أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - تحولات البرنامج والهوية الطبقية في الحزب الشيوعي العراقي 1945-2026















المزيد.....



تحولات البرنامج والهوية الطبقية في الحزب الشيوعي العراقي 1945-2026


علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب

(Ali Tabla)


الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 16:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من ميثاق العمل الوطني إلى مسودة المؤتمر الثاني عشر

تحولات البرنامج والهوية الطبقية في الحزب الشيوعي العراقي
1945-2026

دراسة تاريخية مقارنة ونقد ماركسي-لينيني تجديدي

د. علي طبله

مقدمة للنقاش حول مسودة برنامج المؤتمر الوطني الثاني عشر
أيلول / سبتمبر 2026

وثيقة نقدية رفاقية: صرامة في نقد الأفكار، واحترام كامل للأشخاص

نسخة مهيأة للنشر الإلكتروني: حُوِّلت الجداول والأشكال التحليلية إلى صياغة نصية مكافئة، من دون تغيير مضمون الدراسة أو نتائجها.
ملاحظة منهجية حاكمة
«لا قداسة لوثيقة حزبية، ولا إدانة مسبقة لها. معيار الحكم هو مدى قدرتها على تفسير الواقع الطبقي، وتحديد القوى المتصارعة، وصياغة استراتيجية للتحول تتسق مع هوية الحزب الشيوعية والتجربة التاريخية الفعلية. والتسمية الدقيقة للتقدم أو التراجع ليست إساءة إلى الحزب، بل شرط من شروط تجديده.»
ترفض هذه الدراسة الهجاء والتهجم والشخصنة والتسقيط والتآمر، وتفصل بصورة صارمة بين نقد الخط الفكري والسياسي وبين الحكم على الأشخاص. وهي لا تنسب نيات، بل تحلل نصوصًا وقرارات ونتائج.
خريطة الوثيقة
• ملخص تنفيذي يحدد النتيجة المركزية.
• منهج ومصفوفة ثقة المصادر.
• قراءة تاريخية مقارنة من 1945 إلى 2026.
• تحليل طولي للمفاهيم: الطبقة، الدولة، الجبهة، السيادة، الاقتصاد، الاشتراكية.
• قراءة تفصيلية لمسودة 2026: نقاط القوة والفجوات.
مسارات تحليلية نصية وهياكل مفهومية مساندة للبرهان.
• خاتمة تحدد الأساس النظري للدراسة الثانية الخاصة بالتعديلات والصياغات البديلة.
حالة المصادر ودرجة الثقة
لا تُسوّي الدراسة بين جميع المراحل في القوة التوثيقية. وتتغير درجة الاستناد بحسب طبيعة الأصل المتاح، وهو فرق يدخل في صلب الحجة ولا يُعامل بوصفه احتياطًا تقنيًا.
في مرحلة 1944-1945 تستند القراءة إلى «قضيتنا الوطنية» و«ميثاق العمل الوطني» كما نُقلت موادهما على نطاق واسع في الموقع الرسمي للحزب؛ النسخة الأصلية المصورة ليست ضمن corpus المستخدم هنا، ولذلك تُعد درجة الاستناد متوسطة-عالية. وفي 1956 يثبت عنوان «في سبيل تحررنا الوطني والقومي» ومضامينه الأساسية في مواد حزبية تاريخية، لكن النص الكامل لم يُستخدم في هذه الدراسة، فتكون الثقة متوسطة. وينطبق تقدير متوسط كذلك على 1967، حيث تثبت مواد حزبية لاحقة مضامين تقييم 1956-1967 ومشروع البرنامج، من دون أن يكون الأصل الكامل حاضرًا في corpus الحالي.
أما برنامجا 1970 و1976 فالنصان الكاملان غير متاحين رقميًا بالدرجة المطلوبة، ولذلك يعتمد التحليل على تقييمات ونقول لاحقة، وتبقى درجة الاستناد محدودة-متوسطة. وفي المقابل، تمثل وثيقة 1985 «تقييم تجربة حزبنا النضالية 1968-1979» أصلًا قويًا للمراجعة نفسها: وجودها مثبت ببليوغرافيًا ومضامين منها منقولة في مصادر حزبية، فتكون الثقة عالية في ما تقوله عن المراجعة، لا في إسناد عبارات حرفية إلى البرامج السابقة. وفي مرحلة 1993-2001، تتوافر وثائق وشهادات حزبية قوية حول الديمقراطية والتجديد و«خيارنا الاشتراكي»، مع غياب بعض الأصول الكاملة، ولذلك تقدر الثقة بمتوسطة-عالية.
من 2007 فصاعدًا ترتفع الثقة النصية بوضوح. برامج المؤتمرات الثامن 2007 والتاسع 2012 والعاشر 2016 والحادي عشر 2021 متاحة كاملة ومنشورة رسميًا، ولذلك تكون درجة الاستناد إليها عالية جدًا. أما مسودة 2026 فهي المصدر الأولي المباشر الأقوى في هذه المقارنة، إذ تعتمد الدراسة النسخة الكاملة المرفقة والمؤرخة في 3 أيلول/سبتمبر 2026.
يُقرأ المسار التاريخي للبرنامج في هذه الدراسة بوصفه سلسلة تحولات مترابطة: تأسيس وطني-طبقي في 1944-1945، ثم إعادة صياغة سؤال التحرر والجبهة في 1956، ثم استعادة معيار الاستقلال الطبقي في 1967، ثم أزمة التحالف والدولة في 1970-1979، فالنقد الذاتي المؤسسي في 1985، فمراجعة النموذج الاشتراكي تحت عنوان الديمقراطية والتجديد في 1993-2001، ثم استقرار نموذج الدولة المدنية والطريق الاشتراكي التراكمي في 2007-2021، وأخيرًا عودة تشخيص التحالف الطبقي الحاكم في مسودة 2026. المهم في هذا التسلسل ليس ترتيب التواريخ وحده، بل انتقال مركز الثقل بين الطبقة والدولة والتحالف والديمقراطية والاشتراكية.
الملخص التنفيذي
تقرأ هذه الدراسة مسودة برنامج الحزب الشيوعي العراقي المقدمة إلى المؤتمر الوطني الثاني عشر في أيلول/سبتمبر 2026 ضمن تاريخ برنامجي يمتد من «ميثاق العمل الوطني» المرتبط بالكونفرنس الأول سنة 1944 والمؤتمر الوطني الأول سنة 1945 إلى برامج المؤتمرات الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر، مرورًا بوثيقة 1956، وكونفرنس 1967، وتجربة الجبهة في السبعينيات، وتقييم 1985، ومنعطف «الديمقراطية والتجديد» سنة 1993. غايتها ليست إقامة محكمة للماضي، ولا استعادة قاموس قديم، بل اختبار كيف تغيّرت العلاقة بين التحليل الطبقي، وطبيعة المرحلة، ومفهوم الدولة، والتحالفات، والسيادة، والملكية، والطريق إلى الاشتراكية.
الخلاصة الأساسية هي أن تاريخ البرنامج لا يسمح برواية خطية مبسطة تقول إن الحزب انتقل مرة واحدة من «الثورية» إلى «الإصلاحية»، كما لا يسمح بالرواية المقابلة التي تعتبر كل تحول بعد 1993 تجديدًا تصاعديًا. ففي هذا التاريخ تصحيحات حقيقية للجمود والإرادوية واستنساخ النموذج السوفيتي، وفيه كذلك انزياحات أضعفت في فترات مختلفة سؤال القيادة الطبقية، وطبيعة الدولة، والعلاقة بين المهمة الوطنية الديمقراطية والتحول الاشتراكي. وقد جمع الحزب، في بعض المراحل، بين لغة شديدة الجذرية وبين خيارات تحالفية قيدت استقلاله؛ وفي مراحل أخرى تبنى ديمقراطية أعمق وحقوقًا أوسع لكنه جعل الصلة بين هذه المكتسبات وبين تغيير علاقات الإنتاج والسلطة أقل مباشرة.
مسودة 2026 تمثل حالة مركبة. فهي تحقق تقدمًا ملحوظًا في التشخيص مقارنة بكثير من الصياغات السابقة: تسمي التحالف الحاكم باعتباره تحالفًا تقوده شرائح من البرجوازية البيروقراطية والطفيلية والكومبرادورية المرتبطة بالمصالح الرأسمالية الخارجية، وتحدد «التناقض الرئيسي» بين غالبية الشعب وبين هذا التحالف ومنظومته وداعميه. كما تربط النيوليبرالية بالريع والتبعية، وتدافع عن الملكية العامة للثروات الاستراتيجية، والقطاع العام، وحقوق العمال، والحق في الإضراب والتنظيم النقابي. هذه عناصر لا يجوز إنكارها أو التعامل معها كزينة لغوية.
لكن قوة التشخيص لا تستكملها المسودة بنظرية انتقال مساوية لها في الوضوح. فالاشتراكية توصف بأنها «هدف استراتيجي بعيد المدى» و«أفق تاريخي»، بينما ينصب البناء التفصيلي على دولة المواطنة المدنية الديمقراطية، وسيادة القانون، والحوكمة والشفافية، والتنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، والشراكة بين القطاعات. هذه مطالب ضرورية، لكن الوثيقة لا توضح بما يكفي ما الذي يجعل تراكمها مسارًا لتجاوز الرأسمالية بدل أن يكون نموذجًا لإصلاح رأسمالية ريعية تابعة وإدارتها بعدالة أكبر. والمفارقة أن برامج 2007 و2012 و2016 و2021 كانت أقل صراحة في تسمية التحالف الطبقي الحاكم، لكنها أفردت في خاتمتها شرحًا أوضح لطريق اشتراكي تراكمي ومتدرج عبر «عدد من المراحل الانتقالية التي يمكن أن تستمر طويلاً».
ومن هنا تقترح الدراسة مفهوم «الفجوة بين التشخيص والاستراتيجية»: أن يعرف البرنامج بصورة أفضل من يحكم، لكن ألا يحول هذه المعرفة بالصرامة نفسها إلى تحديد من يقود التغيير، وما الكتلة الاجتماعية التاريخية القادرة عليه، وما الذي سيتغير في جهاز الدولة والملكية والسيطرة على الفائض والتخطيط، وكيف تشتغل المطالب الديمقراطية والاجتماعية الحاضرة بوصفها حلقات في انتقال أطول. إذا لم يُردم هذا الفراغ، يمكن للغة الطبقية أن تبقى في الديباجة بينما يعمل البرنامج العملي بمنطق يسار ديمقراطي اجتماعي أكثر منه بمنطق برنامج شيوعي انتقالي.
الحكم النهائي للدراسة ليس أن مسودة 2026 «برنامج غير شيوعي»، ولا أنها مجرد استنساخ لبرامج سابقة. بل إنها مشروع قابل للبناء عليه، وفيه استعادة مهمة للتحليل الطبقي، لكنه يحتاج قبل إقراره إلى إعادة وصل ما استعادته الديباجة من ماركسية بما تقوله بقية الوثيقة عن الدولة والاقتصاد والتحالف والاشتراكية. المطلوب ليس العودة إلى صيغ «دكتاتورية البروليتاريا» أو حرق المراحل أو تأميم كل شيء بمرسوم، بل بناء ماركسية-لينينية معاصرة تجعل الديمقراطية والحقوق وسيادة القانون مكاسب لا رجعة عنها، وفي الوقت نفسه تربطها بتغيير مادي متدرج في علاقات القوة والملكية والتوزيع والإنتاج.
يمكن اختزال السلسلة البرنامجية التي تختبرها الدراسة في حلقات مترابطة: يبدأ البرنامج بالتشخيص الطبقي، ثم يحدد التناقض الرئيسي، ثم يعرّف القوى الاجتماعية القادرة على التغيير، ثم يبني تحالفها أو جبهتها، ثم يحدد ما الذي يجب أن يتغير في الدولة والملكية والسيطرة على الفائض، ثم يصوغ برنامجًا انتقاليًا يجعل المطالب اليومية تراكم شروط الانتقال، وينتهي إلى أفق اشتراكي محدد الوظيفة. موضع الفجوة في مسودة 2026 يقع بين قوة الحلقتين الأوليين وضعف الربط التفصيلي بين الجبهة والتحول في الدولة والملكية والبرنامج الانتقالي.
منهج الدراسة وحدودها الأخلاقية والتوثيقية
تنطلق الدراسة من مبدأين متلازمين. الأول أن لا قداسة لوثيقة حزبية، قديمة كانت أم جديدة؛ فالبرنامج أداة تاريخية قابلة للاختبار والتصحيح. والثاني أن لا إدانة مسبقة لوثيقة أو رفيق أو جيل حزبي. لا تُستنتج النيات من النتائج، ولا يُستبدل التحليل بالهجاء. المعيار هو النص والسياق والنتائج التاريخية والعلاقة بين الوسيلة والغاية.
لهذا ترفض الدراسة الهجاء والتهجم والشخصنة والتسقيط والتآمر والتشكيك في النيات. حين تستخدم أوصافًا مثل «إصلاحية» أو «نزعة يمينية» أو «تيسّر» أو «إرادوية» أو «انزياح ديمقراطي اجتماعي»، فإنها تستخدمها بوصفها تصنيفات سياسية-نظرية قابلة للبرهنة، لا شتائم. وبالمثل، حين تسجل أن مؤتمرًا أو وثيقة حققت تقدمًا ديمقراطيًا أو صححت خطأً ماركسيًا، فإنها تفعل ذلك حتى لو بقيت مختلفة مع النتيجة العامة.
