علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب
(Ali Tabla)
الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 17:54
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من تعدد الملفات إلى وحدة الصراع الاجتماعي:
لا تكمن قوة الحزب الشيوعي العراقي في تناوله لهذا الملف أو ذاك بصورة منفصلة، ولا في إصدار موقف صحيح من هذه القضية أو تلك فحسب، بل في قدرته على تحويل تعدد القضايا الاجتماعية إلى خطاب تعبئة موحّد، يكشف العلاقة البنيوية بين ما يبدو في الظاهر ملفات متفرقة: الكهرباء، العمل، البطالة، التعليم، الصحة، الاحتجاج، الفساد، حقوق الأطباء والمهندسين والفلاحين والعمال، أزمة كردستان، العلاقة بين المركز والإقليم، وحق المواطنين في المشاركة السياسية الحرة.
لا يُطرح السؤال هنا عمّا إذا كان الحزب يتابع هذه القضايا، فالمتابعة موجودة بدرجات متفاوتة، بل يُطرح السؤال الأدق: هل تتحول هذه المتابعة إلى بناء سياسي وفكري واحد، قادر على أن يبيّن للناس أن هذه القضايا ليست جزرًا منفصلة، بل تعبيرات مختلفة عن بنية واحدة، هي بنية الدولة المكوناتية الريعية، التي أعادت إنتاج الفقر، والفساد، والتبعية، وتفكك المجتمع، وضعف الخدمات، وانهيار التعليم، واستباحة الحق العام؟
إن أخطر ما يواجه الخطاب اليساري في العراق اليوم هو التعامل مع كل قضية بوصفها ملفاً مستقلاً: الأطباء ملف، المهندسون ملف، الفلاحون ملف، الكهرباء ملف، التعليم ملف، كردستان ملف، الفساد ملف، والانتخابات ملف. هذا التفكيك لا يخدم بناء وعي اجتماعي موحّد، بل يعيد، من حيث لا يُقصد أحياناً، إنتاج الشكل الخطابي نفسه الذي تحتاجه الدولة المكوناتية لكي تمنع تشكل وعي اجتماعي عام. فحين يرى كل متضرر نفسه منفرداً في قضيته، يتحول المجتمع إلى جماعات مطلبية متجاورة، لا إلى قوة اجتماعية موحدة.
لذلك لا تقتصر مهمة الحزب على التضامن مع كل فئة متضررة، رغم أهمية ذلك، بل تتعداها إلى إنتاج لغة سياسية تكشف أن الطبيب المقيم الذي يطالب بحقه، والمهندس الذي يُعتدى عليه أمام شركة نفط، والفلاح الذي يُقمع حين يطالب باستحقاقاته، والعامل الذي يواجه الغلاء وانعدام الحماية، والمعلم الذي يعمل في شروط منهكة، والطالب الذي يدخل مدرسة أو جامعة بلا أفق، والمواطن في كردستان الذي يواجه أزمة الرواتب والخدمات والعلاقة الملتبسة بين المركز والإقليم، جميعهم يقفون أمام بنية واحدة، وإن اختلفت مواقعهم داخلها.
ولا تُفهم هذه البنية، في تقدير تحليلي أدق، من خلال مصطلح “الطائفية” وحده. فالطائفية توصيف جزئي يحصر المسألة غالباً في الانقسام المذهبي، أما المكوناتية فهي نظام أوسع: نظام توزيع الدولة بين مكوّنات سياسية وهوياتية وحزبية وقومية وإقليمية، تتحول فيه المواطنة إلى تبعية، والحق إلى حصة، والدولة إلى غنيمة، والمؤسسات إلى مراكز نفوذ، والثروة العامة إلى مورد تفاوض بين القوى المتحكمة.
