أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جعفر حيدر - في حضرة المجهول: رحلتي إلى الله















المزيد.....



في حضرة المجهول: رحلتي إلى الله


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 14:25
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن الله الذي يتصوره البشر في قلوبهم قد يكون، في كثير من الأحيان، صورةً محدودة صنعها الإنسان عن الله، ثم جعلها معيارًا يحاكم به نفسه والآخرين، وربما لم تكن المشكلة في الله يومًا، وإنما في الصورة التي صنعها الإنسان عنه، ثم وضعها في داخله وأخذ يفسر الوجود من خلالها. فالله في ذاته أوسع من أن تحيط به صورة، وأعظم من أن تحتويه فكرة، وأبعد من أن يكون مجرد مفهوم صنعناه من خوفنا أو رغبتنا أو جهلنا. إن الله هو الحقيقة المطلقة للحب والوجود الأزلي، وهو الجمال والخلود، وهو خالق الفلك الذي يجوب روح البشر جميعًا؛ من القلب إلى العقل، ومن الروح إلى الجسد، ومن السؤال إلى الإجابة، ومن الولادة إلى الموت، ومن الموت إلى ذلك المجهول الذي يقف الإنسان أمامه عاجزًا عن الكلام. وكلما حاولت أن أكتب عن الله، شعرت أن الكلمات تخونني؛ أضع القلم على الورق، ثم أتوقف، أكتب: الله هو الحب، فأشعر أن الحب أصغر من أن يكون وصفًا له، وأكتب: الله هو الرحمة، فأشعر أن الرحمة التي أعرفها ليست إلا قطرة من بحر لا أعرف شاطئه، وأكتب: الله هو النور، ثم أسأل نفسي: أي نور؟ وهل النور الذي تراه العين يشبه النور الذي تراه الروح؟ وهكذا، كلما كتبت عنه، اكتشفت أنني لم أكتب عنه بقدر ما كتبت عن عجز اللغة أمامه،
في إحدى الليالي، كنت أجلس وحيدًا قرب نافذة صغيرة، وكان الليل هادئًا، والمدينة تبدو كأنها أغلقت أبوابها ونامت، ولم يكن هناك سوى صوت الريح وهي تمر بين الأشجار، وصوت بعيد لكلب ينبح في شارع لا أعرفه. رفعت عيني إلى السماء، فلم أرَ الله، لكنني شعرت بشيء لا أعرف كيف أسميه؛ إحساسًا بأنني لست وحدي. ولأول مرة فهمت أن الإنسان قد يبحث عن الله في السماء، بينما يكون الله حاضرًا في أعماق السؤال الذي دفعه إلى رفع رأسه نحوها. قلت في نفسي: يا الله، أين أنت؟ ثم ضحكت، فالسؤال نفسه كان غريبًا؛ كيف أسأل عن المكان لمن خلق المكان؟ وكيف أسأل عن الزمان لمن أوجد الزمان؟ وكيف أبحث عن الخالق داخل المخلوقات وأنا واحد منها؟ ربما لم يكن السؤال الحقيقي: أين الله؟ بل كان السؤال الأعمق: أين أنا من الله؟ ومنذ تلك الليلة بدأت رحلتي، ولم تكن رحلة قدمين، وإنما رحلة روح؛ رحلة عبرت فيها مدنًا لا يعرفها الجغرافيون، ومشيت في صحارى لا توجد على الخرائط، وجلست أمام أبواب لم أرها بعيني وإنما رأيتها بشيء آخر في داخلي، شيء يشبه البصيرة،
إن الله سبحانه وتعالى هو خالق النقائض، وعاقد الألغاز، وهو الذي جمع في الوجود أشياء يظن الإنسان أنها لا تجتمع؛ جعل في النار قدرة على الإحراق، وفي الماء قدرة على الإحياء، وفي التراب سر النبات، وفي الموت بداية سؤال جديد، وفي الليل سكينة، وفي الصباح ولادة أخرى للوجود. كل شيء في هذا العالم يبدو كأنه يقف على طرف نقيض من شيء آخر، ومع ذلك فإن الوجود كله قائم على اجتماع النقائض؛ الليل والنهار، الحياة والموت، الحزن والفرح، الحب والفقد، الخوف والأمان، السؤال والجواب، البداية والنهاية. ولعل الإنسان نفسه أعظم مثال على ذلك؛ ففي الإنسان جسد من تراب وروح لا يعرف أصلها، فيه ضعف وقوة، وخوف وشجاعة، ورغبة في البقاء واستعداد للتضحية، فيه عقل يسأل وقلب يشعر، وفيه شيء لا يمكن تشريحه بالمشرط ولا قياسه بالميزان؛ ذلك الشيء الذي يجعل الإنسان يقول: أنا. من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين أذهب؟ وما الذي سيبقى مني بعد أن يهدأ هذا الجسد؟ هذه الأسئلة ليست مجرد ألعاب فلسفية، وإنما هي صرخات الروح، وربما كان الإنسان أكثر المخلوقات قلقًا لأنه الكائن الذي يعرف أنه موجود، ويعرف أنه سيموت، ومع ذلك يبحث عن معنى يجعله يحتمل الاثنين، ومن بين تلك المعاني نستضيف صورة بسيطة من الروح التي أودعها الله في الوجود، ونرى شيئًا من ذلك الكم الإلهي من المعرفة والرحمة والحب في الأم. نعم، الأم؛ فقد لطالما رأيت في الأم صورة إنسانية عظيمة لمعنى الرحمة. وليست الأم إلهًا، ولا تشبه الله في ذاته وصفاته، فالله سبحانه وتعالى لا نظير له، ولكن الإنسان قد يجد في بعض مظاهر الرحمة التي أودعها الله في خلقه إشارات تساعده على فهم معنى الرحمة، لا على الإحاطة بمصدرها. كنت طفلًا وأظن أن البيت هو الجدران، ثم كبرت وعرفت أن البيت ليس الجدران؛ البيت هو صوت أمي، خطواتها في الممر، يدها وهي تفتح الباب، صوت الأواني في المطبخ، وذلك السؤال البسيط: هل أكلت؟ كنت أظن أن هذا السؤال عادي، ثم كبرت وعرفت أنه ليس عاديًا؛ إنه اختصار هائل للحب، فكلمة "هل أكلت؟" تعني في أعماقها: هل أنت بخير؟ هل ما زلت حيًا؟ هل تحتاج شيئًا؟ هل يؤلمك شيء؟ هل أستطيع أن أفعل لك شيئًا؟ إنها جملة قصيرة، لكنها تحمل عالمًا كاملًا. كنت أحيانًا أعود إلى البيت متعبًا، فأجد أمي مستيقظة، لم تكن تفعل شيئًا خارقًا، فقط كانت هناك، لكن وجودها كان يجعل البيت مختلفًا؛ قد تكون الأضواء كلها مضاءة، ومع ذلك يبدو البيت مظلمًا في غيابها، وقد تكون الغرفة مظلمة، لكنها تصبح أكثر دفئًا حين تجلس فيها. وعندها فهمت شيئًا: ليست كل الأنوار كهرباء، فهناك أنوار لا تُرى، ولكنها تجعلنا نرى،
ومن هنا يبدأ السؤال عن علاقتنا بالله؛ كيف نفهم ذلك الحبل الروحي الذي يجمع بين حب البشر وحب الله؟ وكيف نفهم أن الإنسان، بكل ضعفه، يستطيع أن يقف في ظلمة الليل ويقول: يا رب؟ ومن أين جاء هذا النداء؟ ومن علّم القلب أن ينادي؟ ومن جعل الإنسان، حين تضيق به الدنيا، يرفع عينيه إلى شيء لا يستطيع رؤيته؟ إن الله سبحانه وتعالى ليس أبًا وأمًا بالمعنى البشري، ولا تحيط به صفات البشر، ولكنه عند الإنسان قد يكون أقرب إلى كل معنى للأمان والرحمة والاحتواء من أي تشبيه بشري. إننا حين نصف الله بالرحمن لا نكون قد أحطنا بالرحمة، وحين نقول الرحيم لا نكون قد امتلكنا سر الرحمة، وحين نقول الخالق لا نكون قد عرفنا حقيقة الخلق. الأسماء تفتح الأبواب، لكنها لا تعني أننا امتلكنا البيت كله. وكلما عرفت اسمًا من أسماء الله، شعرت أن وراء الاسم بحرًا جديدًا من المعنى؛ اللطيف، مثلًا، كم مرة مر لطف الله في حياتنا دون أن ننتبه؟ كم مرة تأخر أمر ظنناه شرًا ثم اكتشفنا بعد سنوات أنه كان حماية؟ وكم مرة أُغلق باب ثم فتح الله لنا بابًا لم نكن نراه؟ وكم مرة ظننا أننا خسرنا الطريق ثم اكتشفنا أن الطريق نفسه كان يقودنا إلى أنفسنا؟ ربما لا نرى الحكمة لحظة وقوع الأشياء، فنحن نعيش اللحظة كجزء صغير من قصة طويلة، مثل شخص يقرأ سطرًا واحدًا من رواية ثم يصرخ: لماذا حدث هذا؟ ولا يعرف أن الفصل الأخير سيعيد ترتيب كل شيء، هنالك صديق يقول لي: "لا تستعجل فهم الحياة"، ولم أفهمه حينها، فقد كنت أظن أن الحياة مجموعة من الأحداث التي ينبغي أن نفهمها فورًا، لكنني كلما كبرت اكتشفت أن الإنسان لا يفهم حياته إلا بعد أن يعيش جزءًا منها. أحيانًا ننظر إلى الماضي فنقول: لو كنت أعرف ما أعرفه الآن، لما فعلت ذلك، لكن هذا الكلام نفسه يحمل تناقضًا؛ فلو لم نفعل ذلك، لما عرفنا ما نعرفه الآن. ربما كانت الأخطاء مدارس سرية، وربما كانت الخيبات أبوابًا لا تحمل أسماء، وربما كان الألم معلمًا قاسيًا لكنه صادق. ولا يعني هذا أن الألم خير في ذاته، ولا أن الظلم يصبح عدلًا لمجرد أننا تعلمنا منه، لكن الإنسان يستطيع أن يحوّل بعض جراحه إلى معرفة، وهنا يظهر معنى عظيم من معاني الروح: ألا تسمح للجرح بأن يتحول إلى كراهية، وألا تجعل الخذلان سببًا في أن تصبح خائنًا، وألا تجعل ظلم الآخرين سببًا في أن تصبح ظالمًا، وألا تجعل قسوة الحياة تنتزع منك رحمتك؛ فربما كانت أعظم عبادة في بعض اللحظات أن تبقى إنسانًا، كنت ذات ليلة أمشي في شارع طويل، وكانت الساعة متأخرة، ولم يكن هناك أحد تقريبًا، وكان مصباح وحيد يضيء جزءًا صغيرًا من الطريق ثم يترك ما بعده للظلام. وقفت تحت المصباح ونظرت إلى الضوء، ثم نظرت إلى الظلام وفكرت: هل الظلام موجود لأن الضوء غائب؟ أم أن الضوء هو الذي يجعلنا نعرف معنى الظلام؟ ثم خطر لي أن الإنسان كذلك؛ قد لا يعرف معنى الرحمة حتى يرى القسوة، ولا معنى الصدق حتى يرى الكذب، ولا معنى الوفاء حتى يرى الخيانة، ولا معنى النور حتى يعبر شيئًا من الظلمة. لكن الله لا يحتاج إلى النقائض لكي يكون كاملًا، نحن الذين نحتاج إلى النقائض لكي نفهم الأشياء، وهذا فرق كبير،
