هشام الكيلاني
الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 13:40
المحور:
الادب والفن
على مدار اربع سنوات اتقصى كتابات الكاتب الموصلي قاسم حسن علي التي كتبت تحت عنوان (ثرثرات) على صفحته في التواصل الاجتماعي وانقلها على جدار (جريدة انباء الموصل) لحلاوة الكلمة فيها ونقاوة التشريح النقدي للواقع والمجتمع وهي تتنقل بين هموم مدينة بل بين هموم بلد بكامله, ينتقد فيها تفاهة السلوك وجشاعة الانسان لأخيه الانسان , تكلم في هذه الثرثرات عن العقد الحضاري والاجتماعي, ويوجه القارئ حول تمدن ارقى, تكلم عن الاعلام المسيس, في هذه الثراثرت ولو كانت بعضها قصيرة لا تتعدا الاربع استطر ومنها الخمسة عشر اسطر أو اكثر تتجلى فيها الومضة والحوار السريع ويلفظ من خلال بعض الثرثرات لغة الشارع ويحاول ان يستخدم نصوص دينية وتاريخية وفلسفية . في ترثراته يتقنص موقف المثقف في الحالات السلبية ولإيجابية ويحاول ان يفكك واقع مشوه بنبرة صوتية احتجاجية .
إن النقد الاجتماعي الواعي هو المرآة التي تحمي المجتمعات من التزييف والفخفخة الفارغة.
وكتاب (ثرثرات وارفة) يحاول وبصرار عندما يغدو التهكم الموصلي تشريحاً لواقعٍ مأزوم لشؤون الكلمة والمجتمع
في زمنٍ طغت فيه (المظاهر) على (المضامين)، وصارت الشاشات ومجالس الفخفخة الفارغة تُنتج (عناوين) بلا أفكار عميقة ، يأتي كتاب "ثرثرات وارفة" للكاتب والاديب الموصلي قاسم حسن علي ليكون بمثابة صدمة وعي في جدار الركود الفكري.
جمع الكاتب في هذا الإصدار (99) نصاً قصيراً مكثفاً كانت قد أُطلقت كـ "ثرثرات" على منصات التواصل الاجتماعي، لكنها في حقيقتها لم تكن مجرد كلامٍ عابر، بل كانت ومضات نقدية، وتفكيكاً جراحياً لمفاهيم العقد الاجتماعي والحضاري الذي نعيشه بين الموصل والعراق أجمع ويخرج في بعض الثرثرات الى العالم . وتغدو ظلال "الثرثرة": بين الوجع والمواجهة, حيث تستوقف القارئَ في "ثرثرات وارفة" تلك المزاوجة الذكية بين لغة الشارع البسيطة والنصوص الفلسفية والتاريخية والدينية. ينطلق الكاتب من نبرة احتجاجية واضحة؛ إنه لا يكتب ليرفه عن القارئ، بل ليوقظه من غفلته.
في إحدى ثرثراته المدوية حول المجالس والمظاهر، يضع قاسم حسن علي إصبعه على الجرح بكل جراءة؛ فيكتب عن أولئك الذين (يتعطرون بأبخرة الأراكيل( ويهتفون بالانتماء، بينما (خوذ هزائمنا تُباع بعد كل جولة(. إنه تشريح قاسٍ لكنه ضروري لمنظومة التناقضات التي نعيشها:
(إلى متى نبقى حالمين وبيوتنا تعشعش فيها لفائف السحر وعظام الطيور؟ إلى متى نعاهد ونخذل وننبطح ونكذب ونركض إذلاء خلف طوابير العوز؟)
هذا الصوت هو صوت المثقف الحقيقي الذي يرفض أن يكون شاهداً زوراً، ويأبى أن يرى الوطن يُقاد إلى (تراخيص المهازل) دون أن يرفع بوجهه كلمة "لا".
ولعل الجمالية الكبرى في هذا الكتاب تكمن في ثرثراته التفكيكية الأخرى،
فمن خلال أدوات الاحتمالية وتفكيك الذات ثرثرته )أدوات التثبيت والاحتمالية ولا الناهية(؛ حيث ينزل الكاتب إلى أغوار النفس البشرية، ليواجه القارئ بتناقضاته الخفية ـــ علاقتنا بالأشياء حيث نتشبث بما لا نملك، ونفكر بمن لا نحب.
