أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - صدمة فيلم نازا- أعتراف جنود الاحتلال الاسرائيلي-تعمدنا قتل الأطفال في غزة















المزيد.....


صدمة فيلم نازا- أعتراف جنود الاحتلال الاسرائيلي-تعمدنا قتل الأطفال في غزة


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 02:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


صدمة فيلم نازا- أعتراف جنود الاحتلال الاسرائيلي-تعمدنا قتل الأطفال في غزة.

الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية

في العاشر من سبتمبر 2026، وقف الحاضرون في مهرجان البندقية السينمائي الدولي يصفقون لمدة 24 دقيقة ونصف – أطول تصفيق في تاريخ المهرجان – بعد عرض فيلم وثائقي إسرائيلي بعنوان “نازا”. لم يكن هذا التصفيق احتفالاً بسينما مبدعة، بل كان صرخة إنسانية في وجه رعب موثق. الفيلم، الذي أخرجه يوفال أبراهام وراشيل زور – الحائزان على جائزة أوسكار عن فيلم “لا أرض أخرى” – يستند إلى تحقيق استغرق ثلاث سنوات، ويعرض شهادات 24 جندياً وضابطاً إسرائيلياً من وحدة الاستخبارات 8200 وغيرها من الأجهزة الأمنية، تكلموا خلف كاميرات معتمة على أسطح مباني تل أبيب، بأصوات معدلة ووجوه مخفية، ليرووا ما رأوه وما فعلوه في غزة. اسم الفيلم نفسه ليس بريئاً: “نازا” اختصار عسكري عبري يعني “الأضرار الجانبية” – وهو المصطلح البيروقراطي الذي تستخدمه إسرائيل للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع قتلهم في أي غارة جوية. هذا الفيلم ليس مجرد وثيقة سينمائية، بل هو اعتراف من داخل الآلة نفسها، وكشف لبنية منظومة قتل مصممة بعناية، تعمل بكفاءة صناعية، وتُدار من خلف شاشات الكمبيوتر في مكاتب مكيفة في تل أبيب.

-السؤال الإشكالي:

كيف يمكن لجهاز عسكري اسرائيلي يوصف بأنه “أخلاقي” و”الأكثر أخلاقية في العالم” أن يتحول إلى مصنع للقتل الجماعي في غزة؛ وكيف تتشكل منظومة كاملة من الجنود إلى الضباط إلى خبراء الذكاء الاصطناعي؛ تسمح بقتل أكثر من 20,000 طفل فلسطيني خلال عامين في غزة، ثم تصف ذلك بأنه “أضرار جانبية” ؛وإذا كان هؤلاء الجنود أنفسهم، من داخل الجهاز، يعترفون بأن ما جرى لم يكن “نتيجة عرضية للحرب” بل “فعلاً متعمداً ومحسوباً”، فما الذي يعنيه ذلك للعدالة الجنائية الدولية وللإنسانية جمعاء.

أولاً: “نازا” — فيلم يكشف آلة القتل المخطط لها في قطاع غزة.

عرض فيلم “نازا” لأول مرة في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية، وكان الفيلم الوثائقي الوحيد المتنافس على جائزة الأسد الذهبي. أنتجه الصحفي البريطاني جيم ويلسون بالتعاون مع صحيفة “الغارديان”، ويشارك في الإنتاج التنفيذي جوناثان غليزر، مخرج فيلم “منطقة الاهتمام” الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل فيلم دولي عام 2024. الفيلم ليس مجرد مجموعة مقابلات متناثرة، بل هو مونتاج دقيق لشهادات متقاطعة تكشف كيفية عمل منظومة استهداف كاملة، من لحظة جمع المعلومات الاستخباراتية إلى لحظة إسقاط القنبلة.

