أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - «ما العمل؟» بوصفه مسارًا لا وصفة جاهزة















المزيد.....

«ما العمل؟» بوصفه مسارًا لا وصفة جاهزة


علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب

(Ali Tabla)


الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 00:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة
حلقات نقدية مقدمة إلى مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي

الحلقة التاسعة عشرة

«ما العمل؟» بوصفه مسارًا لا وصفة جاهزة
من السؤال التاريخي إلى إعادة بناء الحزب من الواقع

د. علي طبله

«لم يفعل الفلاسفة غير أن فسّروا العالم بطرق مختلفة، لكن المهم هو تغييره».
كارل ماركس، أطروحات حول فويرباخ.

«من دون نظرية ثورية لا يمكن أن تكون هناك حركة ثورية».
فلاديمير لينين، ما العمل؟

هذه الحلقة جزء من وثيقة موسعة بعنوان: نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة، مقدمة بوصفها مساهمة نقدية رفاقية في النقاش التحضيري حول أزمة الحزب الشيوعي العراقي، ووظيفته التاريخية، وشروط إعادة تأسيسه بوصفه حزبًا ماركسيًا ولينينيًا للكادحين والعمال والفقراء والنساء والشباب والمهمشين.

لا يعود سؤال «ما العمل؟» اليوم بوصفه استعارة تاريخية فقط، ولا بوصفه عنوانًا كلاسيكيًا يستدعى من تراث لينين في لحظات الحيرة. إنه يعود من قلب العراق نفسه: من البطالة، والعمل الهش، والمدارس المنهارة، والمستشفيات المتهالكة، والأحياء الفقيرة، والهجرة، والريع، والطائفية، والفصائل، والفساد، وانسداد المستقبل أمام الشباب، وتآكل ثقة الناس بالسياسة كلها. إنه سؤال لا يأتي من الكتب وحدها، بل من الحياة اليومية التي تكشف أن الأزمة لم تعد قابلة للتغطية بالخطابات العامة.

لكن أخطر ما يمكن فعله بهذا السؤال هو تحويله إلى وصفة جاهزة. فـ«ما العمل؟» لا تعني إعداد قائمة أوامر، ولا بروتوكول تنظيمي مغلق، ولا برنامجًا يصلح لكل منطقة وكل ظرف وكل ميزان قوى. العراق ليس كتلة واحدة صماء. ما يصلح في البصرة لا يتطابق مع ما يصلح في الموصل. وما يتحرك في بغداد لا يتكرر بالضرورة في الريف أو كردستان أو المدن الصغيرة أو الأحياء الفقيرة أو الجامعات أو مواقع العمل الهش. لذلك فإن السؤال لا يطلب جوابًا إداريًا واحدًا، بل يفتح مسارًا طويلًا من التفكير والنقد والتنظيم والتعلم.

إن معنى «ما العمل؟» في لحظة إعادة التأسيس هو: كيف يعاد وصل الحزب بواقعه؟ كيف ينتقل من تمثيل رمزي للكادحين إلى علاقة يومية معهم؟ كيف يتحول من حزب يتحدث عن الطبقة إلى حزب يجد طبقته حيث تعيش فعليًا؟ كيف ينتقل من اللغة العامة إلى القضايا الملموسة؟ كيف تصبح الكهرباء والماء والصحة والتعليم والسكن والعمل والبطاقة التموينية والبطالة والهجرة وحقوق النساء والشباب قضايا طبقية لا ملفات خدمية منفصلة؟ وكيف يتعلم التنظيم من الناس بدل أن يكتفي بتعليمهم؟

لا يبدأ الجواب من الشعار، بل من التشخيص. فمن لا يعرف طبيعة الدولة التي يواجهها لا يستطيع أن يحدد مهماته. والدولة العراقية بعد 2003 ليست دولة وطنية مكتملة أصابها الفساد فقط، بل كيان ريعي محاصصاتي فصائلي تابع، تتداخل فيه الدولة واللادولة، القانون والسلاح، المؤسسة والوساطة، المواطن والتابع، الحق والحصة. لذلك لا يمكن للحزب أن يتعامل معها بلغة إصلاحية سطحية وحدها، ولا بلغة انسحابية تترك المجتمع لقوى الطائفية والمال والسلاح. المطلوب فهم البنية كي يتحدد الفعل.

ولا يبدأ الجواب من الحزب كما يتخيل نفسه، بل من الحزب كما يراه الناس. هل يراه العامل الهش قريبًا منه؟ هل تراه المرأة المعيلة نصيرًا فعليًا لا خطيب مناسبات؟ هل يراه الشاب العاطل أفقًا لحياته أم ذاكرة محترمة من زمن آخر؟ هل يراه الفقير المؤمن قوة تحترم إنسانيته ودينه الشعبي وتدافع عنه ضد تجار الدين، أم قوة بعيدة تتكلم بلغة لا تصله؟ هل يراه الرفيق القديم بيتًا لا ينسى أبناءه، أم جهازًا يتجاهل من يغادر أو يختلف أو يسأل؟ هذه الأسئلة ليست أخلاقية فقط، بل سياسية وتنظيمية، لأنها تحدد معنى وجود الحزب.

