أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - ثورة بلا سلطة شعبية















المزيد.....



ثورة بلا سلطة شعبية


علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب

(Ali Tabla)


الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 16:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


14 تموز 1958 والطريق إلى مجزرة 8 شباط 1963: مراجعة ماركسية للثورة والحزب والدولة

لا تزال ثورة 14 تموز 1958 تحتل موقعًا استثنائيًا في الذاكرة السياسية العراقية. فهي الحدث الذي أنهى النظام الملكي، وضرب النفوذ البريطاني، وأخرج العراق من حلف بغداد، وفتح الطريق أمام إصلاحات اجتماعية واقتصادية وتشريعية مهمة. لكنها، في الوقت نفسه، دشنت مسارًا سياسيًا انتهى بعد أقل من خمس سنوات بانقلاب 8 شباط 1963، وبمذبحة منظمة استهدفت الشيوعيين والديمقراطيين والعمال والمثقفين وكل من ارتبط بالدفاع عن الجمهورية الأولى.
لا تكمن المعضلة في إثبات ما إذا كانت الثورة قد حققت إنجازات؛ فهذا أمر تؤكده الوقائع. المعضلة هي تفسير الكيفية التي اجتمع بها الاتساع الشعبي والإصلاح الاجتماعي والاستقلال الوطني النسبي مع هشاشة سياسية ومؤسسية سمحت للثورة المضادة بالانقضاض على الجمهورية والحركة الشعبية.
إن الكتابة الاحتفالية تكتفي بإحصاء الإنجازات، بينما تكتفي الكتابة المعادية للثورة بوصفها انقلابًا عسكريًا أدخل العراق في عصر الفوضى. وكلتا الروايتين تعجزان عن تفسير الحدث؛ الأولى تحول الثورة إلى ذكرى مقدسة، والثانية تعيد الاعتبار ضمنيًا إلى نظام ملكي تابع ومحدود الشرعية الاجتماعية.
أما القراءة الماركسية، فلا تبدأ من تقديس الثورة ولا من إدانتها، بل من سؤال السلطة: من أسقط النظام الملكي، ومن استولى على الدولة بعد سقوطه، ومن امتلك السلاح، ومن امتلك الشارع، ومن ظل خارج مؤسسات القرار؟
من هذا السؤال تتفرع بقية الأسئلة: لماذا بقيت الطبقة العاملة والفلاحون والقوى الشعبية قوة ضغط لا قوة حكم؟ لماذا لم تتحول الجبهة التي أسهمت في إسقاط النظام القديم إلى ائتلاف دستوري يحكم المرحلة الانتقالية؟ لماذا لم يُنتخب مجلس تأسيسي؟ لماذا بقي الجيش مصدر الشرعية والحكم الأخير في السياسة؟ وكيف استطاع حزب البعث، وهو أضعف جماهيريًا من الحزب الشيوعي، أن يحسم الصراع لمصلحته بواسطة تنظيم عسكري وانقلابي؟
هذه ليست أسئلة موجهة ضد ثورة 14 تموز، بل أسئلة ضرورية لتحريرها من الرواية التي تكتفي بتمجيد ما أنجزته وتتجنب تفسير ما عجزت عن إنجازه.

بين ما أنجزته الدراسات وما تركته مفتوحًا
لم تُهمل ثورة 14 تموز في الدراسات التاريخية. فقد تناولتها أعمال عراقية وعربية وأجنبية، ودرست النظام الملكي، والضباط الأحرار، والحزب الشيوعي، وحزب البعث، والقوى القومية، والإصلاح الزراعي، والسياسة النفطية، والمسألة الكردية، والحرب الباردة، والتدخلات البريطانية، والأمريكية.
قدم حنا بطاطو، في عمله الكبير عن الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق، الأساس الاجتماعي الأكثر ثراء لفهم تلك المرحلة. لم يتعامل بطاطو مع الأحزاب بوصفها أفكارًا مجردة، بل ربطها بالبنية الطبقية، وأصول قياداتها وقواعدها، وتحولات الريف والمدن، وصعود الضباط، والطلبة، والعمال، والمثقفين. وبفضله لم يعد ممكنًا كتابة تاريخ العراق الحديث بوصفه سيرة ملوك ورؤساء ووزراء فقط.
لكن بطاطو، على الرغم من غنى مادته، لم يكن مكلفًا بإنجاز المراجعة السياسية التي كان على الحزب الشيوعي نفسه أن ينجزها. لقد شرح كيف صعدت القوى الاجتماعية والتنظيمات السياسية، لكنه لم يحسم جميع الأسئلة المتعلقة بالبدائل الاستراتيجية التي كانت متاحة أمام قيادة الحزب، ولا بكيفية تحويل النفوذ الجماهيري إلى سلطة مؤسسية.
وقدمت دراسات أورييل دان وروبرت فيرنيا ووليم روجر لويس وغيرهم تحليلًا واسعًا للحكم الجمهوري الأول وللصراع داخل الجيش وبين قاسم، وعارف والقوى القومية والشيوعية. ونجحت في الكشف عن هشاشة التحالف الذي أطاح النظام الملكي، وعن غياب الاتفاق على شكل الدولة بعد الثورة. لكنها ركزت، في الغالب، على مركز السلطة والضباط والعلاقات الدولية، فيما ظهرت الحركة الشعبية قوة محيطة بالدولة أكثر مما ظهرت مشروعًا ممكنًا لسلطة بديلة.
أما طارق إسماعيل ويوهان فرانزن، فقد قدما دراسات مهمة عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، وعن تكوينه الاجتماعي والفكري وعلاقته بالاتحاد السوفياتي والحركة الشيوعية العالمية. وقد أسهمت هذه الدراسات في إظهار قوة الحزب وانتشاره واتساع قاعدته بين العمال والمثقفين والطلبة والفئات الفقيرة، كما كشفت التوتر بين جذوره الوطنية وبين تأثر بعض قراراته بالسياسة السوفياتية.
غير أن كتابة تاريخ الحزب ليست هي نفسها مراجعة خطه السياسي. يمكن للدراسة أن تسجل ما قررته القيادة، لكنها لا تتحول إلى محاسبة ماركسية إلا إذا قارنت القرار بالبدائل المتاحة، ودرست المعلومات التي كانت لدى القيادة، وموازين القوى التي قدرتها، والنتائج التي ترتبت على اختياراتها.
كما نجحت دراسات الوطنية العراقية والقومية العربية والحرب الباردة في تجاوز التفسيرات المحلية الضيقة. فقد أظهرت أن الصراع بين قاسم والقوميين لم يكن نزاعًا شخصيًا، بل خلافًا على هوية الدولة العراقية وموقعها الإقليمي. وأوضحت أن العراق كان ساحة مركزية في الصراع بين مشاريع الوحدة العربية، والاستقلال الوطني العراقي، والنفوذ الغربي، والاتحاد السوفياتي.
لكن تجزئة الحدث بين الدراسات الطبقية والعسكرية والقومية والدولية أبقت الحاجة قائمة إلى تركيب ماركسي شامل يربط بينها. فالسؤال ليس ما إذا كان الجيش، أو النفط، أو الصراع القومي، أو التدخل الإمريالي هو العامل الحاسم منفردًا، بل كيف تداخلت هذه العناصر في دولة لم تنتقل فيها السلطة إلى الشعب المنظم.
لقد نجحت الأدبيات في كشف قدر كبير من الوقائع والعلاقات. وما أخفقت فيه هو تحويل هذه المعرفة إلى مراجعة سياسية مكتملة لمسؤولية القوى التي قادت الثورة أو دعمتها، ولا سيما الحزب الشيوعي العراقي.

