أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - مقترح: رؤية الحزب الشيوعي العراقي لجمهورية العراق الاتحادية الديمقراطية















المزيد.....



مقترح: رؤية الحزب الشيوعي العراقي لجمهورية العراق الاتحادية الديمقراطية


علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب

(Ali Tabla)


الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 16:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الوثيقة الثالثة
رؤية الحزب لجمهورية العراق الاتحادية الديمقراطية
نحو جمهورية المواطن والسيادة والعدالة الاجتماعية

د. علي طبله
أيلول / سبتمبر 2026
وثيقة رؤية سياسية-دستورية مقترحة. ليست برنامجًا تفصيليًا لكل وزارة، بل إطارًا يحدد طبيعة الجمهورية، وحقوق المواطن، وعلاقة السلطات، ومضمون الفدرالية، والمهام التاريخية للدولة والاقتصاد والمجتمع. تُترك التفاصيل التنفيذية للقوانين والبرامج القطاعية والمقالات اللاحقة.
مدخل: أي عراق نريد؟
لا تنطلق هذه الرؤية من تصور تقني لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة، ولا من رغبة في استبدال قوة سياسية بأخرى داخل القواعد نفسها. السؤال الذي يحكمها أعمق: أي علاقة نريدها بين المواطن والدولة، وبين المجتمع والسلطة، وبين العراق والعالم، وبين التنوع الداخلي ووحدة الجمهورية، وبين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية؟
لقد أظهرت التجربة العراقية أن وجود دستور وانتخابات وبرلمان لا يكفي لبناء نظام ديمقراطي مستقر إذا بقي المواطن محتاجًا إلى الحزب أو الزعيم أو الوسيط للحصول على حقه، وإذا تحولت مؤسسات الدولة إلى مجالات نفوذ تتقاسمها القوى السياسية، وإذا اختفت المسؤولية خلف التوافقات، وإذا ظل المال العام والثروة والوظيفة والعقد أدوات لإنتاج الولاء.
ولهذا تبدأ الرؤية من قاعدة حاكمة: المواطن هو الأساس. المواطن هو الوحدة الأساسية للشرعية السياسية والحقوق العامة. ولا يعني ذلك إنكار الطبقات، أو القوميات، أو الأديان، أو اللغات، أو الثقافات، بل يعني أن الدولة لا تمنح حقًا سياسيًا أكبر لمواطن لأنه ينتمي إلى جماعة أكبر، ولا تمنح حزبًا ملكية دائمة لمنصب لأنه يدعي تمثيل جماعة.
إن العراق مجتمع متعدد الشعوب والقوميات والأديان والثقافات، وهذه التعددية قيمة ينبغي أن يحميها الدستور. لكن حمايتها تختلف عن تحويلها إلى حصص في السلطة. المواطنة المتساوية تحمي التنوع لأنها تمنع الأكثرية من ابتلاع الأقلية، وتمنع في الوقت نفسه النخب من تحويل هوية الجماعة إلى رأس مال سياسي دائم.
ومن هنا تناضل القوى التي تتبنى هذه الرؤية من أجل جمهورية عراقية اتحادية ديمقراطية، كاملة السيادة وناجزة الاستقلال في قرارها، مدنية في بنيتها السياسية، اجتماعية في مضمونها، تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون والتداول الديمقراطي للسلطة والعدالة الاجتماعية.
أولًا: جمهورية المواطن - الحقوق لا الحصص
إن إحدى المشكلات البنيوية في النظام السياسي الذي ترسخ بعد 2003 أن التنوع الاجتماعي انتقل من واقع ينبغي أن تحميه الدولة إلى قاعدة لتقاسمها. ومع الوقت تشكل عرف سياسي يمنح قوى بعينها حقًا شبه دائم في الرئاسات والوزارات والهيئات، وكأن الدولة مجموعة أسهم موزعة بين قيادات «المكونات».
ترفض هذه الرؤية هذا التصور من أساسه. الدولة ملك لمواطني العراق جميعًا، وليست شركة مساهمة بين قيادات المكونات. لا يحتاج المواطن الشيعي، أو السني، أو الكردي، أو التركماني، أو المسيحي أو الإيزيدي أو الشبكي أو الصابئي أو غيره إلى زعيم يمتلك جزءًا من الدولة باسمه كي تكون حقوقه مصانة. ضمان الحقوق الحقيقي هو دستور يحمي الجميع، وقضاء مستقل، ومؤسسات تمثيلية، وفدرالية واضحة، وقوانين تمنع التمييز.
إن إنهاء المحاصصة لا يعني إنكار الجماعات ولا حظر التنظيم السياسي على أساس فكري أو قومي مشروع. المقصود أن المنصب العام لا يصبح حقًا موروثًا لهوية جماعية، وأن الوظيفة والعقد والوزارة والهيئة لا توزع وفق معادلة مذهبية أو قومية. المواطن حر في هويته وانتمائه، والدولة ملزمة بحمايتهما، لكنها تتعامل معه سياسيًا باعتباره مواطنًا كامل الحقوق.
وتلتزم الجمهورية بحماية الحقوق القومية والثقافية والدينية واللغوية لجميع شعوب العراق وجماعاته مهما صغر حجمها العددي. حجم الجماعة لا يحدد حجم حقوقها. ويمكن أن تقتضي حماية الجماعات الصغيرة ترتيبات تمثيلية خاصة، لكن هذه الترتيبات يجب أن تمكن أبناء الجماعة أنفسهم من اختيار ممثليهم، لا أن تحول المقاعد إلى وكلاء لقوى أكبر.
