علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب
(Ali Tabla)
الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 19:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الحلقتين السادسة والسابعة
نحو مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي
نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة
الحلقة السادسة
الاشتراكية في مواجهة الليبرالية والنيوليبرالية والدولة المدنية المجردة
د. علي عبد الرضا طبله
2026 آيار 21
من أكثر المآزق التي واجهت الخطاب اليساري العراقي في العقود الأخيرة أنه انزلق، في لحظات كثيرة، من لغة التحرر الاجتماعي إلى لغة الإصلاح السياسي المجرد، ومن نقد الرأسمالية والريع والتبعية إلى الاكتفاء بشعارات عامة عن الدولة المدنية، والديمقراطية، والمواطنة، والانتخابات، والحكم الرشيد. ليست هذه المفاهيم بلا قيمة، ولا يجوز التعامل معها باستخفاف، لكنها تصبح محدودة، بل ومضللة عندما تُفصل عن سؤال الملكية، والثروة، والعمل، والطبقة، والسيادة، وشروط العيش اليومي. فالدولة المدنية، إذا بقيت بلا مضمون اجتماعي، قد تتحول إلى واجهة مهذبة لدولة سوقية ظالمة. والديمقراطية، إذا اختُزلت إلى صندوق انتخابي، قد تصبح آلية لإعادة إنتاج القوى نفسها. والمواطنة، إذا لم ترتبط بالحق في العمل والصحة والتعليم والسكن والأمن والكرامة، قد تتحول إلى كلمة جميلة فوق واقع شديد القسوة.
الليبرالية، في صورتها النظرية، تتحدث عن الفرد والحقوق والحريات وسيادة القانون. وهذه مفاهيم لا يمكن لأي مشروع تحرري أن يتجاهلها أو يستخف بها. لكن السؤال الحاسم هو: أي فرد تقصده الليبرالية؟ هل هو الفرد المجرد الذي يُفترض أنه يقف في السوق على قدم المساواة مع غيره، أم الفرد الواقعي الذي يولد في حي فقير، ويدرس في مدرسة متهالكة، ويبحث عن عمل بلا ضمان، ويدخل المستشفى بخوف، ويتعامل مع الدولة عبر الواسطة، ويكتشف أن حريته القانونية لا تكفي لكي يعيش حياة كريمة؟ هنا تظهر حدود الليبرالية حين تفصل الحرية عن شروطها المادية. فالجائع حر قانونيًا، لكنه لا يملك شروط ممارسة الحرية. والعاطل حر في اختيار العمل، لكنه لا يجد عملًا. والفقير حر في التعليم، لكنه يدخل مدرسة لا تنتج معرفة حقيقية. والمريض حر في العلاج، لكنه يصطدم بمستشفى منهك أو سوق صحي لا يرحم.
أما النيوليبرالية فهي الوجه الأكثر قسوة لهذه النزعة، لأنها لا تكتفي بتجريد الفرد من شروطه الاجتماعية، بل تحمّله مسؤولية فقره وعجزه وهشاشته. إنها تقول للعاطل إن مشكلته في مهاراته، لا في بنية الاقتصاد. وتقول للفقير إن عليه أن يجتهد أكثر، لا أن يسأل عن توزيع الثروة. وتقول للمواطن إن الدولة فاشلة بطبيعتها، ثم تفتح الباب لخصخصة التعليم والصحة والخدمات، وتحوّل الحقوق إلى سلع. بهذا المعنى، النيوليبرالية ليست سياسة اقتصادية فقط، بل أخلاق قاسية تُعيد تعريف الإنسان بوصفه مشروعًا فرديًا معزولًا، لا كائنًا اجتماعيًا يتشكل داخل علاقات إنتاج وسلطة وتوزيع غير عادلة.
