أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - الدين الشعبي والطائفية السياسية: بين فهم المجتمع ونقد سلطة الهوية - نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة - الحلقة الرابعة















المزيد.....

الدين الشعبي والطائفية السياسية: بين فهم المجتمع ونقد سلطة الهوية - نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة - الحلقة الرابعة


علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب

(Ali Tabla)


الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 00:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الحلقة الرابعة

نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة
حلقات نقدية مقدمة إلى مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي

مقدمة من الرفيق د. علي طبله
2026 آيار 21

تنويه: هذه الحلقات هي تكثيف مختصر لمواضيع الوثيقة الأصلية.

هذه السلسلة ليست خروجًا على الحزب، ولا هجومًا عليه، ولا محاولة لتصفية حساب مع تاريخه أو رفاقه. إنها مساهمة نقدية رفاقية تنطلق من الوفاء للحزب، ومن الحرص على معناه التاريخي، ومن القلق على مستقبله، ومن الإيمان بأن الحزب الشيوعي العراقي لا يستحق المجاملة الصامتة، بل النقد الجاد الذي يساعده على أن يعود حزبًا للكادحين والاشتراكية والحياة.

تُنشر هذه الحلقات تباعًا بوصفها أجزاء من وثيقة موسعة تحمل عنوان: نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة. وكل حلقة تعالج محورًا محددًا من محاور الأزمة وإمكانات النهوض: الحزب، الدولة، الطبقة، الدين، الطائفية، العشيرة، النساء، الشباب، كردستان، البرنامج، النظام الداخلي، الذاكرة الرفاقية، الأممية، ووحدة الحركة الشيوعية واليسارية.

الغاية ليست الادعاء بامتلاك الحقيقة النهائية، بل فتح نقاش مسؤول. فالحزب الذي لا يخاف من النقد لا يموت. والحزب الذي يملك شجاعة مراجعة نفسه يظل قادرًا على النهوض.
—-
الحلقة الرابعة

د. علي طبله
2026 آيار 21

الدين الشعبي والطائفية السياسية: بين فهم المجتمع ونقد سلطة الهوية

«إن البؤس الديني هو، في آن واحد، تعبير عن البؤس الواقعي واحتجاج عليه».
كارل ماركس، مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل، 1844.

«لا يجوز للماركسي أن ينظر إلى المسألة الدينية نظرة مجردة، بل عليه أن يربطها دائمًا بالصراع الطبقي وبالشروط الاجتماعية الملموسة».
لينين، الاشتراكية والدين، 1905.

هذه الحلقة هي الرابعة من سلسلة حلقات نقدية رفاقية تُنشر تباعًا تحت عنوان: نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة. وهي تفتح ملفًا بالغ الحساسية في التجربة العراقية: العلاقة بين الدين الشعبي بوصفه ظاهرة اجتماعية وثقافية عميقة، والطائفية السياسية بوصفها نظام سلطة وهيمنة وتوزيع مصالح. فالحزب الذي يريد أن يستعيد علاقته بالمجتمع لا يستطيع أن يخلط بين إيمان الناس وطقوسهم وحاجاتهم المعنوية، وبين استعمال الدين والطائفة في إدارة الدولة والريع والولاءات والخوف.

واحدة من أكثر المشكلات التي واجهت الحركة الشيوعية واليسارية في العراق، وربما في المنطقة كلها، كانت العجز عن التمييز الدقيق بين الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية وتاريخية وثقافية عميقة، وبين الطائفية السياسية بوصفها نظام سلطة وهيمنة وتوزيع مصالح. وفي كثير من الأحيان، جرى التعامل مع الاثنين بوصفهما شيئًا واحدًا، الأمر الذي أدى إلى خسائر فكرية واجتماعية وتنظيمية كبيرة، وعمّق المسافة بين الحزب وقطاعات واسعة من المجتمع.

إن المجتمع العراقي ليس مجتمعًا علمانيًا بالمعنى الأوروبي الحديث، ولم يكن كذلك في أي مرحلة من تاريخه الحديث. الدين حاضر في الحياة اليومية، في اللغة، والعائلة، والطقوس، والذاكرة، والأخلاق، والعزاء، والأمل، والخوف، وفهم الموت والحياة والعدالة والمعنى. ولا يمكن لأي مشروع سياسي يريد أن يعمل داخل المجتمع أن يتعامل مع هذا الحضور بوصفه مجرد بقايا تخلف أو وعاء للوعي الزائف فقط. فمثل هذا الفهم التبسيطي لا يفسر لماذا استطاعت الحركات الدينية أن تبني قواعد اجتماعية واسعة، ولا لماذا يجد ملايين الفقراء والكادحين في الدين لغة قريبة من معاناتهم وأحلامهم.

لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني الاستسلام لهيمنة الخطاب الديني السياسي، ولا تبرير الطائفية، ولا تحويل الدين إلى مرجعية فوق النقد. المطلوب هو التمييز بين الدين الشعبي بوصفه تعبيرًا عن حاجات روحية وأخلاقية وثقافية واجتماعية معقدة، وبين الطائفية السياسية بوصفها استخدامًا منظمًا للهويات الدينية من أجل السيطرة على الدولة والثروة والمجتمع.

فالطائفية السياسية ليست مجرد تعصب ديني. إنها نظام سلطة. إنها طريقة لإعادة تنظيم المجتمع والدولة على أساس الانقسام الهوياتي، بحيث يتحول الناس من مواطنين وطبقات اجتماعية إلى جماعات خائفة تتنافس على الحصص والحماية والموارد. ومن هنا تصبح الطائفة أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية نفسها. فالفقراء الشيعة والفقراء السنة والكادحون الكرد لا يُدفعون إلى رؤية أنفسهم بوصفهم ضحايا نظام اقتصادي–سياسي واحد، بل بوصفهم جماعات منفصلة تخشى بعضها بعضًا أكثر مما تخشى مستغِليها.

لقد أظهرت تجربة العراق بعد 2003 أن الطائفية ليست بقايا ماضٍ تقليدي فقط، بل جزء من بنية الدولة الجديدة. فالمحاصصة الطائفية لم تكتفِ بتقسيم المناصب، بل أعادت تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي نفسه. أصبح المواطن يُعرّف سياسيًا عبر طائفته قبل أي شيء آخر، وأصبحت الأحزاب الطائفية تقدم نفسها بوصفها حامية الجماعة، لا بوصفها ممثلة لمصالح اقتصادية أو اجتماعية محددة. وهكذا تحولت الطائفة إلى وسيط شامل بين الفرد والدولة.

وفي هذه البيئة، ارتكبت قوى يسارية كثيرة خطأين متناقضين في الوقت نفسه. فمن جهة، وقعت بعض الخطابات في احتقار ضمني أو صريح للتدين الشعبي، وتعاملت مع المتدينين بوصفهم كتلة جاهلة أو أسيرة للخداع فقط. ومن جهة أخرى، ذابت بعض القوى داخل الطائفية السياسية نفسها تحت شعارات الواقعية أو التوازن أو التحالفات المرحلية، حتى فقدت استقلالها الطبقي والنقدي.

إن المطلوب ليس حربًا على الدين، ولا مجاملة للطائفية. المطلوب هو تحليل مادي وتاريخي للدين والطائفة داخل المجتمع العراقي. فحين يفقد الناس الأمن والعمل والخدمات والدولة والحماية الاجتماعية، يبحثون عن بدائل تمنحهم الإحساس بالانتماء والمعنى والأمان. وفي غياب تنظيمات طبقية واجتماعية قوية، تتحول الطائفة والعشيرة والجماعة الدينية إلى شبكات حماية ومعيشة وتمثيل. ولهذا لا يمكن مواجهة الطائفية بخطاب أخلاقي مجرد أو بشعار الدولة المدنية وحده، بل ببناء بدائل اجتماعية وتنظيمية حقيقية داخل حياة الناس اليومية.

إن اليسار الذي يريد أن يستعيد علاقته بالمجتمع يجب أن يتعلم كيف يخاطب الناس كما هم، لا كما يتخيلهم. لا يمكن مخاطبة ملايين المتدينين بوصفهم خصومًا ثقافيين، ولا يمكن أيضًا ترك المجال للأحزاب الدينية لتحتكر الحديث باسم الدين والفقراء والأخلاق. فالصراع الحقيقي ليس بين الإيمان والإلحاد، بل بين من يستخدم الدين لتحرير الإنسان ومن يستخدمه لإدامة السيطرة والاستغلال.

ولهذا فإن الدفاع عن الدولة المدنية لا ينبغي أن يتحول إلى نسخة ليبرالية فارغة من التحليل الطبقي. فالدولة المدنية ليست مجرد حياد شكلي تجاه الأديان، بل دولة مواطنة وعدالة اجتماعية وقانون ومؤسسات وخدمات وحقوق متساوية. أما حين تُطرح المدنية بوصفها شعارًا ثقافيًا ضد المجتمع نفسه، فإنها تفقد قدرتها على التحول إلى مشروع اجتماعي واسع.

