|
|
بلطجة أمريكية جديدة تفرض عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية
عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 20:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور.عبدالحكيم سليمان وادي استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
المقدمة
في الثامن عشر من آب/أغسطس 2026، أقدمت الولايات المتحدة على خطوة جديدة في مسلسل تصعيدها ضد المؤسسات الدولية القائمة على سيادة القانون، حين فرضت عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية القاضية من أصول يابانية(توموكو أكاني)؛ ونائب مدعي عام المحكمة/عبد الله سيي. وهذه العقوبات، التي تأتي ضمن حملة أعلنتها واشنطن صراحةً بهدف "تفكيك المحكمة حجراً حجراً" ولإرضاء حليفتها تل أبيب، تمثل حلقة جديدة في سياسة البلطجة الأمريكية المكشوفة التي تهدف إلى حماية دولة الاحتلال الإسرائيلي من المساءلة القانونية عن جرائمها المتواصلة في قطاع غزة وسوريا ولبنان وايران؛ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وتقويض أي محاولة لمحاسبة قادة الاحتلال الاسرائيلي من مرتكبي أخطر الجرائم الدولية خطورة المنصوص عليها في المادة 5 من النظام الأساسي؛ التي تمس بحالة السلم والأمن الدوليين.
-السؤال الإشكالي:
هل يمكن لأي نظام دولي أن يقوم على العدالة والمساءلة عندما تتعمد أقوى دول العالم مثل واشنطن؛ استخدام نفوذها الاقتصادي والسياسي لعرقلة عمل المؤسسات القضائية الدولية، وحماية حلفائها من المحاكمة، وتفكيك كل آلية قانونية قد تقف حجر عثرة أمام جرائم الحرب والإبادة الجماعية؛ وإذا كانت الولايات المتحدة تعلن صراحةً أنها تسعى إلى "تفكيك" المحكمة الجنائية الدولية لأنها تجرأت على إصدار مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين مثل المتهم/نتنياهو ؛ووزير جيشه/ غالانت وغيرهم، فماذا يبقى من معنى للقانون الدولي ومنظومة العدالة الجنائية الدولية.
أولاً: تفاصيل العقوبات الأمريكية الجديدة وتصاعد الحملة ضد المحكمة.
في يوم الثلاثاء 18 أغسطس 2026، أعلن وزير الخارجية الأمريكي/ ماركو روبيو؛ فرض عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية القاضية/توموكو أكاني، وهي قاضية يابانية تتولى رئاسة المحكمة منذ عام 2024، والمحامي البارز؛نائب مدعي عام المحكمة/عبد الله سيي، وهو سنغالي الجنسية. وقد أُدرج اسماهما في قائمة وزارة الخزانة الأمريكية للمواطنين المدرجين على قائمة العقوبات الخاصة (SDN)، وهو ما يعني تجميد أي أصول أمريكية بحوزتهما، ومنع المواطنين والكيانات الأمريكية من إجراء أي معاملات معهما.
تأتي هذه العقوبات استناداً إلى الأمر التنفيذي رقم 14203 الذي وقعه الرئيس الأميركي/دونالد ترامب في السادس من فبراير/ 2025، والذي سمح بفرض عقوبات على المحكمة ومسؤوليها؛بالطبع لم تكن القاضية اليابانية/أكاني وسيي؛ هي أول ضحايا هذه الحملة، بل سبقهما ما لا يقل عن أحد عشر مسؤولاً في المحكمة، بينهم المدعي العام السابق/ كريم خان؛ وثمانية قضاة آخرين. أيضاً في ديسمبر/2025، فرضت واشنطن عقوبات على قاضيين إضافيين بعد أن رفضت المحكمة الطعن الإسرائيلي على شرعية التحقيق في جرائم الحرب الاسرائيلية في قطاع غزة التي استمرّت عامين من اكتوبر2023 إلى أكتوبر 2025.
لم يكتف روبيو بالإعلان عن العقوبات، بل وصف المحكمة الجنائية الدولية بأنها "محكمة فوق وطنية فاسدة ومُسيَّسة بشكل قاتل، أساءت استخدام سلطتها بخبث وتجاوزت ولايتها"، متوعداً بأن الولايات المتحدة "لن تتسامح مع اعتدائها على سيادة الدول وتحديدا اسرائيل". وفي الشهر السابق قبل هذا الإعلان، كان روبيو قد أعلن عن "حملة حكومية شاملة" تهدف إلى تفكيك المحكمة، داعياً الدول الأعضاء البالغ عددها 125 دولة في المحكمة إلى الانسحاب منها في عملية وصفت بالوقاحة والبلطجة الأمريكية التي تقوض تنفيذ العدالة الجنائية ومبدأ عدم الإفلات من العقاب.