وتترجم قاعدة «المواطن هو الأساس» كذلك إلى الإدارة والخدمات: لا يحتاج المواطن إلى توصية حزبية لكي يحصل على وثيقة، أو علاج، أو مدرسة، أو فرصة قانونية. الدولة التي لا يستطيع المواطن الوصول إليها إلا بواسطة هي دولة لم تكتمل مواطنيتها بعد.
ثانيًا: السيادة الوطنية الكاملة والناجزة - استقلال الخارج وحدود السلطة في الداخل
السيادة ليست علمًا وحدودًا وتمثيلًا دبلوماسيًا فقط. إنها قدرة الجمهورية الفعلية على اتخاذ قرارها السياسي والاقتصادي والأمني وفق مصالح مواطنيها، من دون أن يصبح الاعتماد الخارجي قيدًا يشل الإرادة الوطنية.
لكن مفهوم السيادة يحتاج إلى قيد ديمقراطي واضح. لا نتحدث عن «سيادة مطلقة» للدولة على المجتمع؛ فالسلطة داخل الجمهورية مقيدة بالدستور والحقوق والقضاء. السيادة التي نريدها كاملة في مواجهة التبعية الخارجية، ومحدودة دستوريًا في مواجهة المواطن. ولهذا نقول: السيادة تحمي المواطن ولا تتسلط عليه.
وفي القرن الحادي والعشرين لا تقتصر السيادة على السياسة الخارجية والدفاع. فالدولة التي لا تستطيع تأمين غذائها الأساسي، أو دوائها، أو طاقتها، أو بياناتها، أو بنيتها الرقمية في الأزمات تظل مكشوفة لقرارات من خارجها. لذلك تشمل السيادة السياسية والاقتصادية والغذائية والمائية والطاقية والعلمية، والتكنولوجية، والرقمية، والدفاعية.
ولا يعني هذا الانغلاق أو العداء للتعاون الدولي. العراق يحتاج إلى التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والعلم والتفاعل الثقافي. الفرق بين التعاون والتبعية هو قدرة الجمهورية على اختيار شروط تعاونها ورفض ما يضرها من دون أن ينهار أمنها الاقتصادي أو الاجتماعي.
وتخضع المعاهدات والالتزامات الدولية ذات الأثر السيادي أو المالي الكبير للرقابة الدستورية والبرلمانية والعلنية المناسبة. ولا يجوز لحزب أو جماعة مسلحة أو جهة غير دستورية إدارة سياسة خارجية أو أمنية موازية للجمهورية.
ثالثًا: الفدرالية - حكم ذاتي ديمقراطي وحكم مشترك ديمقراطي
الفدرالية ركن ثابت في الجمهورية المنشودة، لكنها لا تستقيم إذا ظلت معناها العملي محل نزاع دائم. فهي ليست خطوة مؤقتة نحو الاستقلال، وليست إدارة محلية يستطيع المركز تقليصها متى أراد. إنها نظام دستوري يجمع بين الحكم الذاتي داخل الوحدات الاتحادية والحكم المشترك في شؤون الجمهورية.
إذا وجد الحكم الذاتي من دون حكم مشترك فعال، تنشأ كيانات تقترب من علاقات الدول المنفصلة. وإذا وجد الحكم المشترك من دون صلاحيات ذاتية حقيقية، تعود المركزية تحت اسم اتحادي. لذلك تتطلب الفدرالية توزيعًا واضحًا للاختصاصات الحصرية والمشتركة، وآليات مؤسسية لحسم التعارض، ومجلس اتحاد يمثل الأقاليم والمحافظات في القضايا الاتحادية.
السيادة الدولية للجمهورية واحدة. أما داخلها فتتوزع الصلاحيات دستوريًا بين الاتحاد والأقاليم والمحافظات. الاختصاص الواسع ليس سيادة مستقلة، ووحدة السيادة لا تعني احتكار الإدارة من المركز.
وتكون العلاقة الاتحادية علاقة بين مؤسسات ومواطنين، لا بين زعامات أو مدن. فعبارة «بغداد وأربيل» لا يجوز أن تخفي أن النزاع الحقيقي قانوني ومالي ومؤسسي وأن المتضرر النهائي قد يكون المواطن. وتحسم الخلافات بالدستور والقانون ومجلس الاتحاد والمحكمة الاتحادية والتفاوض المؤسسي المعلن، لا بحرمان المواطنين من الرواتب أو الخدمات أو باستخدام القوة.
رابعًا: إقليم كردستان - حقوق الشعب الكردي كاملة ورفض الدولة الموازية
تتمسك هذه الرؤية بصورة لا تقبل الالتباس بالحقوق القومية والسياسية والثقافية واللغوية للشعب الكردي، وبحقه في الحكم الذاتي الديمقراطي داخل إقليم كردستان. هذه الحقوق ليست منحة من الحكومة الاتحادية، بل جزء من البناء الديمقراطي ومعالجة تاريخ طويل من الاضطهاد والحروب وسياسات الإنكار.
لكن الدفاع عن الحقوق الكردية لا يعني قبول تحول الحكم الذاتي إلى ممارسة دولة مستقلة خارج الإطار الاتحادي. إقليم كردستان إقليم اتحادي داخل جمهورية العراق الاتحادية الديمقراطية، وليس دولة ذات سيادة مستقلة ترتبط بالعراق بعلاقة اختيارية بين كيانين.
ولهذا ترفض الرؤية كل ممارسة تنشئ فعليًا سيادتين في السياسة الخارجية، أو الموارد الاستراتيجية، أو القرار الأمني، أو الالتزامات المالية المشتركة. وفي الوقت نفسه ترفض أن تستخدم الحكومة الاتحادية مفهوم الوحدة ذريعة لاستعادة المركزية أو إلغاء الصلاحيات التي يقررها الدستور للإقليم.