تعتمد الدراسة هرمًا للمصادر. في القمة تأتي مسودة 2026 المرفقة كاملة، والبرامج الكاملة المنشورة رسميًا للمؤتمرات الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر. يليها ما تنشره منصات الحزب من وثائق أو مقالات تنقل نصوصًا تاريخية وتقييمات رسمية، ثم شهادات المشاركين والقياديين، ثم المصادر الثانوية. لا تُنسب عبارة تفصيلية إلى برنامج قديم إذا لم يكن النص الأصلي أو نقل موثق له متاحًا. وبصورة خاصة، لا تزال الفجوات الرقمية كبيرة في البرامج الكاملة قبل 2007، ولذلك تميز الدراسة بوضوح بين «النص الأصلي المتاح» و«إعادة البناء من تقييمات لاحقة».
هذه القاعدة ليست احتياطًا شكليًا. فالفرق كبير بين أن يقول برنامج 1976 نفسه عبارة ما، وبين أن تنسب إليه وثيقة تقييم 1985 مضمونًا أو خطأً. كلاهما مهم، لكنهما ليسا النوع نفسه من الدليل. لذلك ستبقى بعض أحكام المراحل المبكرة «أحكامًا بدرجة ثقة متوسطة» إلى أن تتاح نسخ أرشيفية كاملة.
المبحث الأول: 1944-1945 - التحرر الوطني بوصفه برنامجًا طبقيًا
يضع الكونفرنس الأول سنة 1944 والمؤتمر الوطني الأول سنة 1945 نقطة البداية الضرورية. وفق المادة التاريخية المنشورة على موقع الحزب، قدم فهد «قضيتنا الوطنية» و«ميثاق العمل الوطني»، ثم أقر المؤتمر الأول التقرير السياسي والميثاق والنظام الداخلي. كانت المطالب المباشرة: السيادة الوطنية، حكومة ومؤسسات ديمقراطية منتخبة، تنمية الاقتصاد والتصنيع واستثمار الثروات، الحد من الاحتكارات الأجنبية، توزيع الأرض على الفلاحين، الدفاع عن العمال، الضرائب العادلة، التعليم، مساواة المرأة، الحقوق القومية للكرد، والتضامن العربي والدولي.
لا ينبغي قراءة هذه القائمة بعيون 2026 ثم سؤالها لماذا لا تعلن الاشتراكية الفورية. قوتها كانت في شيء آخر: أنها اشتقت المهمات من تحليل ملموس للتبعية الاستعمارية، والعلاقات شبه الإقطاعية، وهيمنة المصالح التجارية المرتبطة بالبضاعة الأجنبية، ونهب الشركات والاحتكارات. ولذلك ظهرت الديمقراطية والسيادة والتنمية والإصلاح الزراعي لا كمطالب أخلاقية منفصلة، بل بوصفها جوانب من تفكيك بنية تاريخية محددة.
الأهم أن فكرة التحالف لم تكن مساوية لجمع أكبر عدد من القوى حول شعار عام. أعيد بناؤها من سؤال: من هي الطبقات والشرائح المتضررة من النظام الملكي المرتبط بالمصالح الاستعمارية؟ بهذا المعنى كان التحالف نتيجة للتحليل الطبقي لا بديلًا عنه. وكانت تقوية الحزب وتقوية الحركة الوطنية عمليتين متلازمتين: الحزب لا يذوب في الجبهة، والجبهة لا تُستبدل بالحزب.
هذه نقطة قياس طويلة المدى. فالبرنامج الوطني الديمقراطي لا يصبح إصلاحيًا لمجرد أنه لا يقفز إلى الاشتراكية. يصبح إصلاحيًا حين تنفصل مطالبه عن نظرية القوة التي تنجزها وعن التغيير البنيوي الذي تفتحه. ومن هذه الزاوية كان ميثاق 1945، رغم حدوده التاريخية ومفرداته، أكثر وضوحًا في وصل الاستقلال الاقتصادي بالاستقلال السياسي من كثير من البرامج التي تحولت لاحقًا إلى قوائم قطاعية موسعة.
لكن لا ينبغي أيضًا تحويل تجربة فهد إلى نموذج فوق تاريخي. العراق آنذاك مجتمع ذو طبقة عاملة صغيرة نسبيًا، ريف واسع وعلاقات ملكية زراعية قاسية، وتبعية استعمارية مباشرة أو شبه مباشرة. أما العراق الراهن فاقتصاد نفطي ريعي، دولة متضخمة، عمل مأجور ورسمي وغير رسمي واسع، قطاعات خدماتية وتكنولوجية، رأسمال تجاري ومالي وعقاري، شبكات عابرة للدولة، وهجرة وشتات. التجديد الماركسي يعني الحفاظ على طريقة التحليل لا نسخ قاموس المرحلة.
المبحث الثاني: 1956 - سلام عادل، الجبهة، وطبيعة المعركة
أصدر الكونفرنس الثاني سنة 1956 وثيقة برنامجية عُرفت بعنوان «في سبيل تحررنا الوطني والقومي». وتظهر المواد التاريخية المنشورة أن الوثيقة أعادت تثبيت أولوية التحرر الوطني وبناء الجبهة، ووصفت المعركة بأنها ذات «طابع سلمي غالب» في لحظة كانت فيها مسألة أساليب النضال محل نقاش داخلي واسع. هذه الصيغة مهمة لأنها تكشف أن الحزب لم يكن يساوي بين الثورية والعنف؛ فقد ظل السؤال هو ما الأسلوب الذي تلده موازين القوى والشروط الملموسة.
في الوقت نفسه، توسعت خبرة الجبهة الوطنية وصولًا إلى جبهة الاتحاد الوطني وثورة 14 تموز 1958. وهنا تظهر قيمة البرنامج حين يتحول إلى قدرة اجتماعية: تحالفات سياسية، نقابات، طلاب، حركة فلاحية، تنظيم نسائي، ونفوذ جماهيري. لم تكن الجبهة ملحقًا انتخابيًا، بل بنية لتجميع قوى متباينة حول استقلال وتحول سياسي واجتماعي محدد.
لكن نجاح الجبهة يزرع دائمًا خطرها الخاص: أن تتحول من أداة صراع إلى بديل عن استقلال الحزب أو إلى ثقة مفرطة بالحليف. هذه المشكلة ستصبح أكثر حدة في السبعينيات. ولذلك لا تتعامل الدراسة مع «الجبهة» كقيمة موجبة أو سالبة بذاتها؛ بل تسأل في كل مرحلة: من يقودها اجتماعيًا؟ ما برنامجها؟ ما حدود التسوية؟ هل يحتفظ الحزب بحريته في تنظيم العمال والكادحين ونقد الحليف؟ وهل توسع الجبهة قدرة القاعدة أم تنقل السياسة إلى تفاوض القيادات؟
المبحث الثالث: 1964-1967 - بين اليمين والتيسّر وإعادة بناء معيار الاستقلال الطبقي
يشكل الكونفرنس الثالث سنة 1967 محطة حاسمة لأن الحزب واجه انحرافين متعاكسين داخل تجربته نفسها. فقد أدان «خط آب» لسنة 1964 بوصفه خطًا يمينيًا، وفي الوقت ذاته أدان الانشقاق والتوجهات المتيسرة المتطرفة. هذه المزدوجة مهمة منهجيًا: الحزب لم يكن أمام خيار ثنائي بين الاعتدال والراديكالية، بل أمام سؤال ماركسي أصعب هو كيف يُبنى خط مستقل لا يستسلم لموازين القوى ولا يتجاهلها.
تشير المواد المنشورة إلى أن الكونفرنس ناقش تقييم سياسة 1956-1967 وأقر مشروع برنامج يرفع إلى المؤتمر الثاني، ودقق أساليب الكفاح، فرفض الانقلاب العسكري وطرح الانتفاضة الشعبية المسلحة المدعومة من القوات المسلحة. لا تتبنى الدراسة هذه الصيغة كقاعدة راهنة؛ قيمتها التاريخية أنها حاولت التمييز بين انقلاب من فوق وفعل جماهيري منظم، وأنها أعادت سؤال من هو فاعل التغيير إلى قلب الاستراتيجية.
لكن هذه المرحلة تكشف أيضًا خطر اللغة الثورية حين تتقدم على تحليل الشروط. إن إدانة اليمين لا تجعل كل تشدد يساري صحيحًا، كما أن نقد التيسّر لا يبرر التسوية غير المشروطة. الدرس الذي سيعود في 2026 هو أن البرنامج يحتاج بوصلة مستقلة: تحديد البنية الطبقية، موازين القوى، أشكال التنظيم، ومراحل الصراع، لا مجرد تحديد درجة ارتفاع الشعار.
المبحث الرابع: 1970-1979 - الجبهة مع البعث وأزمة الاستقلال الطبقي
هذه هي أكثر محطات التاريخ حساسية، ولا يمكن تناولها بهجاء رجعي ولا بتبرير دفاعي. النصوص الكاملة لبرامج 1970 و1976 ليست متاحة رقميًا لدينا بالدرجة نفسها التي تتاح بها برامج ما بعد 2007؛ ولذلك تعتمد الدراسة بصورة رئيسية على وثيقة «تقييم تجربة حزبنا النضالية للسنوات 1968-1979» التي أقرها المؤتمر الرابع سنة 1985، وعلى نقولات لاحقة من وثائق المؤتمر الثالث.
الجوهر الذي يهم الدراسة ليس أن الحزب تحالف مع البعث فقط. التحالفات بين قوى مختلفة ممكنة في السياسة الماركسية. المشكلة هي ما إذا كان التحالف أعاد تعريف طبيعة السلطة والحليف بصورة سمحت بتجاوز تناقضاته الطبقية. تشير التقييمات الحزبية اللاحقة إلى نقد تقديرات بالغت في الطابع التقدمي للسلطة، وإلى صيغ نسبت للجبهة أفقًا استراتيجيًا يتصل ببناء الاشتراكية، وإلى خطأ في تقدير طبيعة البعث الطبقية والأيديولوجية وممارساته.
هنا تظهر واحدة من أهم قواعد هذه الدراسة: يمكن للبرنامج أن يكون شديد الحضور في اللغة الاشتراكية، لكنه يمارس إصلاحية أو تبعية سياسية إذا فقد استقلاله الطبقي أمام سلطة حليفة. والعكس صحيح: يمكن لوثيقة أن تستخدم لغة ديمقراطية هادئة لكنها تفتح إمكانات صراع طبقي أوسع إذا وسعت التنظيم الشعبي والسيطرة الاجتماعية. لذلك لا تُقاس الشيوعية بعدد المرات التي ترد فيها كلمة «اشتراكية».
كان خطأ السبعينيات، في أحد أبعاده، خلطًا بين «التحالف مع قوة تمسك الدولة» وبين «تحول طبيعة الدولة نفسها». الدولة ليست مجموع نوايا الأطراف المشاركة في جبهة سياسية. إنها شبكة أجهزة وقسر وملكية وموارد ومؤسسات ومصالح. حين يحتكر طرف جهاز الدولة والقوات المسلحة والإدارة ويحدد حدود النشاط السياسي، لا تكفي المشاركة في الجبهة لصنع قيادة مشتركة للمجتمع.
هذه الخلاصة شديدة الصلة بمسودة 2026. فحين تقول المسودة إن إنهاء المحاصصة وإقامة أغلبية سياسية يمكن أن يعيدا بناء الدولة، يجب أن نسأل: هل تتغير بذلك البنية التي توزع الريع وتنتج الزبائنية وتمول شبكات القوة؟ تجربة السبعينيات تعلم أن الشكل السياسي للتحالف أو الحكومة لا يساوي طبيعة الدولة الطبقية.
المبحث الخامس: 1985 - النقد الذاتي واستعادة سؤال طبيعة الحليف والدولة
أقر المؤتمر الوطني الرابع في 1985 تقييمًا واسعًا لتجربة 1968-1979. تكمن أهميته في أنه مثال على أن الحزب يمتلك في تاريخه تقليدًا للنقد الذاتي المؤسسي، وإن جاء أحيانًا متأخرًا وبعد كلفة بشرية وتنظيمية هائلة. فالتقييم لم يعالج فقط القمع البعثي، بل أخطاء الحزب في قراءة الحليف والجبهة والسياسة.
القيمة النظرية لهذا التقييم هي استعادة المادية إلى التحالف. لا يكفي أن يحمل الحليف شعارات وطنية أو اجتماعية، ولا أن ينفذ إصلاحات، كي تتغير طبيعته الطبقية أو كي يصبح انتقال الدولة إلى الاشتراكية مضمونًا. البرنامج الجاد يحتاج إلى فحص دائم للتناقض بين الاتفاق التكتيكي والمشروع التاريخي المختلف لكل قوة.
لكن المراجعة في 1985 لم تكن نهاية المشكلة. فقد جرت في سياق حرب وقمع ومنفى وكفاح مسلح، وظلت أجزاء من الفكر الشيوعي العالمي محكومة بنموذج سوفيتي صارم في فهم الاشتراكية والدولة والحزب. لذلك كان نقد أخطاء الجبهة صحيحًا من زاوية، بينما بقيت الحاجة إلى نقد أعمق للنموذج الاشتراكي نفسه مؤجلة حتى أزمة 1989-1991 ومؤتمر 1993.
المبحث السادس: 1993 - الديمقراطية والتجديد: تصحيح ضروري ومفارقة جديدة
لا يمكن دراسة البرنامج المعاصر من دون التعامل الجاد مع المؤتمر الخامس سنة 1993. وصف الحزب نفسه هذه المحطة بأنها «مؤتمر الديمقراطية والتجديد»، وجاءت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وأزمة النموذج الاشتراكي الذي هيمن على الحركة الشيوعية العالمية. وتظهر وثيقة «خيارنا الاشتراكي» وكتابات قياديين أن المراجعة شملت دكتاتورية البروليتاريا كما تجسدت تاريخيًا، ضعف الديمقراطية في التجارب السابقة، الاستنساخ، القوانين العامة الجامدة للبناء الاشتراكي، وعلاقة الحزب بالدولة والمجتمع.