ثانياً: السياق الحقيقي للعقوبات حماية المتهمين نتنياهو وغالانت من المحاكمة.
لم تخفِ الإدارة الأمريكية الدوافع الحقيقية وراء حملتها العنيفة ضد المحكمة الجنائية الدولية. ففي تصريح (صريح ومكشوف)، قال الرئيس ترامب؛ إن وزير خارجيته /ماركو روبيو ؛يسعى إلى "الدفاع عن بيبي ومختلف الأشخاص الآخرين" في إشارة إلى المتهم بارتكاب جرائم حرب؛ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وهذا الاعتراف العلوي بنية حماية المتهم/ نتنياهو من الملاحقة القضائية؛ يكشف عن الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية ؛(حكومة إبستين) في البيت الأبيض.
جاءت العقوبات الأمريكية كرد فعل مباشر على قرار المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/ 2024 إصدار مذكرتي توقيف بحق نتنياهو؛ ووزير جيشه/يوآف غالانت. حيث وجد قضاة المحكمة أسباباً معقولة للاعتقاد بأن نتنياهو وغالانت؛ يتحملان المسؤولية الجنائية عن جرائم حرب ارتكبت خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، بما في ذلك استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب وجرائم ضد الإنسانية تتمثل في القتل والاضطهاد وأعمال غير إنسانية أخرى؛ غير أن حكومة ابستين برئاسة ترامب في واشنطن، بدلاً من أن تحترم قرار هيئة قضائية دولية، اختارت معاقبة القضاة أنفسهم.
من جانب آخر،وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش هذه السياسة بأنها محاولة أمريكية لمنح إسرائيل "بطاقة خروج من السجن"، في إشارة إلى سعي الإدارة الأمريكية إلى توفير حماية مطلقة لدولة الاحتلال الإسرائيلي من أي ملاحقة قانونية دولية، مهما بلغت جرائمها.
ثالثاً: جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة وسوريا ولبنان – وقائع وإحصاءات.
إن الحملة الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية لا تأتي من فراغ، بل تأتي في سياق جرائم حرب إسرائيلية موثقة على نطاق واسع في قطاع غزة وسوريا ولبنان وحتى في ايران. فقد خلصت لجنة تحقيق أممية مستقلة في أكتوبر/ 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة. وفي تقرير صادر في سبتمبر/ 2025، أكدت اللجنة أن السلطات والقوات الإسرائيلية "كانت ولا تزال تمتلك نية إبادة جماعية تهدف إلى تدمير الفلسطينيين في قطاع غزة" ولم تتوقف رغم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بتاريخ 10-10-2025.
توثق التقارير الأممية أرقاماً مرعبة، إذ أفادت إحصائية أممية باستشهاد 47 امرأة وفتاة كل يوم في غزة. وفي تقرير صادر في يونيو/حزيران 2026، أكدت لجنة التحقيق أن حماية الأطفال الفلسطينيين "لا تنفصل عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره". كما حذرت اللجنة من التوسع الإسرائيلي في فلسطين وسوريا، في وقت استمر فيه جيش الاحتلال بخرق التهدئة في قطاع غزة.
أيضا في لبنان، واصلت إسرائيل شن هجماتها اليومية على مدى نحو سبعة أشهر حتى أبرمت اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة أمريكية في أكتوبر/ 2025. كما فشل الاتحاد الأوروبي ومعظم أعضائه في اتخاذ موقف حازم، رغم الأدلة الدامغة على الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي. إن هذه الوقائع تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي؛ إما أن يقف مع العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة، أو أن يخضع لابتزاز واشنطن (حكومة ابستين بقيادة ترامب ) ويترك الضحايا دون أي أمل في الإنصاف وتحقيق العدالة الجنائية بصفتها آخر معقل وأمل لمعاقبة المتهمين وإنصاف الضحايا.
رابعاً: تداعيات البلطجة للعقوبات الأمريكية على القضاة واستقلالية المحكمة.
لم تقتصر آثار العقوبات الأمريكية على الجوانب المالية والإدارية، بل امتدت لتطال حياة القضاة الشخصية والمهنية. فقد أكدت رئيسة المحكمة الجنائية الدولية/توموكو أكاني، في افتتاح اجتماعات الجمعية العامة للدول الأعضاء في المحكمة بمدينة لاهاي هولندا، في ديسمبر/ 2025، أن العقوبات الأمريكية "أثّرت بشكل مباشر على الحياة الشخصية للقضاة والمسؤولين المستهدفين في المحكمة".
