عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 19:22
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المقدمة
ظلّ سؤال الأمن والبقاء في بيئة دولية تفتقر إلى سلطة مركزية عليا يشغل بال المفكرين وصنّاع القرار منذ نشوء الدولة الحديثة، وأفرز هذا السؤال تراثاً نظرياً واسعاً تنوع بين الواقعية بفروعها المختلفة، والليبرالية، والبنائية، والجيوبوليتيك، غير أن ظواهر أساسية ظلت عصيّة على التفسير، وفي مقدمتها ميل بعض الدول إلى البحث عن أمنها خارج حدودها بصورة متكررة على الرغم من التغيرات العميقة التي تطرأ على أنظمتها السياسية وأيديولوجياتها الحاكمة.
من هنا برزت الحاجة إلى مقاربة نظرية جديدة تتجاوز حدود النظريات القائمة، وتقدّم إطاراً تفسيرياً أكثر شمولاً للتباين المستمر في السلوك الأمني للدول، وهو ما يسعى إليه مشروع الجيوبنيوية؛( القوة والمركز والمنطق البنيوي). ويمكن تعريف هذا المصطلح إجرائياً بأنه الحالة الناشئة عن التفاعل المركب بين الانكشاف الجغرافي، والقدرات المادية، وبيئة التهديد، وآليات التخفيف المتاحة للدولة.
بمعنى أوضح، لا تطرح الجيوبنيوية السؤال التقليدي الذي تطرحه النظريات البنيوية الأخرى، "كم تملك الدولة من قوة"، بل تسأل سؤالاً أكثر دقة وإحاطة، "هل يكفي ما تملكه الدولة من قدرات لمواجهة ما يُفرض عليها بنيوياً من مطالب أمنية تفرضها جغرافيتها ومحيطها الاستراتيجي"، وإذا كان الجواب بالنفي، فإن الدولة تعاني من مركز بنيوي ضعيف يدفعها حتماً للبحث عن أمنها خارج حدودها، وهو ما يفسر التباين الجوهري في سلوك الدول رغم تقارب قدراتها المادية.
-السؤال الإشكالي:
لماذا تسعى بعض الدول باستمرار إلى هندسة بيئتها الأمنية الخارجية عبر إنشاء مناطق عازلة وبناء قواعد عسكرية خارج حدودها وتأمين المضائق البحرية، بينما تبقى دول أخرى أكثر تحفظاً على الرغم من امتلاكها قدرات مادية مماثلة أو أكبر؛ ولماذا تصبح بعض الأقاليم ساحات للتنافس الجيوسياسي العنيف بينما تظل أخرى مستقرة نسبياً؛ وإذا كان القول إن البقاء هو الهدف الأساسي للدول في نظام فوضوي يحظى بإجماع واسع، فلماذا لا تسعى جميع الدول إلى أمنها في ظل ظروف بنيوية متماثلة، وما الذي يفسر هذا التباين الجوهري في السلوك الأمني بين الدول التي تمتلك قدرات مادية متقاربة.
أولاً: الجيوبنيوية في تجاوز ثنائية القوة والجغرافيا.
تقدم الجيوبنيوية نفسها بوصفها مفهومًا تحليليًا يشير إلى الحالة الناشئة عن الآثار المركبة للانكشاف الجغرافي، والقدرات المادية، وبيئة التهديد، وآليات التخفيف. وهي بذلك تتجاوز المقاربات التي تتعامل مع هذه العناصر باعتبارها تفسيرات متنافسة، إذ ترى أن (انعدام الأمن) ينشأ من تفاعلها مجتمعة. فالفرق الجوهري بين الجيوبنيوية والنظريات البنيوية السابقة، لا سيما الواقعية البنيوية كما صاغها كنيث والتز، يكمن في أن الأخيرة تركز على توزيع القدرات المادية في النظام الدولي بوصفه المتغير التفسيري الأساسي لسلوك الدول.
بينما ترى الجيوبنيوية أن توزيع القدرات غير المتكافئ ليس سوى وجه واحد من أوجه عدم المساواة البنيوية؛ فهناك شكل آخر من عدم المساواة لا يقل أهمية، يتمثل في العلاقة غير المتكافئة بين (المطالب الأمنية المفروضة على الدول وقدراتها الفعلية على إدارتها). وهذا الشكل الثاني هو ما تُعنى به الجيوبنيوية في جوهرها. فالجيوبنيوية تحوّل أنظارنا من كمية القدرات إلى (كفاية القدرات) في مواجهة الأعباء البنيوية، وهو ما يصوغ ملامح المركز الجيوبنيوي للدولة.