وعلاقتنا بالوطن ـــ تلك المنطقة الرمادية التي تتقاذفنا فيها المشاعر بين التضحية والاستغلال، حتى يشعر الإنساني أحياناً بمرارة الغباء السياسي أو الاجتماعي.
ثم علاقتنا بالواقع ـــ الدعوة الشجاعة لـ (تمزيق الأوراق) وإعادة كتابة نص الحياة أو هجر الأماكن التي جثمت على صدورنا.
وعند اختياري الثرثرة التي تحمل (رقم 92) أراها تحفةً نقدية؛ حيث يسحب حادثة بسيطة من التراث الشفاهي الموصلي/العراقي ليصنع منها رمزيّة فلسفية وسياسية فائقة التكثيف.
فهذه الثرثرة مصوغاً بأسلوب مقالي رصين وعميق، وفيها تشريح (عقدة الملا إبراهيم).. عندما تُصبح الشوكة وحشاً والأمة فارّةً من ظلها
هذا النص الذي يحمل (الثرثرة رقم 92) يختزل وجع الشرق الأوسط برمتِه. لم تكن للكاتب الموصلي قاسم حسن علي مجرد حكاية من التراث القروي عن (الملا إبراهيم) وفوبيا الظلام، بل كانت تفكيكاً جراحياً للبنية النفسية والسياسية للواقع العربي والإقليمي المعاصر.
استطاع الكاتب عبر هذه الومضة القصصية الذكية أن يحول حادثة قروية بسيطة إلى أمثولة فلسفية وسياسية يمكن تفكيكها عبر أربعة محاور فكرية رئيسية:
المحور الاول -- صناعة ((العدو المتوهَّم)) والخوف الذاتي
إن (الشوكة اليابسة) (العاقولة) التي علقت بعباءة الملا إبراهيم لم تكن ضبعاً ولا ذئباً، بل كانت مجرد أثرٍ عابر أحدثه هو بنفسه أثناء حركته. هنا يجردنا الكاتب من أوهامنا حيث كثير من الوحوش التي تطارد مجتمعاتنا هي صناعة ذاتية ناتجة عن الخوف والجهل. إن (فوبيا الظلام) تجعل الإنسان يُسقط أوهامه الداخلية على الواقع الخارجي، فيتحول الصوت الصغير إلى (خرخشة) مرعبة، وتتحول الشوكة إلى مفترس. وهكذا تعيش شعوبنا حالة من (الهستيريا الجماعية" تجاه أخطار تتضخم في أذهاننا بسبب انعدام الرؤية والوعي.
المحور الثاني --غياب الرؤية والهروب العبثي ــ الدولانات ــ , عندما ركض الملا إبراهيم، لم يكن يركض نحو هدف، بل كان يهرب من (صوت). واستخدم الكاتب المفردة الموصلية/ التركية الأصيلة (الدولانات ( لوصف الركض الدائري العبثي.
إن الملا هنا يرمز للقيادات أو المجتمعات التي تتخذ قرارات مصيرية بناءً على (ردود الأفعال) لا على (الاستراتيجية). الركض بلا هدى، وتسارُع الخطى كلما ارتفع صوت التحذير (صراخ الزوجة/صوت العقل)، هو تجسيد لحالة الضياع السياسي؛ حيث تزيد أزمتنا عمقاً كلما حاولنا الهروب منها بطرق غير محسوبة.
المحور الثالث - الصراخ في العتمة وصمم السلطة/المثقف ـــ تظهر الزوجة في القصة وهي تحمل الفانوس وتصيح (ملا إبراهيم.. هين.. هين !) ، لكن الخوف أعمى بصيرته وأصمّ أذنيه، فصارت صرخات المساعدة بالنسبة له جزءاً من مرعبه المجهول ! تلك إشارة فكرية بليغة إلى انقطاع جسور التواصل بين العقل والنصيحة من جهة، وبين الخائف المسكون بالذعر من جهة أخرى. في لحظات الخوف القومي أو السياسي، يُصبح صوت العقل والحكمة (الفانوس) مصدراً إضافياً للذعر، وتُفهم النوايا الصادقة على أنها جزء من المؤامرة!