كما تميز الرؤية بين حقوق الشعب الكردي وبين مصالح الأحزاب والعائلات الحاكمة في الإقليم. الحقوق القومية لا تمنح حزبًا أو عائلة حقًا دائمًا في احتكار المؤسسات أو الاقتصاد أو الأمن. المواطن الكردي له الحق نفسه في تداول السلطة والشفافية والقضاء المستقل ومعرفة أين تذهب الأموال، مثل أي مواطن في الجمهورية.
وتخضع الموارد المشتركة، وفي مقدمتها النفط والغاز، لنظام اتحادي عادل وشفاف يضمن الملكية المشتركة لمواطني العراق، ويعترف بحقوق المناطق المنتجة وحاجات الأقاليم والمحافظات، من دون السماح باستخدام المورد لبناء استقلال مالي خارج الدولة أو باستخدام الموازنة الاتحادية لإخضاع المواطن سياسيًا.
خامسًا: النظام السياسي - أغلبية سياسية-برنامجية ومعارضة دستورية
إن إنهاء المحاصصة لا يكتمل إذا بقيت قاعدة تشكيل الحكومة هي ضرورة إشراك القوى الكبرى كلها. فحين تكون جميع القوى في الحكم يختفي المسؤول السياسي، ويصبح الفشل جماعيًا بحيث يستطيع كل طرف التنصل منه. الانتخابات عندئذ لا تحدد من يحكم، بل حجم الحصة التي يتفاوض عليها.
البديل هو أغلبية سياسية-برنامجية تحكم، ومعارضة سياسية تراقب وتنافس، ومؤسسات دستورية تحمي الجميع. الأغلبية هنا ليست أغلبية مذهبية أو قومية، بل ائتلاف قوى يتفق على برنامج معلن ويتحمل مسؤوليته أمام المواطنين.
ولا يعني حكم الأغلبية سلطة غير محدودة. فهي مقيدة بالدستور والحقوق والقضاء والفدرالية واستقلال الإدارة والهيئات، ولا تستطيع تغيير قواعد المنافسة لتضمن استمرارها. إن حق الأقلية اليوم في أن تصبح أغلبية غدًا جزء من تعريف النظام الديمقراطي.
ويكون مجلس النواب ممثلًا للمواطنين لا اجتماعًا لمندوبي الهويات. ويكتمل البناء التشريعي بمجلس اتحاد يمثل الأقاليم والمحافظات في الحكم المشترك. كما لا تكون رئاسة الجمهورية حصة ثابتة لجماعة، بل وظيفة دستورية تمثل وحدة الجمهورية ويشغلها من تتوفر فيه الكفاءة والنزاهة والسجل العام الموثق.
وتشكل الحكومة خلال مدد واضحة، ولا يستمر الانسداد السياسي إلى ما لا نهاية. فإذا أخفقت ثلاث محاولات دستورية محددة لتشكيل حكومة تنال الثقة، يعود القرار إلى المواطنين عبر انتخابات مبكرة. لا توجد محاولة رابعة تفتح باب الفراغ والمساومات غير المحدودة.
وتحظى المعارضة بحقوق مؤسسية فعلية في اللجان الرقابية والاستجواب والوصول إلى المعلومات والزمن البرلماني والإعلام العام. فهي ليست ضيفًا في النظام، بل شرط من شروطه.
سادسًا: السلطة والرقابة - لا صلاحية بلا مسؤولية
لا تتعامل هذه الرؤية مع الرقابة بوصفها عملية تأتي بعد القرار فقط، بل جزءًا من تكوين السلطة منذ البداية. فكل صلاحية عامة يجب أن يقابلها مسؤول محدد، ومعلومة قابلة للكشف، وطريق للطعن، وجهة للرقابة، وجزاء عند الإخلال.
ومن هنا تنطلق القاعدة الجامعة: لا سلطة بلا رقابة، ولا إنفاق بلا كشف، ولا قرار عام بلا مسؤولية، ولا منصب بلا مساءلة، ولا حصانة تحجب المحاسبة عن الفساد أو إساءة استعمال السلطة.
لكن الرقابة لا تعني تضخيم البيروقراطية والتواقيع. أحيانًا يتحول كثرة الموافقات إلى وسيلة لإخفاء المسؤولية. الرقابة الفعالة هي التي تجعل مسار القرار قابلًا للتتبع: من اقترح، من راجع، من وافق، من نفذ، ومن كان مسؤولًا عن مراقبة النتيجة.
وتعمل الرقابة قبل القرار في التأهيل وتعارض المصالح والمشتريات الكبرى، وأثناء التنفيذ من خلال التدقيق والنشر ومؤشرات الأداء، وبعده من خلال الحساب الختامي والقضاء والتقييم السياسي. وهي برلمانية وقضائية ومالية وإدارية ومواطنيه وإعلامية في الوقت نفسه.
كما تخضع الهيئات الرقابية نفسها للرقابة. استقلال هيئة الانتخابات أو النزاهة أو الرقابة المالية يعني استقلالها عن التوجيه السياسي في اختصاصها، لا استقلالها عن القانون، والشفافية، والموازنة، والمساءلة.
سابعًا: القضاء وسيادة القانون - استقلال الحكم وشفافية المؤسسة
القضاء المستقل هو الضمانة التي تحول الحقوق من وعود سياسية إلى قواعد يستطيع المواطن التمسك بها. ويكون القاضي مستقلًا عن الحكومة والبرلمان والأحزاب والقوى المسلحة والاقتصادية والدينية، كما يكون مستقلًا داخل المؤسسة القضائية عن الضغط الإداري في مضمون حكمه.
وفي المقابل لا يعني استقلال الحكم أن الإدارة القضائية والميزانية والتعيينات والترقيات والتأخير خارج الرقابة. الصيغة الصحيحة هي: استقلال كامل في الحكم القضائي، ورقابة كاملة على الإدارة والمال والنزاهة والأداء المؤسسي.