هذا التحول حمل تصحيحًا لا يجوز الرجوع عنه: الديمقراطية ليست زينة برجوازية تُقبل تكتيكيًا ثم تُلغى، والحقوق السياسية وسيادة القانون والتعددية لا يجوز التضحية بها باسم الاشتراكية. التجربة التاريخية برهنت أن تأميم الملكية من دون رقابة شعبية وديمقراطية يمكن أن ينتج بيروقراطية مهيمنة بدل تحرر المنتجين. من هذه الزاوية كان «الديمقراطية والتجديد» ضرورة ماركسية لا تنازلًا ليبراليًا في ذاته.
كذلك كان صحيحًا تجاوز فكرة وجود «قوانين عامة» جاهزة للبناء الاشتراكي تصلح لجميع البلدان، وصحيحًا البحث عن طريق عراقي خاص يأخذ البنية القومية والثقافية والتاريخية في الحسبان. والماركسية التي لا تتعلم من انهيار تجربة تاريخية بهذا الحجم تتحول من منهج نقدي إلى عقيدة تبريرية.
لكن التصحيح أنتج مفارقة جديدة. فكلما تعززت فكرة أن المرحلة الوطنية الديمقراطية ذات استقلال نسبي طويل، وأن الاشتراكية لا تُفرض بقفزة، ظهر خطر أن يصبح هذا الاستقلال انفصالًا. أي أن تتحول الدولة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية من شروط ومساحات لصراع يتجاوز الرأسمالية إلى غاية مكتفية بذاتها، بينما تتراجع الاشتراكية إلى أفق رمزي بعيد لا يعيد تشكيل المطالب الحالية.
هنا تميز الدراسة بين «التجديد» و«الديمقراطية الاجتماعية». التجديد الماركسي يعيد صياغة الطريق إلى تجاوز الرأسمالية في ضوء الديمقراطية والتعددية والبيئة والتكنولوجيا والاقتصاد الحديث. أما الانزياح الديمقراطي الاجتماعي فيكتفي بإدارة الرأسمالية عبر ضرائب وخدمات وقطاع عام وحقوق أفضل، من دون أن يبني مسارًا لتغيير من يسيطر على الفائض والاستثمار والملكية الاستراتيجية. هذا التمييز سيكون معيارًا للمقارنة مع 2007-2026.
يتغير موقع الاشتراكية داخل البنية البرنامجية على نحو نوعي عبر الزمن. في المراحل التأسيسية كانت أفقًا غير فوري لكنه متصل بهوية الحزب الطبقية وبمهمات التحرر الوطني؛ وفي الستينيات والسبعينيات اقترب حضورها من لغة البرنامج والاستراتيجية، مع أن تجربة التحالف أثبتت أن قوة اللفظ الاشتراكي لا تضمن استقلال السياسة. بعد 1993 أعيد تعريف الاشتراكية نقديًا بوصفها خيارًا تاريخيًا لا نموذجًا جاهزًا، ثم صيغت في برامج 2007-2021 كطريق عراقي تراكمي ومتدرج عبر مراحل انتقالية طويلة. أما في مسودة 2026 فتبقى الاشتراكية هدفًا استراتيجيًا بعيد المدى وأفقًا تاريخيًا، لكن شرح الطريق الذي يصل المهمات الراهنة بذلك الأفق يصبح أقل تفصيلًا من البرامج السابقة.
المبحث السابع: 1997-2001 - تثبيت التجديد وتوسيع الديمقراطية
تشير وثيقة «خيارنا الاشتراكي» إلى أن المؤتمرين السادس 1997 والسابع 2001 والكونفرنسات بينهما واصلت مراجعة مرحلة ما بعد الانهيار السوفيتي، وأن السابع شدد على تعميق «الديمقراطية والتجديد» وجعلها ظاهرة ثابتة في حياة الحزب. في هذه الفترة تبلورت هوية أكثر تعددية وأقل ارتباطًا بقالب ماركسي-لينيني مغلق.
ينبغي تسجيل أن هذه العملية ساعدت الحزب على البقاء قوة سياسية بعد انهيار منظومة عالمية كانت مصدرًا ماديًا ورمزيًا كبيرًا للحركة الشيوعية. كما سمحت بتطوير خطاب حقوقي وديمقراطي صار لاحقًا جزءًا ثابتًا من البرنامج.
لكن النصوص المتاحة لا تسمح لنا بإعادة بناء كل تحول برنامجي تفصيلي بين 1993 و2001. ولهذا تمتنع الدراسة عن اختراع تطور خطي. ما يمكن قوله بثقة هو أن مركز الثقل انتقل تدريجيًا من نموذج ثورة تقودها طبقة عاملة ضمن قوانين انتقال محددة سلفًا إلى مشروع وطني ديمقراطي تعددي طويل، مع اشتراكية يعاد تعريفها بوصفها خيارًا تاريخيًا لا نموذجًا جاهزًا.
المبحث الثامن: 2003-2007 - الاحتلال، العملية السياسية، ومشكلة الدولة الجديدة
فتح الغزو والاحتلال الأمريكي سنة 2003 قطيعة تاريخية: انهار جهاز الدولة السابق، وأُعيد بناء النظام السياسي تحت سلطة الاحتلال وبترتيبات تقوم بدرجات مختلفة على التمثيل الإثني-الديني والمحاصصة. موقف الحزب كان مركبًا: رفض الحرب والاحتلال، لكنه قرر المشاركة في مجلس الحكم والعملية السياسية، وقدم ذلك لاحقًا بوصفه حلًا وسطًا وساحة صراع لإزاحة الاحتلال وتوسيع صلاحيات العراقيين وبناء مسار ديمقراطي.
يجب عرض حجة الحزب كما صاغها، لا اختزالها في اتهام «التعاون مع الاحتلال». التقرير السياسي للمؤتمر الثامن يصف مجلس الحكم بأنه حل وسط بين مشروع أمريكي محدود ومطلب حكومة عراقية مؤقتة أوسع صلاحيات، ويؤكد أن الحزب لم يعتبر المشاركة بديلًا عن النضال الشعبي. لكنه يسجل في الوقت نفسه أن صيغة المجلس كرست المحاصصة، وهي الصيغة التي أصبحت لاحقًا محور نقد الحزب نفسه.
المشكلة التي تكشفها المقارنة ليست أخلاقية بل استراتيجية: هل كان الدخول في مؤسسات صممت في ظل الاحتلال وسيلة لتغيير اتجاهها أم ساهم، موضوعيًا، في تطبيع بنية سياسية صار الحزب لاحقًا يطالب بتفكيكها؟ لا يجوز الإجابة بنية المشاركين وحدها؛ يجب النظر إلى النتيجة المؤسسية وموازين القوى. وهنا توجد حاجة إلى نقد ذاتي أعمق لا يساوي بين المسؤوليات، لكنه يشرح لماذا عجزت المشاركة الديمقراطية عن كسر منطق المحاصصة والريع والتبعية.
بعد 2003 ازداد وزن اللغة المؤسسية في البرنامج: الدستور، الانتخابات، دولة القانون، إعادة بناء مؤسسات الدولة، المجتمع المدني، التعددية، والإصلاح الاقتصادي. هذا التطور مفهوم في بلد خرج من دكتاتورية وحرب واحتلال وانهيار مؤسسي. لكنه حمل خطرًا نظريًا: التعامل مع الدولة كما لو كانت جهازًا محايدًا سيصلح إذا حسنت قوانينه وكوادره، بدل تحليل كيف يعيد الريع والنفط والعقود والمحاصصة والشبكات المسلحة والتبعية إنتاج الدولة نفسها.
المبحث التاسع: 2007-2021 - استقرار النموذج البرنامجي للدولة المدنية والاشتراكية بعيدة المدى
من المؤتمر الثامن 2007 فصاعدًا تصبح المقارنة النصية أكثر ثقة لأن البرامج الكاملة متاحة. ويظهر نمط مستقر بصورة لافتة: تعريف الحزب بصفته حزب الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين وسائر شغيلة اليد والفكر؛ الاسترشاد بالفكر الماركسي؛ النضال من أجل الدولة المدنية الديمقراطية؛ دفاع قوي عن الحريات والحقوق والعدالة الاجتماعية؛ اقتصاد مختلط تتعايش فيه الملكيات العامة والخاصة والمختلطة والتعاونية؛ دور تنموي للدولة؛ ثم خاتمة تؤكد الخيار الاشتراكي وطريقًا تراكميًا متدرجًا عبر مراحل انتقالية طويلة وتحالفات سياسية واسعة.
النصوص بين 2007 و2021 في فقرتها الاشتراكية متقاربة جدًا، وأحيانًا شبه متطابقة: التطور الرأسمالي لا يحل الأزمة البنيوية؛ جوهر الاشتراكية إنهاء استغلال الإنسان للإنسان وإشاعة الديمقراطية؛ إنضاج شروطها عملية طويلة؛ الطريق العراقي خاص وتراكمي ومتدرج؛ الوصول يتم عبر عدد من المراحل الانتقالية التي قد تستمر طويلًا؛ والمهمة الراهنة وطنية ديمقراطية في إطار تحالف اجتماعي سياسي واسع.
هذا الاستقرار له وجهان. الوجه الموجب أنه يمنع التقلب الارتجالي ويحافظ على الخيار الاشتراكي بعد مراجعة النموذج السوفيتي. والوجه السلبي المحتمل أن يتحول النص الاشتراكي إلى «خاتمة هووية» ثابتة لا تعيد تشكيل التفاصيل القطاعية. كلما اتسع البرنامج في الصحة والتعليم والسكن والثقافة والاستثمار والكهرباء، بقي السؤال: ما المطلب الانتقالي الذي يغير ميزان القوة والملكية داخل كل قطاع؟
فالقول بدور القطاع العام والقطاع الخاص والتعاوني ليس خطأ بذاته. لكن برنامجًا شيوعيًا يحتاج إلى تمييز: ما القطاعات التي يجب أن تكون ملكية عامة أو اجتماعية بسبب موقعها الاستراتيجي؟ كيف تشارك النقابات والعاملون والمجتمعات المحلية في الرقابة؟ كيف يُدار الفائض النفطي؟ ما دور التخطيط الديمقراطي؟ ما السياسة الائتمانية والمصرفية التي تنقل الاستثمار من المضاربة والتجارة والعقار إلى الإنتاج؟ وكيف تتحول الحقوق الاجتماعية من إنفاق ريعي تابع لأسعار النفط إلى حقوق ممولة ببنية إنتاجية وضريبية مستدامة؟
في هذه الحقبة يصبح «دولة المواطنة» مفهومًا مركزيًا. وهو تقدم مهم في مواجهة دولة الهويات والمحاصصة، لكنه لا يكفي وحده نظريةً للدولة. المواطنة تحدد المساواة القانونية والسياسية، أما الماركسية فتضيف سؤالًا آخر: كيف تتوزع القوة المادية داخل هذه الدولة؟ يمكن للمواطنين أن يكونوا متساوين أمام القانون بينما يكون بعضهم قادرًا عبر الملكية والمال والإعلام والريع على التأثير في القرار أضعاف غيرهم.
مقارنة مباشرة بين البرامج: 2007-2026
في تعريف الحزب يوجد قدر كبير من الاستمرار: برنامج 2007 يقدمه حزبًا للطبقة العاملة والفلاحين وسائر الشغيلة، وتبقى الصيغة مماثلة في 2012 و2016 و2021 ومسودة 2026. وفي المرجعية تحافظ البرامج الخمسة على «الفكر الماركسي»، مع إضافة مسودة 2026 دروس التجارب الاشتراكية والتراث الثوري الاشتراكي. وبذلك لا يقع التحول الرئيسي في الاسم أو التعريف، بل في الوظيفة التي تؤديها هذه المرجعية داخل التشخيص والاستراتيجية.
في توصيف الخصم أو البنية الحاكمة ينتقل الخطاب من الاستبداد والإرهاب و«الرأسمالية الوحشية» في 2007، إلى صيغ قريبة في 2012، ثم إلى المحاصصة والفساد والاستبداد في 2016 و2021، قبل أن تضيف مسودة 2026 تسمية طبقية أوضح: تحالف برجوازي بيروقراطي-طفيلي-كومبرادوري تدعمه مصالح خارجية. وفي مفهوم الدولة يبدأ 2007 بدولة المواطنة والقانون الديمقراطية العصرية، ثم تستخدم 2012 و2016 صيغة الدولة المدنية الديمقراطية، ويؤكد 2021 دولة المواطنة المدنية الديمقراطية، بينما تضيف مسودة 2026 فكرة الأغلبية السياسية إلى البنية نفسها.
اقتصاديًا يحافظ برنامج 2007 على تعدد أشكال الملكية وعلى دور تنموي للدولة، وتبقى هذه البنية في 2012، ثم تصاغ في 2016 بوصفها اقتصادًا مختلطًا ودولة تنموية، ويواصلها 2021 مع تحديثات قطاعية. مسودة 2026 تشدد أكثر على الملكية العامة للقطاعات الاستراتيجية، وقيادة القطاع العام، إلى جانب قطاع خاص وطني منتج. أما الاشتراكية فكانت في 2007 طريقًا خاصًا تراكميًا عبر مراحل انتقالية طويلة، وبقيت الصيغة نفسها تقريبًا في 2012 و2016 و2021؛ في مسودة 2026 تتحول إلى «هدف استراتيجي بعيد المدى» و«أفق تاريخي» من دون فقرة انتقالية مفصلة مماثلة.
وفي مسألة التحالف، ينطلق 2007 من تحالف اجتماعي سياسي واسع، وتستمر الفكرة في 2012 و2016، ثم تتسع في 2021 لمواجهة المحاصصة والفساد، قبل أن تستخدم مسودة 2026 صيغة «جبهة شعبية واسعة» من الطبقات والفئات المتضررة. لذلك تكشف المقارنة أن أبرز تقدم في 2026 يقع في تسمية البنية الطبقية الحاكمة، بينما تبرز الحاجة إلى إعطاء الجبهة والانتقال الاشتراكي تحديدًا استراتيجيًا بمستوى دقة التشخيص نفسه.