مع ذلك، شددت القاضية من أصول يابانية/أكاني؛ على أن المحكمة "لن تقبل أي ضغط من أي نوع كان"، مؤكدة أن "استقلاليتنا وحيادنا ركيزتان لا مساومة فيهما. وأيضاً ولاؤنا يظل لنظام روما الأساسي وللقانون الدولي". وفي تصريح سابق لها في ديسمبر/ 2024، قالت القاضية/أكاني للوفود من الدول الأعضاء: "لن نقبل أبداً أي نوع من الضغوط من أي شخص في قضايا تفسير الإطار القانوني والفصل في القضايا"، مؤكدة أن "استقلاليتنا وحيادنا هما نجمنا القطبي ويظلان غير متأثرين".
أيضاً في بيان صادر عن المحكمة في فبراير/ 2025، أعربت رئيسة المحكمة/أكاني؛ عن "أسفها العميق" إزاء الأمر التنفيذي الأمريكي، محذرة من أن هذه الإجراءات "تشكل حرمان الملايين من ضحايا الفظائع الأبرياء من الأمل في العدالة". وأكدت المحكمة أن هذه العقوبات "تشكل هجمات خطيرة ضد الدول الأطراف في المحكمة، والنظام الدولي القائم على سيادة القانون، وحقوق ملايين الضحايا".
خامساً: ردود الفعل الدولية والإدانة الواسعة للعقوبات الأمريكية ضد المحكمة.
واجهت العقوبات الأمريكية ردود فعل غاضبة على المستويين الرسمي والشعبي. فقد أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان/ فولكر تورك عن "انزعاجه البالغ" إزاء هذه العقوبات، مؤكداً أن الهجمات على القضاة تتعارض مع سيادة القانون والمساواة في الحماية القانونية أسوة بحماية القضاة في محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة.
أيضافي يونيو/ 2025، أكد الاتحاد الأوروبي دعمه القوي للمحكمة الجنائية الدولية غداة فرض عقوبات أمريكية من ( حكومة ابستين الترامبيه) على أربع قاضيات. وحذر رئيس المجلس الأوروبي/ أنطونيو كوستا ؛من أن فرض عقوبات على المحكمة "سيضعف منظومة العدالة الدولية بشكل عام". وفي يوليو/ 2026، رفض الاتحاد الأوروبي تهديدات أمريكية ضد المحكمة، بينما دعت سلوفينيا، العضو بالاتحاد، بروكسل إلى استخدام سلطتها لضمان عدم تطبيق العقوبات الأمريكية ضد المحكمة.
كما ندد مكتب جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية بقرار/ إدارة ترامب (حكومة ابستين ) بفرض عقوبات على القاضيات. وفي بيان صادر عن رئاسة جمعية الدول الأطراف في ديسمبر/ 2025، أعربت الجمعية عن "قلقها العميق" إزاء العقوبات الإضافية التي أعلنتها الولايات المتحدة ضدّ المحكمة.
من جهة أخرى،على صعيد المنظمات الحقوقية، رفعت أربع منظمات أمريكية رائدة، بما في ذلك (هيومن رايتس ووتش ومعهد المجتمع المفتوح)، دعوى قضائية ضد إدارة ترامب، معتبرة أن حملتها لتفكيك المحكمة غير دستورية، وأن العقوبات تمنع هذه المنظمات من العمل مع المحكمة لتحقيق العدالة لضحايا الإبادة الجماعية وجرائم الحرب. كما رفع ثلاثة قضاة في المحكمة (دعوى ضد الإدارة الأمريكية في محكمة فيدرالية في نيويورك)، بحجة أن العقوبات غير قانونية ومصممة لممارسة ضغط غير قضائي بهدف معاقبة القضاة وإكراههم وترويعهم وتصنيفهم على القائمة السوداء.
سادساً: انسحابات الدول وتآكل شرعية المحكمة تحت الضغط والبلطجة الأمريكية.
