أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هشام الكيلاني - القلم بندقية العقول المستنيرة في زمن ضاع فيه الحق على حساب الحقيقة















المزيد.....

القلم بندقية العقول المستنيرة في زمن ضاع فيه الحق على حساب الحقيقة


هشام الكيلاني

الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 13:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في مواسم الزيف الممتدة، حين تتوارى (الحقيقة) خلف ركام الشائعات وتُسلب (الحقوق) جهاراً نهاراً، وتتهم الافكار المميزة لا يغدو القلم مجرد أداة للتعبير أو ترفاً فكرياً، بل يتحول إلى بندقية موجهة إلى صدر الضلال والطغيان والعقول السطحية الفارغة . إن الفكر المستنير هو درع الشعوب الأخير، والقلم المحرَّر من خنوع المصلحة والتبعية وما ذكر ه القرآن العظيم (مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) القلم الحر في فكر مستنير هو السلاح الوحيد القادر على إعادة رسم الخرائط الأخلاقية التي طمستها رمال النفاق الدولي والاجتماعي.
لقد علّمنا التاريخ أن الفكرة أعتى من الرصاصة، وأن الفكر إذا تجسّد في كلمة صادقة، كان أشبه بعبوة موقوتة تزلزل عروش الباطل. لم تكن المعارك الكبرى في تاريخ البشرية تُحسم بالسلاح وحده، بل بالأفكار التي غذّت روح المقاومة، والأقلام التي كتبت بيانات الحرية بمداد من نور ودم ــــــــ هاهو غسان كنفاني لم يحمل رشاشاً في الميدان، لكنه أطلق بفكرة (رجال في الشمس) و(عائد إلى حيفا) رصاصات ناعمة لا تزال تؤرق بني صهيوني والعملاء من بني جلدته . كان قلمه شفرة تُعرّي الخيانة والتخاذل، حوّل الكلمة إلى بندقية مقاتلة حتى قتل مظلوما بسبب كلمته، وهو في الذاكرة الخالدة, ليبقى شاهداً على أن الكلمة قد تكون أشد خطراً على المستبدين من ترسانة عسكرية كاملة.
علي شريعتي هذا المفكر صاغ بفكره وقلمه رؤية استثنائية لمواجهة التجهيل والتزييف، فكان قلمه بندقية صرعت (جهل الشعوب) قبل أن تصارع بطش السلطة، مؤكداً أن معركة الحق تبدأ من تحرير العقول لا الأجساد فقط.
إدوارد سعيد على الرغم من خلفيته المسيحية، عُرف سعيد بدفاعه المستمر عن الإسلام وضد الحملات الإعلامية الغربية التي تهدف إلى تشويهه أو شيطنته، خاصة في كتبه الشهيرة مثل (الاستشراق) و(تغطية الإسلام)
وُلد لعائلة فلسطينية تنتمي إلى الديانة المسيحية، وتحديداً إلى الكنيسة البروتستانتية الإنجيلية.
خاض معركته الفكرية الشرسة في قلب الغرب بكتابه أنف الذكر (الاستشراق)، فكان قلمه بمثابة مدفعية ثقيلة هدمت الهيمنة الثقافية والتزييف التاريخي، واستعاد بها حق الشعوب المقهورة في رواية حكايتها بلسانها لا بلسان مستعمريها.
وإميل زولا حين صاح بصوته الشهير "إني أتّهم... داخل فرنسا، لم يكن يدافع عن قضية فردية فحسب، بل شهر قلمه كبندقية قوية بوجه الفساد المؤسسي والقضائي، مجبراً دولة بأكملها على مفهوم العدالة والعدول عن الظلم.
وزولا هو روائي وصحفي فرنسي، ويُعد رائد المدرسة الانطباعية في الأدب، وأبرز المواقف التي عُرف بها هي موقفه الشجاع في قضية دريفوس.
(كان روائي فرنسي وكاتباً ذا شعبية كبيرة في فرنسا، يتلقى أعلى الأجور عن رواياته ذائعة الصيت. (جرمينال) التي تصف ببراعة معاناة عمال المناجم والإضرابات العمالية.)
وكتب زولا مقالته الشهيرة أنفة اذكر (إني أتهم)، والتي تُعد اليوم من الوثائق الأساسية الدالة على ولادة المثقف بمفهومه الحديث، ودوره الاجتماعي والأخلاقي.
والمقالة هي رسالة مفتوحة وُجّهت إلى رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك (فيليكس فور)، وتتمحور حول الدفاع عن الضابط البريء ألفريد دريفوس وفضح الفساد العسكري والظلم في "قضية دريفوس".
دافع زولا عن ضابط المدفعية الفرنسي، اليهودي الديانة، ألفريد درايفوس، وكشف الوقائع التي تُثبت أن الضابط اتُّهم بالخيانة العظمى وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة، لا بسبب قوة الأدلة، بل بفعل التحيّز الطائفي الذي شاب جميع مراحل التحقيق معه.
وفي سبيل ذلك، ينبغي للكاتب أن يتوقّع دفع أثمان باهظة، من أجل أن يظلّ منسجماً مع نفسه، وألّا يخذل رواياته وكتبه ومقالاته ..