ما يميز “نازا” عن غيره من الأفلام الوثائقية عن قطاع غزة؛ هو أن الرواة هم الجلادون أنفسهم. لم يكن هناك فلسطينيون يروون ما حدث لهم؛فهم إما قُتلوا أو شردوا أو لا يملكون منصة. بل كان جنوداً وضباطاً إسرائيليين، بعضهم لا يزال في الخدمة الفعلية في جيش الاحتلال الاسرائيلي، وبعضهم غادرها، يتحدثون عن أنفسهم وعن نظامهم. قال المخرج يوفال أبراهام في مؤتمر صحفي بالبندقية، “قلنا لهؤلاء الضباط؛من فضلكم، صفوا لنا ما فعلتم؛ كيف تعمل هذه الأنظمة، اشرحوا لنا الأمر باختصار”. وأضاف، “أحياناً، بمجرد طرح الأسئلة، نحصل على الإجابات؛ بعضهم لم يبد ندمًا، وبعضهم أبدى؛ بعضهم تحدث بدافع اللامبالاة، وبعضهم بدافع الكبرياء”.

الفيلم صُوِّر ليلاً على أسطح مبانٍ في تل أبيب، وتم تعديل ملامح المشاركين وأصواتهم رقمياً للحفاظ على هوياتهم من الكشف. وكان العديد ممن أجريت معهم المقابلات يعملون في وحدة استخبارات سرية تتبع مباشرة لمكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وقال أحدهم إن مهمتهم كانت “إفشال السلام”. هذا التفصيل وحده يكشف أن ما جرى في غزة لم يكن رد فعل عسكرياً على هجوم السابع من أكتوبر، بل كان نتيجة لسياسات مبيتة، وثقافة مؤسسية، ومنظومة أيديولوجية ترفض أي حل سلمي في المنطقة مع الفلسطينيين برعاية ودعم نتنياهو.

ثانياً: منظومة“لافندر” و”الإنجيل” عندما يصبح القتل صناعة رقمية في غزة.

أكثر ما يثير الرعب في شهادات “نازا” هو التفاصيل التقنية لمنظومة الذكاء الاصطناعي التي استخدمها الجيش الإسرائيلي لقتل الاطفال في غزة. تحدث الجنود عن نظام يُعرف باسم “لافندر” (Lavender)، وهو نظام دعم قرار بالذكاء الاصطناعي، يعتمد على شبكة الاتصالات الفلسطينية المُراقبة بشكل كامل؛ تراقب المكالمات الهاتفية والتحركات والتفاعلات ، لتحديد أهداف الاغتيال. وقال أحد المشاركين في الفيلم، “كان ذلك يُنفَّذ على نطاق جماعي، مثل مصنع”. وأضاف آخر شارك في تحديد الأهداف أن العملية “مثل لعبة فيديو، لأن كل شيء يُنفَّذ عن بُعد”، وأنها “ممتعة بجنون”.

نظام “لافندر”، بحسب تقرير مجلة +972 وLocal Call، حدد 37,000 شخص كأهداف محتملة للقصف في الأسابيع الأولى من حرب الابادة على غزة. والأخطر من ذلك أن الجنود الإسرائيليين الذين استخدموا “لافندر” كانوا يُمنحون 20 ثانية فقط لمراجعة كل ضربة لقتل الفلسطينيون قبل الموافقة عليها. عشرون ثانية لتقرير مصير عائلة فلسطينية بأكملها. هذا ليس استهدافاً دقيقاً، بل هو قتل جماعي مؤتمت.

وإلى جانب منظومة “لافندر”، استخدم الجيش الإسرائيلي نظاماً آخر يُسمى “الإنجيل” (The Gospel/Habsora)، الذي طوّرته الوحدة 8200. هذا النظام، وفقاً لتقارير عسكرية، يعمل بسرعة تفوق البشر بخمسين مرة، وقادر على تحديد أكثر من 200 هدف في 10 إلى 12 يوماً، ويصل إلى 100 هدف يومياً، مما أكسبه اسم “مصنع الأهداف”. هناك أيضاً نظام اسمه“وين بابا” (Where’s Daddy) الذي يتتبع مواقع الأفراد قبل الضربات المحتملة لقتلهم.