لم تقتصر تداعيات الحملة الأمريكية على العقوبات المباشرة، بل امتدت لتشمل انسحابات متتالية للدول من المحكمة، في مشهد يهدد وجود المحكمة ذاتها. فقد أعلنت فنزويلا بعد اختطاف رئيسها مادور من طرف القوات الأمريكية والإبقاء عليه في السجن الامريكي؛ انسحبت فنزويلا في يوليو/2026 إرضاءاً لحرمة ابستين؛ واكدت انسحابها "القاطع وغير القابل للتراجع" من المحكمة، حيث أشادت وزارة الخارجية الأمريكية بهذا القرار.
كذلك،في تطور أكثر خطورة، أعلنت دولة تشاد في يوليو/ 2026 إبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة برغبتها الرسمية في الانسحاب من نظام روما الأساسي، لتصبح الدولة الخامسة التي تقدم على هذه الخطوة. وتزامنت هذه الأزمة مع "حملة دبلوماسية أمريكية شرسة تمارس أقصى درجات الضغط والتهديد بالعقوبات الفردية والمؤسسية لتجريد المحكمة من سلطتها ومنعها من ملاحقة حلفائها في اسرائيل". وقد وصفت صحيفة الجزيرة هذا المشهد بأنه "حصار لاهاي"، في إشارة إلى الضغوط الهائلة التي تمارسها واشنطن على المحكمة ومقرها في مدينة لاهاي الهولندية.
كما حذرت رئيسة المحكمة/ أكاني ؛من أن العقوبات الأمريكية قد "تقوّض عمليات المحكمة في جميع القضايا وتُعرّض" عملها للخطر. وأكد خبراء قانونيون أن واشنطن حولت ملف المحكمة الجنائية الدولية من مجرد خلاف سياسي إلى مسألة "تهديد غير عادي واستثنائي" في تناقض واضح لسياسة حكومة ابستين الترامبية؛ حيث سبق وان ايدت الحكومة الأمريكية السابقة قرار المحكمة الجنائية الدولية الخاص باعتقال الرئيس الروسي/بوتين بتهم ارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا؛ بينما ترفض الحكومة الأمريكية الحالية قرار المحكمة باعتقال المتهم رئيس وزراء دولة الاحتلال الاسرائيلي بتهم ارتكاب جرائم حرب وابادة جماعية في قطاع غزة على مدار عامين من اكتوبر2023 إلى اكتوبر2025 أسفرت عن قتل اكثر من 73 الف فلسطيني اغلبهم من الأطفال والنساء؛ وكذلك اصابة اكثر من 173 ألف فلسطيني وتدمير المنازل الفلسطينية والبنية التحتية المدنية الفلسطينية في غزة؛ وهنا تبرز السياسة الأمريكية في الكيل بمكيالين؛ تأييد اعتقال بوتين؛ ورفض اعتقال المتهم نتنياهو.
-الاقتراحات:
1-يجب على الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية البالغ عددها 125 دولة أن تقف موقفاً حازماً في وجه الضغوط الأمريكية، وأن تعلن رفضها القاطع لأي محاولة لتقويض استقلالية المحكمة. إن الانسحاب من المحكمة تحت الضغط الأمريكي ليس إلا خيانة لقيم العدالة وحقوق الإنسان، وسيسهم في إضعاف المنظومة القانونية الدولية برمتها. على هذه الدول أن تدرك أن ما يحدث اليوم للمحكمة بسبب جرائم إسرائيل، قد يحدث غداً لأي دولة أخرى تجرؤ على محاسبة مجرمي الحرب.
2- على الاتحاد الأوروبي، بصفته تكتلاً اقتصادياً وسياسياً مؤثراً، أن يفعّل آليات الحماية القانونية لمواجهة العقوبات الأمريكية غير القانونية، كما دعت سلوفينيا. يمكن للاتحاد الأوروبي إصدار تشريعات تحظر على المؤسسات المالية الأوروبية الامتثال للعقوبات الأمريكية ضد المحكمة، وتوفير الحماية القانونية والمالية للقضاة والموظفين المستهدفين. إن استمرار الاتحاد الأوروبي في موقفه الداعم للمحكمة دون اتخاذ إجراءات عملية سيجعل هذا الدعم مجرد شعارات لا أكثر.
3- على المجتمع المدني الدولي، ولا سيما منظمات حقوق الإنسان والمؤسسات القانونية والأكاديمية، أن يوسع نطاق حملاته للتوعية بخطورة ما تقوم به واشنطن، وأن يفضح ازدواجية المعايير الأمريكية التي تتحدث عن حقوق الإنسان في مكان وتدوس عليها في مكان آخر. إن رفع الدعاوى القضائية ضد الإدارة الأمريكية، كما فعلت منظمات حقوق الإنسان الأربع، هو خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن هناك حاجة إلى حملة دولية أوسع تشمل الرأي العام العالمي.