ثورة سياسية بمدخل عسكري
بدأت أحداث 14 تموز بتحرك عسكري قاده الضباط الأحرار، ولم تبدأ بإضراب عام أو انتفاضة فلاحية أو مجالس عمالية استولت على الدولة. غير أن الصفة العسكرية لبداية الحدث لا تكفي لاختزاله في انقلاب.
جاء التحرك بعد عقود من التبعية البريطانية، وهيمنة كبار الملاكين، وتقييد الحياة السياسية، واتساع الفقر والتفاوت، وتنامي حركة عمالية وطلابية ووطنية مقاومة. سبقته وثبة كانون 1948، وانتفاضة 1952، والتحركات الواسعة سنة 1956 تضامنًا مع مصر في مواجهة العدوان الثلاثي. وكانت الأحزاب الوطنية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي، قد أسهمت في نزع الشرعية الشعبية عن النظام الملكي.
لم يصنع الضباط الأزمة الاجتماعية التي أسقطت الملكية، بل استثمروا لحظة نضجها. ولم يكن بمقدورهم تثبيت النظام الجديد من دون الاستجابة الشعبية الواسعة التي حولت التحرك العسكري إلى حدث ثوري.
لذلك يمكن وصف 14 تموز بأنها ثورة وطنية ديمقراطية ذات مدخل عسكري وقاعدة شعبية، أسقطت نظامًا سياسيًا واجتماعيًا تابعًا، وفتحت إمكانات لتغيير أعمق. لكنها لم تكن ثورة اجتماعية مكتملة، لأن الطبقات الشعبية التي وفرت لها قاعدتها لم تنتقل إلى موقع السلطة.
امتلك الضباط جهاز الدولة والسلاح، وامتلك الحزب الشيوعي والحركة الشعبية القدرة على التعبئة. ومنذ اللحظة الأولى ظهر التناقض بين الدولة التي يسيطر عليها العسكريون والمجتمع الذي تميل قطاعات واسعة منه إلى اليسار.
كان هذا التناقض قابلًا لأن يتطور نحو بناء ديمقراطية شعبية، كما كان قابلًا لأن يُحسم لمصلحة الحكم العسكري أو الثورة المضادة. ولم توجد نتيجة مقررة سلفًا، بل اختيارات سياسية وصراعات كان لها أثر حاسم في النهاية.
إسقاط البرلمان القديم وغياب الشرعية الجديدة
لا تفقد الثورة شرعيتها لأنها لم تأت بقرار من مجلس النواب الملكي. فالبرلمان كان جزءًا من بنية النظام الذي ثارت عليه القوى الوطنية، وكانت انتخاباته مقيدة وتخضع لتدخل السلطة، ولم يكن قادرًا على تمثيل الإرادة الشعبية تمثيلًا حرًا.
لكن إسقاط البرلمان القديم لا يبرر إبقاء البلاد من دون مؤسسات تمثيلية منتخبة طوال العهد الجمهوري الأول.
كان ينبغي أن تتبع إسقاط الملكية مرحلة انتقالية محددة زمنيًا، تُنتخب في نهايتها جمعية تأسيسية، ويُكتب دستور دائم، وتُشرع الأحزاب والنقابات، وتصبح الحكومة مسؤولة أمام سلطة منتخبة، ويُخضع الجيش لرقابة دستورية ومدنية.
لم يحدث ذلك. صدر دستور مؤقت، وظلت الدولة محكومة من مركز تنفيذي وعسكري شديد التركيز. لم يُنتخب مجلس تأسيسي، ولم تتطور الجمهورية إلى نظام ديمقراطي مؤسسي، وبقيت شرعية الدولة مرتبطة بالقائد وبالجيش وبالقدرة على الموازنة بين القوى المتصارعة.
كان غياب المؤسسات المنتخبة أحد أعمق مواطن ضعف الثورة. فعندما وقع الانقلاب، لم يكن البعثيون يهاجمون فقط شخص عبد الكريم قاسم، بل دولة تفتقر إلى بنية دستورية شعبية مستقلة تستطيع مواصلة العمل بعد سقوط رأسها.

