أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الستار الجميلي - نزع سلاح الميليشيات.. الخيار الصعب؟















المزيد.....

نزع سلاح الميليشيات.. الخيار الصعب؟


عبد الستار الجميلي

الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 08:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



جاء تشكيل الميليشيات الموازية لطرفي المشهد الطائفي المفروض في العراق بعد ٢٠٠٣، على خلفية مُسوغين: مواجهة الإحتلال الأمريكي أولاً ومواجهة داعش ثانياً.. لكن كلا المسوغين أفضيا إلى حالة من تضخم لهذه الميليشيات كماً ونوعاً حتى أصبحت دولة داخل الدولة وأقوى منها، وسلاحاً موازياً أقوى بكثير من المؤسسات العسكرية والأمنية وهيمنة مُحيّدة لها، ولأغلب مؤسسات الدولة إن لم يكن جميعها، بما فيها مثلا الجامعات التي لا يُعيَّن رئيساً أو مساعداً أو عميداً ومعاوناً وحتى رئيس قسم إلاّ من خلال قنوات أحد الميليشيات وموافقتها.. وفي المحصلة تحولت الميليشيات إلى مراكز قوة تملك قرار الحرب والسلم والسلاح والأرض وحتى نقاط التفتيش الخاصة بها بما يتعارض مع القوانين الوطنية والدولية، وإمتيازات مادية ومعنوية مَهولة ومصالح إقتصادية ومالية عابرة للحدود، والأخطر إرتباط بعضها عقائديا وسياسيا وعسكريا وأهدافا بالنظام الايراني وإستراتيجيته الطائفية والعنصرية في الإختراق والهيمنة.. وقد دعم هذه القوة والهيمنة تعميم تصور بأن النظام السياسي الحالي في العراق هو تعبير عن هيمنة طائفة محددة، وأن الميليشيات هي إستنساخ لتجربة الحرس الثوري الإيراني وإن إختلف المُسمّى، لذلك فإن مهمة الميليشيات، كما الحرس الإيراني، وفق المفهوم الحقيقي للتشكيل وأهدافه غير المعلنة وليس وفق منطوق الشعارات والغطاءات، هي حماية النظام من مآلات متوقعة أو محتملة للتغيير.
وفي ضوء ما سبق فإنّ الحكومة الحالية تواجه معضلة تنفيذ عملية نزع سلاح الميليشيات التي لم يكن التصريح بها إعلاميا فقط، وإنما جاءت في صلب البرنامج الحكومي الذي قُدم الى مجلس النواب لنيل الثقة. وقد إرتبط هدف عملية نزع السلاح بهدفين آخرين مُعلنين وفي صلب البرنامج الحكومي أيضاً، وهما: مكافحة الفساد وانهاء مظاهر الإحتلال الأمريكي وتحالفه العسكري.. ومع أن هذين الهدفين الأخيرين قد إرتبطا باجراءات عملية من ناحية الإعتقالات التي طالت عدداً من متهمي الفساد ولو في حدود متواضعة لم ترق الى المواجهة الشاملة مع بؤر الفساد المتوطنة في عمق مفاصل العملية السياسية وكتلها الكبيرة في بغداد وأربيل ذات القشرة الصلبة، كما إقترن هدف إنهاء الإحتلال بتصريحات متبادلة من جانب الولايات المتحدة والحكومة الحالية بقرب تنفيذ إتفاق إنهاء الإحتلال وإن لم تصل إلى مصاف القرارات القطعية من الجانبين، خصوصا في ظل التوترات الإقليمية التي إتخذت منحى التهديد والتصعيد، وفي ظلال الفصل السابع الذي مازالت أموال العراق رهينة لآثاره من جهة، ولقطارة البنك الفيدرالي الأمريكي من جهة أُخرى..
إلاّ أنّ عملية نزع السلاح لم تشهد أية إجراءات عملية لحد الآن، نظراً لمحدودية قدرة صاحب القرار على التنفيذ وإدراكه مع مرور الوقت بأنّ العملية لن تكون سهلة وسلسة لكونها مرتبطة ومحفوفة بالمصالح والمخاطر الداخلية والخارجية، وبالتالي فإنّ العوامل التي تقف حائلاً دون نزع وتفكيك سلاح الميليشيات مُرجّحة على قدرة الحكومة الحالية ونجاحها في نزع هذا السلاح، على الرغم من التعبير عن الإرادة الرسمية السياسية والقانونية بإصدار إعلان حكومي بحصر السلاح بيد الدولة تحت سقف ٣٠ أيلول القادم وتصنيف أيّ نشاط مسلح بعد هذا التاريخ بأنه عمل إرهابي، ودعم هذا الإعلان بتأييد وضغط غالبية وطنية وشعبية، وسقوط دواعي