إن نور البصيرة هو المفسر لكيان الإنسان في علاقته بالله، لكنه ليس وصفًا كاملًا لله، لأن كل ما يُكتب عن الله هو محاولة بشرية محدودة. نحن نكتب باللغة، واللغة مخلوقة، ونفكر بالعقل، والعقل مخلوق، ونشعر بالقلب، والقلب مخلوق، فكيف يستطيع المخلوق أن يحيط بالخالق؟ لهذا أرى أن التواضع أمام الله يبدأ من الاعتراف بحدودنا. ليس كل من قال "عرفت الله" قد عرف الله بمعنى الإحاطة، فقد يكون عرف أثرًا من آثاره، أو عرف رحمةً في حياته، أو عرف لطفًا، أو ذاق سكينة في لحظة، أو رأى نفسه للمرة الأولى بوضوح. وهذه كلها تجارب إنسانية يمكن أن تقود إلى الإيمان، لكنها لا تجعل الإنسان مالكًا للحقيقة المطلقة، لأن الحقيقة المطلقة لا يمتلكها الإنسان؛ نحن نقف أمامها، نتأملها، نقترب منها، نحبها، نسأل عنها، لكننا لا نضعها في جيوبنا ونقول: لقد امتلكتها، ولذلك فإن أخطر شيء يمكن أن يفعله الإنسان باسم الله هو أن يظن أنه يمتلك الله. حين يقول شخص: أنا أعرف إرادة الله بالكامل، أشعر بالخوف، ليس لأنني أنكر إيمانه، وإنما لأن الإنسان محدود؛ قد يعرف نصًا، وقد يفسر نصًا، وقد يفهم جانبًا، لكن الله أكبر من فهم الإنسان. ومن هنا تبدأ المأساة حين يتحول الإيمان من رحلة روحية إلى سلطة على الآخرين؛ يبدأ الإنسان محبًا لله، ثم ينتهي محاكمًا للناس باسم الله، يبدأ متواضعًا ثم يصبح متكبرًا لأنه يظن أن الله اختاره وحده، يبدأ باحثًا عن الرحمة ثم يصبح قاسيًا على من يختلف معه، وكأن الإنسان نسي أن أول من يحتاج إلى الرحمة  هو نفسه، الله ليس بحاجة إلى غرورنا، ولا يحتاج إلى صراخنا، ولا يحتاج إلى أن نحارب بعضنا من أجله. الله لا يكبر لأننا رفعنا أصواتنا، ولا يصغر لأن أحدًا شك فيه. الإيمان، في أعمق صوره، ليس معركة لإثبات أن الله موجود، وإنما هو علاقة بين الروح ومعنى الوجود. ومن أحب الله حقًا، ينبغي أن يظهر شيء من ذلك الحب في أخلاقه؛ إذا قلت إن الله رحيم، فكن رحيمًا، وإذا قلت إن الله غفور، فتعلم أن تغفر حين يكون الغفران فضيلة، وإذا قلت إن الله كريم، فكن كريمًا، وإذا قلت إن الله يحب الخير، فلا تجعل محبتك له سببًا في إيذاء الناس. لأن الإنسان قد يرفع راية الله بيده بينما يكون قلبه ممتلئًا بما يناقض الرحمة، وهنا يصبح السؤال ليس: كم مرة ذكرت الله؟ بل: ماذا صنع ذكر الله بك؟ هل جعلك أكثر إنسانية؟ أكثر صدقًا؟ أكثر رحمة؟ أكثر تواضعًا؟ أكثر قدرة على الاعتذار؟ أكثر احترامًا للضعيف؟ إذا لم يفعل، فربما نحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة التي نفهم بها علاقتنا بالله،
كنت أبحث عن الله في المعجزات الكبرى، وكنت أريد شيئًا يهز السماء، شيئًا يجعلني أرى المستحيل بعيني، ثم اكتشفت أنني كنت أعيش وسط المعجزات ولا أراها؛ يد الإنسان، العين، العقل، الذاكرة، اللغة، المحبة، القدرة على أن نحزن على شخص لم نلتقه قط، والقدرة على أن نبكي أمام قصيدة، والقدرة على أن نضحي من أجل فكرة، والقدرة على أن نعيش من أجل إنسان آخر، هذه كلها ألغاز عظيمة، ومن أعجب ما يلفت الإنسان تلك الكائنات التي تعيش في ظروف لا نتوقع معها الحياة، كائنات في الكهوف العميقة أو في الظلام أو في البيئات القاسية، تتكيف معها بطريقة مدهشة، ومياه تحت الأرض، وكائنات لا ترى الضوء، وأنظمة بيئية مخفية، وحياة تنبض في أماكن ظنناها ميتة. وعندما نرى شيئًا كهذا ينبغي ألا نتسرع في تحويل كل اكتشاف علمي إلى برهان ديني مباشر، ولكن يمكننا أن نتأمل فيه؛ فالعلم يخبرنا كيف تحدث الأشياء، والفلسفة تسأل عن معناها، والإيمان يمنح الإنسان أفقًا روحيًا يرى من خلاله الوجود، وهذه المساحات يمكن أن تتحاور بدل أن تتصارع. إن أعظم ما في العلم أنه يجعل الإنسان يدرك كم هو جاهل؛ فكلما اكتشفنا شيئًا اكتشفنا وراءه أشياء أخرى، وكل إجابة تفتح سؤالًا، وكل باب يؤدي إلى أبواب، وكلما اتسعت معرفتنا اتسعت حدود المجهول، وهذا المجهول لا ينبغي أن يكون سببًا للخوف دائمًا، فأحيانًا يكون المجهول أجمل ما في الوجود، أما الإنسان فهو المعجزة التي تمشي على قدمين، حين أنظر إلى يدي أتساءل: من علّم هذه الأصابع أن تمسك القلم؟ وكيف تحولت مجموعة من الإشارات الكهربائية في الدماغ إلى فكرة؟ وكيف تتحول الفكرة إلى كلمة، والكلمة إلى كتاب، والكتاب إلى معنى يعيش بعد موت صاحبه؟ ربما لهذا أحب الكتابة؛ لأنني أشعر أن الكاتب يترك جزءًا من روحه في الكلمات. يموت الجسد، لكن بعض الأفكار تستمر، وقد يكتب الإنسان سطرًا في غرفة صغيرة ولا يعرف أن شخصًا سيقرأه بعد خمسين عامًا في مكان بعيد، وهكذا يصبح القلم وسيلة لعبور الزمن، العقل لغز آخر؛ نحن لا نمسك العقل بأيدينا، ولا نستطيع أن نضع الوعي على الطاولة ونقول: ها هو الوعي، انظروا إليه، ومع ذلك نحن نعرف أننا نفكر، ونعرف أننا نحب، ونعرف أننا نتذكر، ونعرف أننا نتألم، ونعرف أننا نختار. والسؤال الكبير هو: كيف يتحول العالم الخارجي إلى تجربة داخلية؟ كيف ترى العين شجرة ثم تصبح الشجرة ذكرى؟ كيف تسمع الأذن صوتًا ثم يتحول الصوت إلى حنين؟ كيف تمر رائحة معينة قرب الإنسان فتفتح في داخله بابًا إلى طفولته؟ العقل ليس مجرد آلة بالنسبة إلى تجربتنا الإنسانية، إنه عالم، مدينة داخل مدينة، وكون صغير داخل الإنسان، ولذلك حين قال احدهم : اعرف نفسك، لم يكن يقدم نصيحة بسيطة، بل كان يفتح بابًا إلى متاهة، دخلت ذات مرة إلى غرفة قديمة في بيت العائلة، وكانت الغرفة شبه مهجورة، وغبار خفيف يغطي بعض الأشياء، وصندوق خشبي، وكتب قديمة، وصور، وثوب لم يعد أحد يرتديه. جلست على الأرض وأخذت إحدى الصور، وكان فيها أشخاص رحل بعضهم، وحدقت في وجوههم، وفجأة شعرت أن الزمن ليس خطًا مستقيمًا كما نتخيله. الماضي لم يعد موجودًا، نعم، لكن أثره يعيش فينا؛ نحن أبناء من عاشوا قبلنا، في أصواتنا شيء من أصواتهم، وفي عاداتنا شيء من عاداتهم، وفي خوفنا شيء من خوفهم، وفي أحلامنا شيء من أحلامهم. ثم فكرت: ماذا سأترك أنا؟ ربما لا شيء كبير، ربما كتاب، ربما جملة، ربما موقفًا طيبًا مع إنسان لن ينساه، وربما ابتسامة أعطيتها لشخص كان يحتاج إليها، وهنا فهمت أن الأثر ليس دائمًا نصبًا حجريًا، قد يكون أثر الإنسان في قلب إنسان آخر، الله هو الخلود الذي يجوب الأفلاك، وهو الحقيقة التي تتجاوز أعمارنا القصيرة، أما نحن فنعيش بين لحظتين؛ لحظة الميلاد ولحظة الموت، وما بينهما قصة لا نعرف عدد صفحاتها، قد تكون قصيرة وقد تكون طويلة، لكن السؤال ليس دائمًا كم صفحة كتبنا، بل ماذا كتبنا فيها؟ قد يعيش إنسان ثمانين عامًا ولا يترك خلفه إلا الألم، وقد يعيش آخر عشرين عامًا ويترك حبًا لا يموت بسهولة، فالعمر ليس عدد السنوات وحده، بل مقدار ما عاشتها روحك داخل تلك السنوات، وأحيانًا أتساءل: لماذا يخاف الإنسان الموت؟ ربما لأنه لا يعرف ما بعده، وربما لأنه يحب الحياة، وربما لأنه لم يقل كل ما يريد قوله، هناك أناس يخافون الموت لأنهم لم يعيشوا بعد، وهناك من يخافه لأنه عاش كثيرًا ولا يريد أن يفارق، وهناك من يراه بابًا؛ لا نعرف ما وراءه، لكننا نعرف أن كل إنسان سيصل إليه وأنا لا أريد أن أجعل الموت فكرة رومانسية، الموت مؤلم، وفقدان الأحبة موجع، لكنني أرى أن وجود الموت هو الذي يمنح بعض الأشياء قيمتها. لو كانت الحياة بلا نهاية، فهل كنا سنقدر اللحظة؟ لو كان لدينا وقت لا ينتهي، هل كنا سنقول: أحبك الآن؟ هل كنا سنعتذر؟ هل كنا سنسامح؟ إن محدودية الوقت تجعل اللحظة ثمينة، كنت ذات يوم أراقب طفلًا صغيرًا يلعب، كان يركض بلا خوف ويضحك من شيء بسيط، ثم سقط وبكى، فاقتربت منه أمه وحملته ومسحت دموعه، وبعد دقائق عاد إلى اللعب، تأملت المشهد طويلًا، وشعرت أن الحياة ربما تكون هكذا؛ نسقط، نبكي، يأتي من يمسح دموعنا، ثم نعود إلى الطريق، لكن المشكلة أننا حين نكبر نتعلم كيف نخفي بكاءنا، نتظاهر بالقوة ونقول: أنا بخير، بينما نحن لسنا بخير، وربما لهذا يحتاج الإنسان إلى الله، ليس لأنه ضعيف دائمًا، وإنما لأنه يحتاج مكانًا يستطيع فيه أن يكون ضعيفًا دون أن يخجل، مكانًا يستطيع أن يقول فيه: يا رب، أنا تعبت، يا رب، لا أعرف ماذا أفعل، يا رب، خذ بيدي، وهذا الدعاء ليس هروبًا من المسؤولية، بل قد يكون بداية تحملها، كنت أظن أن الدعاء يعني أن أطلب، ثم فهمت أنه قد يعني أيضًا أن أصغي. أحيانًا ندعو كثيرًا ولا نترك لأنفسنا فرصة للصمت، نريد من الله إجابة فورًا، لكن ماذا لو كانت الإجابة تحتاج إلى وقت؟ ماذا لو كان بعض ما نطلبه ليس خيرًا لنا؟ ماذا لو كان عدم حصولنا على الشيء الذي نريده جزءًا من الطريق؟ لا أستطيع أن أقول إنني أعرف حكمة كل شيء، ولا أريد أن أدعي ذلك، لكنني تعلمت أن ليس كل تأخير رفضًا، وليس كل فقدان عقوبة، وليس كل نجاح استحقاقًا، وليس كل فشل نهاية؛ فالحياة أكثر تعقيدًا من هذه الحسابات البسيطة، الله تبارك وتعالى هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وما بين هذه المعاني عوالم لا يستطيع الإنسان أن يحيط بها، نحن نعيش في كون هائل، سماء لا تنتهي أمام العين، نجوم بعيدة، مجرات، أزمنة، ومسافات، ثم يأتي الإنسان، هذا الكائن الصغير، ويقف على قطعة صغيرة من الأرض ويقول: أنا أعرف كل شيء. يا لها من مفارقة، ربما أول درجات الحكمة أن نعرف أننا لا نعرف، ولذلك فإنني لا أرى في السؤال عدوًا للإيمان، السؤال الصادق قد يكون صلاة من نوع آخر، حين تسأل: لماذا؟ فأنت تعترف بأن هناك معنى تبحث عنه، وحين تقول: لا أعرف، فأنت تفتح الباب للمعرفة، أما الذي يخاف من السؤال فقد يحمي فكرة، لكنه لا يحمي الحقيقة، في فلسفة روحي، لا أرى الله فكرة جامدة، بل أراه حقيقة حية في علاقتي بالوجود. حين أحب أتذكر أن الحب أعظم من أن يكون ملكية، وحين أرحم أتذكر أن الرحمة ليست ضعفًا، وحين أسامح أتذكر أن الإنسان لا يعيش وحده، وحين أساعد شخصًا أشعر أن وجودي أصبح أكثر معنى، وحين أخطئ لا أريد أن أهرب من الله، بل أريد أن أعود إليه، فالخطأ لا ينبغي أن يكون نهاية العلاقة، الطفل حين يسقط لا يكره أمه لأنه سقط، بل يعود إليها، وهكذا أرى التوبة: ليست إذلالًا للإنسان، وإنما عودة، عودة من التيه إلى الطريق، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن الغرور إلى التواضع، ومن الظلام إلى النور، ولكنني أخاف من شيء، أخاف أن يستخدم الإنسان خوف الناس من الله لكي يحكمهم، وأخاف من رجل يجعل الدين سلطة شخصية، وأخاف من شخص يزرع الرعب في قلب إنسان صغير ثم يقول: هذا هو الله، لأنني لا أستطيع أن أصدق أن الله الذي خلق قلب الإنسان يريد من الإنسان أن يحيا طوال عمره في رعب من خالقه، الخوف قد يكون جزءًا من علاقة الإنسان بالدين، لكن تحويل الدين كله إلى خوف يقتل في الروح شيئًا عظيمًا، أنا أريد أن أعرف الله من خلال الحب أيضًا، ومن خلال الرحمة، ومن خلال التأمل، ومن خلال الجمال، ومن خلال الصدق، ومن خلال مساعدة الإنسان، ومن خلال احترام الحياة، ومن خلال الاعتراف بأنني مخلوق محدود أمام خالق لا يحده شيء، كنت أخرج أحيانًا في الصباح الباكر، وكانت المدينة مختلفة قبل أن تستيقظ؛ المحلات مغلقة، والشوارع هادئة، والعمال يبدأون يومهم، وعامل النظافة يدفع عربته، ورجل يفتح متجره، وامرأة تعد الطعام لأطفالها، وطالب يحمل حقيبته، وكل واحد منهم يحمل عالمًا كاملًا داخل رأسه. كنت أمشي بينهم وأفكر: كم من القصص لا نعرفها؟ كم من إنسان نمر بجانبه ولا نعرف أنه يخوض حربًا داخلية؟ كم شخصًا يبتسم وهو مكسور؟ وكم شخص يقول "الحمد لله" وهو يحاول فقط أن يصمد؟ لهذا أصبحت أكثر رحمة مع الناس، لأنني لا أعرف معاركهم ولا أعرف ما الذي دفعهم إلى أن يصبحوا كما هم، لا يعني ذلك أن نبرر الظلم، ولكنه يعني أن نحاول أن نفهم قبل أن نحكم، الله لا يحتاج منا أن نكون قضاة على قلوب الآخرين، قلوبهم ليست بين أيدينا، وقد نرى الفعل ولا نعرف النية، وقد نرى الخطأ ولا نعرف القصة التي سبقته، وقد نرى الإنسان في أسوأ لحظة من حياته ونحكم عليه وكأننا رأيناه طوال حياته، كم ظلمنا أشخاصًا بهذه الطريقة؟ وكم ظلمونا بالطريقة نفسها؟ ربما كان الإنسان بحاجة إلى مرآة قبل أن يحتاج إلى محكمة، أن ينظر إلى نفسه ويسأل: هل أنا حقًا أفضل؟ هل كنت سأفعل الشيء نفسه لو عشت الظروف نفسها؟ هل أخطأت؟ هل اعتذرت؟ هل سامحت؟ هل ظلمت؟ هل أحببت بما يكفي؟ ومن أجمل ما في الروح أنها تستطيع أن تتغير، الإنسان ليس حجرًا يمكن أن يكون قاسيًا ثم يصبح رحيمًا، ويمكن أن يكون جاهلًا ثم يتعلم، ويمكن أن يكون ضائعًا ثم يجد الطريق، ويمكن أن يكون بعيدًا ثم يعود، وهذه القدرة على التغيير في ذاتها نعمة عظيمة؛ فلو كان الإنسان محكومًا بماضيه فقط، لما كان للتوبة معنى، ولو كان الخطأ هو الهوية النهائية للإنسان، لما كان للإصلاح معنى ولكننا نملك القدرة على أن نقول: كنت هكذا، وأريد أن أصبح هكذا، وهذه الجملة قد تكون بداية ولادة جديدة، الولادة ليست مرة واحدة؛ قد يولد الإنسان من أمه مرة، لكنه قد يولد من نفسه مرات كثيرة. يولد عندما يكتشف الحقيقة، ويولد عندما يحب، ويولد عندما يغفر، ويولد عندما يترك شيئًا يؤذيه، ويولد عندما يتوقف عن الكذب على نفسه، ويولد عندما يفهم أن الحياة ليست كلها له، ويولد عندما يكتشف أن الآخرين ليسوا أدوات لتحقيق رغباته، ويولد عندما يعرف أن الإنسان مهما بلغ من القوة سيظل محتاجًا إلى رحمة الله، وهكذا فهمت معنى الروح، الروح ليست كلمة نرددها فقط، إنها ذلك العمق الذي يجعل الإنسان أكثر من جسد، وهي سر لا أستطيع أن أحيط به، وحتى حين أتحدث عنها، أتحدث بلغة بشرية محدودة، لكنني أشعر بها عندما أحب، وعندما أحزن، وعندما أشتاق، وعندما أرى طفلًا يضحك، وعندما أسمع صوتًا قديمًا، وعندما أقرأ قصيدة، وعندما أقف أمام قبر شخص أحببته، وعندما أرفع يدي إلى السماء ولا أعرف ماذا أقول. هناك، في تلك اللحظة، تصبح الكلمات قليلة، ويصبح الصمت أكثر بلاغة، ربما كان الصوفي الحقيقي هو الإنسان الذي يتعلم أن يصمت حين لا تنفع الكلمات، ليس الصوفي من يكثر الكلام عن