وتكون المحكمة الاتحادية محكمة قانون ودستور. ينبغي أن يتولى حق التصويت والفصل الدستوري قضاة وقانونيون ذوو تأهيل رفيع، مع إمكان الاستعانة بخبراء في الفقه الديني والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا وغيرها عند الحاجة، من دون تحويل الاختصاص غير القضائي إلى حصة ثابتة داخل هيئة الحكم.
ويكون اختيار المواقع القضائية العليا علني المعايير، وتعرض السير والمؤهلات والذمم وتعارضات المصالح وفق القانون. كما يوسع القضاء الإداري بحيث يستطيع المواطن الطعن في قرار الإدارة أو امتناعها غير المشروع عن اتخاذ القرار.
والحكم النهائي ملزم للدولة. إن امتناع مسؤول عن تنفيذ حكم قضائي نهائي يضرب سيادة القانون في جوهرها، ولذلك يجب أن ترتبط به مسؤولية وجزاء. كما يجب ألا تجعل الكلفة أو المسافة أو التعقيد حق التقاضي نظريًا، فتوسع المساعدة القانونية والخدمات القضائية الرقمية والترجمة والوصول لذوي الإعاقة.
ثامنًا: الانتخابات والأحزاب - المنافسة قبل الصندوق وبعده
الانتخابات الديمقراطية ليست يوم الاقتراع وحده. يمكن لصندوق صحيح تقنيًا أن يعمل داخل منافسة غير عادلة إذا كان طرف يملك المال والسلاح والإعلام وموارد الدولة بينما لا يملك الآخر إلا صوته.
ولهذا يجب أن تكون مفوضية الانتخابات مستقلة فعلًا عن الحكومة والأحزاب، وألا يتكرر داخلها منطق تمثيل الكتل. وتكون قواعد اختيار قياداتها مهنية ومعلنة، وتخضع عقودها وتقنياتها وموازنتها للتدقيق.
كما يجب أن يكون النظام الانتخابي قادرًا على الجمع بين عدالة التمثيل وعلاقة النائب بالمواطن وتكوين أغلبية قابلة للحكم. وتحتاج الدوائر إلى رسم فني مستقل يمنع التلاعب لمصلحة حزب أو جماعة، مع حق الطعن القضائي قبل الانتخابات.
ويكون التمويل السياسي مكشوفًا. كل حملة تمر عبر حسابات قابلة للتدقيق، وتكشف التبرعات الكبيرة، ويمنع استخدام المال العام والعقود والوظائف والتعيينات والهيئات الحكومية في خدمة المرشح. ولا يكون الإعلام العام إعلام الحكومة، بل إعلام المواطنين.
وتخضع الأحزاب نفسها لحد أدنى من الديمقراطية والشفافية الداخلية. لا يمكن لحزب يطالب بالديمقراطية في الدولة أن يخفي طريقة اختيار قيادته ومرشحيه أو مصادر تمويله. ولا يجوز لحزب يطلب صوت المواطن أن يحتفظ في الوقت نفسه بقوة مسلحة تمنحه سلطة خارج الانتخابات.
تاسعًا: الإدارة العامة - دولة الوظيفة لا دولة الحصة
يتعامل المواطن مع الدولة في حياته اليومية عبر الإدارة أكثر مما يتعامل مع النص الدستوري. ولذلك لا يكفي تغيير قواعد الحكم إذا بقيت الإدارة قائمة على المحسوبية والمقراتية والوساطة وعدم وضوح المسؤولية.
تميز الجمهورية بوضوح بين المستوى السياسي والمستوى المهني. الوزير مسؤول سياسي ويتغير مع الحكومة، أما الجهاز الإداري الدائم فيخدم الجمهورية ويعمل وفق القانون والكفاءة. لا يؤدي تغيير الوزير إلى اقتلاع الإدارة العليا وتوزيعها من جديد بين القوى السياسية.
وتراجع منظومة الدرجات الخاصة بحيث لا تصبح بابًا لإخراج الوظائف المهنية من الخدمة العامة. ويكون التعيين والترقية عبر إعلان ومعايير وتنافس وتقييم، مع حق المتقدم في معرفة القواعد والاعتراض على التمييز.
أما المواطن أمام الإدارة فله حقوق محددة: معرفة المستندات المطلوبة، والرسوم، والمدة، والجهة المسؤولة، والحصول على قرار مسبب عند الرفض، ومعرفة طريق الاعتراض والطعن. ولا تطلب مؤسسة من المواطن وثيقة تستطيع الحصول عليها قانونيًا من مؤسسة أخرى.
وتحدد مدد قصوى للمعاملات الأساسية، ويصبح الصمت الإداري بعد انقضاء المدة قرارًا سلبيًا قابلًا للطعن. والرقمنة تستخدم لتقليل الخطوات والتواقيع والاحتكاك غير الضروري، لا لنقل البيروقراطية القديمة إلى شاشة.
وتقيم الإدارة على أساس النتيجة، لكن دون تحويل تقييم الأداء إلى أداة لرضا الرئيس. المعايير معلنة، والموظف يستطيع الاعتراض، والمسؤولية عن القرار قابلة للتتبع.
عاشرًا: المال العام والنزاهة - من محاربة الفاسد إلى منع بيئة الفساد
المال العام هو الجانب المادي لتفويض المواطن. الحكومة لا تملك المال، بل تديره لفترة محددة وتحت شروط. ومن هنا تصبح الموازنة عقدًا للمساءلة، لا مجرد إذن بالإنفاق.