المبحث العاشر: مسودة 2026 - عودة التشخيص الطبقي
تبدأ مسودة 2026 من واقع دولي تصفه بتفاقم أزمات الرأسمالية، والتنافس بين القوى الإمبريالية، وعولمة الاستغلال الطبقي، والانتقال نحو تعددية قطبية. ثم تعرّف الحزب حزبًا للطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين وسائر شغيلة اليد والفكر، وتقرر استرشاده بالفكر الماركسي ودروس التجارب الاشتراكية والتراث الثوري الاشتراكي.
التحول الأهم يأتي في توصيف الواقع العراقي. فالمسودة لا تكتفي بـ«منظومة المحاصصة والفساد» بل تقول إن تحالفًا طبقيًا تقوده شرائح البرجوازية البيروقراطية والطفيلية والكومبرادورية المرتبطة بالمصالح الرأسمالية الخارجية تكرست هيمنته بعد 2003، وإن النهج النيوليبرالي والريع المحاصصاتي عمقا التبعية والفوارق. ثم تحدد التناقض الرئيسي بين غالبية أبناء الشعب وبين التحالف الطبقي الحاكم ومنظومته وداعميه. هذه عودة مهمة إلى قلب المنهج الماركسي.
هذه العودة تصحح نقطة ضعف في البرامج السابقة التي ركزت كثيرًا على المحاصصة والفساد والاستبداد من دون تسمية واضحة للبنية الطبقية الحاكمة. وهي تسمح، نظريًا، بالانتقال من سؤال «كيف نصلح الحكومة؟» إلى سؤال «أي تحالف مصالح يعيد إنتاج الحكومة والدولة والاقتصاد؟».
لكن المسودة تقف نصف خطوة قبل استكمال النتيجة. فهي تبني «جبهة شعبية واسعة» من أوسع القوى والطبقات والفئات والشرائح المتضررة، لكنها لا توضح بما يكفي ما القوة الاجتماعية التي تمنح هذه الجبهة اتجاهها الطبقي، وكيف يُحفظ استقلال الحزب داخلها، وما البرنامج المشترك الذي يمنعها من التحول إلى جمع انتخابي متناقض المصالح. إن تسمية الخصم الطبقي من دون تحديد كتلة تاريخية مضادة تترك جانبًا أساسيًا من الاستراتيجية مفتوحًا.
المبحث الحادي عشر: الطبقة العاملة - من «الدور المتقلص» إلى إعادة التركيب الطبقي
تقول المسودة إن سياسات ما بعد 2003 أدت إلى «تقليص دور الطبقة العاملة» بسبب السوق المنفلتة وإضعاف القطاع العام والبطالة والعمل غير المنظم. المقصد مفهوم، لكن الصياغة تحتاج تدقيقًا ماركسيًا. فالطبقة العاملة لا تساوي عمال المصانع الحكومية وحدهم، ولا يختفي وزنها حين تتراجع الصناعة الرسمية. قد تتشظى وتتغير مواقعها وتصبح أقل تنظيمًا، بينما يتسع العمل المأجور في الخدمات والنقل واللوجستيات والبناء والاتصالات والتعليم الأهلي والصحة الخاصة والمنصات الرقمية والعمل المؤقت وغير الرسمي.
الأدق إذن الحديث عن «إعادة تركيب الطبقة العاملة وتفكيك مؤسساتها التنظيمية» لا عن مجرد تقلصها. هذا الفرق ليس لغويًا. إذا اعتبر الحزب الطبقة قد تقلصت، قد ينتقل تلقائيًا إلى البحث عن جمهور بديل. أما إذا فهم أن علاقات العمل المأجور توسعت بأشكال جديدة، فمهمته تصبح إعادة اكتشاف العامل المعاصر وتنظيمه خارج صورة المصنع الكلاسيكي.
برنامج 2026 يدافع بحق عن النقابات والإضراب والضمان الاجتماعي والعاملين في القطاع غير المنظم. المطلوب إضافة تصور لتمثيل العمال في إدارة المؤسسات الاقتصادية، والمفاوضة الجماعية القطاعية، وحقوق العاملين على المنصات، والعمالة المؤقتة والمهاجرة، وتكوين مجالس أو أشكال رقابة في المؤسسات العامة الكبرى. عندها يصبح ذكر الطبقة العاملة بنيةً في البرنامج لا تعريفًا في مقدمته.
المبحث الثاني عشر: الدولة والمحاصصة - هل تكفي دولة المواطنة؟
تجعل المسودة التغيير الوطني الديمقراطي مدخلًا لتفكيك المحاصصة وإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة وسيادة القانون، وتدعو إلى الأغلبية السياسية في تشكيل الحكومات. هذه مطالب مفهومة في مواجهة نظام حصص مغلق. لكن التجربة العراقية تفرض سؤالًا أشد: هل المحاصصة مجرد قاعدة لتوزيع المناصب، أم أنها شكل سياسي لبنية أعمق تتوزع فيها موارد الريع والعقود والوظائف والسلاح والحماية وشبكات الأعمال؟
إذا كانت الثانية صحيحة، فإن الانتقال من «التوافق المكوناتي» إلى «الأغلبية السياسية» قد يغير هندسة الحكومة من دون أن يغير اقتصاد السلطة. يمكن لأغلبية واحدة أن تحتكر الريع والوظائف بدل عدة كتل. ولذلك يجب ربط الأغلبية السياسية بتعددية حقيقية، وحقوق المعارضة، واستقلال القضاء، وشفافية التمويل، وفصل الأحزاب عن موارد الدولة، وتغيير البنية التي تجعل الوظيفة والعقد والأرض العامة أدوات ولاء.
الدولة في التحليل الماركسي ليست جهازًا شريرًا دائمًا ولا آلة محايدة دائمًا. هي تكثيف لعلاقات القوى الاجتماعية، وفي الوقت نفسه تمتلك مؤسسات وقواعد يمكن للصراع الديمقراطي أن يغيرها. التجديد المطلوب ليس تكرار شعار «تحطيم الدولة» ولا اختزالها إلى إدارة جيدة؛ بل بناء نظرية انتقالية للدولة: توسيع الديمقراطية السياسية مع نقل مواقع القرار الاقتصادي والاجتماعي إلى المنتجين والمجتمعات والمؤسسات الرقابية المنتخبة.
يمكن تلخيص تحول مفهوم الدولة في خطين كانا منفصلين ثم بدأا يلتقيان. في المراحل الأولى ظهرت الدولة ضمن بنية التبعية والعلاقات الطبقية وشبه الإقطاع، مع مطلب الديمقراطية والتحرر؛ وبعد 1993 تعزز فهم الدولة بوصفها فضاءً للتعددية والحقوق وسيادة القانون؛ وفي 2007-2021 ترسخت صيغة الدولة المدنية الديمقراطية ودولة المواطنة. مسودة 2026 تحاول جمع هذا المستوى المؤسسي مع عودة تشخيص التحالف الطبقي الحاكم. الحلقة التي ما تزال تحتاج إلى بناء أوضح هي كيف تتحول دولة المواطنة، عبر الديمقراطية الاقتصادية والرقابة الاجتماعية وتغيير اقتصاد الريع والملكية والتمويل، من شكل مؤسسي أفضل إلى مسار يغير علاقات القوة نفسها.
المبحث الثالث عشر: الاقتصاد - بين القطاع العام والملكية الاجتماعية
يُحسب لمسودة 2026 دفاعها الصريح عن الملكية العامة للنفط والغاز والثروات المعدنية، ورفض خصخصة الأصول والبنى التحتية والخدمات الأساسية، وإعادة بناء القطاع العام وتمكينه من قيادة التنمية. كما تنتقد وصفات المؤسسات المالية الدولية والسياسات النيوليبرالية. هذه نقاط ذات مضمون طبقي واضح.
لكن «القطاع العام» لا يساوي تلقائيًا «الملكية الاجتماعية». مؤسسة تملكها الدولة يمكن أن تكون بيروقراطية، زبائنية، أو تعمل لمصلحة شبكة سياسية. لذلك يحتاج البرنامج إلى سؤال من يدير القطاع العام ومن يراقبه وكيف تُتخذ قرارات الاستثمار والتسعير والتوظيف. إن إشراك العمال والخبراء والمستهلكين والهيئات المنتخبة في الرقابة جزء من تحويل الملكية القانونية إلى ملكية اجتماعية فعلية.
كذلك تحتاج عبارة «التكامل بين القطاع العام والخاص الوطني المنتج والتعاوني» إلى معيار سياسي. ما هو «الخاص الوطني المنتج»؟ ليس كل رأسمال محلي وطنيًا بالمعنى التنموي؛ فقد يرتبط بالاستيراد والعقار والعقود الريعية وتصدير الأموال. ينبغي أن يميز البرنامج بين رأسمال منتج يضيف معرفة وقيمة وعملًا ويخضع لحقوق العمال والضرائب، وبين رأسمال ريعي-تجاري-احتكاري يعيش من الدولة أو المضاربة.
والغياب الأكثر وضوحًا هو التخطيط الديمقراطي للانتقال الاقتصادي. المسودة تتحدث عن سياسات واستراتيجيات قطاعية، لكنها لا تجمعها في إطار يحدد حصة الاستثمار العام، دور المصارف العامة، السياسة الائتمانية، تصنيع النفط والغاز بدل تصديرهما خامًا، الأمن الغذائي والمائي، سياسات المشتريات الحكومية، ونقل التكنولوجيا. هذه ليست تفاصيل تكنوقراطية؛ إنها أدوات لتحويل الفائض النفطي من مورد لتوزيع الولاءات إلى قدرة إنتاجية اجتماعية.
المبحث الرابع عشر: العدالة الاجتماعية - من إعادة التوزيع إلى علاقات الإنتاج
تتضمن المسودة برنامجًا اجتماعيًا واسعًا: أجور وضرائب وحماية اجتماعية، صحة وتعليم وسكن، حقوق المرأة والطفل والشباب، ذوو الإعاقة، الثقافة والإنترنت. هذه ليست «إصلاحات صغيرة» وينبغي الدفاع عنها. فالتعليم والصحة والسكن المجاني أو الميسر يغيران ماديًا قدرة العامل على رفض الاستغلال، ويقللان تبعيته للسوق والأسرة والزبائنية.
لكن العدالة الاجتماعية في برنامج شيوعي لا تختزل بإعادة توزيع الدخل بعد إنتاجه. السؤال هو أيضًا كيف يُنتج الدخل، ومن يقرر الاستثمار، ومن يملك الأرض والمصرف والمصنع والمنصة والشبكة. حين يُترك هذا المستوى كما هو ثم تُعاد الضرائب والخدمات، يبقى البرنامج داخل أفق دولة رفاه رأسمالية. وحين تُربط الخدمات بحقوق العمل، والملكية العامة، والتعاونيات، والتخطيط، والديمقراطية الاقتصادية، تصبح الإصلاحات نفسها «مطالب انتقالية» تغير ميزان القوة.
لهذا لا تقترح الدراسة استبدال «العدالة الاجتماعية» بـ«الثورة» لفظيًا. تقترح جعل العدالة الاجتماعية مادية: حق اجتماعي غير سلعي، تمويل ضريبي وريعي عادل، قدرة تنظيمية للمنتجين، ومؤسسات عامة ديمقراطية. هكذا يصبح الانتقال الاشتراكي حاضرًا داخل طريقة تصميم سياسة الصحة والسكن والمياه، لا فصلًا مؤجلًا في خاتمة البرنامج.
المبحث الخامس عشر: الجبهة الشعبية - التحالف الواسع بلا ذوبان طبقي
تعيد مسودة 2026 طرح «جبهة شعبية واسعة» تضم أوسع اصطفاف للقوى والطبقات والفئات والشرائح المتضررة من المحاصصة والفساد والنهج الليبرالي التابع. الفكرة من حيث المبدأ تتصل بأفضل تقاليد الحزب: التغيير الجذري في مجتمع معقد لا تنجزه منظمة واحدة، والتحالف ضرورة.
لكن تاريخ الحزب، وبخاصة تجربة السبعينيات، يجعل شرط الاستقلال الطبقي غير قابل للتهميش. الجبهة ليست حكومة مصغرة ولا سوقًا للشعارات. إنها عقد سياسي علني حول أهداف محددة وآليات قرار وضمان حق كل قوة في تنظيم قاعدتها ونقد الحلفاء. وينبغي أن تُبنى من مواقع العمل والنقابات والحركات الاجتماعية والجامعات والأحياء، لا أن تبدأ وتنتهي بتوقيع القيادات.
كما يجب التمييز بين «أوسع جبهة ممكنة» و«أوسع جبهة مفيدة للمهمة». قد تكون قوة ما متضررة من منافس داخل منظومة المحاصصة لكنها ليست متضررة من النظام الريعي أو استغلال العمل؛ وقد تعارض الفساد حين لا تستفيد منه ثم تعود إليه حين تتغير حصتها. لذلك لا يكفي معيار «الضرر»؛ يجب وجود حد أدنى برنامجي حول الديمقراطية والسيادة والحقوق الاجتماعية والاقتصاد المنتج والملكية العامة الاستراتيجية وحرية التنظيم.
من دون هذا التحديد، يمكن للجبهة أن تعيد إنتاج خطأين متعاكسين: الذوبان في تحالفات نخبوية، أو الانعزال الطهراني. المطلوب جبهة فعل تحفظ استقلال القوى وتراكم قدرة الناس. وهي بالضبط الحلقة التي تنقل تشخيص التحالف الطبقي الحاكم إلى كتلة اجتماعية مضادة قادرة على تغيير ميزان القوى.
المبحث السادس عشر: السيادة - من الاستقلال الرسمي إلى السيادة المادية
تتقدم مسودة 2026 على برامج سابقة حين تذكر أن استعادة السيادة الرسمية لا تعني اكتمال السيادة الوطنية، وتشير إلى التدخلات الخارجية والوجود العسكري الأجنبي والعقود المجحفة على الموارد. هذا تشخيص ضروري في بلد تتداخل فيه القوى الإقليمية والدولية مع الاقتصاد والأمن والسياسة.
لكن مفهوم السيادة يحتاج توسعة مادية. الدولة قد لا تستضيف قوات أجنبية ومع ذلك تكون سياستها الاقتصادية مقيدة بالدينار والدولار، وبالاعتماد على الاستيراد، وبالدواء والغذاء والتكنولوجيا الأجنبية، وبعقود الطاقة، وبمنظومات البيانات والحوسبة. لذلك ينبغي الحديث عن سيادة مالية ومصرفية، غذائية ومائية، طاقية، رقمية، دوائية، وتقنية، لا بوصفها اكتفاءً ذاتيًا قوميًا بل قدرة على اتخاذ القرار وتقليل مواطن الابتزاز.
