أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: عظام الشاة















المزيد.....

قصة قصيرة: عظام الشاة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 00:17
المحور: الادب والفن
    


لم يكن صباح ذلك اليوم يشبه سائر الصباحات. كان القصف الجوي قد بدأ قبل أن تستقر الشمس في كبد السماء، وكانت أصوات الطائرات تتعاقب فوق الخطوط الأمامية كأنها تبحث عن شيء ضائع في ذلك الامتداد الرملي. ارتجفت الأرض تحت وقع الانفجارات، وتصاعد الغبار حتى بدا الأفق محجوباً بستارة صفراء كثيفة، بينما كانت أجهزة الاتصال تلتقط أوامر متقطعة لا تمنح أحداً وقتاً كافياً للتفكير.
في مثل تلك اللحظات، لا يُطلب من الجندي أن يسأل: لماذا؟ بل يُطلب منه أن يكون مستعداً. وكان عليه، بصفته آمر سرية مشاة ترابط في الخطوط الأمامية، أن يستنهض همم جنوده، وأن يبدو أمامهم أكثر ثباتاً مما هو عليه في داخله. هكذا تقول التوجيهات العسكرية، وهكذا تقتضي المسؤولية.
لكنه كان يعرف شيئاً آخر. كان يعرف أن الرجل الذي يُطلب منه أن يمنح الآخرين الشجاعة قد يكون هو نفسه بحاجة إلى من يمنحه إياها.
أخرج المذياع الصغير من جيبه، كما يفعل كلما ضاقت به الدنيا. ظل يستمع إلى الأخبار، وكل خبر كان يهبط على صدره أثقل من سابقه. قال في نفسه:
- لماذا أستمع؟ ماذا سأغيّر؟
ثم عاد يسأل نفسه:
- أأنا آمر السرية الآن، أم مجرد رجل يحاول أن يعرف كيف ينجو؟
هز رأسه كأنه يريد أن يطرد الفكرة:
- لا... ليس هذا وقت التفكير.
لكن الفكرة لم تغادره، لذا نادَى رئيس عرفاء السرية:
- اجمع الجنود. أريد الفصائل الثلاثة هنا... في مقر السرية، بالقرب من موضعي.
أدى رئيس العرفاء التحية وانصرف.
مرت دقائق بدت له أطول من ساعات، ثم عاد:
- سيدي، السرية جاهزة.
خرج من موضعه. كانت الوجوه المتجمعة أمامه مختلفة، لكنها تحمل شيئاً واحداً: انتظاراً صامتاً. كانوا ينظرون إليه كما ينظر الغريق إلى قطعة خشب، لا يسأل إن كانت قوية، بل يتشبث بها لأنها الشيء الوحيد المتاح.
أراد أن يقول شيئاً يرفع معنوياتهم، أراد أن يتحدث عن الصمود، عن الواجب، عن الشجاعة، عن النصر. لكن الكلمات ظلت عالقة في حلقه.
كان المذياع لا يزال في جيبه، وكان آخر خبر سمعه قبل دقائق يقرع رأسه:
- الهجوم واسع... الوضع صعب... الخسائر ستكون كبيرة...
نظر إلى الجنود. ثم نظر إلى الأرض، كانت هناك عظام شاة نافقة، بيضاء متآكلة، ملقاة على مقربة منهم. بدا أنها بقيت هناك أياماً تحت الشمس والريح، حتى لم يبقَ منها سوى الهيكل.
توقف لحظة، ثم أشار إليها:
- انظروا...
توجهت الأنظار إلى العظام. ثم قال بصوت خافت، لم يكن صوت آمر يحاول بث الحماسة بقدر ما كان صوت رجل يتحدث عن يقين يراه أمامه:
- نحن ميتون لا محال.