إن ضياع "الحق" في زمننا هذا ليس وليد اليوم ، بل هو نتيجة معركة جرى فيها إغراق العالم بالمعلومات والمغالطات للتغطية على جوهر (الحقيقة). وهنا يبرز دور المثقف والكاتب المستنير؛ فهو ليس حيادياً في معركة الحق، بل هو جندي في الخندق الأمامي، واجبه ألا يغمد قلمه ولا يبيع مداده، وأن يظل يطلق (رصاص الكلمات)حتى يسترد الحق نصابه.
القلم ليس مجرد خشب ونبلة أو وريشة، إنه موقف.. وحين تُسدّ المنافذ وتتداخل المفاهيم، يبقى قلم (فلان وفلان وفلان ) وأمثاله من الأحرار هو البندقية التي تذود عن حمى الحقيقة، وتصون الحق من الضياع.
ولا ننسى حادثة حرق كتب ابن رشد التي تُعد من أبرز الشواهد في التاريخ الإنساني على أن (الكلمة الصادقة لا تحترق)، وأن الأفكار المستنيرة تمتلك أجنحة تتجاوز بها نيران التعصب وحظر السلطة.
وها هو التاريخ عند (أبن رشد) علّمنا أن النيران قد تلتهم الورق، لكنها تعجز تماماً عن إحراق الفكرة. إن التاريخ يزخر بأمثلة ساطعة لأقلام أُحرق مدادها بالنار، فسطع نورها في الآفاق:
وابن رشد (فيلسوف القرطبي) حين ضاقت به السلطة وصدر القرار بإحراق كتبه في محنته الشهيرة، ظنّ جلاّدوه أنهم أعدموا فكره إلى الأبد. ولكن ماذا حدث؟ احترقت الأوراق وبقيت (الرشدية) عابرة للحدود والأزمنة؛ هاجرت أفكاره إلى أوروبا لتصبح الوقود الأول لنهضتها الحديثة وتُدرَّس فلسفته في جامعاتها حتى اليوم، لتثبت أن رماد الكتب الملقة في النار يغدو سماداً تزهر به عقول أجيال أُخرى.
وهذا ابن حزم الأندلسي, حين أُحرقت كتبه في إشبيلية علانية، لم يمتلك سوى قلمه ليردّ ببيته الشهير الذي خُلّد في ذاكرة التاريخ:
(فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس بل هو في صدري)
في عالمنا اليوم القلم حين يتنصل من وقائع أهله، أو يُغرق في الشكليات والترف الفكري بينما الأزمات تطحن الواقع، فيسهم -بعلم أو بغير علم- في تزييف الحقيقة وتشتيت العقول.
في مواسم الزيف الممتدة، حين تتوارى "الحقيقة" خلف ركام الشائعات وتُسلب "الحقوق" جهاراً نهاراً، لا يغدو القلم مجرد أداة للتعبير أو ترفاً فكرياً، بل يتحول إلى بندقية موجهة إلى صدر الضلال. إن الفكر المستنير هو درع الشعوب الأخير، والقلم المحرَّر من خنوع المصلحة هو السلاح الوحيد القادر على إعادة رسم الخرائط الأخلاقية التي طمستها رمال النفاق والطغيان , وعلى الرغم من تخلي الجمهور عن أبطالهم , وقصة جيفارة ومحمد كريم المصري ليس ببعيد
والمقولة التي تُنسب الى محمد رشيد رضا (الثائر لأجل مجتمع جاهل، كمن أشعل النار في جسده ليضيء الطريق لرجل أعمى) وقد اسقط هذا على الرواية المتداولة عن المناضل المصري محمد كريم الذي قاوم الحملة الفرنسية على مصر، وحين وقع في الأسر حاول نابليون أن يعفو عنه، وقال له: (ليس لأنك قاومتنا وقتلت جنودنا، ولكن لأنك دفعت حياتك من أجل أناس جبناء تشغلهم تجارتهم عن حمية الأوطان).
(وتروي الرواية أن محمد كريم طاف على تجار القاهرة يطلب منهم ديونا له، فلم يجد منهم من يدفع، بل حمّلوه مسؤولية ما حلّ بهم.)
قد لا يغير مقالي شيئاً لأنه لا يُضيف كلمات مما كتبه الاحرار في زمن ضاعت فيه الحقيقة ... وارجو من القارئ الذي يقرا مقالي أن لا تضيع كلماته هباءً؛ فالكتابة في زمن الصمت ليست مجرد محاولة للتغيير الخارجي، بل هي شهادة موقف ووسيلة لإبقاء الحقيقة حية في النفوس.
وللأحرار أقول أن الكتابة صوت لمن لا صوت له: عندما يكتب, أي قلم حر صادق عن معاناة أو تجسد (الحسرة)، فإنه يمنح الأشخاص الذين يخنقهم الصمت شعوراً بأنهم ليسوا وحدهم، وأن هناك من يفهم ألمهم ويعبر عنه.
وتوثيق الحقيقة هي كلمات الأحرار لتصبح وثائق تاريخية؛ حتى وإن لم تغير الواقع لحظة كتابتها، فإنها تحفظ المعنى والأمل للأجيال القادمة.
وهو فعل في حالة مقاطعة للزيف ففي مجرد المحاولة ورفض الاستسلام للصمت هو بحد ذاته تغيير، لأنه يكسر حالة الإحباط ويحافظ على جمرة الأمل متقدة.
وما في الكون هو ( حالة وشيء ) فاذا اتحدت الحالة والشيء في فكر مستنير فستبقى جمرة الأمل متقدة الى ما لا نهاية ..
فالقلم الذي يحمل هموم الناس وحسرتهم لا يخسر رهانه أبداً، والصوت قد يكون بقعة الضوء الوحيدة في عتمة شخص آخر.
ويبقى للكلام بقية مادام في العمر بقية ....