جبهة الاتحاد الوطني والتناقض المؤجل
تشكلت جبهة الاتحاد الوطني سنة 1957 بوصفها تحالفًا ضد النظام الملكي والاستعمار وحلف بغداد. جمعت الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال وحزب البعث، في حين ارتبط الحزب الديمقراطي الكردستاني بالحركة الوطنية من موقعه الخاص.
كان تشكيل الجبهة ضرورة سياسية مفهومة. فلم يكن ممكنًا إسقاط نظام مدعوم من بريطانيا وكبار الملاكين وأجهزة الدولة من دون توحيد قوى متباينة.
لكن الجبهة اتفقت على إسقاط النظام أكثر مما اتفقت على النظام الذي سيحل محله. لم يكن لديها تصور ملزم لطبيعة الدولة الانتقالية، ولا لموعد الانتخابات، ولا لموقع الجيش، ولا للعلاقة بين القوميتين العربية والكردية، ولا للسياسة الاقتصادية، ولا لحدود الوحدة العربية.
كان الشيوعيون ينظرون إلى الثورة بوصفها مرحلة تحرر وطني وديمقراطي يمكن أن تفتح الطريق أمام تحولات اجتماعية أعمق. وكان البعثيون والقوميون يرون الدولة الجديدة أداة لتحقيق الوحدة العربية ومواجهة النفوذ الشيوعي. وكان الوطنيون الديمقراطيون أقرب إلى مشروع إصلاح دستوري واقتصاد وطني تقوده دولة حديثة. أما الضباط الأحرار، فلم يشكلوا حزبًا موحدًا؛ جمعهم إسقاط الملكية وفرقتهم تصورات السلطة بعد ذلك.
لم يكن انهيار الجبهة بعد الثورة نتيجة سوء تفاهم أو أنانية زعماء فقط. كان تعبيرًا عن اختلاف مشاريع اجتماعية وقومية وسياسية كانت مؤجلة ما دام النظام الملكي قائمًا.
ومن هنا لا يكون الدرس أن التحالف مع القوى غير الشيوعية خطأ في ذاته، بل أن الجبهة التي لا تملك برنامجًا واضحًا لما بعد الانتصار تتحول إلى هدنة مؤقتة بين مشاريع متصارعة على الدولة.

هل كان البعث مجهولًا للشيوعيين؟
يصعب قبول القول إن الحزب الشيوعي لم يكن يعرف طبيعة حزب البعث واتجاهاته المعادية للشيوعية.
كانت أدبيات البعث متداولة، وكان نشاطه معروفًا في الجامعات والشارع والجيش. وكان خلافه مع الماركسية يتجاوز النقاش النظري إلى تصور مختلف للدولة والمجتمع. فالبعث قدم القومية العربية والوحدة بوصفهما المبدأ الأعلى، ونظر بريبة وعداء إلى استقلال الحركة العمالية وإلى الارتباط الشيوعي بالحركة الأممية والاتحاد السوفياتي.
ولا يجوز إسقاط صورة دولة البعث في السبعينيات والثمانينيات كاملة على تنظيم الخمسينيات. غير أن العداء للشيوعية، والنزعة الانقلابية، والعمل السري داخل الجيش، والاستعداد لاستخدام العنف في حسم الصراع السياسي، لم تكن أمورًا مجهولة.
لم يكن خطأ الشيوعيين أنهم لم يقرأوا برنامج البعث. كان الخطأ في أنهم لم يرتبوا سياستهم وتنظيمهم على النتائج التي تترتب على ذلك البرنامج.
تعامل الحزب مع البعث باعتباره حليفًا مرحليًا يمكن احتواء خلافه ضمن الجبهة الوطنية، بينما تعامل البعث مع الشيوعيين باعتبارهم المنافس الاجتماعي والتنظيمي الأخطر على السلطة.
كانت الجبهة بالنسبة إلى الشيوعيين وسيلة لإسقاط النظام الملكي وتوسيع العملية الديمقراطية. أما بالنسبة إلى القوى الانقلابية، فكانت وسيلة مؤقتة للوصول إلى الدولة، ثم بدء الصراع على احتكارها.
ومن هنا يجب فتح ملف ما عرفته قيادة الحزب عن التنظيم البعثي داخل الجيش، وما وصلها من تحذيرات، وكيف قدرت خطر الانقلاب، ولماذا لم ينعكس هذا التقدير في بناء خطة سياسية وتنظيمية مستقلة.

الإنجازات وحدودها الطبقية
أنهت الثورة الملكية، وأخرجت العراق من حلف بغداد، ووسعت استقلال القرار الوطني، وحررت العملة من الكتلة الإسترلينية، وأقامت علاقات مع الاتحاد السوفياتي ودول التحرر الوطني. وأصدرت قانون الأحوال الشخصية، وأطلقت مشاريع إسكان وخدمات، ووسعت الحضور الاجتماعي للنساء والعمال والفلاحين.
وكان قانون الإصلاح الزراعي ضربة مهمة إلى كبار الملاكين وإلى إحدى القواعد الاجتماعية للنظام الملكي. لكنه لم يتحول إلى ثورة فلاحية تعيد بناء الريف من أسفل.
واجه التنفيذ بطئًا إداريًا ونقصًا في الائتمان، والآلات، والري، والتسويق. ولم تؤسس تعاونيات فلاحية قوية تخضع لإدارة الفلاحين أنفسهم. وهكذا أسهم القانون في إضعاف سلطة المالك الكبير، لكنه لم يؤسس اقتصادًا زراعيًا جديدًا قادرًا على تحرير الفلاح من الفقر، والديون، والسوق، والهجرة.
وكان قانون رقم 80 لسنة 1961 خطوة سيادية تاريخية، لأنه استعاد للدولة معظم الأراضي التي كانت واقعة ضمن امتيازات شركات النفط ولم تكن مستثمرة. لكنه لم يكن تأميمًا للصناعة النفطية المنتجة؛ فقد بقيت الحقول والمنشآت القائمة تحت سيطرة الشركات الأجنبية إلى أن جرى التأميم لاحقًا.
لا ينتقص هذا من أهمية القانون، لكنه يمنع تحويل الخطوة الانتقالية إلى إنجاز مكتمل. فاستعادة الأرض النفطية ليست هي السيطرة الاجتماعية الكاملة على الإنتاج والتسويق والعائدات.
تكشف هذه الإصلاحات تناقض الجمهورية الأولى. كانت الدولة قادرة على اتخاذ قرارات تقدمية، لكنها لم تنشئ مؤسسات شعبية تضمن استمرارها. بقيت الحقوق والإصلاحات مرتبطة بقرار من أعلى، لا بسلطة اجتماعية منظمة من أسفل.
إن القانون التقدمي الذي لا تحميه قوة اجتماعية مستقلة يظل معرضًا للإلغاء أو التعطيل أو المصادرة من نظام لاحق.

