علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب
(Ali Tabla)
الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 01:20
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
رد على تعليقات الرفيق ساطع هاشم على موضوعة الحلقة الثانية:
الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظيفة. وتجدون تعليقاته في نهاية الرد للأمانة الأدبية.
واليكم ردي انشره هنا عسى ان يصل إلى الرفيق ساطع:
رد على اطروحات الرفيق ساطع هاشم حول الحلقة الثانية: الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظيفة.
د. علي طبلة
2026 آيار 26
تعقيب الرفيق ساطع هاشم يستحق التوقف عنده بجدية واحترام، لأنه لا يكتفي بالرفض الانفعالي، بل يحاول أن يناقش جوهر الأطروحة المطروحة في الحلقة الثانية. وهذا بحد ذاته أمر صحي ومطلوب، لأن الغاية من هذه السلسلة ليست إنتاج يقين جديد، بل فتح نقاش ماركسي–رفاقي حول مستقبل الحزب ووظيفته التاريخية. ومع ذلك، فإن التعقيب، رغم أهميته، ينسب إلى النص ما لم يقله، ويتعامل مع بعض الأسئلة المطروحة بوصفها أحكامًا نهائية، بينما قُدّمت أصلًا بوصفها أسئلة مفتوحة ومقلقة.
أول ما ينبغي توضيحه هو أن الحلقة الثانية لم تقل إن التحولات الاجتماعية “ألغت الحاجة إلى تنظيم يساري جذري”، بل قالت العكس تمامًا: إن التحولات العميقة في بنية العمل والمجتمع والدولة تجعل الحاجة إلى تنظيم شيوعي ويساري أكثر إلحاحًا، لا أقل. لكن الفرق الجوهري يكمن في أن الحاجة الموضوعية إلى اليسار لا تعني تلقائيًا أن الأشكال التنظيمية والخطابية القديمة ما تزال قادرة وحدها على أداء الوظيفة نفسها من دون مراجعة وتجديد.
إن النقد المطروح لم يكن نقدًا لفكرة الحزب الشيوعي، بل نقدًا لاحتمال تحوّل الحزب من قوة اجتماعية حيّة إلى بنية تدافع عن استمرارها الذاتي أكثر مما تعيد إنتاج علاقتها بالمجتمع. وهذا ليس “إعلان موت”، بل تحذير من خطر تاريخي واجه أحزابًا شيوعية كثيرة في العالم، بما فيها أحزاب امتلكت تاريخًا أعظم بكثير من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي نفسه.
كما أن التعقيب يفترض أن النص عرّف الوظيفة التاريخية للحزب حصرًا عبر الطبقة العاملة الصناعية الكلاسيكية، بينما النص قال بوضوح إن الطبقة العاملة لم تختفِ بل تغيّرت أشكالها، وإن العامل اليوم قد يكون سائق تطبيق، أو موظفًا هشًا، أو عامل خدمات، أو شابًا يعيش بين البطالة والعمل المؤقت والهجرة. أي أن الإشكالية المطروحة ليست اختفاء الصراع الطبقي، بل تغير بنيته وأشكال ظهوره وتنظيمه. والسؤال الذي طُرح كان تحديدًا: هل استطاع الحزب أن يعيد بناء أدواته النظرية والتنظيمية بما ينسجم مع هذه التحولات، أم أن جزءًا من خطابه وممارسته ما يزال يتحرك داخل تصور قديم للمجتمع؟
وهنا تظهر نقطة أساسية: القول إن “علاقات الاستغلال ما تزال قائمة” صحيح ماركسيًا، لكنه لا يكفي وحده. فالمشكلة ليست في وجود الاستغلال فقط، بل في كيفية تنظيم الوعي والمقاومة داخل شروط اجتماعية متفككة ومائعة ومعولمة وريعية وطائفية. أي أن السؤال ليس: هل ما تزال الرأسمالية موجودة؟ بل: لماذا لم تعد الأحزاب الشيوعية، رغم استمرار الرأسمالية والأزمات، تمتلك القدرة نفسها على تمثيل الكادحين وتنظيمهم كما في مراحل سابقة؟
أما بخصوص السياق القمعي والطائفي، فالنص لم يتجاهله إطلاقًا، بل اعتبره جزءًا أساسيًا من تحليل العراق بعد 2003، وتناول الدولة الريعية الطائفية والتبعية والاحتلال والمحاصصة بوصفها شروطًا بنيوية أعادت تشكيل المجال السياسي والاجتماعي كله. لكن الاعتراف بقوة هذه العوامل لا يعفي الحزب من النقد الذاتي. فكل الأحزاب والقوى تعمل داخل شروط موضوعية، لكن السؤال يبقى: كيف استجابت لهذه الشروط؟ وما الذي نجحت أو فشلت فيه؟
إن تحميل الظروف الخارجية كل المسؤولية يؤدي عمليًا إلى تعطيل المراجعة الداخلية. ولو أخذنا هذا المنطق إلى نهايته، لأصبح أي نقد للحزب أو لأي تنظيم غير مشروع، لأن “الظروف صعبة”. لكن الماركسية لم تقم يومًا على تبرئة الذات باسم الموضوعي، بل على دراسة العلاقة الجدلية بين الشروط الموضوعية وأداء الذات السياسية والتنظيمية.