إن ما تميز به هذا الإطار النظري هو إعادة تعريف العلاقة بين القوة والمركز البنيوي للدولة؛ فالقوة تتعلق بالموارد التي تمتلكها الدولة، أما المركز البنيوي فيتعلق بالعلاقة التي تُستخدم تلك الموارد بموجبها، وهو ما لا يقلل من أهمية القوة، بل يحدد البيئة الاستراتيجية التي تكتسب فيها معناها. فالدولة قد تمتلك قدرات مادية هائلة، لكنها إذا كانت تواجه مطالب أمنية تفوق طاقتها الاستراتيجية، فإن مركزها البنيوي يظل ضعيفاً أو مهدداً.
أيضا على العكس من ذلك، قد تمتلك دولة قدرات متواضعة ولكنها تعيش في بيئة استراتيجية أقل تهديداً، مما يمنحها مركزاً بنيويًا أكثر استقراراً. وهكذا، يصبح التعريف العملياتي للجيوبنيوية قائماً على معادلة ديناميكية تزن بين العبء الجغرافي-الاستراتيجي في مقابل الطاقة المادية-التحالفية، فحيثما يطغى العبء على الطاقة، يولد مركز جيوبنيوي متوتر يدفع نحو التوسع أو المواجهة، وحيثما تتوازن أو تطغى الطاقة، يولد مركز مطمئن يسمح بالتحفظ أو الحياد.
ثانياً: الفوضى غير المتجانسة – نقد الافتراض الواقعي
تتفق الجيوبنيوية مع الواقعية البنيوية في عمومية "الفوضى الدولية وأثر التوزيع غير المتكافئ للقدرات"، لكنها تختلف عنها جوهرياً في استنتاجاتها. فالواقعية البنيوية تفترض أن الفوضى تفرض المستوى نفسه من انعدام الأمن على جميع الدول، وأن سلوك الدول يتحدد بشكل أساسي بموقعها في توزيع القدرات. غير أن الجيوبنيوية ترى أن (الفوضى) شرط عام لا يفرض المستوى نفسه من انعدام الأمن على جميع الدول. فقد تعيش دول في النظام الفوضوي نفسه وتملك قدرات متقاربة، ومع ذلك تواجه متطلبات أمنية شديدة الاختلاف.
هذا الاختلاف في المتطلبات الأمنية ينبع من عوامل بنيوية متعددة، أبرزها "الانكشاف الجغرافي"، أي مدى تعرض الدولة للتهديدات من جيرانها أو من قوى بعيدة، وطبيعة بيئة التهديد الإقليمية التي تحيط بها، وموقعها النسبي من خطوط الصراع الدولية. فالدولة التي تقع في قلب منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى، أو التي تمتلك حدوداً برية طويلة مع دول معادية، تواجه مطالب أمنية مختلفة تماماً عن دولة تقع في منطقة نائية أو محاطة بمحيطات. لذا، فبدلاً من (الفوضى المتجانسة) التي تفترضها الواقعية، تطرح الجيوبنيوية مفهوم "الفوضى غير المتجانسة"، حيث يعاد تعريف "المركز" هنا باعتباره محصلة تفاعل الدولة مع بيئتها المادية والبشرية، وليس مجرد ترتيب تنازلي في هرم القوة العالمي.
ثالثاً: المركز الجيوبنيوي في إعادة تعريف الموقع الاستراتيجي.
تُصوغ الجيوبنيوية أطروحتها المركزية في القول إن المركز البنيوي للدولة لا يتحدد بمقدار ما تمتلكه من قوة، بل بالعلاقة بين (المطالب المفروضة عليها وقدرتها الفعلية على إدارتها). وهذا يضعنا أمام إعادة تعريف جذرية لمفهوم "المركز" في التحليل الدولي.
بالطبع المركز الجيوبنيوي ليس موقعاً جغرافياً جامداً، بل هو حالة استراتيجية ديناميكية تتشكل من تفاعل ثلاثة عناصر رئيسية هي:
1-الانكشاف الجغرافي للدولة.
2-القدرات المادية المتاحة لها.
3-طبيعة التهديدات التي تواجهها.
وبهذه العناصر الثلاثة؛ يختلف جوهرياً عن مفاهيم "المركز" في النظرية النقدية أو "القطبية" في الواقعية، لأنه يرتكز على علاقة عدم التكافؤ الداخلية بين الأعباء والطاقات، وليس على موقع الدولة في التصنيف الهرمي للقوى العظمى أو على علاقات الهيمنة والتبعية.