السيادة بهذا المعنى ليست نقيض الأممية. الأممية تبدأ من شعوب قادرة على التعاون بحرية لا من دول تابعة تتبادل التبعية بين مراكز القوة. ولهذا يجب أن يكون الموقف من «التعددية القطبية» نقديًا: انتقال النظام الدولي من قطب مهيمن إلى عدة أقطاب لا يلغي الرأسمالية أو الإمبريالية تلقائيًا. قد يوسع هامش الحركة للدول الصغيرة، لكنه قد يزيد أيضًا التنافس على الموارد والأسواق والممرات.
المبحث السابع عشر: الأممية وفلسطين والتعددية القطبية
تستخدم المسودة مفردات الإمبريالية والاستعمار الجديد والهيمنة، وتدعو إلى علاقات دولية أكثر عدالة وإصلاح الأمم المتحدة ونزع السلاح، وتتضامن مع القوى الشيوعية واليسارية والتقدمية. هذه استمرارية أممية مهمة.
لكن عبارة «الانتقال نحو التعددية القطبية» تحتاج إلى نزع أي إيحاء تقدمي آلي عنها. الماركسي لا يبدل قطبًا بقطب ولا يقيس التقدم بجغرافية الدولة. الصين وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرها تُدرس من خلال علاقات الإنتاج والمصالح والسياسات الملموسة، مع الاعتراف بالفروق الكبيرة بينها، لا عبر تقسيم العالم أخلاقيًا إلى معسكر خير ومعسكر شر.
في فلسطين، تؤكد المسودة حق تقرير المصير والدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية وحق العودة ورفض الاستيطان والتهجير. هذه مطالب مشروعة. غير أن اتساق القسم مع التحليل المناهض للاستعمار يقتضي أيضًا فهم الصهيونية والاستيطان والإحلال كمنظومة استعمار استيطاني وعلاقة قوة مادية، لا حصر القضية في إدارة نزاع دبلوماسي. هذا لا يفرض على البرنامج وصفة واحدة للتسوية، لكنه يفرض دقة في تشخيص طبيعة الاضطهاد.
المبحث الثامن عشر: الماركسية أم الماركسية-اللينينية؟
منذ منعطف 1993 أصبحت الصيغة الرسمية «يسترشد بالفكر الماركسي» بدل تثبيت «الماركسية-اللينينية» كمرجعية مغلقة. لا ينبغي اختزال القضية في إضافة كلمة «لينين» أو حذفها. السؤال هو ما العناصر النظرية التي تختفي أو تبقى في ممارسة البرنامج.
يمكن لبرنامج أن يكتب «ماركسي-لينيني» عشر مرات ويكون غير لينيني إذا لم يدرس الإمبريالية والدولة والتنظيم والقيادة والتحالف والاستراتيجية. ويمكن لبرنامج لا يستخدم التسمية أن يطبق منهجًا لينينيًا حيًا إذا حلل الرأسمالية في مرحلتها الملموسة، وبنى تنظيمًا ديمقراطيًا قادرًا على تحويل الوعي إلى قوة، وربط المهمة المباشرة بالأفق الاستراتيجي.
مع ذلك، ترى هذه الدراسة أن التخلي عن التسمية صاحب تاريخيًا تراجعًا في حضور بعض الأسئلة اللينينية، ولا سيما سؤال السلطة والانتقال والدولة والقيادة الطبقية، حتى وإن كان ذلك التراجع قد ارتبط أيضًا بتصحيح ضروري لسلطوية التجارب التي ادعت اللينينية. لذلك تقترح استعادة اللينينية نقديًا لا شعائريًا: لينين بوصفه نظرية في التحليل الملموس والتنظيم والاستراتيجية والإمبريالية، لا بوصفه ترخيصًا للمركزية البيروقراطية أو الحزب الواحد.
المبحث التاسع عشر: اختبار الاسم المحذوف - هل يظل البرنامج شيوعيًا؟
تقترح الدراسة اختبارًا قاسيًا لكنه مفيد: لو حُذف اسم «الحزب الشيوعي العراقي» من أعلى مسودة 2026، فما الذي يدل من داخل بنية الوثيقة نفسها على أنها برنامج حزب شيوعي؟ الجواب ليس «لا شيء». توجد إشارات قوية: تشخيص التحالف الكومبرادوري-الطفيلي، التناقض الرئيسي، نقد النيوليبرالية، الملكية العامة للثروات، القطاع العام، حقوق العمال والإضراب، رفض الخصخصة، والاشتراكية أفقًا.
لكن أجزاء واسعة من البرنامج يمكن أن تتبناها حركة ديمقراطية اجتماعية راديكالية: المواطنة، سيادة القانون، استقلال القضاء، مكافحة الفساد، الحوكمة، التعليم، الصحة، البيئة، الشباب، تمكين المرأة، التنمية المستدامة، اقتصاد مختلط. هذه ليست مشكلة لأنها «ليبرالية»، بل لأن خصوصية البرنامج الشيوعي يجب أن تظهر في كيفية ربط هذه المطالب ببنية الملكية والسلطة والتنظيم الطبقي.
المعيار إذن ليس أن نطرد القضايا الديمقراطية من البرنامج كي يبدو أكثر شيوعية. العكس: نجعلها أكثر جذرية ماديًا. حرية التعبير تصبح أيضًا حرية العامل في التنظيم من دون ابتزاز رب العمل؛ المواطنة تصبح مساواة في القدرة على التأثير لا في البطاقة القانونية فقط؛ السكن يصبح حقًا يحد من المضاربة على الأرض؛ الصحة تصبح قطاعًا عامًا غير مسلع؛ والبيئة تصبح صراعًا على من يتحمل كلفة التحول الطاقي.
المبحث العشرون: الاستمرار والانقطاع - ماذا أضيف وماذا اختفى؟
يكشف التتبع الطويل أن بعض المفاهيم لم تختف بل تغيرت وظيفتها. «الديمقراطية» كانت في 1945 سلاحًا للتحرر الوطني ضد التبعية والنظام شبه الإقطاعي، ثم أصبحت بعد 1993 قيمة مؤسسية في ذاتها، وهو تقدم، لكنها احتاجت إلى إعادة ربطها بالديمقراطية الاقتصادية. «الجبهة» انتقلت من تحالف وطني ضد الاستعمار، إلى جبهة مع سلطة البعث كادت تبتلع استقلال الحزب، ثم إلى تحالفات مدنية وانتخابية، والآن إلى «جبهة شعبية واسعة».
«الاشتراكية» تحركت في الاتجاه المعاكس تقريبًا: من أفق غير فوري لكن مرتبط بهوية الحزب والطبقة، إلى حضور أكثر مباشرة في لغة الستينيات والسبعينيات، ثم إلى مراجعة نقدية بعد 1993، ثم إلى طريق طويل متعدد المراحل في 2007-2021، ثم إلى «هدف بعيد» و«أفق تاريخي» مختصر في 2026. لا يعني هذا أن قرب الكلمة من المتن يساوي جودة السياسة؛ لكنه يبين الحاجة إلى إعادة تعريف وظيفة الأفق.
«الطبقة العاملة» بقيت في تعريف الحزب، لكن بنيتها الواقعية تغيرت أكثر مما تغير تعريفها. و«الإمبريالية» حضرت بقوة في البدايات وعادت بوضوح في 2026، بينما طغت في بعض برامج ما بعد 2003 لغة العلاقات الدولية والاحتلال والسيادة. و«الدولة» انتقلت من جهاز مرتبط بالتبعية والطبقات إلى هدف مؤسسي ديمقراطي، ثم تحاول 2026 الجمع بين التشخيصين.
المشكلة التاريخية، إذن، ليست فقدان كل المفردات الماركسية؛ بل انفصال بعض المفردات عن وظائفها. التحدي أمام المؤتمر الثاني عشر هو إعادة وصلها: طبقة بلا اقتصاد سياسي لا تكفي؛ اشتراكية بلا برنامج انتقالي لا تكفي؛ مواطنة بلا تحليل للقوة لا تكفي؛ وجبهة بلا استقلال طبقي لا تكفي.
التحولات المفهومية عبر المراحل
في المرجعية، كانت الماركسية واللينينية حاضرتين عمليًا في التأسيس حتى 1985، ثم جاءت مرحلة 1993-2001 لتراجع النموذج وترفض الاستنساخ، قبل أن تستقر الصيغة الرسمية في 2007-2021 على «الفكر الماركسي»، وتضيف مسودة 2026 إليه دروس التجارب والتراث الثوري الاشتراكي. وفي موقع الطبقة العاملة، كانت فاعلًا مركزيًا داخل تحالف وطني في المرحلة الأولى؛ وبعد 1993 بقي الاسم مع توسع الهوية الاجتماعية للحزب؛ وفي 2007-2021 ظل حضورها قويًا في التعريف وأكثر قطاعية في المتن؛ أما 2026 فتجمع بين تعريف الحزب بها وتشخيص طبقي للسلطة، لكنها تحتاج إلى تحديث تصور تركيب الطبقة العاملة المعاصرة.
في مفهوم الدولة، انتقلت القراءة من دولة مرتبطة بالتبعية والبنية شبه الإقطاعية مع مطلب الديمقراطية، إلى دولة التعددية وسيادة القانون بعد 1993، ثم إلى الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية ودولة المواطنة في 2007-2021، وتحاول مسودة 2026 وصل دولة المواطنة بتشخيص التحالف الطبقي الحاكم. وفي مفهوم الجبهة، تحولت من تحالف وطني مشتق من المصالح الطبقية، إلى تحالف ديمقراطي واسع، ثم إلى تحالف اجتماعي سياسي واسع، وصولًا إلى «جبهة شعبية واسعة» في 2026، مع بقاء سؤال القيادة والبرنامج والاستقلال الطبقي مفتوحًا.
أما الاشتراكية فانتقلت من أفق غير فوري داخل هوية طبقية، إلى إعادة تعريف بعد أزمة النموذج، ثم إلى مراحل انتقالية طويلة ومتدرجة في 2007-2021، قبل أن تصبح في 2026 هدفًا استراتيجيًا بعيدًا وأفقًا تاريخيًا. وبالموازاة، كانت الإمبريالية والتبعية مركز التحليل في المراحل الأولى، ثم تغيرت المفردات بعد 1993 مع بقاء سؤال السيادة، وظهرت في برامج ما بعد 2003 عبر العولمة والاحتلال والتبعية، ثم عادت الإمبريالية والكومبرادورية بوضوح في 2026. واقتصاديًا يتحرك الخط من التصنيع والإصلاح الزراعي ومواجهة الاحتكارات، إلى اقتصاد وطني متعدد الملكيات، ثم اقتصاد مختلط ودور للدولة والقطاع العام، وصولًا في 2026 إلى ملكية عامة استراتيجية وقطاع عام وقطاع خاص منتج، مع نقص واضح في صياغة التخطيط الديمقراطي.
المسار التاريخي المركب
في 1945 كانت المشكلة المركزية هي التبعية الاستعمارية والعلاقات شبه الإقطاعية، وكانت المهمة هي التحرر الوطني والديمقراطية والتنمية. القوة الاجتماعية المقصودة ضمت العمال والفلاحين والقوى الوطنية المتضررة، والتحالف الوطني اشتُق من تحليل مصالح هذه القوى؛ أما الاشتراكية فكانت بعيدة وغير فورية، مع بقاء الهوية الطبقية واضحة.
في 1956 ظل الاستعمار والنظام الملكي-الإقطاعي مركز المشكلة، وصيغت المهمة في التحرر الوطني والقومي وبناء الجبهة. كان الحزب والحركة الوطنية المنظمة هما قاعدة الفعل، وتبلورت جبهة الاتحاد الوطني مع ميل غالب إلى الأساليب السلمية؛ وظلت صلة الاشتراكية مرتبطة بتقدم المرحلة الوطنية لا بقفزة خارج شروطها.
في 1967 ظهرت المشكلة بصيغة مزدوجة: نقد خط يميني استسلامي من جهة ونقد التيسّر من جهة أخرى. أصبحت المهمة استعادة استقلال خط الحزب وبناء تغيير شعبي، والقوة الاجتماعية هي الجماهير المنظمة لا الانقلاب من فوق، والتحالف مشروط بالحفاظ على الاستقلال؛ وفي هذا السياق حضر الأفق الاشتراكي بقوة داخل تصور الثورة الوطنية الديمقراطية.
في 1970-1979 تمحور التناقض حول الدولة والتحالف مع البعث. رُفعت مهمة الجبهة والتقدم الوطني، لكن استقلال القوة الطبقية للحزب تعرض للضغط داخل الجبهة الوطنية التقدمية. كانت الاشتراكية قوية في اللغة، إلا أن تقدير الطريق إليها عبر الحليف حمل خطأً في قراءة طبيعة الدولة والحليف وعلاقة المشاركة بالسلطة الفعلية.
في 1985 تحولت المراجعة إلى نقد تجربة الجبهة والقمع، وأصبحت المهمة استعادة استقلال الحزب والكفاح ضد الدكتاتورية ضمن تحالفات تعيد فحص تجربة الماضي. عادت الاشتراكية نقديًا، لكن ذلك جرى في وقت كان فيه النموذج الاشتراكي العالمي نفسه يدخل أزمة متصاعدة.
في 1993-2001 اجتمع الاستبداد الداخلي مع أزمة النموذج الاشتراكي العالمي، فصارت المهمة الديمقراطية والتجديد والتعددية. توسع تصور القوة الاجتماعية إلى تحالف ديمقراطي واسع، وصارت التعددية والانتقال السلمي جزءًا من الطريق؛ وأعيد تعريف الاشتراكية بوصفها خيارًا تاريخيًا لا نموذجًا جاهزًا.
في 2007-2021 انتقل مركز المشكلة إلى المحاصصة والاستبداد والفساد والاحتلال ثم التبعية، وصيغت المهمة في دولة مدنية ديمقراطية وعدالة اجتماعية. أصبح التحالف الاجتماعي السياسي الواسع أداة العمل عبر المؤسسات والانتخابات والعمل الجماهيري، بينما وُصفت الاشتراكية كطريق تراكمي يمر بمراحل انتقالية طويلة.
في مسودة 2026 يُسمى الخصم بوضوح أكبر بوصفه تحالفًا برجوازيًا بيروقراطيًا-طفيليًا-كومبرادوريًا، وتصبح المهمة تغييرًا وطنيًا ديمقراطيًا شاملًا. تُطرح جبهة شعبية واسعة من المتضررين من المنظومة، لكن القيادة الاجتماعية لهذه الجبهة لا تزال غير محددة بما يكفي؛ وفي الوقت نفسه تبقى الاشتراكية هدفًا بعيدًا وأفقًا تاريخيًا، بينما يصبح شرح الطريق إليها أقل تفصيلًا.