كما أن التعقيب يصف الدعوة إلى إعادة التأسيس بأنها “إعلان إفلاس نظري” أو “هدم ذاتي”، بينما النص شدد مرارًا على أن إعادة التأسيس لا تعني شطب الحزب أو إنكار تاريخه أو البدء من الصفر. المقصود بإعادة التأسيس هو إعادة بناء العلاقة بين الحزب ومجتمعه وطبقاته وتحولاته الجديدة، أي إنقاذ المعنى التاريخي للحزب لا تدميره. والمفارقة أن الخوف من أي مراجعة عميقة بحجة الحفاظ على البنية قد يقود فعليًا إلى النتيجة التي يُراد تجنبها: استمرار التآكل البطيء تحت غطاء الاستقرار الشكلي.
أما القول إن الماضي كان نتاج “شروط موضوعية لن تعود”، فهذا صحيح جزئيًا، لكنه لا ينفي الحاجة إلى التفكير في شروط جديدة للفعل السياسي. فالتاريخ لا يكرر نفسه ميكانيكيًا، والحزب لن يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، كما أن الطبقة العاملة لن تعود إلى صورتها القديمة. لكن هل يعني هذا الاكتفاء بإدارة التراجع؟ أم البحث عن أشكال جديدة للتنظيم والخطاب والعمل الطبقي داخل الواقع الجديد؟
إن جوهر النقاش ليس رومانسية الماضي ولا كارثية الحاضر، بل سؤال أكثر صعوبة: هل يملك الحزب القدرة على إعادة إنتاج ضرورته التاريخية داخل عراق مختلف جذريًا؟ هذا ليس حكمًا مسبقًا، بل سؤال مفتوح. والنص لم يقل إن الحزب انتهى، بل حذّر من أن استمرار الفجوة بين التنظيم والتحولات الاجتماعية قد يقود إلى فقدان الوظيفة التاريخية تدريجيًا إذا لم تُفتح مراجعة جدية.
ولهذا فإن الخلاف الحقيقي هنا ليس بين من “يدافع عن الحزب” ومن “يهاجمه”، بل بين تصورين لطبيعة الأزمة نفسها. تصور يرى أن المشكلة الأساسية خارجية، وأن الحفاظ على البنية القائمة مع بعض التطوير التدريجي يكفي. وتصور آخر يرى أن الأزمة أعمق، وأن التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أصابت العراق والعالم تتطلب مراجعة جذرية للعلاقة بين الحزب والطبقة والتنظيم والدولة والاشتراكية نفسها.
وفي النهاية، فإن أهمية هذا النقاش لا تكمن في الانتصار الجدلي لهذا الطرف أو ذاك، بل في كسر الصمت التنظيمي الذي جعل كثيرًا من الأسئلة الكبرى تُؤجل أو تُخفف أو تُدار بحذر. فالحزب الذي يمتلك تاريخًا بحجم الحزب الشيوعي العراقي لا ينبغي أن يخاف من النقاش العميق، لأن التنظيمات التي تتوقف عن مساءلة نفسها تبدأ بالتراجع حتى لو بقيت أسماؤها قائمة.