طبعاً هذه المراكز الجيوبنيوية ليست ثابتة، إذ تتبدل بتبدل بيئة التهديد والقدرات والتحالفات والتكنولوجيا. فالدولة التي كانت تعيش في مركز بنيوي مريح قد تجد نفسها فجأة في مركز مهدد نتيجة لتغير في موازين القوى الإقليمية، أو ظهور تكنولوجيا جديدة تغير المعادلات الاستراتيجية، أو انهيار تحالفات كانت توفر لها الغطاء الأمني.
هذا الطابع الديناميكي للمراكز الجيوبنيوية يمنح الإطار النظري مرونة تفسيرية كبيرة، إذ يمكنه أن يرصد التحولات في سلوك الدول تبعاً للتحولات في مراكزها البنيوية، وهو ما يفسر، مثلاً، تحول سياسات بعض الدول من الحياد إلى التوسع حالما شعرت باختلال تلك المعادلة لصالح أعدائها.
رابعاً: الأدلة التاريخية سبباً لاستمرارية التباين في السلوك الأمني.
تقدّم الجيوبنيوية أدلة تاريخية غنية تبرز استمرارية التباين في السلوك الأمني للدول عبر العصور، بما يتجاوز التغيرات في الأنظمة السياسية والأيديولوجيات. (روسيا، على سبيل المثال)، عمدت باستمرار إلى التوسع غرباً سعيًا وراء عمق استراتيجي يعكس قلقاً دائماً من الانكشاف الجغرافي. وهذا السلوك لم يتوقف مع انهيار النظام القيصري أو قيام النظام السوفياتي أو حتى بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، مما يشير إلى أن (الدوافع البنيوية) كانت أقوى من المتغيرات الأيديولوجية والنظامية.
وبالمثل، سعت بريطانيا إلى الهيمنة البحرية وحماية خطوط الملاحة منعاً لظهور قوة مهيمنة معادية في القارة الأوروبية، وهو سلوك استمر لقرون، من حروبها ضد إسبانيا في القرن السادس عشر إلى حروبها ضد نابليون ثم ضد ألمانيا في الحربين العالميتين. أما الولايات المتحدة، فقد طوّرت بعد الحرب العالمية الثانية شبكة واسعة من التحالفات والقواعد العسكرية حمايةً لمصالحها بوصفها قوة عظمى، وهو ما يعكس مركزاً جيوبنيوياً يفرض عليها التمدد خارج حدودها لحماية أمنها القومي، ذلك لأن أمنها بات مرتبطاً بتدفق الموارد عبر المحيطات واستقرار مناطق حيوية بعيدة عنها جغرافياً.
في المقابل، واجهت دول مثل (أستراليا وكندا) حوافز بنيوية أضعف بكثير، رغم قدراتهما العسكرية الكبيرة نسبياً. فهاتان الدولتان تعيشان في بيئات استراتيجية أقل تهديداً، محاطتان بمحيطات أو بجوار قوة صديقة هي (الولايات المتحدة الأميركية)، مما يخفف من المطالب الأمنية المفروضة عليهما.
هذا التباين بين روسيا وبريطانيا والولايات المتحدة من جهة، وأستراليا وكندا من جهة أخرى، لا يمكن تفسيره بالاعتماد على توزيع القدرات المادية فقط، بل يتطلب النظر إلى المركز الجيوبنيوي لكل دولة وما يفرضه عليها من (تحديات أمنية)، حيث تثبت المعادلة الجيوبنيوية أن العبء الاستراتيجي على الأولى هائل قياساً بطاقاتها، بينما الثانية يعتبر عبؤها الاستراتيجي محدوداً جداً مقارنة بطاقاتها الوفيرة.
خامساً: بين البنية والفاعلية – دور القيادة والمؤسسات والثقافة.
مع أن الجيوبنيوية تنتمي إلى عائلة المقاربات البنيوية في تحليل السياسة الدولية، فإنها لا تقع في فخ الحتمية البنيوية التي تجعل من الدول مجرد مفعول به يستجيب لضغوط خارجية. فالمركز الجيوبنيوي يولّد حوافز استراتيجية مستمرة من دون أن يحدد السلوك حتمياً؛ إذ تتدخل القيادة والمؤسسات والثقافة الاستراتيجية في تحديد الاستجابة؛ فالبنية تهيّئ (الشروط)، والفاعل السياسي يحدد (الخيارات).
هذا التمييز بين البنية والفاعلية يمنح الإطار الجيوبنيوي ميزة تفسيرية كبيرة، إذ يمكنه أن يفسر لماذا تتفاعل دول متشابهة في مراكزها الجيوبنيوية بشكل مختلف مع التحديات الأمنية ذاتها. فالاختلافات في النخب الحاكمة، والثقافة الاستراتيجية، والهوية الوطنية، والمؤسسات السياسية، كلها عوامل وسيطة تحدد كيفية ترجمة الحوافز البنيوية إلى سياسات فعلية.