ساد صمت ثقيل، نظر إلى العظام مرة أخرى، ثم تابع:
- ومن يريد النجاة... عليه أن يفكر في وضع عائلته، أو في وضع نفسه. القرار بيدكم.
لم يفهم الجنود في اللحظة الأولى ما الذي أراد قوله: هل كان يمزح؟ هل أراد اختبارهم؟ هل أصابه الخوف؟ أم أنه كان يقول الحقيقة التي لم يجرؤ أحد على قولها؟
ظل الصمت معلقاً بينهم. أما هو، فعاد إلى موضعه، جلس وحده، ووضع المذياع بجانبه. ثم قال لنفسه:
- ماذا فعلت؟
ثم أجاب نفسه:
- قلت ما كنت أفكر فيه.
- لكنهم جنودك.
- أنا إنسان.
- تذكر أنت آمرهم.
- وهل الرتبة تلغي الخوف؟
رفع رأسه، كان بعض الجنود لا يزالون ينظرون إليه من بعيد.
تمتم:
- ربما أخطأت...
ثم جاءه صوت داخلي آخر:
- بل ربما قلت الحقيقة متأخراً جداً.
في تلك الليلة، لم ينم أحد بسهولة. وفي الصباح، كانت المفاجأة أثقل من كل ما توقعه، نصف السرية تقريباً اختفى. تركوا مواضعهم الدفاعية، وانسحبوا في الظلام، كل واحد منهم يحمل في صدره صورة بيت، أو أم، أو زوجة، أو طفل، أو خوفاً لم يجد له اسماً.
وصل الخبر إلى المراجع العسكرية، لم يمض وقت طويل حتى جاءه التبليغ:
- لقد وُضعت ضمن قائمة المهولين.
شعر أن الأرض تميد تحت قدميه.
- مهول؟
كرر الكلمة في نفسه.
- أنا؟
ثم ابتسم بمرارة.
- أليس المهول هو من يرى الموت ثم يقول إنه لن يأتي؟
لكنه سرعان ما أدرك أن الأسئلة لن تنقذه. لذا قال له الضابط الذي كان معه:
- الوضع حرج جداً. عليك أن تكسب ود المراجع بأي طريقة.
- وكيف؟
- أنت تعرف كيف تفعل ذلك.
نظر إليه.
- ماذا تقصد؟
- المزحة... أنت بارع فيها. قل إنك كنت تمزح، وإن ما حدث لم يكن أكثر من مزحة لرفع المعنويات.
ظل صامتاً. كان يعلم أن المزحة التي تضحك الآخرين قد تكون أحياناً قناعاً للخوف.
ذهب معه. حاول بكل ما أوتي من فطنة أن يغيّر الصورة التي تشكلت عنه. ابتسم، وأطلق بعض النكات، وأعاد تفسير كلماته، وقال إن حديثه أمام الجنود لم يكن سوى مزحة ثقيلة أراد بها أن يختبر معنوياتهم.
ضحك بعضهم، وسكت آخرون. أما هو فلم يضحك. فمنذ ذلك اليوم، أصبح قليل الكلام، يستمع إلى الأخبار أكثر مما يتحدث. كان يضع المذياع قرب أذنه، ثم يبعده، ثم يعيده. وفي كل مرة يسمع خبراً جديداً، كان السؤال ذاته يعود:
- إلى متى؟
وكان يجيب نفسه:
- حتى تنتهي.
ثم يسأل:
- وماذا سينتهي؟ الحرب... أم نحن؟
تمر الأيام ثقيلة. لا أحد يعرف متى يبدأ الهجوم، ولا من أين يأتي، ولا كم ستبقى المواقع صامدة.
وفي إحدى الليالي، جلس مع ذلك الضابط الذي ضمن سريته. كان الظلام كثيفاً، والريح تحرك الرمل حول الموضع الدفاعي، والمذياع الصغير يرسل صوتاً بعيداً من إذاعة دولة أخرى.
استمع، كانت النشرة أكثر قسوة من سابقاتها: الوضع صعب جداً، الهجوم قادم لا محال، القوة القادمة أكبر، والجيش قد لا يستطيع الصمود.
