أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هشام الكيلاني - طرفة عراقية المأساة الساخرة للواقع السياسي العراقي.















المزيد.....

طرفة عراقية المأساة الساخرة للواقع السياسي العراقي.


هشام الكيلاني

الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 11:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


طرفة عراقية
المأساة الساخرة للواقع السياسي العراقي.
قصة وطرفة ارسلها لي صديقي من المهجر للكاتب نزار الحمامجي أراها رائعة ومؤلمة في آنٍ واحد لأنها تلخص بعمق وذكاء "المأساة الساخرة" للواقع السياسي العراقي.
يقول صديقي الفاضل
بعد أن قرأت طرفة عراقية… سألت نفسي: العراقيون… شيريدون بالضبط؟!
طرفة كتبها قبل أيام الكاتب نزار الحمامجي، فضحكت… ثم توقفت قليلاً، لأنني اكتشفت أنها ليست مجرد نكتة، بل قد تكون أقصر كتاب في التاريخ السياسي العراقي
تقول الطرفة ـــــــ بعد أيام قليلة من ثورة 14 تموز 1958، استقلت امرأة مسنة سيارة نقل من الأعظمية إلى باب المعظم. سألها عامل الجباية
– حجية، وين تنزلين؟ ـــــــ قالت
– يم المستشفى الملكي، يمّه ـــــــ فصرخت إحدى الراكبات
– خالة… شنو ملكي؟! صار اسمه المستشفى الجمهوري
وما إن أنهت عبارتها حتى تدخل أحد الشباب المتحمسين للثورة قائلاً بغضب
! أنتم عملاء وأذناب الإقطاع والرجعية! حتى اسم الجمهورية ثقيل عليكم
ارتبكت المرأة المسكينة، ونزلت من السيارة وهي ترتجف خوفاً
بعد أن أنهت حاجتها، ركبت سيارة أخرى. سألها عامل الجباية مجدداً
حجية، وين تريدين تنزلين؟
يبدو أنها قرأت في سرها كل المعوذات قبل أن تجيب بحذر
يم… المقبرة الجمهورية ـــــــ فضجت السيارة بالضحك، وصاحت امرأة أخرى
خالة… هاي المقبرة الملكية، مو الجمهورية
ولم يمهلها أحد الشباب، وقد علق على قميصه حمامة السلام، فقال بانفعال
! هاي مقبرتكم أنتم الرجعيين! جمهوريتنا خالدة وستقضي عليكم
عندها طلبت المرأة من السائق أن ينزلها وهي تتمتم
الله لا يوفقكم… گُلنا ملكية ما رضيتوا، وگُلنا جمهورية هم ما رضيتوا… اي شتريدون؟
وربما تختصر هذه الطرفة سؤالاً ظل يرافق العراقيين طويلاً
هل عرف العراقيون يوماً ماذا يريدون؟
فإذا تأملنا الشعارات والهتافات التي تعاقبت خلال المئة سنة الماضية،
نجد أنها كثيراً ما تأرجحت بل انقلبت رأساً على عقب بتبدل الظروف والأنظمة
محطات من ذاكرة الشعارات والهتافات العراقية
قبل ثورة العشرين* نار الإنكليز… ولا جنة العثمانيين الملاعين
بعد ثورة العشرين* الطوب أحسن لو مگوارِي؟
يا عراقي يا حيران… باگوك ولد الطليان.
قبل معاهدة بورتسموث* نوري سعيد شدة ورد… وصالح جبر ريحانة
بعد معاهدة بورتسموث* نوري سعيد القندرة… وصالح جبر قيطانة
قبل ثورة 14 تموز 1958* مصر وحدة عربية… تسقط الصهيونية.
بعد الثورة* يا ناصر شيل إيدك… شعب العراق ما يريدك
في عهد عبد الكريم قاسم* اعدم… اعدم… جيشك وشعبك يحميك
بعد سقوط حكمه* الما عنده چلب… خل يربط المهداوي
(قبل انقلاب 1963 (شعار الحزب الشيوعي* سنمضي… سنمضي إلى ما نريد… وطن حر وشعب سعيد
بعد انقلاب 1963* اشرب ماي والعن فهد… ماكو شيوعي بالبلد
شعب… شعب… كله بعثية… موتوا يا شيوعية
قبل إسقاط عبد الكريم قاسم* عرب وكرد… فد حزام… عاش الزعيم المقدام
بعد إسقاطه* يا بغداد ثوري ثوري… خلي قاسم يلحق نوري
في عهد عبد السلام عارف* عبد السلام محبوبنه… مكتوب جوه گلوبنه
إحنه جنودك يا سلام… سير سير للأمام
بعد وفاته* طار بالبصرة لحم… وگع بالگرنة فحم
قبل كامب ديفيد* دولة وحدة عربية… على عناد الصهيونية
بعد كامب ديفيد*حافظ الأسد يا جبان… شيل إيدك من لبنان
يا سادات يا بومة… قشمروك بحلقومة ـــــــ يا سادات يا جبان… يا عميل الأمريكان
أثناء انتفاضة 1991* لا إله إلا الله… صدام عدو الله
بعد فشل الانتفاضة* ما نريد الخبز والماي… بس نريد أبو عداي
قبل الغزو الأمريكي* فوت بيها… وعالزلم خليها
بعد الاحتلال وقبل الانتخابات* ماكو ولي إلا علي… ونريد قائد جعفري
بعد الانتخابات* باسم الدين… باكونا الحرامية
كلمة أخيرة
هذه الطرفة، وما تبعها من استعراض للهتافات، لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها حكماً قاطعاً على الشعب العراقي، وإنما بوصفها سخرية سياسية من سرعة تبدل المواقف والشعارات في ظل الانقلابات والحروب والاحتلالات والتقلبات التي عاشها العراق خلال قرن كامل. فالشعوب، ومنها الشعب العراقي، ليست كتلة واحدة، وإنما تتغير مواقفها تبعاً للظروف، والإحباط، والأمل، والخوف، والدعاية، وتبدل الأنظمة ..... ومع ذلك، تبقى العبارة الساخرة التي يرددها العراقيون أحياناً معبرة عن هذا الإرث الطويل من التقلبات
“العراقي… محد يعرف شيريد!”
وهي عبارة تقال على سبيل الدعابة السياسية أكثر مما هي وصف دقيق لشعبٍ دفع أثماناً باهظة لتقلبات التاريخ.
ـــــــــ وتعليقي على هذه الطرفة