وتربط الموازنة بالبرنامج والخطة، ويقابلها حساب ختامي يبين ما أنفق فعليًا وما تحقق. لا يصح أن تطلب الحكومة تفويضًا ماليًا جديدًا وهي عاجزة عن تقديم حساب عن التفويض السابق. والتخلف الجسيم غير المبرر عن الموازنة أو الحسابات الختامية يجب أن ينتج مسؤولية سياسية فعلية.
وتنشر بيانات الموازنة والتنفيذ والعقود في صيغ يستطيع المواطن والباحث تحليلها. وفي العقود الكبرى يعرف الجمهور الحاجة والقيمة والشركة والمالك المستفيد الحقيقي، والتعديلات، ونسبة الإنجاز، والمدفوعات. فلا تكون الشركة واجهة تخفي صاحب المنفعة الحقيقي.
ويصبح كشف الذمة المالية شرطًا لممارسة السلطة في المواقع العليا وللترشح للانتخابات. وقد اعتمدت هذه الرؤية قاعدة حاسمة: إذا لم يقدم المرشح إقراره المطلوب في الموعد القانوني، يلغى ترشيحه حكمًا ونهائيًا مهما كانت الأعذار. فالإفصاح ليس تفضلًا، بل شرط أهلية.
وفي الوقت نفسه تحمى الخصوصية المشروعة؛ لا حاجة لنشر رقم الحساب أو عنوان المنزل، لكن يجب كشف طبيعة الثروة والمصالح الاقتصادية والملكية المستفيدة وتعارض المصالح. ويقدم المسؤول إقرارًا سنويًا وإقرارًا عند نهاية المنصب يسمح بمقارنة الثروة.
كما يعامل الفساد السياسي كفساد عام: بيع المناصب، تحويل الوزارة إلى مورد حزبي، توجيه العقود للشبكات، واستغلال المال العام في الانتخابات. واستعادة الأموال هدف مستقل عن العقوبة؛ فلا معنى لإدانة السارق إذا بقي المال خارج المجتمع.
الحادي عشر: الأمن والدفاع - الدولة تحتكر السلاح والدستور يقيد الدولة
لا تقوم جمهورية المواطنين مع تعدد مصادر القوة المسلحة. فالحزب أو الجماعة التي تملك سلاحًا خارج المؤسسات تملك قدرة سياسية لا تأتي من أصوات المواطنين. ولذلك يعد احتكار الدولة الدستورية للسلاح شرطًا للديمقراطية والسيادة معًا.
القوات المسلحة مؤسسة للجمهورية، لا للحكومة ولا للحزب ولا للقومية أو المذهب. وتخضع للقيادة المدنية المنتخبة والسياسة الدفاعية العامة، مع استقلال مهني في الشؤون العسكرية. ولا يجوز لتشكيل مسلح أن يتلقى أمره من حزب أو مرجعية أو دولة خارج سلسلة القيادة الدستورية.
وعند معالجة التشكيلات المسلحة غير النظامية يكون الاندماج اندماجًا للأفراد المؤهلين بعد التدقيق والتدريب ضمن مؤسسات الدولة عند الحاجة، لا اندماج التنظيمات مع احتفاظها بقيادتها وولائها.
لكن احتكار السلاح ليس ترخيصًا لدولة أمنية. الشرطة والاستخبارات موجودتان لحماية المواطن والقانون، ولا يتحول المعارض أو الصحفي أو المحتج السلمي إلى موضوع أمني بسبب رأيه. وتكون المراقبة والاعتقال واستخدام القوة مقيدة بالقانون والضرورة والتناسب والرقابة القضائية.
ولا توجد سجون أو مراكز احتجاز سرية، ويحظر التعذيب والاختفاء القسري حظرًا مطلقًا. كما تخضع الموازنات والعقود الأمنية والعسكرية للرقابة ضمن ترتيبات تحمي المعلومات العملياتية من دون أن تجعل السرية بابًا للفساد.
الثاني عشر: الدولة الاجتماعية - الحقوق شروط حياة لا منح
لا تكون المواطنة متساوية فعلًا إذا كان المواطن يستطيع التصويت لكنه لا يستطيع تعليم طفله أو علاج نفسه أو الحصول على سكن أو دخل يضمن الكرامة. الحرية السياسية من دون شروط مادية أساسية تظل ناقصة، مثلما أن الخدمات من دون حرية سياسية يمكن أن تتحول إلى أدوات تبعية.
ولهذا ترى الجمهورية أن التعليم والصحة والسكن والعمل والحماية الاجتماعية والماء والطاقة والنقل والبيئة حقوق وشروط حياة. لكن إعلان الحق لا يكفي؛ يجب أن يقابله مسؤول وميزانية وخطة، ومؤشر أداء، وطريق شكوى، وطعن.
والتعليم هو الأولوية المطلقة في المرحلة التاريخية الراهنة. هذه العبارة تعني أولوية فعلية في الموازنة وإعداد المعلمين وبناء المدارس والتعليم المهني والجامعات والبحث العلمي. العراق يستطيع بناء طريق في سنوات، لكنه يحتاج إلى جيل لبناء قدرة بشرية معرفية عالية. وكل تأخير في التعليم يمتد أثره عقودًا.
وتتحول المدرسة من مؤسسة للحفظ والتلقين إلى مؤسسة للتفكير النقدي والعلم والإبداع والمواطنة، ويعاد بناء التعليم المهني والتقني كمسار عالي الجودة مرتبط بالصناعة، والزراعة، والطاقة، والتكنولوجيا. ويكون البحث العلمي جزءًا من السيادة لا نشاطًا هامشيًا.
وفي الصحة يكون النظام العام القادر على توفير الرعاية الجيدة هو العمود الفقري، مع دور منظم للقطاع الخاص. وتعطى الأولوية للوقاية والرعاية الأولية والتوزيع الجغرافي العادل والصناعة الدوائية الوطنية والصحة النفسية.