المشكلة في هذه الأنظمة ليست تقنية فحسب، بل قانونية وأخلاقية. فقد خلصت دراسة أكاديمية إلى أن أنظمة “لافندر” و”الإنجيل” و”واين بابا” “لا تتوافق مع متطلبات القانون الدولي الإنساني بحكم تصميمها، بحيث لا يمكن استخدامها بشكل قانوني”. لكن هذا لم يمنع دولة الاحتلال الإسرائيلي من استخدامها. بل على العكس، أصبحت هذه الأنظمة نموذجاً تصديرياً للدول الأخرى بعد نجاحها بالقتل والابادة في غزة، مما يثير مخاوف من تحول غزة إلى “مختبر” لتقنيات عسكرية ستُستخدم لاحقاً في صراعات أخرى حول العالم.

ثالثاً: “تعمدنا قتل الأطفال في غزة” — اعترافات لا تقبل التأويل من جنود الاحتلال الاسرائيلي.

في ذروة الفيلم، تأتي الشهادة الأكثر إثارة للصدمة. يقول أحد الجنود، بصوت معدل لكن بنبرة لا تحتمل التأويل، “كان ذلك قتلاً متعمداً. كنا نتعمد قتل الأطفال الفلسطينيين في غزة؛أشعر بخيبة أمل. هذه إبادة جماعية استمرت عامين من اكتوبر2023 إلى اكتوبر2025.

لقد ذبحنا السكان الفلسطينيين في غزة؛باستخدام قناصة أثناء وقوفهم في طابور للحصول على الطعام”. هذه ليست رواية منظمة حقوقية، وليست تقريراً من الأمم المتحدة، بل اعتراف مباشر من جندي إسرائيلي شارك في القتل في غزة.

الفيلم نازا، يوثق أيضاً أن الجنود دولة الاحتلال الاسرائيلي،كانوا يخترقون هواتف المستهدفين ببرامج الذكاء الاصطناعي، ويستمعون سراً إلى محادثاتهم مع زوجاتهم وأطفالهم، قبل لحظات من قتلهم جميعاً. ويصف المشاركون تدمير أحياء سكنية كاملة، حيث قدّر جيش الاحتلال الإسرائيلي أن ما يصل إلى 25% من سكان قطاع غزة في بعض المناطق ؛ ما زالوا يحتمون فيها ولم يغادروها، ومع ذلك قرر الجيش قصفها. كما يتضمن الفيلم شهادات عن إحراق منازل المدنيين بشكل منهجي، وقتل مدنيين في مواقع توزيع المساعدات الغذائية في غزة.

يقول يوفال أبراهام وزور في مقال مشترك في مجلة +972،“خلصنا إلى أن قتل المدنيين الفلسطينيين في غزة لم يكن ‘نتيجة عرضية مأساوية’ لحرب ضد حماس؛ بل كان فعلاً متعمداً ومحسوباً”. هذا الاستنتاج ليس مجرد رأي شخصي؛ إنه خلاصة شهادات عشرات الجنود الإسرائيليين الذين وصفوا كيف كانت القرارات تُتخذ في غزة، وكيف كانت الأهداف تُختار، وكيف كانت العائلات تُقتل بأكملها.

رابعاً: القانون الدولي في مواجهة آلة القتل.

الشهادات في فيلم “نازا” ليست معزولة عن السياق القانوني الدولي. ففي سبتمبر 2025، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أن إسرائيل ارتكبت أربعة من خمسة أفعال محظورة بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948، وهي القتل، إلحاق أذى جسدي أو نفسي خطير، فرض ظروف معيشية تهدف إلى التدمير الجسدي، وفرض تدابير تهدف إلى منع الإنجاب. وقالت رئيسة اللجنة، نافي بيلاي، “الإبادة الجماعية المستمرة في غزة هي فضيحة أخلاقية وحالة طوارئ قانونية”.

أيضاً في يونيو 2026، أصدرت اللجنة تقريراً جديداً خلصت فيه إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي (استهدفت الأطفال الفلسطينيين عمداً)، وأن هذا الاستهداف يرقى إلى جريمة الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. ووجدت اللجنة أن حوالي 30% من القتلى في غزة بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025 كانوا أطفالاً، وصل عددهم إلى أكثر من 20,000 طفل. وقالت اللجنة إن “استهداف الأطفال عمداً هو أحد العناصر الرئيسية التي تثبت نية الإبادة الجماعية”.