هنا تلتقي الجيوبنيوية مع البنائية في الاعتراف بأهمية الأفكار والهويات، لكنها تختلف عنها في اعتبار البنى المادية نقطة الانطلاق الأساسية للتحليل، فهي ترى أن الأفكار تعمل على تشكيل الاستجابة للخطر البنيوي، لكنها لا تلغي وجود ذلك الخطر بحد ذاته.
سادساً: الجيوبنيوية والنظرية النقدية هي موقعية مغايرة للمركزية الغربية
يمثل مشروع الجيوبنيوية إضافة نوعية إلى (حقل العلاقات الدولية)؛ ليس فقط من حيث مضمونه النظري، بل أيضاً من حيث موقعية إنتاجه. فالمشروع ينطلق من موقعية مغايرة للمركزية الغربية التي هيمنت على نظريات العلاقات الدولية لعقود، من دون أن يقوم على معاداتها أو على الشكوى من التهميش، بل على طرح مبادئ عامة تنتقد النظريات القائمة، وفي مقدمتها الواقعية والبنائية، سعياً إلى تطويرها وتعميق فهم آليات عمل النظام الدولي.
هذا الموقف النقدي البناء يمثل تحولاً مهماً في خطاب النظرية الدولية، إذ ينتقل من موقف (التهميش السلبي إلى موقف الإسهام النظري الإيجابي). فبدلاً من الاقتصار على نقد النظريات الغربية من الخارج، يحاول المشروع بناء إطار نظري بديل قادر على تفسير الظواهر الدولية من منظور شامل، مع الاستفادة من مكتسبات النظريات السابقة وتجاوز حدودها.
هنا تكمن المفارقة الأكثر إثارة في المشروع، فهو ينتج مفهوماً كونياً (المركز الجيوبنيوي) انطلاقاً من همّ أكاديمي مغاير، لكنه يصل بهذا المفهوم إلى صياغة قوانين عامة في السلوك الدولي تصلح لتفسير سياسات القوى الغربية ذاتها، وهو ما يمنحه قوة تفسيرية ونقدية في آن واحد.
-اقتراحات:
1. تطوير مؤشرات قياسية للمراكز الجيوبنيوية: إن الخطوة المنطقية التالية لتطوير الإطار الجيوبنيوي هي بناء مؤشرات قابلة للقياس الكمي لتحديد المراكز الجيوبنيوية للدول.
يمكن أن تشمل هذه المؤشرات متغيرات مثل: (طول الحدود البرية مع دول معادية، والمسافة من مناطق الصراع، ودرجة الاعتماد على المضائق البحرية، وتكلفة الدفاع النسبية، وشبكات التحالفات). وسيمكن تطوير مثل هذه المؤشرات من اختبار الفرضيات الجيوبنيوية بشكل تجريبي ومقارن، مما يعزز من الصدق العلمي للإطار النظري ويتيح قياس مدى التطابق بين العبء الجيوبنيوي والاستجابة الفعلية للدول.
2. توسيع مفهوم "القدرة الاستراتيجية": يدعو النقاد إلى توسيع مفهوم "القدرة الاستراتيجية" بحيث يتجاوز القدرة المادية وشبكات التحالف إلى تصور الدولة لذاتها ولدورها في النظام الدولي، تفادياً لرؤية ميكانيكية تجعل منها مجرد مفعول به يستجيب لضغوط خارجية.
يمكن لهذا التوسع أن يدمج البعد الذهني والثقافي في تحليل القدرة الاستراتيجية، مما يثري الإطار الجيوبنيوي ويجعله أكثر قدرة على تفسير التباين في استجابات الدول للمراكز البنيوية المتشابهة، خاصة عندما تختار دول (مساراً تعاونياً وأخرى مساراً مواجهاً)؛ رغم تماثل الظروف المادية.
3. دراسة الحالات الإقليمية: يمكن تطبيق الإطار الجيوبنيوي على مناطق محددة لفهم ديناميكيات الصراع والاستقرار فيها.
فمنطقة الشرق الأوسط، على سبيل المثال، تزخر بحالات تباين مذهل في السلوك الأمني بين دول تمتلك قدرات متقاربة، مثل (إيران وتركيا؛ والمملكة العربية السعودية ومصر). ودراسة هذه الحالات في ضوء الإطار الجيوبنيوي يمكن أن تقدّم فهمًا أعمق لأسباب الصراع والتنافس في المنطقة، وتقديم رؤى جديدة لصناع القرار، خاصة فيما يتعلق بفهم لماذا تسعى بعض الدول إلى المشاريع التوسعية بينما تكتفي أخرى بالدفاع عن حدودها فقط.