أما السكن فلا يعامل بوصفه سلعة فقط. تحتاج الجمهورية إلى إسكان عام واجتماعي وتعاوني، وسياسة أرض تحد من المضاربة، وتخطيط يجعل الوصول إلى العمل والمدرسة والصحة والنقل جزءًا من الحق في المدينة. وتعالج المناطق غير المخططة بالتطوير والتسوية والإسكان البديل عند الضرورة، لا بالهدم وحده.
وتبنى الحماية الاجتماعية باعتبارها حقًا لا صدقة: التقاعد والبطالة والعجز والمرض والأمومة وإصابات العمل والفقر وفقدان المعيل، بحيث يحصل المواطن على حقه وفق قاعدة معلنة لا عبر وسيط.
الثالث عشر: الاقتصاد المنتج - الزراعة والصناعة والسيادة المادية
لا تستطيع جمهورية المواطن أن تستمر على اقتصاد يبيع النفط ويشتري معظم حاجاته ويستخدم الوظيفة العامة لتوزيع الريع. الاقتصاد الريعي لا ينتج ضعفًا اقتصاديًا فقط؛ بل يضعف المساءلة، لأن الدولة تعتمد أقل على الضرائب والإنتاج وأكثر على مورد مركزي يمكن استخدامه في بناء الولاءات.
ولهذا تناضل الجمهورية من أجل انتقال من الريع إلى اقتصاد العمل والإنتاج والمعرفة. وتحتل الزراعة مكانًا استراتيجيًا، لا باعتبارها بقايا الماضي، بل أساسًا للأمن الغذائي والتنمية الريفية. ويجري تحديثها ومكننتها وتوفير الري الحديث والبذور والآلات والائتمان والتأمين والتخزين والتبريد والنقل والتصنيع الغذائي والخدمات البيطرية والبحث العلمي.
والهدف هو الوصول إلى أعلى درجة واقعية ومستدامة من الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي في الغذاء الأساسي الذي يستطيع العراق إنتاجه بكفاءة. لا يعني ذلك إغلاق التجارة، بل منع تحول الحاجة إلى الغذاء إلى نقطة ضعف سياسية واجتماعية.
وترتبط الزراعة بالمياه. فلا يمكن مطالبة الخارج بحقوق العراق المائية من دون إصلاح الهدر الداخلي، ولا يمكن تحميل الفلاح وحده كلفة التحديث. تبنى سياسة مائية تجمع التفاوض الإقليمي، وكفاءة الري، وحماية المياه الجوفية، ومعالجة الملوحة والتصحر والتلوث، وإعادة الاستخدام حيثما أمكن.
وفي الصناعة، لا يكفي دعم المشروعات الصغيرة وحدها. تحتاج البلاد إلى صناعات ثقيلة ومتوسطة ومساعدة في المجالات التي تثبت فيها الحاجة والجدوى، بما في ذلك الصناعات الهندسية والمعدنية والبتروكيمياوية والدوائية ومعدات الطاقة والزراعة ومواد البناء. وترتبط بها شبكة واسعة من الصناعات الصغيرة والمتوسطة والتعاونية.
ولا نقصد تقديس المصنع الكبير أو إنتاج كل شيء محليًا. المعيار هو القيمة المضافة ونقل التكنولوجيا والقدرة على العمل المنتج والأمن الاقتصادي. وبهذا تتحول الصناعة الصغيرة من مشروع معزول إلى جزء من سلسلة إنتاج وطنية.
وتكون مهمة النفط التاريخية تمويل الانتقال من النفط. المورد غير المتجدد لا يجوز أن يستهلك كله في الإنفاق الجاري والاستيراد. تحويل النفط إلى مدرسة وجامعة ومختبر وصناعة وشبكة نقل وطاقة وتقنية هو تحويل الثروة الطبيعية إلى ثروة اجتماعية مستدامة.
الرابع عشر: الملكية والتخطيط والعدالة الاقتصادية
لا تختزل هذه الرؤية الاقتصاد في اختيار ثنائي بين الدولة والسوق. فهي تدافع عن الملكية العامة للثروات والأصول الاستراتيجية، وتدعم الملكية التعاونية والاجتماعية، وتحترم الملكية الخاصة والنشاط المنتج، لكنها ترفض أن تكون الملكية سلطة فوق المجتمع.
والقطاع العام لا يصبح اجتماعيًا لمجرد أن الدولة تملكه. يجب أن يكون مهني الإدارة، شفافًا، خاضعًا لرقابة المجتمع، وتحدد لكل مؤسسة وظيفتها ونتائجها. كما لا يجوز استخدام الخصخصة حلًا تلقائيًا للمؤسسة الضعيفة؛ فبيع أصل عام في بيئة فساد قد يحول فشل الإدارة إلى نقل دائم للثروة إلى قلة.
ويخضع بيع الأصول الكبرى إلى تقييم مستقل وشفافية ومراجعة تشريعية مناسبة وكشف المالك المستفيد. كما تنشئ الدولة سجلًا وطنيًا موحدًا لأصولها وأراضيها؛ فالجهة التي لا تعرف ما تملك لا تستطيع حماية الملكية العامة.
ويعود التخطيط الوطني إلى موقعه بوصفه قدرة ديمقراطية على تحديد الاتجاهات الطويلة في التعليم والمياه والطاقة والصناعة والزراعة، والمدن، والنقل، والتكنولوجيا. لا يعني التخطيط أن تحدد الدولة كل سعر وكل مشروع، بل أن تربط الموازنة والاستثمار والسياسة الائتمانية والمشتريات العامة بأهداف تنموية معلنة.