منظمة العفو الدولية أيضاً خلصت في تقريرها السنوي لعام 2026 إلى أن إسرائيل “استمرت في ارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في عام 2025”، وأن “الإبادة الجماعية الإسرائيلية لم تنته” رغم وقف إطلاق النار المعلن في10- أكتوبر 2025. وأشارت المنظمة إلى أن 136 طفلاً على الأقل قُتلوا في هجمات إسرائيلية بعد إعلان وقف إطلاق النار.

هذه التقارير، إلى جانب الشهادات الحقيقية في فيلم“نازا”، ترسم صورة متكاملة، ما جرى في غزة لم يكن “حرباً على حماس”، بل كان حملة ممنهجة لتدمير الشعب الفلسطيني، باستخدام أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبغطاء من الصمت الدولي، وبإفلات اسرائيلي شبه كامل من العقاب.

خامساً: الوحدة 8200 — مصنع التقنيات ومصنع الصمت.

تستحق الوحدة 8200 الإسرائيلية اهتماماً خاصاً، فهي ليست مجرد وحدة استخبارات إلكترونية، بل هي “حاضنة” لشركات التكنولوجيا الإسرائيلية ومصنع للتقنيات التي تُستخدم في الاحتلال والمراقبة. الوحدة، التي تضم آلاف المتخصصين في البرمجة والأمن السيبراني وتحليل البيانات، طوّرت أنظمة مثل “لافندر” و”الإنجيل” و”أين بابا” التي استُخدمت للقتل في غزة.

في سبتمبر 2025، كشف تحقيق لصحيفة “الغارديان” أن الوحدة 8200 استخدمت منصة “أزور” (Azure) التابعة لشركة مايكروسوفت لتطوير نظام مراقبة واسع النطاق استهدف الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث كان النظام قادراً على معالجة مليون مكالمة هاتفية في الساعة. هذا التحقيق دفع مايكروسوفت إلى قطع تعاونها مع الوحدة، لكن الأضرار كانت قد وقعت بالفعل ضد الفلسطينيين في قطاع غزة وتم قتل الاف منهم.

ما يجعل الوحدة 8200 خطيرة بشكل خاص هو أنها تعمل كجسر بين الجيش دولة الاحتلال الاسرائيلي؛وشركات التكنولوجيا. جنودها السابقون يؤسسون شركات ناشئة في مجال الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، ثم يبيعون تقنياتهم للجيش الإسرائيلي ولدول أخرى. بهذه الطريقة، تتحول غزة إلى سوق تجريبي لتطوير أساليب القتل عبر التكنولوجيا الحديثة؛ تُختبر تقنيات القتل على الفلسطينيين، ثم تُصدَّر إلى العالم كمنتجات “مُجرَّبة وناجحة ميدانياً”.

سادساً: الصمت الغربي — تواطؤ أم عجز.

السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذه الاعترافات الحقيقية التي جاءت في فيلم نازا ، (لماذا لا يزال الغرب، وخاصة الولايات المتحدة وأوروبا، يدعم إسرائيل عسكرياً وسياسياً)، يقول يوفال أبراهام في الفيلم، “أولئك منا داخل إسرائيل وفلسطين الذين يحاولون النضال من أجل التغيير يحتاجون إليكم. أنتم تضعفون الناس في الداخل الذين يدعمون حقوق الإنسان والحل السياسي برفضكم التحرك”.

الفيلم نفسه (نازا)، قد يكون محاولة لتحريك الرأي العام الغربي. فالتصفيق الحار جدا في البندقية لمدة 24 دقيقة ونصف؛ يشير إلى أن هناك تعاطفاً واسعاً مع القضية الفلسطينية في الأوساط الثقافية الأوروبية. لكن التعاطف الثقافي لا يترجم إلى تغيير سياسي. فالحكومات الغربية لا تزال (تبيع الأسلحة لإسرائيل)، ولا تزال واشنطن تستخدم حق النقض في مجلس الأمن لحمايتها، ولا تزال بعض الدول مثل المانيا تصنف أي انتقاد لإسرائيل بأنه “معاداة للسامية”.