الله فقط، بل من يرى أثر ذلك الكلام في سلوكه. قد تجد إنسانًا بسيطًا لا يتحدث عن الفلسفة أبدًا، لكنه يطعم فقيرًا، ويساعد جارًا، ويستر عيب إنسان، ويعطي دون أن ينتظر التصفيق، وقد تجد إنسانًا يحفظ مئات الكتب عن التصوف لكنه لا يستطيع أن يسامح، لا أملك أن أحكم على قلوب الناس، لكنني أستطيع أن أقول إن المعرفة التي لا تغير أخلاقنا تحتاج إلى مراجعة، الله هو الجمال، ولذلك أرى الجمال في أشياء صغيرة؛ في شجرة تنبت من أرض قاسية، وفي مطر يسقط على شارع متعب، وفي يد أب تمسك يد طفله، وفي أم تنتظر ابنها، وفي صديق يتذكر وعدًا قديمًا، وفي شخص يعيد مالًا ليس له، وفي إنسان يرفض أن ينتقم وهو قادر، الجمال ليس فقط في اللوحات؛ أحيانًا يكون الجمال موقفًا أخلاقيًا، وقد تكون أجمل صورة للإنسان هي حين يستطيع أن يفعل الشر ولا يفعله، كنت أظن أن القوة هي أن تستطيع إيذاء الآخرين، ثم تعلمت أن القوة الحقيقية هي أن تستطيع ولا تفعل؛ أن تكون قادرًا على الانتقام وتختار الحكمة، وأن تكون قادرًا على الكذب وتختار الصدق، وأن تكون قادرًا على استغلال ضعف شخص وتختار الرحمة، هنا يبدأ الإنسان بالاقتراب من معنى إنساني عظيم، ولعل العبادة ليست فقط في الطقوس، بل في أثرها على الروح؛ فالصلاة التي لا تجعل الإنسان أكثر تواضعًا أمام الناس تحتاج إلى أن يسأل نفسه عن أثرها، والصيام الذي لا يعلمه الرحمة يحتاج إلى مراجعة، والذكر الذي لا يغير اللسان من الكذب إلى الصدق يحتاج إلى وقفة، ليس لأن الطقس بلا قيمة، بل لأن القيمة لا ينبغي أن تنفصل عن الأخلاق، الله ليس فكرة نضعها على رف في داخلنا؛ الله، في روحي، سؤال يسير معي حين أفرح، وحين أحزن، وحين أخطئ، وحين أنجح، وحين أفشل، وحين أحب، وحين أفقد، وحين أكتب، وحتى في لحظات الشك نعم، حتى الشك؛ فالإنسان ليس آلة يقين، وقد تمر عليه لحظات يسأل فيها عن كل شيء، وأنا لا أخاف من الإنسان الذي يسأل بصدق، بل أخاف أكثر من الإنسان الذي لا يسأل أبدًا ويظن أنه امتلك كل الإجابات، كان الليل يعود كل مرة، وكنت أعود معه إلى النافذة نفسها، لكنني لم أعد أسأل: أين الله؟ كنت أسأل: ماذا فعل الله في روحي؟ وهذا السؤال غيّرني، وجدت أنني لا أستطيع أن أبحث عن الله وأكره الناس، ولا أستطيع أن أتكلم عن الرحمة وأكون قاسيًا، ولا أستطيع أن أتحدث عن الحقيقة وأنا أكذب على نفسي، ولا أستطيع أن أطلب المغفرة وأنا أرفض أن أغفر، ولا أستطيع أن أقول إنني أحب الله ثم أحتقر خلقه، في إحدى الليالي كان المطر ينزل بقوة، فخرجت من المنزل ورفعت يدي، ولم أقل دعاءً طويلًا، قلت فقط: يا الله، ثم سكت. شعرت أنني قلت كل شيء؛ لم أطلب مالًا، ولا نجاحًا، ولا انتصارًا، فقط قلت: يا الله، وكأن النداء وحده كان كافيًا، ربما لأن الروح لا تحتاج دائمًا إلى تفسير، وأحيانًا تحتاج فقط إلى أن تشعر أنها ليست متروكة، لقد تعلمت أن الله لا يُختصر في تجربة واحدة؛ لا تستطيع أن تختصره في خوف، ولا في حب فقط، ولا في فلسفة، ولا في علم، ولا في قصيدة، ولا في كتاب، ولا في طقس. الله أعظم من كل هذه الأبواب، لكنها كلها قد تكون نوافذ صغيرة للإنسان، والإنسان نفسه نافذة؛ وجوده سؤال، وعقله سؤال، وروحه سؤال، وموته سؤال، وحبه سؤال، وكلما تقدم في العمر اكتشف أن أعظم الأسئلة ليست تلك التي تجد لها إجابة سريعة، ما معنى أن نكون هنا؟ هذا السؤال ظل يرافقني طويلًا؛ لماذا أنا؟ لماذا في هذا الزمن؟ لماذا في هذه الأرض؟ لماذا ولدت في هذه الأسرة؟ لماذا التقيت هؤلاء الناس؟ لماذا أحببت هؤلاء؟ لماذا فقدت أولئك؟ لماذا انكسرت؟ لماذا نجوت؟ ثم فهمت أنني قد لا أعرف الإجابات كلها، لكنني أستطيع أن أعيش بطريقة تجعل وجودي ذا معنى، وهذا ربما يكفي، نحن لا نختار كل ما يحدث لنا، لكننا نملك شيئًا من الاختيار في الطريقة التي نستجيب بها، قد لا نختار أن نخسر، لكننا نختار ألا نصبح حاقدين، وقد لا نختار المرض، لكننا نستطيع أن نبحث عن الصبر، وقد لا نختار الفقر، لكننا نستطيع أن نحافظ على كرامتنا، وقد لا نختار خيانة شخص لنا، لكننا نستطيع ألا نصبح خائنين، وهنا تظهر حرية الروح، الله تبارك وتعالى وهب الإنسان الإدراك على مراحل؛ في البداية لا يعرف الطفل سوى وجه أمه، ثم يتعلم أسماء الأشياء، ثم الحروف، ثم الكلمات، ثم الجمل، ثم العلوم، ثم يبدأ بالسؤال، ثم يحب، ثم يفشل، ثم ينجح، ثم يرى نفسه في وجه طفل يشبهه، وفجأة يفهم شيئًا لم يفهمه في طفولته: أنه لم يكن مجرد طفل، بل كان بداية سلسلة، وأن الحياة لا