وتستمر المشروعات الوطنية الكبرى عبر الحكومات، مع حق الحكومة الجديدة في تعديلها بعد تفسير ودراسة، لا وقفها لمجرد أنها بدأت في عهد خصم سياسي. الديمقراطية تغير السياسة، لكنها لا تعني محو الذاكرة المؤسسية كل أربع سنوات.
ويكون النظام الضريبي أكثر تصاعدية وعدالة، بحيث يساهم من يملك قدرة أكبر بنسبة أكبر، وتغلق أبواب التهرب وإخفاء الملكية. ولا تكون ضريبة العامل أسهل في التحصيل من ضريبة الثروة الكبيرة.
الخامس عشر: العمل والنقابات والديمقراطية الاقتصادية
العمل ليس وسيلة للدخل فقط، بل موقع تتشكل فيه القوة الاجتماعية. ولهذا تضمن الجمهورية حق العمل اللائق والأجر العادل والسلامة والضمان والتنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية والإضراب السلمي.
وتتعامل مع الطبقة العاملة في تغيراتها وتكويناتها المعاصرة، فلا تقصر الحماية على العامل الصناعي الدائم. العمل المؤقت واليومي والمنزلي والزراعي والرقمي وعمل المنصات والعمل غير المنظم جميعها تحتاج إلى قواعد تنظيم وضمان وحق في التنظيم.
والنقابات مستقلة عن الحكومة وأصحاب العمل والأحزاب. يمكن للأحزاب أن تناضل بين العمال وأن تقدم رؤاها، لكنها لا تملك النقابة. الاستقلال النقابي هو الذي يجعل التنظيم أداة للعامل لا ذراعًا لجهاز آخر.
وتوسع الجمهورية مشاركة العاملين في الرقابة على المؤسسات العامة الكبرى وفي المعلومات التي تتعلق بالإنتاج والاستثمار والسلامة والعمل، بما يطور الديمقراطية من المجال السياسي إلى المجال الاقتصادي. فالمواطن الذي يصوت مرة كل عدة سنوات ويظل بلا صوت في المؤسسة التي يقضي فيها معظم يومه يعيش ديمقراطية ناقصة.
السادس عشر: المعرفة والثقافة والدولة الرقمية
لا يستطيع المواطن مراقبة دولة لا يعرف كيف تعمل. ولهذا يكون الحق في المعلومات جزءًا من البنية الدستورية، ويصبح الأصل هو الكشف والاستثناء هو الحجب المحدد بالقانون والضرورة. وتنشر الدولة الموازنات والعقود والتعيينات والمؤشرات والقرارات الأساسية قبل أن يضطر المواطن إلى طلبها.
والإعلام العام ممول من المواطنين لخدمتهم، لا ليكون جهاز الحكومة. وتدار مؤسساته باستقلال مهني يضمن التعدد والحق المتكافئ للحكومة والمعارضة والقوى الاجتماعية في النقاش العام.
كما تحمي الجمهورية حرية الثقافة والفنون، والبحث، والاعتقاد، والنقد. ولا توجد ثقافة رسمية يفرضها الحزب أو الدولة. ويحفظ التراث والآثار واللغات والتعدد الثقافي باعتبارها ملكًا مشتركًا للأجيال.
وفي الدولة الرقمية، تكون التكنولوجيا في خدمة المواطن لا أداة لمراقبته. تجمع البيانات لغرض قانوني محدد، ويعرف المواطن ما تحتفظ به الدولة عنه ويستطيع تصحيحها. وإذا استخدمت خوارزمية أو نظام ذكاء اصطناعي في قرار يمس حقًا أو منفعة أو التزامًا، يعلم المواطن بذلك ويملك حق المراجعة البشرية والطعن.
وتصبح القدرات الرقمية والأمن السيبراني والبرمجيات والذكاء الاصطناعي عناصر من السيادة العلمية. الهدف ليس الانعزال، بل امتلاك القدرة على فهم الأنظمة التي تعتمد عليها الدولة وصيانتها وتطويرها وعدم الارتهان التام لمورد خارجي.
السابع عشر: طريق الانتقال - إصلاح ناجز من دون تفكيك الدولة
هذه الرؤية لا تتحقق بمرسوم واحد ولا بانقلاب قانوني مفاجئ. إنها مسار سياسي ودستوري واجتماعي سلمي يستخدم الانتخابات والتشريع والاستفتاء والنضال الجماهيري والمؤسسات لبناء قواعد جديدة من دون تدمير قدرة الدولة على الاستمرار.
ويجب التمييز بين ما يمكن إصلاحه بقانون قائم أو بإجراءات إدارية، وما يحتاج إلى قانون جديد، وما يتطلب تعديلًا دستوريًا. الشفافية والعقود والخدمة والرقمنة وبعض قواعد النزاهة يمكن التقدم فيها مباشرة، بينما تحتاج بنية الحكومة ومجلس الاتحاد وبعض مسائل المحكمة والفدرالية وآليات الحل إلى تعديل دستوري.
ولا يصبح أي تعديل دستوري نافذًا من دون استفتاء المواطنين. فالدستور عقدهم الأعلى ولا يجوز تغييره في غرفة مغلقة. كما يجب ألا تفصل القواعد على خصم قائم أو شخص بعينه؛ القاعدة الديمقراطية هي التي نقبل تطبيقها حين نكون في المعارضة كما نقبلها حين نكون في الحكم.
وينهي الإصلاح المحاصصة من دون تطهير مضاد. الموظف لا يفصل بسبب انتمائه، بل تراجع الوظائف على أساس القانون والكفاءة والنزاهة. وتدمج العناصر المؤهلة من التشكيلات المسلحة بصورة فردية وفق الحاجة ولا تستنسخ التنظيمات داخل الدولة.