إن «ما العمل؟» لا تعني أن يبدأ الحزب من الصفر. لا شيء يبدأ من الصفر في التاريخ. هناك تضحيات، وذاكرة، وخبرة، ورفاق، وشهداء، وأنصار، ومثقفون، ونقابيون، ونساء، وشباب، وتجارب، وأخطاء، وانتصارات صغيرة، وخيبات كبيرة. المطلوب ليس هدم هذا كله، بل إعادة صهره في وظيفة جديدة. فالتاريخ لا يكون قوة إذا بقي ذكرى، بل حين يصبح قدرة على الفهم والفعل. والذاكرة لا تكون وفاءً إذا تحولت إلى حصانة ضد النقد، بل حين تحمي المستقبل من تكرار الهزيمة.

ولذلك فإن الجواب لا يكون في تبديل الوجوه وحده، ولا في تحسين الإعلام وحده، ولا في خوض الانتخابات بطريقة مختلفة وحدها، ولا في إصدار وثائق أكثر بلاغة وحدها. هذه كلها قد تكون ضرورية في مواضعها، لكنها لا تكفي. المسألة أعمق: إعادة بناء علاقة الحزب بالطبقة والمجتمع والدولة والبرنامج والذاكرة والتنظيم. إعادة بناء الحزب بوصفه أداة، لا غاية. بوصفه علاقة اجتماعية، لا جهاز إدارة. بوصفه مدرسة وعي وفعل، لا أرشيفًا أو مقرًا أو موسمية انتخابية.

ومن هنا، لا يجوز أن يتحول سؤال «ما العمل؟» إلى أمر فوقي للرفاق. فالحزب الحي لا يجيب عن السؤال من القيادة وحدها، ولا من المثقفين وحدهم، ولا من العاصمة وحدها. يجيب عنه عبر تجربة جماعية واسعة: في الحي، والجامعة، والمعمل، والورشة، والنقابة، والريف، والمدينة، والبيت، والسوق، والمستشفى، والمدرسة، والفضاء الرقمي، والاحتجاج، والندوة، والنقاش الرفاقي. كل موقع يكشف جزءًا من الجواب. وكل خطأ يكشف حاجة إلى تصحيح. وكل تجربة صغيرة ناجحة تكشف إمكانًا للتراكم.

إن مهمة الحزب ليست صناعة معجزة واحدة، بل بناء قدرة مستمرة. الانتصارات الصغيرة ليست تفصيلًا هامشيًا. حين ينجح الناس في الدفاع عن خدمة، أو كشف فساد، أو حماية عاملة، أو تنظيم مطلب، أو منع إهانة، أو فتح نقاش، أو إعادة رفيق إلى الحوار، أو تحويل غضب محلي إلى معرفة، فإنهم يراكمون ثقة. والثقة هي الشرط الأول لأي نهوض. لا يوجد حزب جماهيري بلا ثقة، ولا توجد ثقة بلا حضور، ولا يوجد حضور بلا إصغاء، ولا يوجد إصغاء بلا تواضع معرفي.

وهنا يظهر الفرق بين العمل السياسي بوصفه إدارة، والعمل السياسي بوصفه إعادة تأسيس. الإدارة تسأل: كيف نحافظ على ما لدينا؟ إعادة التأسيس تسأل: كيف نستعيد ما فقدناه ونبني ما لم نبنه بعد؟ الإدارة تخاف من النقد لأنه يزعج التوازن الداخلي. إعادة التأسيس تحتاج إلى النقد لأنه يكشف الطريق. الإدارة تفضل الهدوء. إعادة التأسيس تفضل الحقيقة. الإدارة تكتفي بالصياغات المقبولة. إعادة التأسيس تسأل عن الجروح التي لم تُفتح بعد.

ليس المقصود أن يعيش الحزب في حالة أزمة دائمة. المقصود أن يخرج من حالة التطبيع مع الأزمة. هناك فرق بين حزب يعرف صعوباته ويعمل عليها، وحزب يتعود عليها حتى تصبح جزءًا من هويته. حين يصبح غياب الشباب أمرًا طبيعيًا، وابتعاد العمال أمرًا مفسرًا بالظروف، وخروج الرفاق شؤونًا شخصية، وضعف الحضور الجماهيري نتيجة عامة للمرحلة، فإن الحزب يكون قد بدأ يتعايش مع التراجع. وسؤال «ما العمل؟» يأتي لكسر هذا الاعتياد.

إن الجواب الماركسي واللينيني لا يلغي النظرية ولا يقدسها بوصفها نصًا مغلقًا. النظرية هنا أداة قراءة وتغيير. وإذا لم تساعد على فهم العمل الهش، والريع، والطائفية اليومية، والدين الشعبي، والهجرة، والفضاء الرقمي، والمرأة المعيلة، والشاب العاطل، والدولة الفصائلية، فإنها تتحول إلى لغة محفوظة لا إلى منهج. واللينينية، إذا أُريد إنقاذها من الجمود، لا تعني تكرار شكل تنظيمي قديم، بل استعادة سؤال الأداة السياسية القادرة على تنظيم الصراع في شروط جديدة.