عبد الكريم قاسم وحدود الوطنية العسكرية
لا يمكن فهم المرحلة من خلال شيطنة عبد الكريم قاسم أو تقديسه.
كان قاسم قائدًا وطنيًا اتخذ قرارات سيادية واجتماعية مهمة. وعُرف بنزاهته الشخصية، ولم يحول الحكم إلى وسيلة لإثراء عائلته أو بناء سلالة سياسية. لكنه، في الوقت نفسه، ركز السلطة التنفيذية والعسكرية في يده، وأبقى النظام معتمدًا على التوازن بين القوى بدل المؤسسات الديمقراطية.
استفاد من قوة الشيوعيين في مواجهة القوميين، ثم بدأ بتقييدهم عندما أصبح نفوذهم الجماهيري والسياسي يهدد استقلال سلطته. أتاح هامشًا من النشاط، لكنه لم يمنح الحزب الشيوعي الفعلي شرعية كاملة، ولم يؤسس نظامًا حزبيًا ديمقراطيًا.
كان يريد الحركة الشعبية سندًا للجمهورية، لكنه لم يردها قوة مستقلة تشارك في الحكم وتراقب الدولة.
كما أبقى الجيش مركز النظام السياسي. ولم يتحول الجيش بعد الثورة إلى مؤسسة خاضعة لسلطة مدنية منتخبة، بل ظل المجال الذي تتصارع داخله التنظيمات القومية والبعثية والضباط الموالون لقاسم.
تصور قاسم أنه يستطيع إدارة التوازن بين الشيوعيين والقوميين والأكراد والضباط والطبقات القديمة والقوى الدولية. لكن التوازن الشخصي لا يصنع نظامًا سياسيًا. وعندما تآكل موقعه، لم يجد مؤسسات قادرة على الدفاع عن الجمهورية بمعزل عن وجوده.
لقد أسهمت النزعة الفردية للحكم في تحويل الثورة إلى نظام مرتبط بمصير قائد. وحين سقط القائد، انكشف ضعف الدولة كلها.

الحزب الشيوعي بين القوة الجماهيرية والعجز الاستراتيجي
كان الحزب الشيوعي القوة الجماهيرية الأوسع في العراق بعد الثورة. امتلك نفوذًا كبيرًا في النقابات والطلبة والنساء وأحياء الفقراء، وأظهر قدرة استثنائية على التعبئة. لكن هذه القوة لم تتحول إلى سلطة سياسية.
لا يكفي تفسير ذلك بالقول إن الحزب رفض تنفيذ انقلاب شيوعي. فالاختيار لم يكن محصورًا بين الاستيلاء العسكري الفوري على الحكم وبين التبعية لقاسم.
كانت هناك إمكانات أخرى: النضال من أجل مجلس تأسيسي، وفرض الشرعية القانونية للحزب، وبناء مؤسسات عمالية وفلاحية مستقلة، وتكوين لجان شعبية دائمة في مواقع العمل والأحياء، وربط الدفاع عن الجمهورية بالدفاع عن الديمقراطية، لا بالدفاع عن شخص الحاكم.
كان يمكن للحزب أن يدعم إجراءات قاسم الوطنية والاجتماعية، وأن يعارض في الوقت نفسه تركيز السلطة ورفض الانتخابات وتقييد الأحزاب. لكن خطه السياسي مال إلى المساواة بين حماية قاسم وحماية الثورة.
كان الحزب يخشى أن يؤدي الضغط على قاسم إلى إضعافه أمام القوميين والرجعية. غير أن نتيجة هذا الحذر كانت إضعاف الحزب والحركة الشعبية، أي إضعاف القوة التي كان يمكنها منع الرجعية من إسقاط قاسم.
هنا ظهرت حدود الفهم الجامد للثورة الوطنية الديمقراطية. فقد تحولت فكرة المرحلة إلى مبرر لتأجيل الاستقلال السياسي للطبقة العاملة، وإسناد قيادة التحول إلى ضباط وطنيين أو برجوازية وطنية مفترضة.
لكن البرجوازية والبيروقراطية العسكرية تستطيعان مواجهة بعض صور التبعية والإقطاع، ثم تتوقفان عندما يصبح توسع الحركة الشعبية تهديدًا لاحتكارهما القرار. ولهذا لا تنجز المرحلة الوطنية الديمقراطية بالنيابة عن العمال والفلاحين، بل بمشاركتهم المستقلة في قيادتها منذ بدايتها.
إن مسؤولية الحزب لا تكمن في أنه لم يختر مغامرة عسكرية، بل في أنه لم يبنِ بديلًا شعبيًا وديمقراطيًا عن الحكم الفردي والانقلاب العسكري معًا.