اذا أردنا , إعادة قراءة هذه الطرفة وسردية الشعارات المتناقضة من منظار الدكتور علي الوردي لا يُسقط الحرج عن التقلب السلوكي الفردي فحسب، بل يرفعه إلى مرتبة "الظاهرة الاجتماعية المركبة" التي خضعت للتشريح العلمي في أمهات كتبه مثل (دروس من طبيعة المجتمع العراقي ( و (شخصية الفرد العراقي) و (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث(.
نعم إذا أردنا قراءة هذه "المأساة الساخرة" بعيون الوردي، فيمكننا تفكيكها عبر أربعة مفاهيم رئيسية من أطروحاته:
المفهوم الاول - ازدواجية الشخصية العراقية في (تناشز القيم)
يرى الوردي أن العراقي – بحكم موقعه الجغرافي والرخاوة التاريخية بين الحضارة والبداوة – يحمل في عقله الباطن نسقين متناقضين من القيم:
1ـــــ قيم البداوة ــــــــــــ القائمة على الحماس الفوري، والاندفاع العاطفي، والولاء المطلق للشيخ/الزعيم، وحدّة الموقف (إما صديق حميم أو عدو مبين(.
2ـــ قيم الحضارة: القائمة على المصلحة المادية والتكيف مع السلطة القائمة لضمان العيش.
في الطرفة الهزلية للمرأة المسنة، نجد أن "الشباب المتحمسين" في الحافلة يمارسون الاندفاع البدوي في أقصى صور التشنج الأيديولوجي (اتهام امرأة مسنة بالرجعية والإقطاع لمجرد زلة لسان كلاسيكية!)، بينما تمارس المرأة (التكيف الحضاري النفعي) للنجاة بنفسها.
أما تحول الهتاف من: ( نوري سعيد شدة ورد… وصالح جبر ريحانة إلى (نوري سعيد القندرة… وصالح جبر قيطانة)
أو (أعدم أعدم جيشك وشعبك يحميك( إلى (الما عنده چلب خل يربط المهداوي)
فهو تجلٍ صارخ لهذه الازدواجية؛ حيث ينتقل العاصفة العاطفية من أقصى التبجيل إلى أقصى التحقير في لحظة فارقة تشبه انتقال العشيرة من حلف إلى حلف آخر بمجرد انكسار موازين القوة.
المفهوم الثاني -- ميكانيزم (تناشز الجماعة) والسلطة القاهرة ــــــ وفي علم النفس يُقصد بها استراتيجيات أو (آليات الدفاع عن النفس) (مثل الكبت أو الإسقاط) التي يستخدمها العقل الباطن لحماية الفرد من التوتر.
يؤكد الوردي أن الشعب العراقي واقع تحت ظاهرة "القهر السياسي المتردد". عندما يتوالى على مجتمع ما حكام وانقلابات متلاحقة تُعمل السيف في المخالفين، يتحول السلوك الجمعي إلى ما يشبه "التقية الاجتماعية".
الشعارات المذكورة في المقال ليست دليلاً على أن العراقي (لا يعرف ماذا يريد)، بل هي دليل على أن البيئة السياسية كانت تحرمه من القول الصادق.
نعم حين يهتف العراقي (_ما نريد الخبز والماي بس نريد أبو عداي( بعد قمع انتفاضة 1991، فهو لا يعبر عن رأي اقتصادي أو سياسي واعي، بل يمارس هتاف السلامة لتفادي البطش.
وقد أظهرت الطرفة ذلك ببراعة المرأة التي سمّت المقبرة بـ (المقبرة الجمهورية) كانت تحاول إرضاء الشارع والثورة، لكنها اصطدمت بأن الحماس الثوري لا منطق له، فقالت عبارتها الذهبية ) گُلنا ملكية ما رضيتوا، وگُلنا جمهورية هم ما رضيتوا... أي شتريدون؟(.
هنا الصرخة ليست جهلاً، بل هي تعبير عن ضياع الفرد وسط شلل القمع والتقلب السريع للسلطة.
المفهوم الثالث --- العاطفة السياسية وغياب العقلانية الموضوعية
يشير الوردي دائماً إلى أن العراقيين يميلون إلى التفكير العاطفي الوجداني لا العقلاني التحليلي. العاطفة سريعة الاشتعال وسريعة الانطفاء:
نرى أنهم يبايعون الزعيم بالدم والتضحيات (عبد الكريم قاسم، عبد السلام عارف، أو غيرهم)، ويخلعون عليه صفات الألوهية والرمزية.
وما إن يتعثر الزعيم أو يسقط، حتى تنقلب تلك العاطفة المكبوتة إلى نقمة عارمة وحقد بنفس درجة الحب السابقة.
هذا التقلب الحاد في الهتافات بين عشية وضحاها (من الكامب ديفيد إلى كامب ديفيد، ومن الشيوعية إلى البعثية) يفسره الوردي بأن الجماهير تتبع (البطل المنقذ ( بقلوبها لا بعقولها، أو بعقل سطحي هابط, حيث العملية التفكيرية غائبة وعندما يخيب أملها تندفع نحو البطل الجديد بذات الحماس العاطفي.
المفهوم الرابع ---- صراع البدو والحضر (أزمة الهوية)
في تحليل الوردي، يعاني المجتمع العراقي من صعوبة التشكل في ( دولة - أمة ) مستقرة ذات هوية سياسية موحدة. الشعارات المتباينة عبر 100 عام تعكس هذا الصراع الداخلي:
1. شعار قومي عربوي (مصر وحدة عربية / يا ناصر شيل إيدك(.
2. شعار وطني محلي (وطن حر وشعب سعيد / عاش الزعيم المقدام)
3. شعار مذهبي/ديني (ماكو ولي إلا علي / باسم الدين باكونا الحرامية(.
هذا التنازع في الهتافات ليس مجرد تقلب شخصي، بل هو انعكاس لأزمة هيكلية في البنية الاجتماعية التي لم تستقر بعد على العقد الاجتماعي الذي يربط الفرد بالدولة، فتراه يتشبث تارة بالقومية، وتارة بالأيديولوجيا، وتارة بالدين، وتارة بالرفض التام لكل ما سبق.
وخلاصة القول بعيون الوردي وكتاباته ـــــــإن هذه الطرفة والتاريخ الحافل بالهتافات المتناقضة لا تعني أن العراقيين (متقلبو المزاج بلا سبب)، بل تعني أنهم ضحايا تاريخ متلاطم من صراع القيم والسلطات القمعية. العراقي يعرف تماماً ماذا يريد في عمقه (يريد الأمان، والعدالة، والكرامة)، ولكنه حين يُسلب حقه في التعبير الهادئ والمؤسسات المستقرة، يتحول سلوكه الظاهري إلى هذه (الدراما الساخرة) التي رصدها الكاتب نزار الحمامجي بدقة، وشرحها الدكتور علي الوردي علمياً قبل عقود.... ويبقى للكلام بقية مادام في العمر بقية ...