الفيلم نازا؛ يكشف أيضاً أن بعض الجنود الإسرائيليين أنفسهم بدأوا يتحدثون. هذا ليس مجرد فضح، بل هو أيضاً دعوة للمجتمع الدولي للتحرك. لكن التحرك لا يأتي من فراغ؛ يحتاج إلى ضغط شعبي، وإلى إرادة سياسية، وإلى محاسبة حقيقية؛ وهذه كلها غائبة حتى الآن.

سابعاً: من الفيلم “نازا” إلى محكمة لاهاي — مسارات العدالة الممكنة.

شهادات القتل في الفيلم “نازا” ليست مجرد مادة إعلامية، بل هي أدلة قانونية محتملة؛يمكن استخدامها في المحكمة الجنائية الدولية، وفي قضية الإبادة الجماعية المرفوعة من دولة جنوب أفريقيا ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي في محكمة العدل الدولية. كما يمكن استخدامها في المحاكم الوطنية للدول التي تطبق الولاية القضائية العالمية بصفتهم اعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، مثل إسبانيا وبلجيكا وأغلب الدول الأعضاء وعدد 124 عضوا؛ لكن التحدي الأكبر هو أن إسرائيل ليست طرفاً في المحكمة الجنائية الدولية، ولن تسلّم مواطنيها لهذة المحاكم في هذه الدول. ومع ذلك، فإن المحاسبة لا تقتصر على المحاكم؛ بل يمكن أن تشمل (العقوبات الاقتصادية، وحظر السفر على بعض القادة المتورطين، وتجميد الأصول، ووقف تصدير الأسلحة وقطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل؛ كل هذه أدوات متاحة يمكن تنفيذها ضد دولة الاحتلال الاسرائيلي، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية وقرار من هذه الحكومات التي تتغنى بحقوق الإنسان.

الفيلم ( نازا انتاج 2026) ،قد يكون أداة ضغط؛ حيث تم عرضه في مهرجان البندقية، وهو واحد من أهم المهرجانات السينمائية في العالم، يضمن له تغطية إعلامية واسعة. وقد يدفع بعض الدول إلى إعادة النظر في علاقاتها مع إسرائيل؛ لكن الفيلم وحده لا يكفي؛ بل يحتاج إلى حركة شعبية، وإلى قيادة سياسية، وإلى إرادة جماعية لوقف هذا الرعب والقتل والابادة الجماعية في فلسطين وتحديدا في قطاع غزة.

-اقتراحات:

1. تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تضم خبراء في القانون الدولي الإنساني وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، تكون مهمتها جمع الأدلة من شهادات فيلم “نازا” وغيرها من المصادر، والتحقق منها، وإعداد ملف قانوني شامل يمكن تقديمه إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ وكذلك لمحكمة العدل الدولية. كما يجب أن تكون هذه اللجنة مستقلة تماماً عن أي ضغط سياسي، وأن تعمل بشفافية كاملة، وأن تنشر تقاريرها الدورية للرأي العام العالمي.

2. فرض عقوبات دولية ملزمة على دولة الاحتلال الإسرائيلي تشمل وقف تصدير الأسلحة والتقنيات العسكرية، وحظر التعامل مع الشركات الإسرائيلية التي تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الاستهداف وقتل الأطفال والأبرياء المدنيين في قطاع غزة ، وتجميد أصول المسؤولين السياسيين والعسكريين في اسرائيل من المتورطين في جرائم حرب وجريمة الابادة الجماعية في غزة. هذه العقوبات يجب أن تكون ملزمة بقرارات من مجلس الأمن، وأن تُنفَّذ بشكل جماعي، لا فردي؛أو من طرف الدول التي تدعم تنفيذ العدالة الدولية.

3. ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحاكم الوطنية في الدول التي تطبق الولاية القضائية العالمية وتحديدا الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية وعددهم 124 دولة، مثل إسبانيا وبلجيكا وفرنسا وبريطانيا وغيرهما.

كما يجب أن تشمل الملاحقة القانونية لتنفيذ مبدأ عدم الإفلات من العقاب؛ليس فقط القادة السياسيين والعسكريين، بل أيضاً المطورين التقنيين الذين صمموا (أنظمة مثل “لافندر” و”الإنجيل” "وأين بابا"، والجنود الإسرائيليين الذين نفذوا عمليات القتل المباشر. هذه الملاحقات يمكن أن تكون رمزية في البداية، لكنها ستخلق سابقة قانونية مهمة على الصعيد الدولي.

4. دعم وإسناد الشهادات الفلسطينية من خلال إنشاء صندوق دولي لتوثيق شهادات الناجين من غزة، وجمع الأدلة الميدانية، وحفظ الأرشيف الرقمي للجرائم المرتكبة. الشهادات الفلسطينية يجب أن تكون في قلب أي تحقيق دولي، لأنها تمثل صوت الضحايا الذين لم يسمعهم العالم بعد. يجب أيضاً دعم المنظمات الحقوقية الفلسطينية التي تعمل في ظروف بالغة الصعوبة وتفرض عليها دولة الاحتلال الاسرائيلي عقوبات؛بل صنفتها انها منظمات غير قانونية و معادية لاسرائيل.

5. حملة توعية دولية واسعة النطاق تستهدف الرأي العام في الدول الغربية بشكل خاص، من خلال عرض فيلم “نازا” في الجامعات والمراكز الثقافية والنقابات العمالية، وتنظيم ندوات وحلقات نقاش مع المخرجين والشهود والخبراء القانونيين. الهدف هو كسر الصمت الإعلامي، وفضح اكاذيب الرواية الإسرائيلية الرسمية لتبرير الابادة الجماعية في غزة، وخلق ضغط شعبي على الحكومات المتخاذلة مع اسرائيل،لاتخاذ مواقف أكثر جرأة.

6. مراجعة التعاون التقني والعسكري مع دولة الاحتلال الإسرائيلي من قبل الحكومات والشركات الكبرى، مثل مايكروسوفت وأمازون وجوجل، التي تتعاون مع الوحدة 8200 وغيرها من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية. يجب أن تُوقف هذه الشركات تعاونها فوراً، وأن تُنشر تقارير شفافة عن طبيعة هذا التعاون مع دولة الاحتلال الاسرائيلي، وأن تُحاسَب على أي تواطؤ في انتهاكات حقوق الإنسان؛ حيث إن الضغط على هذه الشركات سيكون فعالاً لأنها حساسة وسوف تؤثر على سمعتها وتعاملاتها المالية.

1. محاولة إحياء مسار السلام على أساس القانون الدولي، وليس على أساس مبدأ“حل الدولتين” الذي أصبح فارغاً من مضمونه بسبب الاستيطان الإسرائيلي والتوسع الصهيوني في الضفة والقدس العربية المحتلة. كما يجب أن يكون أي مسار سلام مبنياً على إنهاء الاحتلال الاسرائيلي من فلسطين، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينين، وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة على حدود 1967،تكون متشابكة جغرافيا؛ومتواصلة مع القدس العربية المحتلة بصفتها عاصمة فلسطين. هذا المسار يحتاج إلى رعاية دولية حقيقية، لا إلى وساطة أمريكية منحازة تعمل على ادارة الصراع وليس حله منذ اتفاقية أوسلو عام 1993 والى يومنا هذا الابادة الجماعية في قطاع غزة من اكتوبر2023 إلى أكتوبر 2025؛واستمرار سياسة القتل في غزة والضفة حتى سبتمبر 2026 تاريخ كتابة هذا المقال.