4. الربط مع نظريات التحول الدولي: يمكن ربط الإطار الجيوبنيوي مع نظريات التحول في النظام الدولي، مثل نظرية انتقال القوة ونظرية الدورات الطويلة، لفهم كيف تتغير المراكز الجيوبنيوية للدول مع تغير موازين القوى العالمية. فهذا الربط يمكن أن يفسر لماذا تسعى القوى الصاعدة إلى تغيير المراكز الجيوبنيوية القائمة، ولماذا تواجه القوى القائمة مقاومة شرسة لهذه المحاولات، حيث أن أي تغيير في توزيع القوة يُحدث خللاً في معادلة الأعباء والطاقات، مما يولّد موجات جديدة من التنافس والتعديل الاستراتيجي.
5. تدقيق الصياغة المفاهيمية: كما أشار الأكاديمي الدكتور عبدالحكيم سليمان وادي، ثمة حاجة إلى تدقيق صياغة عدد من المفاهيم بالعربية، وضبط التصنيفات المقترحة للمراكز الجيوبنيوية تجنباً للتداخل بينها. فهذا التدقيق اللغوي والمفاهيمي ضروري لضمان دقة الإطار النظري ووضوحه، وتسهيل تناوله في الأوساط الأكاديمية وصنع السياسات، خاصة مع حساسية المصطلحات الجغرافية-السياسية ودقة العلاقات السببية التي يفترضها المشروع.
ختاماً، يمثل مشروع الجيوبنيوية محاولة طموحة لتجاوز حدود النظريات القائمة في تفسير السياسة الدولية، من خلال تقديم إطار نظري يجمع بين البعد المادي (القوة والجغرافيا) والبعد العلائقي (المركز البنيوي) في تفسير واحد. فالدول لا تتصرف في فراغ، ولا يتحدد سلوكها بمقدار ما تمتلكه من قوة فقط، بل بالعلاقة بين ما تواجهه من مطالب أمنية وما تمتلكه من قدرة على إدارتها، وهو ما لخصه التعريف الجوهري للجيوبنيوية بأنها حالة التفاعل المركب بين الانكشاف الجغرافي والقدرات وبيئة التهديد.
هذا التحول من التركيز على "ماذا تملك الدولة" إلى "هل يكفي ما تملكه لمواجهة ما يُفرض عليها بنيوياً" يفتح آفاقاً جديدة لفهم التباين المستمر في السلوك الأمني للدول، ويفسر لماذا تسعى بعض الدول إلى التوسع والهيمنة بينما تكتفي أخرى بالحياد والتحفظ.
غير أن الجيوبنيوية لا تقع في فخ الحتمية البنيوية، بل تترك مساحة للفاعلية السياسية، معترفة بدور القيادة والمؤسسات والثقافة في تحديد الاستجابة للحوافز البنيوية. وفي النهاية، فإن فهم السياسة الدولية يتطلب تجاوز التركيز المنفرد على توزيع القوة، أو على إمكانات التعاون في ظل (الفوضى)، أو على الأفكار والهويات، أو على الجغرافيا بوصفها العامل التفسيري الرئيسي، وأن ما ينبغي أن يحتل موقعاً مركزياً في التحليل هو (الموقع الجيوبنيوي للدولة داخل النظام الدولي)؛ أي موقعها في شبكة الأعباء والطاقات، الذي يحدد بدوره دوافعها العميقة للاستقرار أو التوسع أو الصراع.
-المراجع:
· المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. "الجيوبنيوية والمنطق البنيوي في تفسير السياسة الدولية موضوعاً لسيمنار المركز العربي." الدوحة، 2 سبتمبر 2026.
· قبلان، مروان. "الجيوبنيوية: القوة والمركز والمنطق البنيوي - مقاربة نظرية في تفسير السياسة الدولية." مشروع بحثي مقدّم في سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2026.
· والتز، كنيث. نظرية السياسة الدولية. ترجمة وتقديم، 1979.
· كيوهين، روبرت وناي، جوزيف. الاعتماد المتبادل المعقد والقوة في العلاقات الدولية.
· Wendt, Alexander. "Anarchy is What States Make of It: The Social Construction of Power Politics." International Organization, Vol. 46, No. 2, 1992.
· Gilpin, Robert. War and Change in World Politics. Cambridge University Press, 1981.
· Buzan, Barry, and Lene Hansen. The Evolution of International Security
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