إن الحزب الشيوعي، إذا أراد أن يعيد بناء حضوره داخل المجتمع العراقي، يحتاج إلى مراجعة عميقة لعلاقته بالدين والتدين الشعبي. لا بوصفه تنازلًا عن الماركسية، بل بوصفه تطبيقًا حيًا لها. فالماركسية ليست عقيدة معادية للناس، بل منهج لفهم شروط حياتهم الواقعية. والدين، مثل القومية والعشيرة والطائفة، لا يُفهم عبر الإدانة المجردة، بل عبر تحليل الشروط الاجتماعية والتاريخية التي تمنحه هذه القوة.

كما أن مواجهة الطائفية لا تعني إنكار وجود الهويات الطائفية أو تجاهل الجروح التاريخية والمخاوف المتبادلة داخل المجتمع. المطلوب ليس محو الهويات، بل منع تحويلها إلى أدوات للهيمنة السياسية والاقتصادية. فالناس من حقهم أن يكونوا متدينين أو غير متدينين، شيعة أو سنة أو مسيحيين أو صابئة أو إيزيديين، لكن ليس من حق أي سلطة أن تجعل هذه الانتماءات أساسًا لتوزيع الحقوق والثروة والسيادة.

إن المعركة ضد الطائفية ليست معركة ثقافية فقط، بل معركة اجتماعية وسياسية واقتصادية أيضًا. فحين يُبنى اقتصاد ريعي هش، وتنهار الخدمات، وتتفكك الدولة، وتغيب العدالة، تصبح الطائفية أكثر قدرة على إعادة إنتاج نفسها. أما حين تُبنى دولة مواطنة وإنتاج وعدالة وتنظيمات شعبية حقيقية، فإن الحاجة الاجتماعية للطائفية تبدأ بالتراجع تدريجيًا.

ولهذا فإن استعادة المشروع الشيوعي في العراق تمر بالضرورة عبر بناء فهم جديد للعلاقة بين الدين والطائفية والمجتمع. فهم لا يحتقر الناس ولا يذوب في سلطات الهويات، بل يحاول أن يفتح أفقًا جديدًا لوحدة الكادحين خارج الانقسام الطائفي، ومن داخل الواقع الفعلي للمجتمع العراقي لا من خارجه.

يتبع في الحلقة الخامسة:
العشائرية والطائفية والقومية والذكورية والمناطقية: البنى ما قبل الوطنية وإعادة إنتاج الانقسام.



#علي_طبله (هاشتاغ)       Ali_Tabla#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رد على اطروحات الرفيق ساطع هاشم حول الحلقة الثانية: الحزب أم ...
- الدولة الريعية الطائفية التابعة: العراق بعد الاحتلال وإعادة ...
- الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظ ...
- النقد بوصفه وفاءً للحزب لا خروجًا عليه - نحو إعادة تأسيس شيو ...
- مساهمة ماركسية ولينينية في نقد الأزمة وإعادة التأسيس
- الدولة الطرفية ونزعة شبه الإمبريالية
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ...
- قراءة نقدية في خطاب الحزب الشيوعي العراقي في ظل الدولة الريع ...
- من مأزق اليسار الديمقراطي إلى أفق إعادة التأسيس الشيوعي
- التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية
- الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة
- بين فنزويلا والعراق
- من “الاشتباك الاجتماعي” إلى “العودة إلى الطبقة”
- الوعي والديمقراطية بين القراءة الليبرالية والتحليل الماركسي
- من النقد الثوري إلى خطاب التبرير
- النقد والنقد الذاتي - الوثيقة السادسة
- قراءة نقدية–منهجية في بلاغ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الع ...
- من وهم التمثيل إلى ضرورة القطيعة
- الهوية بين الأصالة والدونية
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ...


المزيد.....




- ترامب -غير راضٍ- عن المقترحات الإيرانية.. ويهدد بـ-تفجير- عُ ...
- ترامب يحذر إيران: أبرموا اتفاقا وإلا -سننهي المهمة-
- إيران تسخر من صورة تذكارية لوزير الخارجية الأمريكي في الهند. ...
- النمسا.. السجن المؤبد لسوري أدين بتنفيذ هجوم باسم داعش
- موجة الحر تحصد أرواح 9 أشخاص غرقا في بريطانيا
- وسط غارات مكثفة.. الجيش الإسرائيلي يصنّف أجزاء واسعة من جنوب ...
- اتهامات لعراقجي بالخيانة وتهديدات بإسقاط الحكومة.. كيف يحاول ...
- حرب إيران مباشر.. ترمب يمهل طهران -فرصة وجيزة- وتصعيد إسرائي ...
- سوريا تفرج عن دفعة جديدة من موقوفي -قسد-
- الناتو أمام اختبار البقاء.. هل يتفكك الحلف الأطلسي من الداخل ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - الدين الشعبي والطائفية السياسية: بين فهم المجتمع ونقد سلطة الهوية - نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة - الحلقة الرابعة