العامل السوفياتي وحدود الأممية
لا يمكن دراسة سياسة الحزب الشيوعي من دون بحث علاقته بالاتحاد السوفياتي والحركة الشيوعية العالمية.
كان الاتحاد السوفياتي سندًا مهمًا للعراق في مواجهة الضغوط الغربية، وأسهم في توسيع قدرة الجمهورية على المناورة دوليًا. لكن مصالح الدولة السوفياتية لم تكن متطابقة دائمًا مع متطلبات الثورة العراقية.
كانت موسكو معنية بالتعايش السلمي، وتجنب المواجهات التي قد تستدعي تدخلًا أمريكيًا أو بريطانيًا، والمحافظة على نظام قاسم بوصفه نظامًا وطنيًا غير معادٍ لها. وقد شجع ذلك اتجاهًا حذرًا داخل الحزب العراقي، وخصوصًا في لحظة صعوده الجماهيري.
لا يعني هذا أن قيادة الحزب كانت تنفذ أوامر خارجية بصورة آلية. لكنه يفرض السؤال عن مقدار استقلال القرار العراقي، وعن الكيفية التي أثرت بها تقديرات موسكو في تصور ما هو ممكن وما هو ممنوع.
الأممية لا تعني إخضاع الثورة الوطنية لمصالح دولة أخرى، حتى لو كانت دولة اشتراكية. والحزب الذي لا يصوغ استراتيجيته انطلاقًا من التكوين الاجتماعي والسياسي لبلده يفقد استقلاله النظري قبل أن يفقد استقلاله التنظيمي.

الجماهير خارج بنية الحكم
كانت المسيرات ضخمة، والنفوذ الشعبي واسعًا، والشعارات حاضرة في الشارع. لكن الحشد لم يتحول إلى سلطة.
كانت الجماهير تُستدعى لمقاومة المؤامرات أو تأييد قاسم أو الاحتفال بمنجزات الثورة، لكنها لم تمتلك مؤسسات دائمة تتخذ من خلالها القرارات وتراقب الحكومة وتقود الاقتصاد والمجتمع.
لم تتكون مجالس عمالية قادرة على مراقبة الإنتاج والإدارة. ولم تتحول المنظمات الفلاحية إلى سلطة في الريف. ولم تنشأ لجان أحياء دائمة ترتبط ببعضها وتستطيع تنظيم الدفاع عن الجمهورية. ولم يكن للجنود والمراتب الدنيا تنظيم ديمقراطي يحمي الجيش من شبكات الضباط الانقلابية.
كانت الحركة الشعبية واسعة عدديًا، لكنها بقيت هشة مؤسسيًا. ولهذا استطاع تنظيم أصغر حجمًا، لكنه أكثر تمركزًا في الجيش ووضوحًا في هدف الاستيلاء على السلطة، أن يهزمها.
لم ينتصر البعث لأنه كان يمثل أغلبية المجتمع، بل لأنه عرف أين توجد السلطة الفعلية: في القيادة العسكرية، والإذاعة، والدبابات، وأجهزة الأمن، والقدرة على اعتقال قيادة الخصم وقطع اتصالاته.
امتلك الشيوعيون الشارع، لكن خصومهم امتلكوا خطة للاستيلاء على الدولة.

الجيش بوصفه مركز الثورة والثورة المضادة
خرجت الثورة من الجيش، لكنها لم تتمكن من إنهاء حق الجيش في تقرير مصير السياسة.
كان الضباط الأحرار أداة إسقاط النظام الملكي، غير أن نجاحهم رسخ مبدأ أن الضباط يستطيعون تغيير الحكم خارج أي تفويض شعبي أو دستوري. وبعد الثورة استمر الصراع داخل الجيش بين القاسميين والقوميين والبعثيين.
لم تُحل التنظيمات العسكرية السرية بصورة فعلية، ولم يخضع الجيش لسلطة منتخبة، ولم يُبنَ على عقيدة دستورية تمنع الضباط من العمل الحزبي الانقلابي.
وهنا تقع إحدى المسؤوليات الكبرى لقاسم والحزب والقوى الديمقراطية. فقد كان خطر الانقلاب معروفًا بعد تمرد الموصل، ومحاولة اغتيال قاسم، والصراعات المتكررة داخل المؤسسة العسكرية. ومع ذلك لم يتحول إصلاح الجيش وتطهيره من التنظيمات الانقلابية وإخضاعه لسلطة مدنية إلى قضية مركزية.
لا يمكن لحركة ثورية أن تترك جهاز القوة المسلحة للدولة في يد خصومها، ثم تعتمد على تعبئة الشارع بعد بدء الانقلاب.

الموصل وكركوك بين الدعاية والإنكار
استُخدمت أحداث الموصل وكركوك لبناء صورة عن الشيوعيين بوصفهم قوة فوضى وانتقام. وروجت القوى القومية والبعثية روايات جمعت بين الوقائع والمبالغات والتوظيف السياسي. وفي المقابل، مالت بعض الروايات الشيوعية إلى الدفاع العام أو تقليل شأن الانتهاكات.
المراجعة الماركسية لا تقبل التبرير ولا الدعاية المضادة.
كانت هناك محاولات تمرد وانقلاب مسلح ضد الجمهورية، وكان الدفاع عنها حقًا مشروعًا. لكن مقاومة الانقلاب لا تبيح قتل الأسرى، أو المدنيين، أو إذلال الخصوم، أو تحويل العدالة إلى ثأر.
ولا يكفي القول إن قيادة الحزب لم تصدر أوامر بهذه التجاوزات. فالحزب مسؤول سياسيًا عن سلوك القوى التي تعمل باسمه بقدر ما يستطيع توجيهها ومحاسبتها. وإذا عجز عن ضبطها، فعليه أن يحقق ويعلن النتائج ويحاسب المسؤولين.
لقد أضرت التجاوزات بالحزب، وأخافت قطاعات اجتماعية، ومنحت خصومه مادة فعالة لتعبئة الخوف من الشيوعية. كما سمحت لقاسم بالانقلاب على الحركة التي ساندته تحت عنوان استعادة النظام.
إن الدفاع عن حقيقة أن الأحداث لم تكن مؤامرة شيوعية مركزية لا يقتضي إنكار الضحايا أو تبرئة الممارسات غير المشروعة.