المكوناتية لا تعمل فقط في البرلمان والحكومة. إنها تعمل في التعيين، والعقود، والجامعة، والمدرسة، والصحة، والنفط، والإعلام، وعلاقة المواطن بالدولة. وهي لا تكتفي بتمزيق السياسة، بل تمزق الوعي نفسه. فالإنسان لا يعود يرى نفسه عاملاً، أو مواطناً، أو صاحب حق، بل تابعاً لمكوّن، أو منطقة، أو حزب، أو زعيم، أو شبكة حماية. وهنا بالضبط تقع إحدى مهمات الحزب الشيوعي: إعادة بناء الإنسان السياسي والاجتماعي خارج أسر المكوناتية.
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية كردستان في أي خطاب وطني يساري جاد. لا يجوز أن تظهر كردستان في الخطاب العراقي كأنها خارج الدولة العراقية الفدرالية، أو كأنها ملف قومي منفصل عن الصراع الاجتماعي العام. كردستان جزء من العراق، لا بمعنى إداري فقط، بل بمعنى بنيوي. فيها تتكثف أسئلة النفط، والرواتب، والريع، وسلطة الأحزاب، والحريات، والتعليم، والجامعة، والعمل، والشباب، والهجرة، وحرية الصحافة، وعلاقة المركز بالإقليم.
إن تجاهل كردستان، أو تناولها بوصفها هامشاً، يضعف أي تحليل للدولة العراقية. فمن غير الممكن نقد الدولة المكوناتية في بغداد دون تحليل صيغتها في الإقليم أيضاً. كما لا يمكن الدفاع عن الفدرالية بوصفها إطاراً دستورياً دون نقد تحولها إلى مجال لتوزيع الريع بين سلطات حزبية ومناطقية. إن كردستان ليست “قضية كردية” فقط، بل هي جزء من سؤال العراق كله: كيف تُبنى دولة حق عام، لا دولة مراكز مغلقة؟ كيف تُحمى الخصوصية القومية والثقافية دون تحويلها إلى غطاء لاقتصاد سياسي مغلق؟ وكيف يُربط نضال العمال والموظفين والطلبة والمثقفين في كردستان بنضال نظرائهم في بغداد والبصرة والناصرية والموصل والنجف وكربلاء وميسان؟
أما التعليم، فيجب أن يكون في مركز الخطاب الشيوعي، لا في هامشه. التعليم ليس ملفاً قطاعياً، ولا شأناً وزارياً محدوداً، ولا موضوعاً ثقافياً عاماً. التعليم هو أحد أهم مواقع إعادة إنتاج المجتمع. في المدرسة والجامعة يُنتج الوعي، وتُصاغ العلاقة بالوطن، وتُعاد صناعة الطبقات، وتُفتح أو تُغلق إمكانات العمل، وتُبنى أو تُهدم فكرة الحق العام.
حين ينهار التعليم، لا ينهار قطاع واحد، بل تنهار قدرة المجتمع على إنتاج نفسه بصورة حرة وعقلانية. وحين تتحول الجامعة إلى سوق شهادات، أو إلى مؤسسة خاضعة للمكوناتية والزبائنية والخصخصة، فإن المجتمع لا يخسر المعرفة فقط، بل يخسر إحدى أدوات تحرره. وحين تُترك المدارس للفقر والاكتظاظ وضعف المناهج، فإن الدولة لا تفشل تربوياً فقط، بل تعيد إنتاج الدونية الاجتماعية منذ الطفولة.
من منظور ماركسي، التعليم هو حقل صراع طبقي وثقافي في آن واحد. فالطبقات المسيطرة لا تسيطر فقط عبر المال والسلاح والإدارة، بل أيضاً عبر إنتاج الوعي المقبول، والجهل المقبول، والطموح المحدود، والخوف من السؤال. لذلك يجب أن تكون معركة التعليم من صلب برنامج الحزب: تعليم عام قوي، مجاني، ديمقراطي، علمي، نقدي، موحد في حقه العام، ومتعدد في احترامه للغات والثقافات، لكنه غير خاضع للمكوناتية أو السوق أو الزبائنية.