في العراق، تبدو النيوليبرالية أكثر تعقيدًا لأنها لا تأتي دائمًا في صورة سوق رأسمالية مكتملة، بل تتداخل مع الدولة الريعية، والمحاصصة، والفساد، والزبائنية، واقتصاد السلاح، وعقود المقاولات، والمصارف، والمضاربات، والاستيراد المنفلت، وتدمير الصناعة، والزراعة. لذلك لا يجوز تصوير الصراع كما لو أنه بين دولة قوية وسوق حرة فقط. المسألة أعمق من ذلك. لدينا دولة ضعيفة أمام الأقوياء وقوية على الضعفاء، وسوق غير منتجة تلتهم الريع، وطبقة سياسية تستخدم الدولة كغنيمة، وقوى اقتصادية تعيش على العقود والعمولات والاحتكار، ومجتمع يُدفع إلى الهشاشة ثم يُطلب منه أن يتكيف معها باسم الواقعية.
هنا تبرز ضرورة الاشتراكية لا كشعار قديم، ولا كحنين إلى تجربة تاريخية بعينها، بل كحاجة معاصرة لإعادة طرح سؤال العدالة من جذره. فالاشتراكية لا تبدأ من كراهية الفرد، كما يروّج خصومها، بل من الدفاع الحقيقي عن الإنسان ضد تحويله إلى سلعة. وهي لا تعني إلغاء الحريات، بل جعلها ممكنة ماديًا واجتماعيًا. الحرية التي لا تجد خبزًا وسكنًا وعلاجًا وتعليمًا وأمنًا اجتماعيًا تبقى حرية ناقصة. والكرامة التي لا تجد عملًا منتجًا وضمانًا وحقًا في التنظيم تبقى كرامة معلقة. والمواطنة التي لا تلامس حياة الفقراء والكادحين والمهمشين تبقى مواطنة شكلية.
لا يمكن بناء بديل عراقي حقيقي بالاكتفاء بترديد شعار الدولة المدنية. فقد صار هذا الشعار، في أحيان كثيرة، واسعًا إلى درجة أنه يجمع المتناقضات من دون أن يحسم شيئًا. يمكن لقوى ليبرالية محافظة أن ترفعه، ويمكن لبرجوازية ريعية أن تتبناه، ويمكن لقوى انتخابية أن تستخدمه لتجميل خطابها، من دون أن تمس بنية النهب والتفاوت والتبعية. لذلك لا بد من السؤال: دولة مدنية لمصلحة من؟ مدنية في القانون فقط أم مدنية في توزيع السلطة والثروة؟ مدنية فوق اقتصاد ريعي تابع أم مدنية مرتبطة بإعادة بناء الإنتاج والعمل والخدمات العامة؟ مدنية تكتفي بفصل الشعار الديني عن الدولة أم مدنية تحرر الإنسان فعليًا من الخوف، والحاجة، والوساطة، والذل؟
إن نقد الدولة الدينية أو الطائفية لا يكفي إذا انتهى إلى دولة سوقية باردة. فالدولة التي لا تُدار باسم الطائفة لكنها تبيع التعليم والصحة، وتترك الشباب للبطالة، وتحول المدن إلى أسواق عقارية، وتتعامل مع الفقراء كعبء، ليست دولة تحررية. وقد تكون الدولة المدنية المجردة، إذا انفصلت عن العدالة الاجتماعية، مجرد شكل سياسي جديد لمنظومة قديمة من الامتيازات. لهذا ينبغي أن يكون البديل الديمقراطي في العراق بديلًا اجتماعيًا في جوهره، لا إصلاحيًا في الشكل فقط. الديمقراطية التي لا تدخل المعمل، والجامعة، والمستشفى، والحي، والقرية، والنقابة، ومكان العمل، تبقى ديمقراطية ناقصة. والسياسة التي لا تبدأ من الأجور والأسعار والسكن والكهرباء والماء والتعليم والصحة والعمل الهش، لا تستطيع أن تبني ثقة حقيقية مع الناس.