المسألة الكردية وفشل الوحدة القسرية
بدأت الجمهورية باعتراف مهم بالشراكة العربية الكردية، وعاد مصطفى البارزاني إلى العراق، وبدت إمكانية الحل الديمقراطي قائمة. لكن العلاقة بين الحكم والحركة الكردية تدهورت، وتحول الخلاف إلى حرب منذ سنة 1961.
لم يكن الصراع مجرد تمرد انفصالي، كما لم تكن الحركة الكردية خالية من التناقضات الطبقية والعشائرية. كان النزاع ناتجًا من تداخل مطلب الحكم الذاتي والحقوق القومية مع المركزية العسكرية وصراعات الأرض والإصلاح الزراعي وزعامات الحركة الكردية.
أضعفت الحرب الجمهورية، واستنزفت الجيش، وعمقت عزلة قاسم، ومنعت بناء تحالف ديمقراطي بين القوى العربية والكردية.
كان المطلوب موقف يقوم على الاعتراف بحق تقرير المصير والوحدة الطوعية، مع نقد القوى الإقطاعية والبرجوازية داخل الحركة الكردية. أما إخضاع الحقوق القومية لوحدة الدولة المركزية، فقد جعل جزءًا من المجتمع الكردي يقف بعيدًا عن الدفاع عن الجمهورية في لحظتها الحاسمة.

الإمبريالية والثورة المضادة الداخلية
تعرضت الجمهورية لعداء بريطاني، وأمريكي، وإقليمي، واضح. فقد أنهت موقع العراق في حلف بغداد، واقتربت من الاتحاد السوفياتي، وأصدرت قانون رقم 80، وسمحت بصعود حزب شيوعي جماهيري في دولة نفطية ذات موقع استراتيجي.
كانت القوى الغربية تتابع الصراعات داخل الجيش والحكومة والحزب، ورأت في إضعاف الشيوعيين وتغيير نظام قاسم نتيجة تخدم مصالحها. كما أقامت الولايات المتحدة علاقات سريعة مع الحكم الذي جاء بعد انقلاب شباط، وقدمت له دعمًا سياسيًا وأمنيًا.
لكن الحجم الدقيق للدور الأمريكي في تخطيط الانقلاب وتنفيذه لا يزال موضع بحث. توجد أدلة قوية على الاتصالات والمعرفة المسبقة وتلاقي المصالح والدعم اللاحق، لكن الوثائق المنشورة لا تسمح بتحويل كل تفاصيل الانقلاب إلى عملية خارجية مكتملة الأركان من دون تحفظ علمي.
لا يضعف هذا التحفظ نقد الإمبريالية، بل يجعله أكثر دقة. فالإمبريالية لا تحتاج دائمًا إلى إدارة الانقلاب تفصيلًا؛ يكفي أن تجد قوى محلية تحمل مشروعًا معاديًا للشيوعية ومستعدة لحماية المصالح النفطية والاستراتيجية الغربية.
لكن اختزال 8 شباط في المؤامرة الخارجية يطمس حقيقة أساسية: القوى الخارجية لا تستطيع إسقاط ثورة متماسكة من دون حلفاء محليين، وتناقضات داخلية، وجيش مخترق، وقيادة معزولة، وحركة شعبية محرومة من مؤسسات السلطة.

8 شباط بوصفه نتيجة لا مفاجأة
لم يكن انقلاب 8 شباط حادثًا منفصلًا عن تاريخ الجمهورية الأولى. لقد جاء نتيجة تراكم تناقضاتها.
بقيت الدولة من دون مؤسسات منتخبة. وظل الجيش مركز السلطة. وتراجع نفوذ الحزب الشيوعي داخل مؤسسات الدولة. واستمرت التنظيمات البعثية والقومية في النشاط داخل القوات المسلحة. وتفاقمت الحرب في كردستان. وفقد قاسم أجزاء من تحالفاته من دون أن يبني بديلًا مؤسسيًا.
عندما وقع الانقلاب، قاومت قواعد شيوعية وشعبية في بغداد ومدن أخرى بشجاعة، لكن المقاومة كانت ارتجالية وغير موحدة. جاءت بعد بدء الهجوم، لا تنفيذًا لخطة سياسية وعسكرية معدة سلفًا.
قد تكون ساعة الانقلاب وأسماء جميع المشاركين قد فاجأت القيادة، لكن احتمال الانقلاب لم يكن مجهولًا. فقد سبقته تمردات ومحاولات اغتيال وتحريض علني وصراع داخل الجيش.
ولهذا يصبح مشروعًا السؤال عن الخطة التي وضعتها قيادة الحزب لمواجهة الانقلاب، وعن التعليمات التي أعطيت للمنظمات، وعن وسائل الاتصال والقيادة البديلة، وعن العلاقة بالتنظيم العسكري داخل الحزب، وعن أسباب ترك القواعد الجماهيرية من دون إعداد كافٍ.
فتح هذه الأسئلة لا يعني تحميل الضحايا مسؤولية جرائم جلاديهم. الجريمة مسؤولية من خطط لها ونفذها. لكن فهم الهزيمة يقتضي التمييز بين مسؤولية الجريمة ومسؤولية الخط السياسي الذي عجز عن منعها.

لماذا بقيت المراجعة ناقصة؟
أنتج الحزب والحركة الشيوعية تقييمات ومذكرات وخلافات بشأن تجربة الجمهورية الأولى، لكن لم تظهر مراجعة رسمية شاملة تنشر الوثائق ومحاضر القيادة والتقارير التنظيمية وتحدد القرارات والمسؤوليات والبدائل.
تعود صعوبة هذه المراجعة إلى تحول 14 تموز إلى جزء من الشرعية التاريخية للحزب. وأصبح نقد سياسته خلالها يبدو لدى بعضهم انتقاصًا من الثورة أو من تضحيات أعضائه.
كما أن مجزرة شباط جعلت ذاكرة الشهادة مركزية في هوية الحزب. وهي ذاكرة مشروعة وضرورية، لكنها قد تتحول إلى حاجز أمام محاسبة القيادة. فاستشهاد القادة لا يجعل جميع قراراتهم صحيحة، كما أن إجرام البعث لا يلغي ضرورة دراسة ما فعله الحزب قبل الانقلاب.
وزادت تجربة التحالف مع البعث في السبعينيات من صعوبة المراجعة. فالاعتراف بأن التحالف مع القوى البعثية في الخمسينيات لم يقم على تقدير صحيح لطبيعتها يفتح مباشرة سؤال العودة إلى التحالف معها بعد مجزرة 1963.
إن عدم مراجعة الخطأ الأول أسهم في إمكان تكراره بصورة أكثر مأساوية.