وتظل الحقوق والقضاء نافذين في كل مراحل الانتقال؛ لا توجد مرحلة استثنائية تبرر تعليق المواطن باسم بناء الدولة الجديدة. ويكون لكل إصلاح موعد ومسؤول ومؤشر تنفيذ منشور يستطيع المواطن متابعته.
خاتمة: جمهورية المواطن
لا تعد هذه الرؤية بدولة مثالية لا تخطئ. إنها تريد دولة تجعل الخطأ قابلًا للكشف، والسلطة قابلة للتغيير، والقرار قابلًا للتتبع، والمسؤول قابلًا للمحاسبة، والحق قابلًا للمطالبة.
إنها انتقال من دولة تتقاسمها القوى النافذة إلى جمهورية يمتلكها المواطنون سياسيًا ودستوريًا؛ من دولة المكونات إلى دولة الحقوق؛ من اقتصاد الريع إلى اقتصاد العمل والإنتاج والمعرفة؛ من فدرالية ملتبسة بين المركزية وشبه الاستقلال إلى حكم ذاتي وحكم مشترك داخل سيادة واحدة؛ ومن تعدد السلاح إلى قوة دستورية واحدة خاضعة للقانون.
وفي هذه الجمهورية يكون التعليم قاعدة النهضة، والزراعة قاعدة الأمن الغذائي، والصناعة قاعدة الاستقلال الاقتصادي، والعلم قاعدة السيادة المستقبلية، والعدالة الاجتماعية شرطًا للحرية الفعلية. وتخدم السياسة والاقتصاد والمؤسسات غاية واحدة: أن يصبح المواطن أكثر قدرة على أن يعيش ويتعلم ويعمل وينظم ويختار ويراقب ويعترض ويصنع مستقبله.
الاختبار النهائي ليس عدد المواد الدستورية ولا الخطط ولا المؤسسات. الاختبار هو حياة المواطن: هل أصبح صوته أكثر تأثيرًا؟ هل يحصل على حقه من دون وسيط؟ هل يعرف أين تذهب أموال الدولة؟ هل يستطيع تغيير من يحكمه؟ هل يعيش في مجتمع أكثر علمًا، وإنتاجًا، وأمنًا، وعدالة؟ وهل أصبح العراق أكثر قدرة على اتخاذ قراره من دون تبعية؟
هذه هي الجمهورية التي تناضل من أجلها
هذه الرؤية:
جمهورية عراقية اتحادية ديمقراطية، كاملة السيادة وناجزة الاستقلال، تحمي تعدد شعوب العراق وثقافاته ولغاته وحقوقها، وتضع الإنسان والعمل والمعرفة والعدالة الاجتماعية في مركز مشروعها، وتكون فيها السلطة تفويضًا مؤقتًا والثروة العامة ملكًا للمواطنين والدولة أداة لخدمتهم لا سيدًا عليهم.
المواطن هو الأساس.



#علي_طبله (هاشتاغ)       Ali_Tabla#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من التشخيص الطبقي إلى الاستراتيجية الطبقية
- تحولات البرنامج والهوية الطبقية في الحزب الشيوعي العراقي 194 ...
- دراسة فكرية - تنظيمية : من مركزية الجهاز إلى مركزية الإرادة ...
- حول مداخلة/تعليق ر. حسين علوان حسين حول دراستي المنشورة حول ...
- الصدور الإلكتروني لكتاب -النهج التشكيكي النقدي التجديدي في ا ...
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
- نحو إعادة تأسيس الوظيفة الشيوعية في العراق المعاصر
- «ما العمل؟» بوصفه مسارًا لا وصفة جاهزة
- ثورة بلا سلطة شعبية
- من حزب الشهداء إلى حزب المعصومين: لماذا يضر خطاب الطهارة بال ...
- قراءة نقدية ماركسية في بيان اجتماع اللجنة المركزية للحزب الش ...
- الإداروية والمقراتية وأزمة الممارسة اليومية حين ينشغل الحزب ...
- ملاحظات نقدية حول خطاب الحزب الشيوعي العراقي
- الاشتراكية في مواجهة الليبرالية والنيوليبرالية والدولة المدن ...
- العشائرية والطائفية والقومية والذكورية والمناطقية: البنى ما ...
- الدين الشعبي والطائفية السياسية: بين فهم المجتمع ونقد سلطة ا ...
- رد على اطروحات الرفيق ساطع هاشم حول الحلقة الثانية: الحزب أم ...
- الدولة الريعية الطائفية التابعة: العراق بعد الاحتلال وإعادة ...
- الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظ ...
- النقد بوصفه وفاءً للحزب لا خروجًا عليه - نحو إعادة تأسيس شيو ...


المزيد.....




- السعر والمميزات.. كل ما تريد معرفته عن هواتف آيفون الجديدة
- فيديو متداول لـ-استسلام مقاتلين حوثيين في الجوف باليمن-.. هذ ...
- مؤتمر استثنائي للجمهوريين .. اختبار صعب لترامب قبل التجديد ا ...
- بعد اتهام موسكو باستهداف مطار لايبزيغ .. كيف ستتحرك برلين؟
- مدفيديف: نرغب في انتهاء النزاع في أوكرانيا بأسرع ما يمكن ولك ...
- -الليكود- يتهم محمد دحلان ويائير غولان بـ-التدخل الأجنبي- في ...
- خلال 12 ساعة الدفاع الجوي يدمر 108 طائرات مسيرة فوق مناطق رو ...
- مصادر: مدير وكالة الاستخبارات المركزية قد يتولى دورا أكبر في ...
- -ثورة في جيبك-! آبل تكشف عن آيفون 18 برو بأطول بطارية في الت ...
- الدفاع السورية تصدر بيانا حول انفجار سرمدا الدامي


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - مقترح: رؤية الحزب الشيوعي العراقي لجمهورية العراق الاتحادية الديمقراطية