أغلق المذياع، بقي ساكناً. ثم أعاد فتحه، استمع إلى الجملة ذاتها مرة أخرى. أغلقه، مرر يده على وجهه، كان وجهه قد تمعّر من شدة الإرهاق والخوف. ثم قال:
- إلى متى أبقى أختبئ خلف الكلمات؟
ثم نظر حوله، لم يكن هناك سوى ذلك الضابط الذي يراقب انهياره الداخلي، لذا قال بصوت مسموع:
- أنا مهول.
صمت قليلاً، ثم أضاف:
- وليكن ما يكون.
مد يده إلى المنضدة التي أمامه، وأخرج ورقة بيضاء، وضعها أمامه، كتب اسمه، ثم وقع. ظل ينظر إلى توقيعه طويلاً، كان اسمه على الورقة يبدو غريباً، كأنه يخص رجلاً آخر. رفع الورقة، ابتسم ابتسامة لا هي انتصار ولا هي استسلام، ثم طواها ووضعها تحت المذياع.
في الخارج، كانت السماء تتهيأ لشيء لا يعرف أحد اسمه. وعلى بعد أمتار، بقيت عظام الشاة في مكانها، بيضاء تحت ضوء القمر. هبّت الريح، فدحرجت إحدى العظام قليلاً، ثم توقفت.
وفي الصباح، لم يعرف أحد:
- هل كانت تلك الورقة اعترافاً؟ أم استقالة من الخوف؟ أم توقيعاً أخيراً على أن الإنسان، حين يُدفع إلى حرب لا يفهم معناها، قد لا يملك في النهاية سوى أن يكتب اسمه... ثم ينتظر ما ستفعله به الريح؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: خيط في الظلام
- مهلاً أيها الصرح
- قصة قصيرة: الجسد الهامد
- الطريق الذي لا يصفق له أحد
- قصة قصيرة: مرافئ التيه
- نص نثري: حين تستيقظ الأجداث
- حينما تنطق الأمكنة: الفقد بوصفه انتقالاً من المكان إلى الذاك ...
- نص نثري: حين يمطر نيسانُ جفافاً
- حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
- قصة قصيرة: لم أطلب مصحفاً
- نص نثري: هل أنا موجود
- قصة قصيرة: الغرق
- انتظار... نص نثري
- حين يصبح الحلم فضاءً بعيداً: تأملات في وجع المرأة في مجموعة ...
- قصة قصيرة: سرابُ العمر
- قصة قصيرة: سحرُ الأوهام
- لهيب الصمت
- قصة قصيرة: تجذر الصفة
- قصة قصيرة: وكان الحل
- قصة قصيرة: فريسة الوهم


المزيد.....




- مصر.. توصية بتفكيك تمثال رمسيس الثاني بالكرنك
- وزير ثقافة الاحتلال يطالب بسحب جنسية مخرجي فيلم وثائقي عن غز ...
- بتهمة الخيانة.. وزير إسرائيلي يتوعد بسحب الجنسية من مخرجَي ف ...
- جولة بسمرقند.. جوهرة طريق الحرير وموطن العلماء والحكام التيم ...
- تونس.. وفاة الموسيقار محمد القرفي عن عمر يناهز 78 عامًا
- -بينها مؤلفات نادرة-.. شركات الذكاء الاصطناعي تدمر ملايين ال ...
- باريس تحتفي بعودة سيلين ديون إلى الغناء
- مصدر أمني مصري يعلق على واقعة متداولة بشأن ممثلة أفلام إباحي ...
- فيلم عن قتل المدنيين في غزة يتوج في مهرجان البندقية
- ريان غارسيا يسقط كونور بن بالضربة الفنية القاضية (فيديو)


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: عظام الشاة