إن الحزب الشيوعي العراقي يستطيع أن يحول تعدد الملفات إلى خطاب تعبئة موحد إذا امتلك مركزاً تركيبياً واضحاً. ويمكن أن يكون هذا المركز: الدفاع عن شروط الحياة والحق العام ضد الدولة المكوناتية الريعية. بهذا المعنى لا يعود ملف الكهرباء مجرد خدمة، بل يصبح سؤالاً عن الثروة العامة. ولا يعود ملف الفساد مجرد انحراف إداري، بل يصبح آلية من آليات تراكم الغنيمة. ولا يعود ملف التعليم مجرد ضعف في المناهج، بل يصبح معركة على وعي الأجيال. ولا يعود ملف كردستان شأناً إقليمياً، بل يصبح اختباراً لوحدة الدولة الفدرالية وعدالتها الاجتماعية. ولا يعود ملف الاحتجاج مجرد حق دستوري، بل يصبح حق الناس في الدفاع عن شروط وجودهم.
المطلوب إذن ليس إضافة بيانات جديدة إلى بيانات سابقة، بل بناء خيط سياسي واضح يمر بينها جميعاً. ويمكن صياغة هذا الخيط في ثلاث قضايا كبرى:
أولاً، نقد الدولة المكوناتية الريعية بوصفها بنية تنتج الفساد، وتعطل الخدمات، وتجزئ المجتمع، وتمنع نشوء مواطنة اجتماعية فعلية.
ثانياً، الدفاع عن شروط الحياة: العمل، التعليم، الصحة، السكن، الكهرباء، الماء، الضمان، البيئة، الكرامة المهنية، وحق الاحتجاج.
ثالثاً، بناء جبهة اجتماعية ديمقراطية واسعة تربط العمال، والموظفين، والخريجين، والأطباء، والمهندسين، والمعلمين، والطلبة، والنساء، والفلاحين، والمثقفين، والمتقاعدين، ومواطني كردستان، وكل المتضررين من الدولة المكوناتية، في مشروع حق عام لا في مطالب مبعثرة.
ولا يعني ذلك إذابة الفوارق بين هذه الفئات. فالطبيب ليس العامل نفسه، والمهندس ليس الفلاح نفسه، وموظف كردستان ليس بالضرورة في الموقع الاجتماعي نفسه للعامل اليومي في البصرة. لكنهم جميعاً يعيشون، بدرجات وأشكال مختلفة، داخل نظام يحول الدولة إلى أداة توزيع غير عادل، ويحوّل الحقوق إلى امتيازات، ويحوّل العمل إلى انتظار، والتعليم إلى طريق مسدود، والاحتجاج إلى خطر.
وهنا يكون دور الحزب لا في أن يتكلم باسم الجميع فقط، بل في أن يساعد الجميع على رؤية بعضهم بعضاً. فالأطباء ينبغي أن يروا أن معركتهم ليست مهنية فقط، والمهندسون أن معركتهم ليست تشغيلية فقط، والفلاحون أن معركتهم ليست زراعية فقط، والطلبة أن معركتهم ليست تعليمية فقط، ومواطنو كردستان أن معركتهم ليست رواتب فقط. كل هذه المعارك تتقاطع في سؤال واحد: لمن الدولة؟ لمن الثروة؟ لمن التعليم؟ لمن القرار؟ لمن المستقبل؟
إن لغة “الشعب ضد الفساد” مهمة، لكنها غير كافية. فهي قد تبقى أخلاقية وعامة. أما اللغة الماركسية الأدق فتسأل: أي فساد؟ من ينتج الفساد؟ من يستفيد منه؟ كيف ترتبط المحاصصة بالريع؟ كيف تتحول المكوناتية إلى اقتصاد سياسي؟ كيف تُستخدم الدولة لإعادة إنتاج طبقات طفيلية وكمبرادورية وزبائنية؟ كيف يُحرم المنتجون الحقيقيون من السلطة والثروة والكرامة؟
ومن دون هذا التفكيك، قد يتحول الخطاب إلى إدانة صحيحة لكنها غير قادرة على التعبئة. فالجمهور العراقي سمع كثيراً عن الفساد، لكنه يحتاج إلى خطاب يشرح له لماذا يتجدد الفساد رغم كل الوعود، ولماذا لا تنحل أزمة الكهرباء رغم الثروة النفطية، ولماذا تتوسع الجامعات الخاصة بينما تضعف الجامعة العامة، ولماذا يبقى الخريج عاطلاً، ولماذا تتحول كردستان إلى ملف تفاوض دائم، ولماذا لا تنتج الانتخابات تغييراً جوهرياً في بنية السلطة.