إن الاشتراكية المطلوبة اليوم ليست وصفة جاهزة تُستورد من الماضي، ولا نموذجًا إداريًا مغلقًا، ولا خطابًا عقائديًا يكتفي بإدانة الرأسمالية. إنها أفق تحرري يعيد ربط الاقتصاد بالأخلاق العامة، والسياسة بالحياة اليومية، والدولة بحقوق الناس، والديمقراطية بالعدالة. وهي، في السياق العراقي، تعني أولًا إعادة الاعتبار للعمل المنتج، وحماية الثروات العامة من النهب، وبناء خدمات عامة قوية، والدفاع عن الصناعة والزراعة، وتنظيم العمال والكادحين والعاطلين وموظفي العقود والأجراء الهشين، وتحويل النفط من لعنة ريعية إلى قاعدة لإعادة بناء المجتمع. لكنها تعني أيضًا نقد كل سلطة تدّعي تمثيل الناس بينما تعيش فوقهم، وكل خطاب يطلب من الفقراء الصبر بينما تتضخم ثروات المتنفذين.
لذلك فإن إعادة التأسيس الشيوعي في العراق لا يمكن أن تقوم على مجرد تحالف انتخابي، ولا على تحسين اللغة الإعلامية، ولا على استعادة رمزية الماضي، بل على إعادة بناء المعنى الاشتراكي نفسه داخل المجتمع. لا يكفي أن يُقال إن الشيوعيين مع العدالة. يجب أن يلمس الناس هذه العدالة في لغة واضحة، ومواقف يومية، وبرامج اجتماعية، وحضور في مواقع الألم، ودفاع عن الخدمات العامة، وانحياز إلى العمل ضد الريع، وإلى الفقراء ضد السوق المتوحشة، وإلى النساء ضد الاستغلال المزدوج، وإلى الشباب ضد البطالة والمنفى، وإلى الهامش ضد المركز المتخم.
لا تعني الاشتراكية إلغاء الديمقراطية، بل إنقاذها من فراغها الاجتماعي. ولا تعني معاداة الحريات، بل تحريرها من احتكار القادرين عليها. ولا تعني العودة إلى دولة بيروقراطية خانقة، بل بناء سلطة اجتماعية خاضعة للمساءلة الشعبية. ولا تعني اختزال الإنسان في الطبقة، بل فهم أن الإنسان لا يستطيع أن يكون حرًا إذا تُرك وحيدًا أمام السوق والطائفة والعشيرة، والسلاح، والفساد، والتبعية.
بهذا المعنى، لا تقف الاشتراكية ضد الدولة المدنية، بل تمنحها مضمونها الحقيقي. فالدولة المدنية التي لا تكون عادلة اجتماعيًا قد تبقى دولة للنخب. أما الدولة المدنية ذات المضمون الاشتراكي الديمقراطي، فهي دولة الحق العام، والخدمة العامة، والعمل المنتج، والمساواة الفعلية، والسيادة الشعبية، والكرامة الإنسانية. هذا هو الفرق بين مدنية شكلية تُطمئن الطبقات الوسطى الخائفة من الطائفية، ومدنية اجتماعية تنحاز إلى الأغلبية التي تسحقها الطائفية والسوق والريع معًا.
إن العراق لا يحتاج إلى ليبرالية تَعِد الفرد بالحرية ثم تتركه وحيدًا أمام الخراب، ولا إلى نيوليبرالية تبيع ما تبقى من الدولة باسم الكفاءة، ولا إلى مدنية مجردة تنسى الفقراء بعد الانتخابات. إنه يحتاج إلى مشروع ديمقراطي اجتماعي عميق، يربط الحرية بالعدالة، والسيادة بالثروة، والمواطنة بالعيش الكريم، والديمقراطية بتنظيم الناس، والاشتراكية بحاجات هذا العصر لا بقوالب الماضي. ومن دون هذا الربط، سيبقى الخطاب السياسي يدور في السطح، بينما تبقى جذور الأزمة في مكانها: اقتصاد ريعي تابع، دولة محاصصة، سوق طفيلية، طبقة سياسية متخمة، وشعب يُطلب منه أن ينتظر خلاصًا لا يأتي.
نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة
الحلقة السابعة
من الحزب كجهاز إلى الحزب كأداة صراع طبقي
د. علي عبد الرضا طبله
2026 آيار. 21
لا يكفي أن يمتلك الحزب تاريخًا طويلًا، ولا أن يحمل اسمًا كبيرًا، ولا أن يستند إلى تضحيات مجيدة، لكي يبقى حزبًا حيًا في الحاضر. فالأحزاب لا تعيش بالذاكرة وحدها، ولا تستعيد وظيفتها بمجرد استدعاء الشهداء والرموز والبيانات القديمة. التاريخ رصيد مهم، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا صار بديلًا عن الفعل. والاسم قد يكون قوة أخلاقية، لكنه قد يتحول إلى قناع إذا انفصل عن الواقع. لذلك فإن السؤال الحاسم في إعادة التأسيس الشيوعي ليس: ماذا كان الحزب؟ بل: ماذا يفعل اليوم؟ ومن يمثل فعليًا؟ وأين يقف؟ وفي أي مواقع اجتماعية يعيش؟ وبأي أدوات ينظم الناس؟ وكيف يحوّل الغضب الشعبي إلى وعي، والوعي إلى تنظيم، والتنظيم إلى قوة تغيير؟
حين يتحول الحزب إلى جهاز، تبدأ الأزمة من الداخل قبل أن تظهر في الخارج. والجهاز هنا لا يعني التنظيم بوصفه ضرورة، ولا الانضباط بوصفه التزامًا واعيًا، ولا المؤسسة بوصفها شكلًا لاستمرار العمل. المقصود بالجهاز هو ذلك الشكل الذي تصبح فيه الوسيلة غاية، وتتحول الاجتماعات إلى بديل عن الحركة، والمقرات إلى بديل عن المجتمع، واللوائح إلى بديل عن النقاش، والتراتبية إلى بديل عن القيادة الحية، والولاء الداخلي إلى بديل عن الكفاءة والنقد والمبادرة. عندها يصبح الحزب قادرًا على إدارة نفسه، لكنه يفقد قدرته على تغيير العالم من حوله. يصبح حاضرًا تنظيميًا وغائبًا اجتماعيًا، موجودًا في الوثائق وضعيفًا في مواقع الصراع، محافظًا على شكله لكنه فاقد لقدرته التاريخية.
الحزب الشيوعي، في معناه العميق، ليس جمعية ثقافية، ولا ناديًا انتخابيًا، ولا ذاكرة نضالية، ولا جهازًا إداريًا. إنه أداة صراع طبقي. وهذه العبارة لا تعني العنف ولا المغامرة، بل تعني أن وظيفته الأساسية هي تنظيم مصالح الكادحين والمستغَلين والمهمشين وتحويلها إلى قوة واعية. فإذا لم يكن الحزب حاضرًا حيث يوجد العمل الهش، والبطالة، والفقر، والنساء المستغَلات، والشباب المهاجرون أو اليائسون، والأحياء الشعبية، والمدارس المتدهورة، والمستشفيات المنهكة، والعمال بلا ضمان، والفلاحون المحاصرون، والموظفون المسحوقون، والعقود المؤقتة، والنقابات الضعيفة، فإنه يفقد علاقته بمادته الاجتماعية الأولى. يمكنه أن يصدر بيانات صحيحة، لكنه لا يبني قوة. يمكنه أن يشارك في انتخابات، لكنه لا يصنع تحولًا. يمكنه أن يحتفظ باسم اليسار، لكنه لا يؤدي وظيفة اليسار.
من هنا يجب التمييز بين التنظيم بوصفه ضرورة تاريخية، والتنظيموية بوصفها مرضًا. لا توجد حركة تحرر بلا تنظيم، لكن التنظيم لا يكون حيًا إلا إذا بقي مفتوحًا على المجتمع، قابلًا للنقد، حساسًا للواقع، قادرًا على التعلم، ومربوطًا بالقاعدة التي يدّعي تمثيلها. أما حين يصبح التنظيم مغلقًا على نفسه، مشغولًا بحماية توازناته الداخلية، مترددًا أمام النقد، خائفًا من المبادرة، ومطمئنًا إلى لغة قديمة لا تختبر نفسها في الشارع والعمل والحياة اليومية، فإنه يفقد طابعه الثوري، حتى لو احتفظ بمفرداته الثورية.