المبحث الحادي والعشرون: الحكم التاريخي على مسودة 2026
بعد المقارنة، يمكن إصدار حكم أكثر دقة من وصف المسودة بأنها «إصلاحية» بإطلاق أو «ماركسية متجددة» بإطلاق. إنها تحتوي اتجاهين متعايشين. الاتجاه الأول يعيد الاقتصاد السياسي والصراع الطبقي إلى قلب التشخيص، وهو تطور إيجابي حقيقي. الاتجاه الثاني يبقي معظم بنية البديل ضمن قاموس الدولة المدنية والتنمية والعدالة والحوكمة، ويجعل الاشتراكية بعيدة وغير تشغيلية بما يكفي.
إذا أُقرت المسودة من دون معالجة هذا التفاوت، فسيبقى الحزب قادرًا على القول من يحكم بصورة أكثر ماركسية، لكنه قد يستمر في ممارسة برنامج يومي لا يختلف جذريًا عن يسار ديمقراطي اجتماعي راديكالي. وهذه ليست إدانة للديمقراطية الاجتماعية أخلاقيًا؛ إنها مسألة هوية ووظيفة. الحزب الشيوعي مطالب بأكثر من إدارة أفضل للرأسمالية: عليه أن يبين كيف تبني إصلاحاته شروط تجاوز علاقات الاستغلال نفسها.
أما إذا استُكملت المسودة بتحديد الكتلة الطبقية القائدة، والديمقراطية الاقتصادية، والملكية الاجتماعية، والتخطيط الديمقراطي، والسيطرة الاجتماعية على الفائض النفطي والمالي، واستراتيجية انتقال تربط المطالب اليومية بالأفق، فإن عودتها إلى التشخيص الطبقي يمكن أن تكون بداية تجديد أعمق من مجرد العودة إلى مصطلحات قديمة.
بعبارة مباشرة: المشكلة ليست أن المسودة «قليلة الشيوعية في اللغة»؛ المشكلة أن بعض أكثر عناصرها شيوعية موجودة في التشخيص أكثر مما هي موجودة في هندسة البديل. هذا هو موضع الإصلاح الحقيقي قبل المؤتمر.
ما الذي ينبغي تثبيته وما الذي ينبغي تعميقه؟
أول ما ينبغي تثبيته هو عودة الاقتصاد السياسي إلى التشخيص: تسمية التحالف الكومبرادوري-الطفيلي-البيروقراطي وتحديد التناقض الرئيسي تمثلان تقدمًا حقيقيًا، وينبغي توسيعهما إلى تحليل الرأسمال المالي والعقاري والتجاري وشبكات الدولة. وينبغي كذلك تثبيت توسيع مفهوم السيادة إلى ما بعد الشكل الرسمي؛ فالمسودة تميز التدخلات والوجود العسكري والعقود المجحفة، لكن المطلوب أن يشمل التحليل السيادة المالية والغذائية والرقمية والدوائية وسيادة الطاقة.
وفي الاقتصاد، يجب الحفاظ على رفض الخصخصة وحماية الأصول الاستراتيجية وإعادة بناء القطاع العام، مع تعميق الفكرة بحيث تتحول الملكية العامة القانونية إلى ملكية اجتماعية فعلية عبر رقابة العاملين والمجتمع والتخطيط الديمقراطي. وفي حقوق العمال، يجب تثبيت النقابات وحق الإضراب والضمان الاجتماعي والاعتراف بالعاملين في القطاع غير المنظم، ثم إضافة إعادة تعريف الطبقة العاملة المعاصرة وتمثيل العمال في الإدارة وتوسيع المفاوضة الجماعية.
أما الجبهة الشعبية فينبغي تثبيت انتقالها من تحالف سياسي عام إلى صيغة شعبية أوضح، لكن لا بد من تحديد القوة القائدة والحد الأدنى البرنامجي وآليات القاعدة وضمان الاستقلال الطبقي. وينطبق الأمر نفسه على الدولة المدنية: يجب تثبيت الحقوق والقضاء والقانون والانتخابات، مع ربط هذه البنية المؤسسية بالأساس الطبقي للريع والملكية والتمويل والسلاح. وأخيرًا، لا يكفي الحفاظ على الاشتراكية بوصفها أفقًا؛ المطلوب تحويل هذا الأفق من «بعيد» إلى أفق تشغيلي عبر برنامج انتقالي ومطالب تغير ميزان القوة وتربط الحاضر بإمكان تجاوز الرأسمالية.