#هشام_الكيلاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كتاب -ثرثرات وارفة-: لقاسم حسن علي
- تصريح النائب الاميركي في الكونغرس #تيم_بورشيت ) لقد أضعت صبا ...
- إضاءة على الذاكرة الوطنية قراءة في كتاب (دراسات وبحوث في تار ...
- دياجير الموصل: انبعاث الوعي من عتمة الأيديولوجيا وقهر الحروب
- تفكيك الوجود وإعادة حلج الذاكرة قراءة في رواية (أحفاد معطف ا ...
- الثقافة والاقتصاد: جدلية النهضة وصناعة المستقبل
- قراءة نقدية لكتاب -الإهلاك الإلهي في القرآن حتميّة يمكن تلاف ...


المزيد.....




- -الشورت- لم يعد للإجازات فقط... كيف أصبح قطعة الأناقة الأبرز ...
- أعمال فنية في الشوارع ترسمها الأمطار
- بعد تهديدات الحوثيين.. تباطؤ الملاحة في مضيق باب المندب وترا ...
- محلل عسكري لـCNN: إيران تبدو بوضع أفضل من أمريكا في صراع طوي ...
- بن غفير: صوتت ضد إدخال القوات الدولية إلى غزة لأن حماس لم تن ...
- اختفاء أربع لغات كل عام.. هل انتهى عصر التنوع اللغوي؟
- تقرير يكشف عدد مصابي الجيش الأمريكي بالحرب مع إيران
- هل تراجع ترامب عن التصعيد مع إيران؟.. ماذا تقول الصحافة العا ...
- قفزة حادة لعدد إصابات إيبولا في الكونغو الديمقراطية
- كيم جونغ أون يزور المقابر الوطنية للجنود القتلى في الحرب الك ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هشام الكيلاني - طرفة عراقية المأساة الساخرة للواقع السياسي العراقي.