بهذا المعنى، يصبح «ما العمل؟» سؤالًا مفتوحًا ومنضبطًا في آن واحد. مفتوحًا لأنه لا يفرض وصفة واحدة على كل العراق. ومنضبطًا لأنه لا يترك الحزب بلا معيار. والمعيار هو: هل يقرب هذا الفعل الحزب من الكادحين؟ هل يزيد وعيهم وقدرتهم؟ هل يعزز استقلاله الطبقي؟ هل يفتح بابًا للنساء والشباب والمهمشين؟ هل يواجه الطائفية والريع والتبعية؟ هل يحمي كرامة الرفيق والإنسان؟ هل يحول النص إلى فعل؟ وهل يجعل الحزب أكثر قدرة على التعلم؟

إن إعادة التأسيس ليست لحظة واحدة، بل مسار. وليست قرارًا إداريًا، بل تحولًا في طريقة التفكير والعمل. وليست شعارًا يعلن، بل علاقة تبنى. وليست نهاية الوثيقة، بل بدايتها الحقيقية. فما قيمة الوثيقة إذا لم تفتح نقاشًا؟ وما قيمة النقاش إذا لم ينتج مراجعة؟ وما قيمة المراجعة إذا لم تغير الممارسة؟ وما قيمة الممارسة إذا لم تعُد إلى النقد والتعلم؟

لهذا، فإن سؤال «ما العمل؟» لا يُجاب عنه مرة واحدة. يظل يُطرح في كل مرحلة، وكل مدينة، وكل موقع، وكل أزمة، وكل تجربة. إنه ليس سؤالًا ينتهي حين تُكتب الوثيقة، بل يبدأ حين ينتقل النص إلى حياة الحزب والناس. ومن هنا تقود هذه الحلقة إلى الحلقة العشرون، حيث ينتقل النقاش من السؤال إلى الفعل: كيف تتحول الوثيقة إلى مسار يومي، وكيف تصبح إعادة التأسيس ممارسة قابلة للمراجعة، لا نصًا محفوظًا في الأرشيف؟



#علي_طبله (هاشتاغ)       Ali_Tabla#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثورة بلا سلطة شعبية
- من حزب الشهداء إلى حزب المعصومين: لماذا يضر خطاب الطهارة بال ...
- قراءة نقدية ماركسية في بيان اجتماع اللجنة المركزية للحزب الش ...
- الإداروية والمقراتية وأزمة الممارسة اليومية حين ينشغل الحزب ...
- ملاحظات نقدية حول خطاب الحزب الشيوعي العراقي
- الاشتراكية في مواجهة الليبرالية والنيوليبرالية والدولة المدن ...
- العشائرية والطائفية والقومية والذكورية والمناطقية: البنى ما ...
- الدين الشعبي والطائفية السياسية: بين فهم المجتمع ونقد سلطة ا ...
- رد على اطروحات الرفيق ساطع هاشم حول الحلقة الثانية: الحزب أم ...
- الدولة الريعية الطائفية التابعة: العراق بعد الاحتلال وإعادة ...
- الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظ ...
- النقد بوصفه وفاءً للحزب لا خروجًا عليه - نحو إعادة تأسيس شيو ...
- مساهمة ماركسية ولينينية في نقد الأزمة وإعادة التأسيس
- الدولة الطرفية ونزعة شبه الإمبريالية
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ...
- قراءة نقدية في خطاب الحزب الشيوعي العراقي في ظل الدولة الريع ...
- من مأزق اليسار الديمقراطي إلى أفق إعادة التأسيس الشيوعي
- التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية
- الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة
- بين فنزويلا والعراق


المزيد.....




- بقناع غطس.. إنقاذ طفل من فيضانات ولاية تكساس الأمريكية
- تصعيد أمريكي إيراني.. نذر حرب شاملة
- طفلة فلسطينية تهب قلبها لطفل إسرائيلي وتمنح الحياة لأربعة مر ...
- الجزائر تحقق في حريق دار أيتام بالمحمدية أسفر عن مقتل 11 شخص ...
- ضرب وتجويع واعتداءات جنسية.. شهادات توثق التحوّل في ظروف الا ...
- -معادلة الحوثي-.. المطارات والموانئ والمنشآت النفطية السعودي ...
- وسط موجة حر قياسية: انقطاعات مفاجئة للكهرباء في تونس تخلف وف ...
- لماذا يبتزّ ترامب دول الخليج؟
- يوراكتيف: فون دير لاين اضطرت للاحتماء في ملجأ خلال زيارتها ل ...
- خبراء أمميون يحذرون من انتهاكات بحق مهاجرين على الحدود التون ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - «ما العمل؟» بوصفه مسارًا لا وصفة جاهزة