الخاتمة: من استعادة الاسم إلى استعادة الوظيفة التاريخية
ثمانون عامًا من البرامج لا تقدم خطًا مستقيمًا. فيها بطولة وتضحية، وفيها أخطاء يمينية ويسارية، وفيها تحالفات فتحت إمكانات وأخرى قيدت الحزب، وفيها تجديدات ديمقراطية كان لا بد منها، وفيها كذلك ابتعاد تدريجي عن بعض الأسئلة التي تجعل الحزب الشيوعي أكثر من حزب إصلاح اجتماعي.
الدرس الأول من 1945 ليس العودة إلى ميثاق فهد حرفيًا، بل العودة إلى قدرته على وصل السيادة بالديمقراطية والاقتصاد والطبقات والتنظيم. والدرس من السبعينيات ليس تحريم التحالف، بل منع التحالف من إلغاء استقلال الحزب ومن إعادة تسمية طبيعة الدولة وفق الرغبة. والدرس من 1993 ليس رفض التجديد، بل تحويله من قطيعة مع الجمود إلى إعادة تأسيس نظرية اشتراكية ديمقراطية معاصرة. والدرس من 2007-2021 ليس حذف الدولة المدنية، بل منعها من أن تكون السقف الأخير للبرنامج.
مسودة 2026 تفتح نافذة مهمة لأنها تعيد تسمية التحالف الطبقي الحاكم والتناقض الرئيسي. لكن المؤتمر الثاني عشر سيكون أمام اختبار أكبر: هل يحول هذا التشخيص إلى استراتيجية طبقية ديمقراطية معاصرة، أم يبقى التشخيص في المقدمة بينما تستمر بقية الوثيقة بمنطق مألوف؟
لا تحتاج الشيوعية العراقية إلى قسوة لغوية كي تثبت هويتها، ولا إلى شخصنة خصومها أو تاريخها. تحتاج إلى دقة: من يعمل، من يملك، من يربح، من يدفع الكلفة، من يحكم، ما الذي يمكن إصلاحه داخل البنية، وما الذي لا يتغير من دون نقل القوة والملكية والقرار. وحين تجيب عن هذه الأسئلة في برنامج مفهوم وقابل للعمل والمراجعة، تصبح الماركسية-اللينينية منهجًا حيًا لا شعارًا، وتصبح الاشتراكية أفقًا يعمل في الحاضر لا وعدًا مؤجلًا.
وبهذا تنتهي وظيفة الدراسة الأولى. فهي لا تقدم بعد الصياغات البديلة مادةً بمادة؛ تلك هي مهمة الدراسة الثانية. لكنها تحدد معيارها: كل تعديل مقترح ينبغي أن يردم الفجوة بين التشخيص الطبقي والاستراتيجية، وأن يحفظ المكاسب الديمقراطية، وأن يبني انتقالًا ماديًا قابلًا للقياس من دولة الريع والمحاصصة والتبعية إلى دولة ديمقراطية اجتماعية في مؤسساتها، ومتقدمة نحو الاشتراكية في ملكيتها وقوتها الاقتصادية ومشاركة المنتجين.
هيكل تشخيصي ختامي: خمس وصلات يجب ألا تنقطع
• 1. من تحليل الطبقة الحاكمة إلى تحديد القوى الاجتماعية القادرة على بناء البديل.
• 2. من دولة المواطنة إلى ديمقراطية اقتصادية تنقل القدرة على القرار إلى المنتجين والمجتمع.
• 3. من الملكية العامة القانونية إلى ملكية اجتماعية ورقابة وتخطيط ديمقراطي.
• 4. من الجبهة الواسعة إلى كتلة تاريخية ذات برنامج وحدود واستقلال طبقي واضح.
• 5. من الاشتراكية بوصفها أفقًا بعيدًا إلى أفق تشغيلي يجعل مطالب اليوم تراكم شروط تجاوز الرأسمالية.
الخلاصة المكثفة: مسودة 2026 تستعيد سؤال «من يحكم؟» بصورة أفضل، لكن المؤتمر يحتاج أن يضيف إليه بالوضوح نفسه سؤال «كيف نغيّر علاقات الحكم والملكية والقوة بحيث يصبح البديل الوطني الديمقراطي طريقًا فعليًا إلى الاشتراكية، لا محطة نهائية قبلها؟»
المراجع والوثائق الأساسية
1. مسودة برنامج الحزب الشيوعي العراقي المقدمة إلى المؤتمر الوطني الثاني عشر، 3 أيلول/سبتمبر 2026. نسخة .doc المرفقة بالدراسة.
2. الحزب الشيوعي العراقي، «بين النظرية والتطبيق.. برنامج فهد: ميثاق العمل الوطني أنموذجًا»، 31 كانون الثاني/يناير 2022.
3. الحزب الشيوعي العراقي، «الحزب الشيوعي العراقي.. إشكالية العلاقة بين العام والخاص في أساليب النضال»، 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2022.
4. الحزب الشيوعي العراقي، «دور وتأثير الأجهزة الأمنية... الكونفرنس الثالث للحزب»، 23 أيلول/سبتمبر 2022.
5. الحزب الشيوعي العراقي، «خيارنا الاشتراكي: دروس من بعض التجارب الاشتراكية».
6. الحزب الشيوعي العراقي، برنامج المؤتمر الوطني الثامن.
7. الحزب الشيوعي العراقي، برنامج المؤتمر الوطني التاسع.
8. الحزب الشيوعي العراقي، برنامج المؤتمر الوطني العاشر.
9. الحزب الشيوعي العراقي، برنامج المؤتمر الوطني الحادي عشر، منشور 7 آذار/مارس 2022.
10. الحزب الشيوعي العراقي، التقرير السياسي للمؤتمر الوطني الثامن: «تشكيل مجلس الحكم ومشاركة حزبنا في العملية السياسية».
11. الحزب الشيوعي العراقي، «حوار موسع مع الرفيق رائد فهمي في مناسبة العيد 85 لتأسيس الحزب»، 10 نيسان/أبريل 2019.
ملاحظة خاصة بهذه النسخة الإلكترونية: الجداول الخمسة والأشكال التحليلية الأربعة في النسخة الأكاديمية الأصلية أُعيدت هنا إلى صياغة سردية كاملة كي تبقى الحجة قابلة للقراءة في منصات النشر التي لا تدعم الجداول أو الرسوم، مع إبقاء النسخة الأكاديمية الأصلية من دون تعديل.
ملاحظة أخيرة بشأن الاستعمال
هذه الوثيقة دراسة تاريخية-نقدية وليست النص البديل للبرنامج. تُخصص الدراسة الثانية للمقارنة مادةً بمادة مع مسودة 2026، وتقديم تعديلات وصياغات بديلة قابلة للإحالة إلى المؤتمر، على أن تُبنى تلك الصياغات على النتائج المثبتة هنا لا على الرغبة في استبدال برنامج ببرنامج من خارج الحزب.