المحور الرابع- الانهيار النفسي وسيكولوجية الاستسلام (يابا دتعال أكلني!), تصل القصة إلى ذروتها الفلسفية والسياسية عندما ينكظ الملا وينبطح يتمرغ في التراب قاطائعاً كل أمل، ومخاطباً الشوكة )يابا دتعال أكلني!. )هذا (الانبطاح) ليس مجرد تعب جسدي، بل هو الانهيار المعنوي الكامل , إنه لحظة سقوط الإرادة، وهي أخطر ما يواجه الأمم. يربط قاسم حسن علي هذا المشهد ببراعة مذهلة بظلام السياسات الإقليمية؛ حيث ظللنا نركض ونفزع من (ضباع الأحلاف) و(ذئاب الاقتصاد) حتى وصلنا إلى مرحلة العجز القاتل واليأس المطلق، مرحلة تسليم الذات للعدو لمجرد الخلاص من رعب الترقب!
وفي خاتمة المحاور الاربعة في اختار هذه الثرثرة يأتي درس (العاقولة) والوعي المطلوب.
إن نص (الملا إبراهيم) يضعنا أمام مرآة قاسية ــ هل أعداؤنا بالضخامة التي نتخيلها، أم أن عباءاتنا هي التي علقت بعواشيب الطريق؟
لقد نجح الكاتب الموصلي قاسم حسن علي في إسقاط هذه القصة الشعبية على واقع الشرق الأوسط، ليحذرنا من اليوم الذي يبلغ بنا الإنهاك والذعر أن ننبطح جميعاً في ظلام المنطقة ونقول لأعدائنا (تعالوا أكلونا)
إن الخروج من ليل (الملا إبراهيم) لا يكون بزيادة سرعة الهروب، بل بالتوقف الشجاع، وإشعال الفانوس، والتأكد من العباءة.. فربما اكتشفنا أن ما يطاردنا منذ عقود، ليس إلا مجرد (عاقولة) يابسة علقت بنا في لحظة غفلة!
في الثرثرة رقم (83)، ينتقل الكاتب قاسم حسن علي من النقد السياسي والاجتماعي المباشر إلى منطقة الجامع الإنساني والنقد الفلسفي للوعي ــ الزمن؛ حيث يشتغل على مفاهيم (الإدراك المنيت بـ الفقد أو التجربة)، وكيف أن الإنسان لا يعي قيمة الأشياء والزمن إلا بعد فوات الأوان أو عند مفارقتها.
ففي (نسبية الزمن وعمى الوفرة).. تفكيك فكري في ثرثرة الكاتب قاسم حسن علي (رقم 83)
تأتي هذه الثرثرة للكاتب الموصلي قاسم حسن علي بتركيبة مختلفة تماماً في بنيتها الفكرية؛ إذ تحيد عن صخب النقد اليومي المباشر لتدخل في مشغل الفلسفة الوجودية وأخلاقيات الوعي. يستعير الكاتب متتالية معيارية للزمن والمشاعر، ليضع الإنسان أمام مرايا ذواته، ومفهوم (القيمة) الذي لا يستوي لدى البشر إلا عبر التجربة أو الفقد.
يمكن تفكيك هذا النص الفكري عبر محاور اربعة أيضاً
المحور الاول - نسبية الزمن الوجودية (الزمن الفيزيائي مقابل الزمن النفسي) ..
يُفكك الكاتب الفكرة التقليدية عن الزمن بصفته ثوانٍ ودقائق متساوية ومجردة؛ (فالساعة) ليست دائماً ستين دقيقة في الوعي البشري.
*ساعة المنتظِر (العاشق) أطول وأثقل من ساعة الغافل.
** والدقيقة لدى من فاته وسائل الرحيل (القطار/الطائرة) تختزل فارقاً بين الحضور والغياب، وتغير مجرى الأقدار.
*** والثانية لدى الرياضي هي الفاصل الحاسم بين المجد الخالد (الميدالية الذهبية) والوسام الرمزي (الفضية)
هنا يوضح الكاتب أن الزمن لا يُقاس بالساعات بل بحجم الشعور والنتيجة المترتبة عليه.
المحور الثاني -- فلسفة الفقد وعلاقتها بـ (عمى الوفرة) ..