الأسئلة التي يجب ألا تبقى محرمة
تبدأ المراجعة الجدية من فتح وثائق الحزب للفترة بين 1957 و1963، ودراسة ما عرفته القيادة وما قررته، لا الاكتفاء بما نشرته لاحقًا عن نفسها.
ينبغي معرفة تقدير الحزب لميزان القوى في ربيع 1959، والأسباب التي دفعته إلى التراجع عن المطالبة بالمشاركة الفعلية في الحكم، ومقدار تأثير الموقف السوفياتي في ذلك القرار.
وينبغي تحديد ما إذا كان المجلس التأسيسي والانتخابات وشرعية الحزب وإخضاع الجيش لسلطة مدنية قد طُرحت باعتبارها معارك مركزية، أم بقيت مطالب ثانوية أمام حماية قاسم.
كما يجب كشف المعلومات التي امتلكها الحزب عن التنظيم العسكري البعثي والقومي، والتحذيرات التي وصلته، وطبيعة تنظيمه داخل الجيش، وأسباب فشله في إعداد خطة فعالة لمواجهة الانقلاب.
ويجب دراسة بنية الحزب الداخلية: هل سمحت للقاعدة بمراجعة قرارات القيادة؟ وهل كانت المركزية التنظيمية مصدر قوة في العمل السري ثم تحولت إلى نقطة ضعف عندما ضُرب مركز القيادة؟ ولماذا لم توجد مراكز بديلة قادرة على مواصلة العمل؟
ويتعين فتح ملفات الموصل وكركوك بصورة موثقة، وتحديد المسؤوليات والضحايا والإجراءات التي اتخذها الحزب، بدل تركها بين الدعاية المعادية والصمت الدفاعي.
كما يجب بحث سياسة الحزب تجاه المسألة الكردية، وعلاقته بقاسم، وموقفه من الحرب، وما إذا كان قد حافظ على استقلال موقفه القومي والطبقي.
هذه الأسئلة ليست محاكمة أخلاقية لأشخاص رحلوا، بل فحص مادي لقرارات سياسية كان لها ثمن تاريخي بالغ.

الخلاصة: الثورة التي لم تنقل السلطة إلى صانعيها
كانت ثورة 14 تموز حدثًا تحرريًا كبيرًا، أسقط نظامًا ملكيًا تابعًا، وفتح الطريق أمام استقلال وطني وإصلاحات اجتماعية وتشريعية عميقة. لكنها لم تحول القوة الشعبية التي صنعت إمكانها إلى نظام حكم.
ظل الجيش فوق المجتمع، وبقيت الدولة مرتبطة بقائد فرد، ولم تنتخب مؤسسات تأسيسية، ولم تتحول منظمات العمال والفلاحين والطلبة والنساء إلى أجهزة سلطة ورقابة.
كان عبد الكريم قاسم وطنيًا ونزيهًا، لكنه لم يبنِ ديمقراطية شعبية، ولم يفصل مصير الجمهورية عن مصيره الشخصي.
وكان الحزب الشيوعي قوة جماهيرية واسعة، لكنه لم يحول الجماهير إلى مؤسسات مستقلة، وربط الدفاع عن الثورة بالدفاع عن قاسم أكثر مما ربطه ببناء سلطة شعبية.
وكان حزب البعث معروفًا بعدائه للشيوعية ونزعته الانقلابية، لكن هذه المعرفة لم تتحول إلى استراتيجية سياسية وتنظيمية تتناسب مع الخطر.
ولعبت الإمبريالية دورًا عدائيًا، لكنها نجحت لأنها وجدت قوى محلية ومؤسسة عسكرية وتناقضات داخلية قابلة للاستخدام.
لم تُهزم ثورة 14 تموز لأنها ذهبت بعيدًا في الإصلاح والتحرر، بل لأنها توقفت قبل أن تمس جوهر السلطة. أسقطت الملكية، لكنها لم تنه حكم الجيش. ضربت كبار الملاكين، لكنها لم تؤسس سلطة الفلاحين. وسعت الحركة العمالية، لكنها لم تجعل العمال قوة قائدة في الدولة. استردت الأرض النفطية، لكنها لم تكمل السيطرة الاجتماعية على النفط. أطلقت الجماهير إلى الشوارع، لكنها لم تدخلها إلى مؤسسات الحكم.
لهذا كان 8 شباط كشفًا عن ضعف تأسيسي، لا مجرد مؤامرة نجحت في لحظة عابرة.
إن الوفاء بثورة 14 تموز لا يكون بتحويلها إلى طقس احتفالي، والوفاء لشهداء شباط لا يكون بالاكتفاء بسرد بطولة الضحايا ووحشية الجلادين. الوفاء الحقيقي هو فتح الملفات التي ظلت مغلقة، ونشر الوثائق، وتحديد القرارات، ومساءلة الخطط، وفهم لماذا امتلك الشيوعيون الجماهير ولم يمتلكوا السلطة، ولماذا عرفوا أعداءهم ولم يبنوا القوة الكافية لمواجهتهم.
لا توجد ثورة فوق النقد، ولا قيادة تعصمها تضحياتها، ولا جبهة وطنية تغني عن الاستقلال الطبقي، ولا حركة جماهيرية تستطيع حماية نفسها إذا بقيت القوة المسلحة والدولة خارج رقابتها.
لقد فتحت ثورة 14 تموز باب التاريخ، لكنها لم تنقل مفاتيحه إلى الشعب.
وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تبدأ منها المراجعة الماركسية.