4-على الأمم المتحدة وهيئاتها المعنية بحقوق الإنسان أن تتخذ موقفاً أكثر حزماً، وأن تصدر تقارير دورية توثق تأثير العقوبات الأمريكية على عمل المحكمة، وأن تدرس إمكانية رفع الأمر إلى محكمة العدل الدولية للنظر في قانونية هذه الإجراءات التي تهدف إلى تقويض نظام العدالة الدولي برمته. إن صمت الأمم المتحدة أو موقفها المتساهل سيشجع واشنطن على المزيد من التصعيد.
5-على الدول العربية والإسلامية، التي تقع في قلب المنطقة المتضررة من جرائم الحرب الإسرائيلية، أن تبادر إلى تشكيل تحالف دولي للدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية، وأن تستخدم ثقلها الدبلوماسي في المحافل الدولية لإدانة السياسات الأمريكية، وأن تقدم الدعم القانوني والمالي للمحكمة لتمكينها من مواصلة عملها رغم العقوبات. لقد آن الأوان لتتوقف هذه الدول عن كونها متفرجاً على جرائم تُرتكب في جوارها، وعن الاعتماد على واشنطن التي أثبتت أنها جزء من المشكلة لا جزء من الحل.
6- على المحكمة الجنائية الدولية نفسها أن تواصل عملها بصلابة واستقلالية، وألا تتراجع تحت أي ضغط، كما أكدت رئيستها أكاني. وعلى القضاة والموظفين أن يدركوا أن تاريخ العدالة يقف إلى جانبهم، وأن استسلامهم للضغوط الأمريكية سيكون ضربة قاصمة لمبدأ سيادة القانون في العالم. إن المحكمة "تقف بثبات إلى جانب مسؤوليها وتتعهد بمواصلة سعيها لإحقاق العدالة"، وهذا الموقف هو وحده الكفيل بحماية مستقبل العدالة الدولية.
ختاماً،إن فرض الولايات المتحدة عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية/ توموكو أكاني ونائب مدعي عام المحكمة/عبد الله سيي ؛ليس سوى فصلاً جديداً في مسلسل البلطجة الأمريكية المكشوفة، التي تهدف إلى حماية دولة الاحتلال الإسرائيلي من المساءلة القانونية عن جرائمها الخطيرة المتواصلة في غزة وسوريا ولبنان وايران واليمن؛والشرق الأوسط بشكل عام. هذه العقوبات، التي تأتي ضمن حملة أعلنت واشنطن ( حكومة ابستين الترامبيه) صراحةً أنها تهدف إلى "تفكيك المحكمة حجراً حجراً", تمثل إعلاناً بأن الولايات المتحدة تضع نفسها إلى جانب مجرمي الحرب على حساب الضحايا الذين يسعون إلى تحقيق العدالة، وأنها مستعدة لتدمير منظومة القانون الدولي برمتها من أجل حماية حليفها اسرائيل بضغط من اللوبي الصهيوني ومنظمة ايباك.
إن استمرار هذه السياسات الأمريكية الخاطئة والمنحازة لدولة الاحتلال الاسرائيلي؛لن يؤدي إلا إلى تعزيز ثقافة الإفلات من العقاب، وتشجيع مرتكبي الجرائم في اسرائيل وغيرها من الدول؛ على مواصلة انتهاكاتهم، وتقويض أسس النظام الدولي القائم على القانون والعدالة. وقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن يختار بين الوقوف مع الضحايا والعدالة، أو الانحناء لإرادة (حكومة ابستين في واشنطن)؛ والتخلي عن مبادئها وعن تحقيق العدالة. فالمحكمة الجنائية الدولية، كما قالت رئيستها القاضية اليابانية/أكاني، "تمثل أهم إرث ولدته المعاناة الجسيمة المسلطة على المدنيين في الحربين العالميتين والمحرقة والإبادات الجماعية والعنف والاضطهاد" ؛وبالتالي ترك هذه المؤسسة تنهار تحت وطأة (البلطجة الأمريكية) هو خيانة لتاريخ المعاناة الإنسانية ولأمل الملايين في مستقبل أكثر عدلاً لوقف جرائم الحرب والجرائم ضد الأنسانية وجريمة الابادة الجماعية وجريمة العدوان وتنفيذ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
-المراجع:
· بيان رئيسة المحكمة الجنائية الدولية القاضية توموكو أكاني الصادر في 7 فبراير/ 2025 · بيان المحكمة الجنائية الدولية المدين للأمر التنفيذي الأمريكي الصادر في 7 فبراير/ 2025 · تقرير وكالة الأناضول حول العقوبات الأمريكية على رئيسة المحكمة، 18 أغسطس/ 2026 · تقرير بي بي سي حول العقوبات الأمريكية على رئيسة المحكمة والمحامي البارز نائب مدعي عام المحكمة، 18 أغسطس/ 2026 · تقرير سي إن إن حول حملة روبيو لتفكيك المحكمة، 18 أغسطس/آب 2026 · تقرير الجزيرة نت حول تصريحات أكاني في اجتماعات الجمعية العامة، 2 ديسمبر/كانون الأول 2025 · تقرير الجزيرة نت حول "حصار لاهاي" وحملة الضغط الأمريكية، 28 يوليو/تموز 2026 · تقرير الأمم المتحدة حول لجنة التحقيق المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، 23 سبتمبر/أيلول 2025 · تقرير هيومن رايتس ووتش حول جرائم إسرائيل في غزة، 2026 · تقرير رويترز حول الدعوى القضائية التي رفعها ثلاثة قضاة ضد الإدارة الأمريكية · تقرير دويتشه فيله حول دعم الاتحاد الأوروبي للمحكمة، 6 يونيو/حزيران 2025
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اتفاق مكة الثلاثي يحتاج للطرف الرابع إيران كفاعل أساسي لاستق
...
-
الدول غير الأعضاء في الأمم المتحدة- الأسباب، الآثار، والتأثي
...
-
المعايير المزدوجة للإعلام الغربي- لماذا تغطى أحداث سبتة وتُه
...
-
نتنياهو وفلسفة تعطيل السلام عبر عقود من الجمود السياسي وموت
...
-
الهند تحولت إلى شريك اسرائيل في الإبادة الجماعية بقطاع غزة
-
كيف نتجاوز خطاب الكراهية ونحقق السلام الحقيقي في فلسطين المح
...
-
قراءة قانونية في مذكرة اعتقال نتنياهو ومآلات العدالة الدولية
...
-
حاجز ترابي اسرائيلي عملاق في غزة -جيش الاحتلال يعيد رسم الحد
...
-
اسرائيل المستفيد الاول من الحرب ضد ايران وقصف القواعد الأمري
...
-
الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الأداء المهني للصحفيين في العال
...
-
الطعن بالإلغاء في قرار الاعتقال الصادر عن المحكمة الجنائية ا
...
-
تدبير المخاطر ورهانات التنمية في فلسطين رغم بطش الاحتلال الإ
...
-
عدم الاختصاص السلبي في القانون الجنائي الدولي
-
مذكرة واشنطن تحول سكان غزة لرهائن وكانتونات معزولة لخدمة إسر
...
-
رنة في جيبك تسبق الموت بثواني-هواتف تنقذ 11 مليون شخص
-
كذبة باع الفلسطينيون أرضهم -فيلم “إكسدس” الصهيوني شوه الحقائ
...
-
كعب أخيل في مجلس سلام غزة الفاشل
-
تفسير وتصحيح الأخطاء في المقررات الجنائية في نظام روما الأسا
...
-
شيطنة قطر عبر نشر التقارير الاسرائيلية
-
تركيا هي -إيران القادمة- في أجندة التوسع الإسرائيلي وفق المخ
...
المزيد.....
-
-محار روكي ماونتن-.. طبق غريب يُصنع من مكوّن لن تتوقعه
-
كارني بعد انهيار المحادثات التجارية: أمريكا تحاول كسر إرادتن
...
-
حفيد الخميني: إيران خرجت -مرفوعة الرأس- من الحرب مع أمريكا و
...
-
تحليل: إيران تتحدى ضغوط ترامب.. هل تستعد للانتقال إلى الهجوم
...
-
كاتس يأمر الجيش الإسرائيلي بالتعامل مع إطلاق البالونات من غز
...
-
ترامب: كندا تريد -مزايا- كونها ولاية أمريكية، وكارني يقول إن
...
-
بزشكيان يقرّ بالأزمات الداخلية وإيران تهدد المشاركين في العق
...
-
-إسرائيل تسعى إلى تدمير أي احتمال لقيام دولة فلسطينية مستقلة
...
-
حرب تجارية وتراشق كلامي.. ترامب يهاجم كندا بعد انهيار المفاو
...
-
إصابة إسرائيلي في عملية طعن بالأغوار.. والجيش يقتحم قرية الع
...
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|