يمتد التفكيك في النص ليشمل العلاقات والوجود الإنساني؛ فالإنسان مصاب بـ (عمى الوفرة) (الاعتاد على وجود النعمة حتى يفقد قيمتها(. لا يدرك المرء قيمة الصديق إلا بعد خسارته، ولا يعي قيمة الأخت والرعاية الأسرية اليومية التفصيلية إلا حين يجد نفسه أمام جفاف الوحدة وأعباء الحياة اليومية. إنها صدمة (الفقد) التي تُعيد ترتيب قائمة الأولويات، وتجعل النعم الغائبة تُشرق من جديد في الذاكرة.
المحور الثالث -- التباين النفسي للتجربة الإنسانية..
يعتمد الكاتب على المفارقة البصرية والنفسية؛ فـ (تسعة أشهر) هي مدة زمنية قد تمر عابرة لدى أحدهم، لكنها بالنسبة للمرأة الحامل رحلة كاملة من الألم والتكوين والانتظار. و(الشهر) لدى الصائم إيماناً واحتساباً هو إعادة بناء للروح والضبط الفكري والنفسي، وليس مجرد امتناع عن الطعام.
المحور الرابع -- الختمة الميتافيزيقية ــ الاستفاقة المؤجلة
تصل الثرثرة إلى ذروتها الفلسفية والأخلاقية في سطرها الأخير:
(ولكي تدرك معاني وأقيام وصايا الرب.. مت وانظر ماذا بعد الموت من حساب وأنت غافل.)..
هنا يرفع الكاتب وتيرة الصدمة الذهنية لدى القارئ؛ إنه يحذر من (الاستفاقة المتأخرة جداً( .. إذا كان تفريطنا في الدقيقة أو الصديق يُمكن تداركه أو التأسف عليه، فإن الغفلة عن الغاية الوجودية ووصايا الخالق تؤدي إلى لحظة إدراك لا ينفع معها الرجوع. إنه استدعاء فكري بليغ يربط زمن الأرض الفاني بالزمن الأبدي، ليحث القارئ على اليقظة المبكرة قبل أن يُسدل الستار.
وخاتمة هذه إن الثرثرة (83) لقاسم حسن علي ليست مجرد نص حِكمي، بل هي تمرينٌ على إعادة اكتشاف الحياة. إنها دعوة صادقة كي لا ننتظر الفقد لندرك النعمة، ولا ننتظر الخسارة لنعرف قيمة الزمن، ولا ننتظر الموت لنفهم المعنى.
وقبل الختام إن هذه القراءة المتأملة في نصوص الكاتب قاسم حسن علي، ندرك أن ما أسماه المؤلف "ثرثرات" لم يكن يوماً مجرد حديثٍ عابر أو ملءٍ للفراغ، بل كان مشروعاً نقدياً مكثفاً وموقفاً إنسانياً شاملاً. وموقفاً وجودياً
لقد أتقن الكاتب تحويل الومضة السريعة إلى مشرط جراحي؛ فتارةً يفكك بها أوهامنا السياسية والاجتماعية كعقدة (الملا إبراهيم)، وتارةً يُعيدنا إلى أعماق ذواتنا لنكتشف نسبية الزمن وعمى الوفرة. إنها (ثرثرات وارفة) بوعيها، صريحة بنقدها، تنطلق من هموم الموصل والعراق لتلامس المشترك الإنساني بأجمعه، وتؤكد أن الكلمة الصادقة — مهما قصرت— تظل هي الحصن الأخير للوعي في مواجهة الزيف والغفلة.
ختامة المقال- ــ كتاب (ثرثرات وارفة( لا يُقرأ بل يُعاش (ليس مجرد 99 نصاً)، بل هو وثيقة احتجاج أدبية تُحسب للمشهد الثقافي الموصلي والعراقي. إنه كتاب يجمع بين مرارة الواقع وأمل التغيير، ويحث القارئ على خلع أقنعة الزيف والمضي نحو تمدن أرقى وأصدق.
تحية للكاتب قاسم حسن علي على هذا النتاج الصادق، وتحية لكل قارئ ونشاطٍ وفّي ينقل هذه الكلمات الوارفة لتستظل بها العقول والقلوب.
شكرا لقاسم الذي حرص على ما كتبه طوال السنوات الماضية ثم شكرا لقاسم حين جمعه في هذا الكتاب الموسوم (ثرثرات وارفة( ...
#هشام_الكيلاني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