المصادر والدراسات المختارة
حنا بطاطو، الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق: دراسة في الطبقات المالكة والتجارية القديمة وفي الشيوعيين والبعثيين والضباط الأحرار، Princeton University Press، 1978.
طارق يوسف إسماعيل، صعود وسقوط الحزب الشيوعي العراقي، Cambridge University Press، 2008.
يوهان فرانزن، النجمة الحمراء فوق العراق: الشيوعية العراقية قبل صدام، Hurst/Columbia University Press، 2011.
أورييل دان، العراق في عهد قاسم: تاريخ سياسي 1958–1963، Praeger، 1969.
روبرت أ. فيرنيا ووليم روجر لويس، محرران، ثورة العراق عام 1958: إعادة النظر في الطبقات الاجتماعية القديمة، I. B. Tauris، 1991.
ماريون فاروق سلغلت وبيتر سلغلت، العراق منذ 1958: من الثورة إلى الدكتاتورية، I. B. Tauris، طبعات متعددة.
فيبي مار، تاريخ العراق الحديث، Westview Press، طبعات متعددة.
تشارلز تريب، تاريخ العراق، Cambridge University Press، طبعات متعددة.
خوان روميرو، ثورة العراق عام 1958: بحث ثوري عن الوحدة والأمن، University Press of America، 2011.
أوريت بشكين، «القوميات الهجينة: الوطنية العراقية والقومية العربية في عهد عبد الكريم قاسم، 1958–1961»، International Journal of Middle East Studies.
سايروس شايغ، «إعادة النظر في 1958: بناء الدولة والحرب الباردة في الشرق الأوسط العربي المبكر بعد الاستعمار»، International Journal of Middle East Studies.
أفشالوم روبين، «عبد الكريم قاسم وأكراد العراق: المركزية والمقاومة والثورة، 1958–1963»، Middle Eastern Studies.
إريك جاكوبسن، «تلاقي المصالح: كينيدي والمساعدة الأمريكية ونظام البعث العراقي سنة 1963»، Diplomatic History.
براندون وولف-هانيكوت، «احتضان تغيير النظام في العراق: السياسة الخارجية الأمريكية وانقلاب بغداد سنة 1963»، Diplomatic History.
وليم ماثيوز، «إدارة كينيدي ومكافحة التمرد والنظام البعثي الأول في العراق»، International Journal of Middle East Studies.
وزارة الخارجية الأمريكية، العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، 1958–1960، الشرق الأدنى والعراق.
وزارة الخارجية الأمريكية، العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، 1961–1963، وثائق العراق وانقلاب شباط 1963.
وثائق الحزب الشيوعي العراقي وتقاريره وبياناته ومراسلاته المنشورة المتعلقة بجبهة الاتحاد الوطني، وثورة 14 تموز، وانقلاب 8 شباط، وخط آب 1964.
مذكرات قادة وكوادر الحزب الشيوعي العراقي والضباط الأحرار والحركة الوطنية، على أن تُقرأ قراءة مقارنة ونقدية، لا بوصفها روايات نهائية مكتفية بذاتها.



#علي_طبله (هاشتاغ)       Ali_Tabla#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من حزب الشهداء إلى حزب المعصومين: لماذا يضر خطاب الطهارة بال ...
- قراءة نقدية ماركسية في بيان اجتماع اللجنة المركزية للحزب الش ...
- الإداروية والمقراتية وأزمة الممارسة اليومية حين ينشغل الحزب ...
- ملاحظات نقدية حول خطاب الحزب الشيوعي العراقي
- الاشتراكية في مواجهة الليبرالية والنيوليبرالية والدولة المدن ...
- العشائرية والطائفية والقومية والذكورية والمناطقية: البنى ما ...
- الدين الشعبي والطائفية السياسية: بين فهم المجتمع ونقد سلطة ا ...
- رد على اطروحات الرفيق ساطع هاشم حول الحلقة الثانية: الحزب أم ...
- الدولة الريعية الطائفية التابعة: العراق بعد الاحتلال وإعادة ...
- الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظ ...
- النقد بوصفه وفاءً للحزب لا خروجًا عليه - نحو إعادة تأسيس شيو ...
- مساهمة ماركسية ولينينية في نقد الأزمة وإعادة التأسيس
- الدولة الطرفية ونزعة شبه الإمبريالية
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ...
- قراءة نقدية في خطاب الحزب الشيوعي العراقي في ظل الدولة الريع ...
- من مأزق اليسار الديمقراطي إلى أفق إعادة التأسيس الشيوعي
- التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية
- الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة
- بين فنزويلا والعراق
- من “الاشتباك الاجتماعي” إلى “العودة إلى الطبقة”


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-احتراق مقر فيلق ثأر الله الإيراني جراء ضربات ...
- مع تصاعد التوتر.. أين تقع مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن؟
- بعد تقارير عن صواريخ باتريوت.. بولندا تعلن عدم وجود إمدادات ...
- هل يمكن تحليل نشاط الدماغ لتحسين أداء الرياضيين؟
- لبنان يفاوض إسرائيل في روما وعون يعوّل على ترامب.. اختبار حق ...
- استطلاع: 4 من كل 5 أمريكيين يتوقعون حربًا طويلة مع إيران
- بسعر زهيد.. عرض قرية ألمانية كاملة للبيع في ولاية تورينغن!
- تحركات عسكرية مصرية تركية تقلق إسرائيل
- البحرين: السجن المؤبد لثلاثة مدانين بالتخابر مع الحرس الثوري ...
- مستقبل البشرية بين فلسفتي -الصفقة- و-الدولة-


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - ثورة بلا سلطة شعبية