مُسّوغي مواجهة الإحتلال وداعش بإقتراب موعد إنسحاب آخر مظاهر الإحتلال الأمريكي المعلنة على الأقل وفق الإتفاقية الأمنية السارية، وهزيمة داعش الإرهابي في آخر معاقله بعد تحرير محافظة نينوى وإن بقيت بعض الخلايا النائمة أو النشطة التي تظهر بين حين وآخر بحسب المصالح الخارجية التي ترعاها ولن تُشكل خطراً شاملاً فقد أصبحت لدى القوات العسكرية والأمنية القدرة على المواجهة والحسم.. وعلى الرغم أيضاً من إعلان بعض الميليشيات إستعدادها لتسليم السلاح نتيجة الضغط المحلي والدولي، وهو إعلان لم يُترجم عملياً فبعض هذه الميليشيات مازالت تحتفظ بوجود علني مُسلّح ونقاط تفتيش خاصة بها خصوصاَ بإتجاه شمال بغداد وبعض المحافظات الشمالية.
غير أن هذه العوامل التي تبدو على السطح داعمة لفرص نجاح عملية نزع السلاح، تتراجع أمام رجحان صعوبات عملية نزع سلاح الميليشيات وإن لم تكن مستحيلة، فعوامل الفشل تبدو أقوى وأصلب نظراً لإرتباط هذه الميليشيات أيديولوجياً وعقائديا وتمويلياً وتسليحاً بالنظام الإيراني وإستخدامها أدوات لتطبيق أجنداته الطائفية والإقليمية وسلاحا في نزاعه المسلح مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والعدوان على الدول العربية في الخليج العربي والأردن والعراق، ما جعل أيّ قرار بشأن الميليشيات ومصيرها بيد هذا النظام حصراً وخارج ولاية الحكومة العراقية السيادية.. كما إنّ تحول هذه الميليشيات إلى قوى سياسية وإقتصادية ومالية وعسكرية ذات نفوذ واسع على مساحات واسعة من العراق وموارده ومؤسساته العامة والخاصة، خصوصاً ما تعلق بقرار الحرب والسلم، وإستخدام السلاح والترهيب للحفاظ على مكاسبها، جعل التنازل عن السلاح الحامي لهذا النفوذ والإمتيازات مساساً بوجودها ونفوذها ومصيرها من وجهة نظرها لا يمكن المساومة عليها.. لذلك تحاول من خلال وضع شروط تعجيزية لعملية تسليم السلاح تعرف سلفاً أن الحكومة العراقية لا تملك القوة والمقدرة على تحقيقها، من قبيل مثلا الإنسحاب الكامل للقوات الأجنبية المحتلة الأمريكية والتركية خصوصا، وحلّ البيشمركة، وإخراج المعارضة الإيرانية من الأراضي العراقية، وربط ملف السلاح بنتيجة النزاع والتفاوض الحالي للنظام الإيراني، ما حول عملية نزع السلاح وحصره بالدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية الشرعية، من قضية قرار سيادي وطني عراقي إلى ورقة تفاوض إقليمية بيد النظام الإيراني حصراً.. وزاد من صعوبات عملية نزع السلاح وتفكيك منظوماته الميليشياوية هشاشة التوافق الوطني وغياب الإجماع الوطني المطلوب، وتصوير ملف نزع السلاح كما لو أنّ المُراد منه تصفية مصادر قوة طائفة محددة وتعزيز قوة الأطراف الأخرى المشاركة في العملية السياسية، بل وتصوير عملية نزع السلاح على أنّها تعني نهاية النظام السياسي برمته وضياع مكاسب الطائفة التي تحققت بعد طول إنتظار؟! وهو ما رَوّج له النظام الإيراني عبر زيارات ممثليه المكوكية إلى العراق مؤخراً، المعلنة وغير المعلنة.. والأخطر من ذلك كله رفض أبرز الميليشيات تسليم السلاح وأي مهل معلنة لهذا التسليم، وربط سلاحها بقدسية، هي في الحقيقة قدسية ليست ذات صلة بأي مصدر شرعي أو سياسي أو إجتماعي أو معرفي، بل كان يُقصد بها ليس منع المساس بها وحسب، بل منع حتى مجرد المناقشة حولها، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بنزع السلاح وتفكيك منظوماته الموصوفة بالقداسة؟.. وكانت آثار هذه العوامل واضحة في تغيير خطاب الحكومة والكتل الداعمة لها، من النزع والتفكيك بالقوة والتوصيف الإرهابي لأي عمليات بعد 30 أيلول، إلى خطاب التخفيف والتأجيل والتخزين والدمج والتقنين وتنظيم السلاح واحتوائه وتجميده وغير ذلك من التعابير المواربة، وذلك تحت غطاء أن عملية تفكيك الميليشيات ونزع سلاحها هو قرار سيادي عراقي داخلي.