•••
تعليقات الرفيق ساطع هاشم المنشورة على صفحات الحوار المتمدن يقول:
يقدّم الكاتب تشخيصًا يبالغ في تصوير أزمة الحزب الشيوعي العراقي بوصفها أزمة (وجود تاريخي)، لكنه يفعل ذلك عبر افتراضات غير مُبرهَنة وقراءة انتقائية للتاريخ الاجتماعي العراقي. فالمقال ينطلق من مسلّمة أن التحولات البنيوية في المجتمع جعلت أدوات الحزب (متقادمة)، من دون أن يقدّم دليلًا على أن هذه التحولات ألغت الحاجة إلى تنظيم يساري جذري، بل يكتفي بطرح ذلك كحقيقة نهائية.
إن الادعاء بأن الحزب فقد (وظيفته التاريخية) يفترض ضمنيًا أن هذه الوظيفة تُعرَّف حصريًا عبر تمثيل طبقة عاملة صناعية كلاسيكية. وهذا اختزال نظري يتعارض مع المنهج الماركسي نفسه، الذي يرى أن (أشكال العمل تتغير، لكن علاقات الاستغلال تبقى).
فظهور العمل الهش، والاقتصاد غير الرسمي، والعمالة الرقمية، لا يلغي الصراع الطبقي، بل يعقّده ويعيد تشكيله. والمقال، بدل دراسة إمكانات التنظيم داخل هذه البنى الجديدة، يعلن موتها السياسي مسبقًا.
يقدّم الكاتب تشخيصًا يبالغ في تصوير أزمة الحزب الشيوعي العراقي بوصفها أزمة (وجود تاريخي)، لكنه يفعل ذلك عبر افتراضات غير مُبرهَنة وقراءة انتقائية للتاريخ الاجتماعي العراقي. فالمقال ينطلق من مسلّمة أن التحولات البنيوية في المجتمع جعلت أدوات الحزب (متقادمة)، من دون أن يقدّم دليلًا على أن هذه التحولات ألغت الحاجة إلى تنظيم يساري جذري، بل يكتفي بطرح ذلك كحقيقة نهائية.
إن الادعاء بأن الحزب فقد (وظيفته التاريخية) يفترض ضمنيًا أن هذه الوظيفة تُعرَّف حصريًا عبر تمثيل طبقة عاملة صناعية كلاسيكية. وهذا اختزال نظري يتعارض مع المنهج الماركسي نفسه، الذي يرى أن (أشكال العمل تتغير، لكن علاقات الاستغلال تبقى).
فظهور العمل الهش، والاقتصاد غير الرسمي، والعمالة الرقمية، لا يلغي الصراع الطبقي، بل يعقّده ويعيد تشكيله. والمقال، بدل دراسة إمكانات التنظيم داخل هذه البنى الجديدة، يعلن موتها السياسي مسبقًا.
ثانيًا، يتجاهل النص السياق السياسي القمعي والطائفي الذي قيّد كل القوى المدنية، وكأنه يحمّل الحزب وحده مسؤولية تراجع المجال العام. إن أي تقييم علمي جاد يجب أن يميّز بين أزمة المجتمع السياسي وأزمة الحزب، لا أن يخلطهما لتبرير دعوة إلى (إعادة تأسيس) قد تكون أقرب إلى (انتحار) او هدم ذاتي.
ثالثًا، يقدّم المقال قراءة رومانسية للماضي مقابل قراءة كارثية للحاضر. فهو يفترض أن الحزب كان يومًا (قوة جماهيرية واسعة) ثم فقد ذلك بسبب جمود داخلي، متجاهلًا أن تلك القوة كانت نتاج شروط موضوعية: صعود الحركة العمالية عالميًا ومحليًا، ضعف الدولة، غياب الطائفية السياسية. وهذه الشروط لم تعد قائمة اليوم، ولا يمكن استعادتها عبر نقد تنظيمي مهما كان جذريًا.
أخيرًا، إن الدعوة إلى إعادة التأسيس تبدو أقرب إلى إعلان إفلاس نظري منها إلى مشروع إصلاحي. فبدل تطوير أدوات التحليل والتنظيم، يقترح الكاتب إعادة تعريف الهوية من الصفر، وهو طرح قد يؤدي إلى تفكيك ما تبقى من بنية يسارية صامدة.
لهذه الأسباب، تبدو معالجة الكاتب أقرب إلى مقاربة صحفية انطباعية منها إلى تحليل ماركسي يستند إلى منهجية مادية واضحة.
#علي_طبله (هاشتاغ)
Ali_Tabla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