#هشام_الكيلاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في مواجهة خطاب التفرقة
- سلطة (الحجي) واحتكارات (شوشو)
- العراق بين وهم التنمية الاستهلاكية وواقع الفساد الهيكلي ...
- حين ترتد الموصل لروحها قراءة وتعقيب على رؤية الباججي
- تيه الحشود... حين يُصادَر العقل الفردي في مسارح الضجيج الرقم ...
- منصة (اكتشف) واختراق القنوات الإعلامية درس في صمود الصوت الح ...
- بوركينا فاسو أرض الرجال النزهاء وركائز الحل الجذري لإصلاح ...
- طرفة عراقية المأساة الساخرة للواقع السياسي العراقي.
- كتاب -ثرثرات وارفة-: لقاسم حسن علي
- تصريح النائب الاميركي في الكونغرس #تيم_بورشيت ) لقد أضعت صبا ...
- إضاءة على الذاكرة الوطنية قراءة في كتاب (دراسات وبحوث في تار ...
- دياجير الموصل: انبعاث الوعي من عتمة الأيديولوجيا وقهر الحروب
- تفكيك الوجود وإعادة حلج الذاكرة قراءة في رواية (أحفاد معطف ا ...
- الثقافة والاقتصاد: جدلية النهضة وصناعة المستقبل
- قراءة نقدية لكتاب -الإهلاك الإلهي في القرآن حتميّة يمكن تلاف ...


المزيد.....




- مصر.. منشور في صفحة مدرسة يثير جدلًا بشأن ارتداء الطالبات ال ...
- في لبنان والضفة وغزة.. نتنياهو يربك ترامب
- وسط غضب إسرائيلي.. بريطانيا تتجه غداً لحظر التجارة مع المستو ...
- واشنطن تتحدث عن -تقدم جوهري- نحو محادثات ثلاثية.. وزيلينسكي: ...
- النمسا تبدأ بتطبيق حظر -غطاء الرأس الإسلامي- بالمدارس وسط طع ...
- مطار صدام .. خيال ام سلاح غامض ؟
- الاستخبارات الإيرانية تعلن تفكيك خلية إرهابية تابعة للموساد ...
- علامة في الوجه قد تكشف خطرا يهدد القلب والدماغ
- أوروبا.. نوايا الحرب ورغبة بمقعد تفاوضي
- الدوحة تكشف عن وساطة لصياغة اتفاق بين طهران وواشنطن يرضي الط ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هشام الكيلاني - القلم بندقية العقول المستنيرة في زمن ضاع فيه الحق على حساب الحقيقة