الديمقراطية الداخلية ليست ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا معرفيًا وسياسيًا لبقاء الحزب. فالحزب الذي لا يسمع رفاقه لا يستطيع أن يسمع الناس. والحزب الذي يخاف النقد الداخلي سيخاف المجتمع. والحزب الذي يحوّل الاختلاف إلى تهمة سيطرد منه القدرة على التفكير. ليست الديمقراطية الداخلية مجرد مؤتمرات وتصويتات، بل ثقافة كاملة: حق السؤال، حق الاعتراض، حق المراجعة، حق كشف الخطأ، حق تداول القيادة، حق تقييم التجارب، حق محاسبة المسؤولين، وحق الرفيق في أن يُعامل كعقل لا كرقم تنظيمي. عندما تغيب هذه الثقافة، تنمو المجاملة، والصمت، والانسحاب الداخلي، ثم الهجرة التنظيمية الصامتة. يغادر الرفاق أحيانًا قبل أن يقدموا استقالاتهم بسنوات، لأن الحزب لم يعد مكانًا لإنتاج المعنى، بل مكانًا لتكرار ما هو قائم.
ولا تقل أزمة القيادة أهمية عن أزمة التنظيم. فالقيادة في الحزب الثوري ليست امتيازًا، ولا ملكية رمزية، ولا استمرارية شخصية، بل وظيفة تاريخية خاضعة للمساءلة. القائد لا يُقاس بعمره التنظيمي فقط، ولا ببلاغته، ولا بعلاقاته، ولا بموقعه في الذاكرة، بل بقدرته على فتح الطريق أمام غيره، وبناء كادر جديد، وتحمل النقد، وفهم التحولات، وربط الحزب بالمجتمع، وإنتاج ثقة فعلية. حين تتحول القيادة إلى موقع دائم، أو إلى شبكة حماية، أو إلى توازن داخلي مغلق، يتعطل التجدد. وحين يُنظر إلى الشباب كزينة، وإلى النساء كواجهة، وإلى الكفاءات النقدية كمصدر إزعاج، وإلى الرفاق المختلفين كعبء، يصبح الحزب عاجزًا عن تمثيل زمنه.
إن إعادة التأسيس لا تعني هدم التنظيم، بل تحريره من جموده. ولا تعني إلغاء الخبرة، بل منع تحول الخبرة إلى سلطة تعطل المستقبل. ولا تعني تمجيد العفوية، بل وصل المبادرة الشعبية بالبناء الواعي. فالعفوية وحدها قد تتبدد، والجهاز وحده قد يتحجر. المطلوب هو علاقة جديدة بين التنظيم والحركة، بين القيادة والقاعدة، بين النظرية والتجربة، بين الانضباط والنقد، بين الذاكرة والمستقبل. هذه العلاقة لا تُبنى بقرار إداري، بل بثقافة سياسية جديدة ترى في الناس مصدرًا للمعرفة لا مجرد جمهور للتعبئة.
لقد كشفت احتجاجات العراق، وخاصة انتفاضات الشباب والحركات الاجتماعية، أن المجتمع لا ينتظر دائمًا إذن الأحزاب لكي يتحرك. خرج الناس لأن شروط الحياة دفعتهم إلى الخروج، لا لأن بيانًا دعاهم فقط. وهذه حقيقة يجب أن تُقرأ بتواضع. فحين يسبق الشارع الحزب، لا يجوز للحزب أن يكتفي بتفسير الشارع من الخارج أو محاولة استثماره انتخابيًا. عليه أن يسأل لماذا لم يكن في قلبه منذ البداية، ولماذا لم تنتج بناه التنظيمية قنوات كافية للتواصل مع هذه الطاقة، ولماذا بدت لغة الشباب أحيانًا أكثر مباشرة وجرأة من لغة الأحزاب التاريخية. هذا لا يعني تمجيد العفوية أو الاستخفاف بالتنظيم، بل يعني أن التنظيم الذي لا يتعلم من الحركة يتحول إلى أرشيف.