إن التعليم وكردستان والمكوناتية يجب أن تُعامل بوصفها ثلاثة مفاتيح مركزية في أي خطاب يساري عراقي قادم. فالتعليم يكشف مستقبل المجتمع. وكردستان تكشف حدود الدولة الفدرالية وعدالتها. والمكوناتية تكشف البنية التي تمنع تحويل العراق إلى دولة مواطنة وحق عام. ومن خلال هذه المفاتيح يمكن إعادة قراءة الفساد، والبطالة، والخدمات، والاحتجاج، والنفط، والانتخابات قراءة أكثر عمقاً.
ولا يعني ذلك ترك الملفات اليومية. بالعكس، ينبغي التمسك بها أكثر، ولكن ضمن تركيب أعلى. كل بيان عن الأطباء يجب أن يربط الصحة بالتعليم والعمل والتمويل العام. كل موقف من المهندسين يجب أن يربط البطالة بسياسة النفط والاقتصاد الريعي. كل دفاع عن الفلاحين يجب أن يربط الزراعة بالأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية. كل مادة عن كردستان يجب أن تربط الإقليم ببنية الدولة الفدرالية لا بالمجاملات السياسية. كل حديث عن التعليم يجب أن يربطه بالصراع على الوعي والطبقة والمواطنة.
بهذا فقط يتحول الحزب من متابع عادل للقضايا إلى منتج لوعي اجتماعي موحد. وهذا هو الفرق بين التضامن السياسي والتعبئة التاريخية. التضامن يقول لكل فئة: إن الحزب يقف معها. أما التعبئة فتقول لكل الفئات: إنها ليست وحدها، وإن معركتها واحدة وإن اختلفت أشكالها.
إن الحاجة اليوم ليست إلى خطاب أكثر صخباً، بل إلى خطاب أكثر تركيباً. وليس المطلوب التخلي عن اللغة الوطنية الديمقراطية، بل تعميقها طبقياً واجتماعياً. فالوطن لا يبنى بالشعار، بل بشروط الحياة. والديمقراطية لا تُختزل في صندوق انتخاب، بل تبدأ من المدرسة، والجامعة، والمعمل، والمستشفى، والقرية، والمدينة، وحق الإنسان في أن يحتج دون خوف، وأن يعمل دون إذلال، وأن يتعلم دون إفقار، وأن يعيش في دولة لا تسأله أولاً عن مكوّنه، بل تعترف به مواطناً كامل الحق.
لذلك، حين يُطرح السؤال: هل يستطيع الحزب الشيوعي العراقي تحويل تعدد القضايا الاجتماعية إلى خطاب تعبئة موحد؟ يكون الجواب: نعم، يستطيع، إذا غادر منطق الملفات المتجاورة إلى منطق الحجة الواحدة؛ إذا سُمّيت البنية باسمها الأدق: المكوناتية الريعية؛ إذا أُعيدت كردستان إلى قلب التحليل العراقي؛ إذا جُعل التعليم أولوية مركزية؛ وإذا حُوّل الدفاع عن المطالب إلى مشروع سياسي عنوانه: دولة الحق العام ضد دولة الغنيمة والمكوناتية.
هذه ليست مهمة إعلامية فقط، بل مهمة فكرية وتنظيمية وتاريخية. فالناس لا تحتاج إلى من يخبرها بأنها متعبة؛ إنها تعرف ذلك من حياتها اليومية. إنها تحتاج إلى من يكشف لها لماذا تتكرر أسباب التعب، ومن يربط ألمها الخاص بألم الآخرين، ومن يحول الشكوى إلى وعي، والوعي إلى تنظيم، والتنظيم إلى قوة تغيير.
#علي_طبله (هاشتاغ)
Ali_Tabla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