تتوقف عند شخص؛ ما تعلمته منه سيذهب إلى غيرك، وما أعطيته لغيرك قد ينتقل إلى من بعده، وكلمة منك قد تصبح فكرة في رأس طفل، وموقف منك قد يصبح درسًا في حياة إنسان، وهكذا تستمر آثارنا، ولهذا أرى أن الشكر ليس مجرد كلمة، حين نشكر الله على الحياة ينبغي أن نحترم الحياة، وحين نشكره على العقل ينبغي أن نستخدم العقل، وحين نشكره على العلم ينبغي ألا نخاف من المعرفة، وحين نشكره على الإنسان ينبغي أن نحترم الإنسان، وحين نشكره على الرحمة ينبغي أن نكون رحماء الشكر الحقيقي يتحول إلى فعل، أما أن نقول "الحمد لله" بألسنتنا ثم نستخدم النعمة في إيذاء الآخرين، فهذه مفارقة تحتاج إلى تأمل، وما لنا علينا، وما علينا لنا؛ كل نعمة تحمل مسؤولية. العقل نعمة لكنه مسؤولية، والقوة نعمة لكنها مسؤولية، والمال نعمة لكنه مسؤولية، والكلمة نعمة لكنها مسؤولية، والشهرة نعمة لكنها مسؤولية، وحتى الكتابة نعمة ومسؤولية. فالكاتب يستطيع أن يبني فكرة، لكنه يستطيع أيضًا أن يهدم إنسانًا، ويمكن للكلمة أن تمنح إنسانًا أملًا، ويمكنها أن تقتله معنويًا. لذلك كلما كتبت حاولت أن أتذكر أن وراء الشاشة أو الورقة إنسانًا قد يقرأ كلمتي في أسوأ يوم من حياته، فماذا أريد أن أترك فيه؟ جرحًا أم نافذة؟ ولذلك أكتب عن الله، لا لأقول إنني عرفت الله، بل لأقول إنني ما زلت أبحث، ولا لأضع الله في كلمات، بل لأكشف عجز الكلمات، ولا لأحكم على الآخرين، بل لأحاكم نفسي، ولا لأقول: أنا وصلت، بل لأقول: أنا في الطريق، وفي الطريق سأخطئ، وسأتعلم، وسأبكي، وسأضحك، وسأحب، وسأفقد، وسأعود، وفي كل مرة أعود فيها سأرفع يدي إلى السماء وأقول: يا الله، لا أعرف كيف أصفك، ولا أعرف كيف أحيط بسر وجودك، ولا أعرف كيف أضعك في جملة، لكنني أعرف أنني حين أنظر إلى الحياة بعين الرحمة تصبح روحي أكثر سلامًا، وحين أصدق أشعر أنني أخف، وحين أغفر أشعر أن شيئًا من القيود ينكسر، وحين أحب دون أن أمتلك أشعر أن الحب يصبح أوسع، وحين أساعد إنسانًا دون أن أنتظر مقابلًا أشعر أن وجودي صار أقل عبثًا. وربما كان هذا أقرب ما أستطيع أن أقوله: إنني لا أملك الله، لكنني أبحث عن الله، ولا أستطيع أن أصف الحقيقة كلها، لكنني أستطيع أن أكون صادقًا في البحث عنها، يا الله، إن كان القلب بيتًا فأصلح بيوتنا من الداخل، وإن كان العقل نافذة فامنحنا بصيرة لا غرورًا، وإن كانت الروح طريقًا فلا تجعلنا نضيع فيها بسبب أنفسنا. علّمنا أن نرى الإنسان قبل أن نحكم عليه، وأن نرى الضعف قبل أن نطالب بالقوة، وأن نفهم الألم قبل أن نسخر منه، وأن نستخدم العلم لنعرف لا لنتكبر، وأن نستخدم الدين لنرتقي لا لنؤذي، وأن نستخدم الكلمات لنضيء لا لنحرق، وأن نعرف أن كل نعمة نحملها هي أمانة، وأن كل إنسان نلتقيه قد يكون درسًا لا نعرف قيمته إلا بعد سنوات، يا الله، اجعلني حين أكتب أتذكر أنني عبد محدود، وحين أعرف أتذكر أن وراء معرفتي بحرًا من المجهول، وحين أنجح أتذكر أنني احتجت إلى الآخرين، وحين أفشل أتذكر أن الفشل ليس نهاية الطريق، وحين أحب لا أجعل الحب قيدًا، وحين أكره أسأل نفسي لماذا، وحين أغضب أتعلم الصمت، وحين أُظلم لا أصبح نسخة من ظالمي، وحين أمتلك القوة أتذكر أن أقوى الناس ليس من يملك القدرة على كسر الآخرين، بل من يملك القدرة على حماية الضعيف، وفي النهاية، ربما تكون كل فلسفة الروح جملة واحدة: أن تعرف أنك لست مركز الكون، ومع ذلك فإن وجودك له قيمة؛ أن تعرف أنك صغير أمام هذا الوجود دون أن تحتقر نفسك؛ أن تعرف أنك لا تملك الحقيقة كلها دون أن تتوقف عن البحث؛ أن تعرف أنك ستموت دون أن تتوقف عن الحياة؛ أن تعرف أنك تخطئ دون أن تجعل الخطأ وطنًا؛ أن تعرف أنك تحتاج إلى الرحمة فتتعلم الرحمة؛ وأن تبحث عن الله فتبدأ أولًا بإصلاح الإنسان الذي يسكن داخلك، وحين جاء الليل مرة أخرى عدت إلى النافذة، وكانت السماء مليئة بالنجوم، وهذه المرة لم أسأل: أين الله؟ جلست فقط، راقبت السماء، سمعت صوت المدينة، تذكرت أمي، وتذكرت الذين أحبهم، وتذكرت الذين رحلوا، وتذكرت أخطائي، وتذكرت أحلامي، ثم أغمضت عيني وشعرت بذلك الصمت العميق الذي لا يشبه صمت الفراغ، كان صمتًا مليئًا بالمعنى. قلت: الحمد لله، ثم لم أقل شيئًا، وكان الصمت هذه المرة هو آخر ما استطاعت روحي أن تقوله. ربما لأن بعض الحقائق لا تحتاج إلى كلام، وربما لأن الإنسان حين يقف طويلًا أمام سر الوجود يدرك أن أعظم الكلمات قد تكون كلمة واحدة، وأن أعظم الدعاء قد يكون صمتًا صادقًا، وأن أعظم رحلة ليست تلك التي يقطع فيها الإنسان آلاف الأميال، بل تلك التي يقطعها من نفسه القديمة إلى نفسه الجديدة، وهكذا بقيت في الطريق، لا أدعي الوصول، ولا أدعي المعرفة الكاملة، ولا أدعي أنني فهمت الله. أنا فقط إنسان صغير يمشي تحت سماء واسعة، يحمل قلبًا مليئًا بالأسئلة، وعقلًا يحاول أن يفهم، وروحًا تبحث عن السلام. وكلما تعبت من الطريق رفعت عيني إلى السماء، وكلما ضاقت بي الحياة عدت إلى داخلي، وكلما أخطأت حاولت أن أعود، وكلما أحببت شعرت أن في العالم شيئًا أكبر مني، وكلما رأيت الرحمة تذكرت أن الرحمة ليست ضعفًا، وكلما رأيت الجمال تذكرت أن الإنسان لم يُخلق فقط ليأكل وينام ويموت، بل ليبحث عن معنى وجوده، وفي نهاية كل ذلك لا يبقى معي سوى السؤال؛ السؤال الذي بدأ به كل شيء: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين أمضي؟ ثم سؤال آخر، أعمق وأهدأ: كيف أعيش هذه الحياة بطريقة تجعل روحي حين تنظر إلى الوراء لا تشعر أنها مرت من هنا عبثًا؟ ربما لن أعرف الإجابة كاملة، وربما لن يعرفها أحد كاملة، لكنني سأستمر في البحث، لأنني أؤمن أن البحث عن الحقيقة أجمل من ادعاء امتلاكها، وأن التواضع أمام الله أصدق من الغرور باسمه، وأن الرحمة أقرب إلى روح الإيمان من القسوة، وأن الإنسان حين يعرف قدره لا يصغر، بل يصبح أكثر حكمة، وأن الله، في عظمة ذاته، لا يحتاج إلى أن نحاصره في تعريف، ولا أن نجعله صورة من صورنا، ولا أن نحوله إلى أداة لخلافاتنا؛ إنه أكبر من ذلك كله، أكبر من اللغة، وأكبر من الفلسفة، وأكبر من التصوف، وأكبر من الخوف، وأكبر من الحب كما نفهمه نحن، وأكبر من كل صورة يرسمها الإنسان في عقله، أما نحن، فما علينا إلا أن نسير، وأن نتعلم، وأن نرحم، وأن نحب، وأن نصلح ما نستطيع إصلاحه، وأن نحفظ ما استُؤمنا عليه، وأن نترك في الأرض أثرًا طيبًا، ثم حين يأتي ذلك اليوم الذي تنتهي فيه خطواتنا نكون قد حاولنا، بقدر ما نستطيع، أن نكون بشرًا يستحقون الرحمة وهكذا، في روحيتي وباطنيتي، لا تنتهي الحكاية عند الله، بل تبدأ، ولا تنتهي عند السؤال، بل يولد السؤال من جديد، ولا تنتهي الروح عند آخر كلمة، بل ربما تكون آخر كلمة هي أول صمت. وفي ذلك الصمت، لا أملك إلا أن أقول: يا الله... ثم أترك للقلب أن يكمل ما عجز عنه القلم.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحقيق صحفي: خيوط متشابكة... قراءة في قضايا بان وسارة وريهام
- الاقتتال الداخلي بين أفراد المجتمع العراقي بسبب العولمة السي ...
- حين تتفتح الورود من دماء الشهداء
- الحملة السياسية الأمنية للزيدي: قيادة ذاتية أم تخطيط ومسرحية ...
- تشييع خامنئي في العراق: بين الموقف السياسي والتفسير الخاطئ
- عاشوراء.. حين تتكلم المدينة
- عاشوراء في مدينة التراب
- حين تتكاتف الأيادي: طريق الشعوب نحو السلام والتنمية
- رقية التي ترى الحياة في الأشياء الصغيرة
- الدوغمائية: حين يتحول الإنسان إلى سجين لفكرة
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية وفكرية
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية واجتماعية
- نحنُ ما نكتبه: كيف تتحول القضايا إلى حضارات خالدة
- النظريات الأممية : الأمة العربية الأسلامية _ الأمة العراقية ...
- دخول العاطفة المذهبية في التحليل السياسي
- المحاصصة الطائفية وتوزيع الفساد بالتساوي
- النفوذ الأيراني في العراق
- نزيف السيادة: كيف تحوّل العراق إلى ساحة نفوذ اقتصادي وسياسي ...
- أبطال من مدينتي؛ مدينة التراب – الحمزة الشرقي
- خفايا تحت الطاولة: بين إيران والعراق ووجود قآني


المزيد.....




- -دهس صور أحمد الشرع خلال احتجاجات الوقود في سوريا-.. ما حقيق ...
- الحوثيون يعلون استهدافهم بـ54 غارة سعودية
- إريتريا.. كيف تتحول الدولة المعزولة إلى محور للتنافس على الب ...
- تقرير يحصي خسائر أمريكية في الخليج جراء الضربات الإيرانية
- مأساة في الكونغو.. جنازة جماعية لـ27 طالبا ضحايا حريق مدرستي ...
- زعيم كوريا الشمالية لبوتين: واثق من انتصار روسيا في -الحرب ا ...
- اشتباكات دامية في أستراليا.. 100 مسلح بالرماح والأقواس يثيرو ...
- البنتاغون يقر بوجود نقص في الذخيرة بسبب الحرب في إيران
- الخارجية الروسية: مقتل 48 مدنيا بينهم ثلاثة أطفال جراء قصف ا ...
- 15 سبتمبر 1998 .. وفاة رينولد جونسون .. أبو محركات الأقراص ا ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جعفر حيدر - في حضرة المجهول: رحلتي إلى الله