ومن أخطر أشكال الأزمة أن يصبح المقر بديلًا عن المجتمع. المقر ضروري للعمل، لكنه ليس مركز السياسة الحقيقي. مركز السياسة هو الحي، والمعمل، والمدرسة، والجامعة، والنقابة، والسوق، والمستشفى، والقرية، ومواقع البطالة، وفضاءات النساء والشباب، وأماكن الإهانة اليومية التي يتشكل فيها الوعي الفعلي. حين تنتقل حياة الحزب إلى داخل المقر أكثر مما تعيش في المجتمع، تظهر مفارقة قاسية: حزب يتحدث باسم الناس لكنه لا يعيش بينهم بما يكفي. وحين تصبح الندوات الداخلية، والاحتفالات، والزيارات البروتوكولية، وطقوس التكريم، بدائل عن البناء الاجتماعي، تفقد السياسة معناها التحويلي وتتحول إلى إدارة رمزية للذاكرة.
كذلك لا يجوز أن تتحول التضحية إلى خطاب يعفي من النقد. الشهداء ليسوا غطاءً للأخطاء، بل مسؤولية أخلاقية أكبر. الوفاء لهم لا يكون بتكرار أسمائهم فقط، بل ببناء حزب يحمي حياة المناضلين والناس، ويتعلم من الهزائم، ويمنع تكرار الأخطاء، ويصون الحقيقة، ويجعل دماء الضحايا حجة ضد الطغيان لا مادة لتجميل الضعف. الحزب الثوري ليس حزب تمجيد الموت، بل حزب الدفاع عن الحياة. وليس حزب الأيادي البيضاء إذا كان الشعار يمنع المحاسبة، بل حزب النزاهة الفعلية التي تقبل التحقيق، والنقد، والاعتراف، والتصحيح.
إن الحزب كأداة صراع طبقي لا يعيش إلا إذا أعاد بناء علاقته بالمعرفة. فالمعرفة ليست شأنًا ثانويًا ولا ترفًا مثقفيًا. الحزب الذي لا يدرس المجتمع يتحرك داخله أعمى. والحزب الذي لا يصغي إلى الباحثين والعمال والنساء والشباب والرفاق أصحاب التجربة يتحول إلى جهاز يعيد إنتاج أحكامه القديمة. لذلك يجب أن تكون الدراسة والنقد والمراجعة جزءًا من الحياة اليومية للتنظيم، لا نشاطًا موسميًا. ولا معنى لحزب يدعو إلى تحرير المجتمع بينما يتجاهل عقول رفاقه، أو يهمل دراساتهم، أو يحرمهم من الحوار، أو يحوّل المنبر إلى امتياز للقريبين لا للأكفأ.
إن إعادة التأسيس الشيوعي في العراق تبدأ من إعادة تعريف الحزب نفسه. ليس الحزب غاية في ذاته، بل أداة للطبقة والمجتمع. ليس المطلوب أن يخدم الناس صورة الحزب، بل أن يخدم الحزب تحرر الناس. ليست المسألة أن يبقى التنظيم موجودًا كيفما كان، بل أن يكون وجوده ضروريًا وفعالًا ومفهومًا في حياة الناس. فحين يشعر العامل والعاطل والمرأة والشاب والفقير وساكن الهامش أن الحزب يراه ويسمعه ويفهم لغته ويدافع عن حقوقه اليومية، يعود الحزب إلى معناه. أما إذا بقي الحزب يتحدث إلى نفسه، فسوف تبقى المسافة بين تاريخه وحاضره تتسع، مهما كان تاريخه عظيمًا.
بهذا المعنى، لا تكون إعادة التأسيس قرارًا تنظيميًا فقط، بل انقلابًا في طريقة التفكير. من الحزب الذي ينتظر الناس إلى الحزب الذي يذهب إليهم. من الحزب الذي يطلب الثقة إلى الحزب الذي يبنيها. من الحزب الذي يكتفي بالبيان إلى الحزب الذي يصنع حضورًا يوميًا. من الحزب الذي يحرس ذاكرته إلى الحزب الذي يفتح مستقبله. ومن الحزب كجهاز إدارة إلى الحزب كأداة صراع طبقي، أي كأداة لتحويل الألم الاجتماعي إلى قوة واعية، وتحويل الغضب إلى تنظيم، وتحويل التنظيم إلى أفق تحرر حقيقي.
#علي_طبله (هاشتاغ)
Ali_Tabla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