ختاماً،فيلم “نازا” المنتج عام 2026؛ ليس مجرد وثيقة سينمائية عن حرب الابادة في غزة؛ إنه مرآة تعكس انحداراً أخلاقياً أعمق في المجتمع الإسرائيلي، ويثبت تحوّل جيش الاحتلال الاسرائيلي الذي كان يوصف بأنه “الأكثر أخلاقية في العالم” إلى آلة قتل مؤتمتة، تُدار من خلف شاشات الكمبيوتر، وتستخدم لغة بيروقراطية مثل مصطلح “نازا” ومصطلح ”الأضرار الجانبية” لإخفاء حقيقة بشعة، (أن قتل الأطفال في غزة كان سياسة اسرائيلية برعاية المجرم/نتنياهو، وليس حادثاً عرضياً أدى لمقتل أكثر من 20 الف طفل فلسطيني في غزة)؛ وأن شهادات جنود جيش الاحتلال الاسرائيلي؛ ليست اعترافات فردية بالذنب، بل هي وثائق اتهام لنظام كامل « سياسي وعسكري وتقني »، أراد تدمير شعب فلسطين بأكمله في قطاع غزة.

لكن الاعتراف وحده لا يكفي؛ بل ما نحتاجه الآن هو إرادة دولية للمحاسبة اسرائيل على جرائمها في غزة والضفة والقدس المحتلة، وضرورة توفر ضغط شعبي دولي لوقف التواطؤ مع دولة الاحتلال الاسرائيلي، والتضامن الحقيقي مع الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت القصف والحصار منذ أكثر من عامين من اكتوبر 2023 إلى أكتوبر 2025 والاستمرار حتى أواخر 2026. “فيلم نازا 2026” قد يكون بداية، لكنه ليس النهاية. ربما النهاية ستأتي عندما يدرك العالم أن الصمت على الإبادة الجماعية في غزة هو جريمة بحد ذاته؛ وعندما يقرر العالم الحر، أن هذه الجرائم يجب أن “لا تتكرر ” ؛وان لا يكون مجرد شعار أجوف، بل التزام أخلاقي وقانوني لا يقبل المساومة ويفرض على دولة الاحتلال الاسرائيلي عقوبات اقتصادية ودبلوماسية وتجميد أموال جميع القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين المتورطين في ارتكاب جرائم حرب في فلسطين؛وتنفيذ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.

-مراجع:

1. فيلم “نازا” (NAZA)، إخراج يوفال أبراهام وراشيل زور، إنتاج صحيفة الغارديان، 2026، عرض أول في مهرجان البندقية السينمائي الدولي.
2. «نازا» يكشف المستور.. شهادات إسرائيلية عن «القتل الجماعي» في غزة، العين الإخبارية، 10 سبتمبر 2026.
3. فيلم «نازا».. شهادات تكشف أسرار آلة القتل الإسرائيلية في غزة، الوطن، 10 سبتمبر 2026.
4. فيلم جديد يوثّق شهادات عسكريين إسرائيليين عن عمليات قتل في غزة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فرانس 24، 10 سبتمبر 2026.
5. شهادات من الجنود.. وثائقي يكشف أساليب إسرائيل السرية في القتل الجماعي بغزة، الجزيرة نت، 10 سبتمبر 2026.
6. NAZA: Film exposing systematic killing in Gaza gets record 24-minute standing ovation at Venice, Middle East Eye, 10 September 2026.
7. Gaza documentary ‘NAZA’ gets record 25 minute standing ovation at Venice premiere, Khaleej Times, 11 September 2026.
8. Israeli film on Gaza receives 25-minute ovation at Venice premiere, Al Jazeera English, 11 September 2026.
9. فيلم إسرائيلي يكشف منظومة القتل المدعومة بالذكاء الاصطناعي في غزة، عرب 48، 11 سبتمبر 2026.
10. The proliferation of AI-enabled military technology in the Middle East, International Institute for Strategic Studies, 2 April 2026.
11. Amnesty International, “Israel’s genocide against Palestinians ‘not over’ despite ceasefire,” 27 November 2025.
12. Human Rights Watch, World Report 2026: Israel and Palestine, 4 February 2026.
13. UN Independent International Commission of Inquiry on the Occupied Palestinian Territory, Report on the targeting of Palestinian children in Gaza, 23 June 2026.
14. UN Commission of Inquiry, Report on genocide in Gaza, September 2025.
15. Independent U.N.-commissioned experts accuse Israel of targeting Gaza children, repeated genocide claim, Los Angeles Times, 24 June 2026.
16. غزة: لجنة تحقيق أممية تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في القطاع الفلسطيني باستهداف الأطفال عمداً، BBC News عربي، 23 يونيو 2026.
17. Israel is committing genocide in Gaza, major United Nations report finds, ABC News, 16 September 2025.
18. تقرير أممي: استهداف إسرائيل لأطفال غزة يرقى إلى إبادة جماعية، هسبريس، 23 يونيو 2026.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صناعة القادة المخادعين عبر براند سياسي
- الذكاء الاصطناعي في الأبحاث وأطروحات الدكتوراه بين الرفض وال ...
- الجيوبنيوية القوة والمركز والمنطق البنيوي – مقاربة نظرية في ...
- بلطجة أمريكية جديدة تفرض عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية ا ...
- اتفاق مكة الثلاثي يحتاج للطرف الرابع إيران كفاعل أساسي لاستق ...
- الدول غير الأعضاء في الأمم المتحدة- الأسباب، الآثار، والتأثي ...
- المعايير المزدوجة للإعلام الغربي- لماذا تغطى أحداث سبتة وتُه ...
- نتنياهو وفلسفة تعطيل السلام عبر عقود من الجمود السياسي وموت ...
- الهند تحولت إلى شريك اسرائيل في الإبادة الجماعية بقطاع غزة
- كيف نتجاوز خطاب الكراهية ونحقق السلام الحقيقي في فلسطين المح ...
- قراءة قانونية في مذكرة اعتقال نتنياهو ومآلات العدالة الدولية ...
- حاجز ترابي اسرائيلي عملاق في غزة -جيش الاحتلال يعيد رسم الحد ...
- اسرائيل المستفيد الاول من الحرب ضد ايران وقصف القواعد الأمري ...
- الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الأداء المهني للصحفيين في العال ...
- الطعن بالإلغاء في قرار الاعتقال الصادر عن المحكمة الجنائية ا ...
- تدبير المخاطر ورهانات التنمية في فلسطين رغم بطش الاحتلال الإ ...
- عدم الاختصاص السلبي في القانون الجنائي الدولي
- مذكرة واشنطن تحول سكان غزة لرهائن وكانتونات معزولة لخدمة إسر ...
- رنة في جيبك تسبق الموت بثواني-هواتف تنقذ 11 مليون شخص
- كذبة باع الفلسطينيون أرضهم -فيلم “إكسدس” الصهيوني شوه الحقائ ...


المزيد.....




- -عندما أقول شيئاً فأنا أعنيه-.. ترامب يرد على التشكيك في وعد ...
- العالم قد يكون أمام المزيد من رفع أسعار الفائدة للسيطرة على ...
- تأجيل -محادثات روما- بين إسرائيل ولبنان.. ومصدران يكشفان لـC ...
- فورين أفيرز: كيف أدى 11 سبتمبر إلى تفكك الديمقراطية الأمريكي ...
- تأجيل الجولة المقبلة من المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية إلى ...
- هجمات متبادلة بين روسيا وأوكرانيا وبوتين يجدد انتقاده لتوسع ...
- عاجل | وول ستريت جورنال عن مسؤولين: إيران حصلت على صور أقمار ...
- كاتب إسرائيلي: حمير يقودون الإسرائيليين إلى الهلاك
- نيبينزيا: مكافحة الإرهاب يجب ألا تكون رهينة للصراع الجيوسياس ...
- روسيا.. حادث سير مروع يسفر عن مقتل 13 شخصا والسلطات تفتح تحق ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - صدمة فيلم نازا- أعتراف جنود الاحتلال الاسرائيلي-تعمدنا قتل الأطفال في غزة