعادة الاعتبار للإنسان العربي الفاعل. هو نداء للاستيقاظ من حالة "الترقيع" الحضاري نحو بناء مشروع مستقبلي متجانس، يمتلك فيه العربي عيناً بصيرة على تراثه وقدمين راسختين في اقتصاد المعرفة الحديث.
أتمنى قد أوفيت الكتاب وصاحبه
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