#علي_طبله (هاشتاغ)       Ali_Tabla#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسة فكرية - تنظيمية : من مركزية الجهاز إلى مركزية الإرادة ...
- حول مداخلة/تعليق ر. حسين علوان حسين حول دراستي المنشورة حول ...
- الصدور الإلكتروني لكتاب -النهج التشكيكي النقدي التجديدي في ا ...
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
- نحو إعادة تأسيس الوظيفة الشيوعية في العراق المعاصر
- «ما العمل؟» بوصفه مسارًا لا وصفة جاهزة
- ثورة بلا سلطة شعبية
- من حزب الشهداء إلى حزب المعصومين: لماذا يضر خطاب الطهارة بال ...
- قراءة نقدية ماركسية في بيان اجتماع اللجنة المركزية للحزب الش ...
- الإداروية والمقراتية وأزمة الممارسة اليومية حين ينشغل الحزب ...
- ملاحظات نقدية حول خطاب الحزب الشيوعي العراقي
- الاشتراكية في مواجهة الليبرالية والنيوليبرالية والدولة المدن ...
- العشائرية والطائفية والقومية والذكورية والمناطقية: البنى ما ...
- الدين الشعبي والطائفية السياسية: بين فهم المجتمع ونقد سلطة ا ...
- رد على اطروحات الرفيق ساطع هاشم حول الحلقة الثانية: الحزب أم ...
- الدولة الريعية الطائفية التابعة: العراق بعد الاحتلال وإعادة ...
- الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظ ...
- النقد بوصفه وفاءً للحزب لا خروجًا عليه - نحو إعادة تأسيس شيو ...
- مساهمة ماركسية ولينينية في نقد الأزمة وإعادة التأسيس
- الدولة الطرفية ونزعة شبه الإمبريالية


المزيد.....




- أثناء حفر حديقة منزله.. رجل يعثر على أكبر كنز فضي من عصر الف ...
- الكرملين: بوتين أصدر أمرا بعدم شن أي غارات على كييف لمدة ثلا ...
- محاكمة ليندسي كلانسي: تطورات جديدة في قضية قاتلة أطفالها الث ...
- إيران تدرس تصعيداً أخطر ضد أميركا.. هل تنتقل الحرب من الشرق ...
- كوسوفو: مزارع يطلق على أحد ذئابه اسم ترامب!
- وزيرة التعليم تحذر من سعي حزب البديل لإلغاء إلزامية الحضور ا ...
- مقاطعة زابوروجيه.. راجمات صواريخ -غراد- الروسية تدمر موقعا ل ...
- نيبال.. انهيار أرضي جديد بعد مرور 10 أيام على الفيضانات
- الصين.. فيضانات تضرب مدينة بوتيان
- الجيش الإسرائيلي ينفذ سلسلة من الضربات الجوية على مواقع تابع ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - تحولات البرنامج والهوية الطبقية في الحزب الشيوعي العراقي 1945-2026