لذلك فإنَّ المشهد الذي نُرجحه هو إستمرار أوضاع الميليشيات كما هي دون تحريك فعلي يُعوّل عليه، والمراهنة من قبل الأطراف ذات الصلة على أوهام الزمن والتغيير في الإدارة الأمريكية ومُتغيرات الموقف الدولي، وتَبنّي حلولاً شكلية مرحلياً، والتغطية على السلاح وعناصره ومنظوماته بمُّسميّات جديدة مع بقاء السلاح الفعلي خارج السيطرة الكاملة، في حال إشتداد الضغط وجاءت نتائج النزاع والتفاوض بمخاطر أكثر جذرية على النظام الإيراني بما هو حادث له اليوم، من حصار محكم وإنهيار إقتصادي وإجتماعي وتفكك لمنظومته السياسية والأمنية والصراع بين مراكز القوة المتعددة، وظهور إحتجاجات يومية تشي ببوادر واضحة على إنتفاضة شاملة قريبة من قبل الشعوب في الداخل والمعارضة معا.
إنّ ملف نزع السلاح وتفكيك منظوماته الموازية يُعدّ إختباراً حاسماً للقدرة والمقدرة على إستعادة سيادة الدولة وحقها الوطني الحصري بحصر السلاح وإستخدام القوة، ليس بالنسبة للحكومة الحالية وحدها وإنما للعراق بكامله، ككيان ودولة ومجتمع وسيادة ومستقبلا ومصيراً، بدلا من ترك نتائجه تتأرجح بين إحتمالات ومشاهد متعددة تحكمها مصالح وتوازنات القوى المحلية والإقليمية التي نشأت في إطارها هذه الميليشيات وإغراءات سلاحها المفتوحة لكلّ الإحتمالات، ما يتطلب حصر السلاح كلياً بيد الدولة وحل جميع المنظومات الموازية، وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية على أسس وطنية ومهنية بعيداً عن المحاصصة الطائفية والعرقية التي لا تنتمي للعصر والدول الحديثة.. وذلك لن يتحقق بالشعارات والوعود الموسمية المرتبطة بالدورات الإنتخابية التي تُعيد إنتاج السياق نفسه مع كلّ حكومة جديدة، وإنما يتحقق ذلك بتوافق وطني كامل وإرادة وطنية صلبة تُغلق الباب أمام إدامة الإحتلال والتموضع والتدخل الخارجي، وتضع مصلحة العراق فوق كل الولاءات الفرعية والإقليمية والدولية، والتأكيد على أن بقاء السلاح خارج حق الدولة الوطني الحصري هو في شكله ومضمونه إعتداء على الوطن والمواطنين والوحدة الوطنية والمواطنة، وعلى هيبة الدولة وسيادتها والأمن الوطني والسلم المجتمعي، ويشكل وصفة جاهزة لعدم الإستقرار والهيمنة الأجنبية على القرار الوطني السيادي.. فلا أمن ولا استقرار ولا سيادة بلا دولة قوية واحدة قادرة على حماية جميع مواطنيها بسلاحها الشرعي، ولا حقوق وحريات ولا عدالة سياسية وإجتماعية ولا سلامة لأراضي العراق الإقليمية بتعدد مراكز القوة والسلاح وتعدد الإنتماءات والولاءات الوهمية على حساب الولاء للوطن وشعبه ومصالحه العليا.
بغداد – 8- 9- 2026



#عبد_الستار_الجميلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفساد في العراق.. لماذا وكبف؟
- دروس على هامش النزاع والعدوان..
- مفوضات جنيف.. والإستجابة العربية المطلوبة
- التحولات الإقليمية في ضوء النزاع والعدوان.. وخيارات الوطن ال ...
- الناصرية والليبرالية.. هامشية الإتفاق وجذرية الخلاف
- التيه بين حدود الأرض الحرام.. قصة قصيرة
- من القرصنة البحرية إلى القرصنة السياسية.. النظام الدولي يتفك ...
- الناصرية والماركسية.. جدل الإتفاق والإختلاف
- الشرقاط 67 - قصة قصيرة
- أزمنة بغداد المدَّورة- مسرحية قصيرة
- حتى لا ننسى.. الأحواز والجزر الثلاث والإسكندرون وسبتة ومليلي ...
- العرب وخيار التوحيد.. او التفتيت
- درس التاريخ الأساسي.. ثنائية السلطة والدم
- دَوار العالم.. وتراجع إدارة السلام
- معضلة الديمقراطية في العراق
- الكيان الصهيوني والنظام الإيراني.. مواجهات الإخوة الأعداء.. ...
- ما التغيير المطلوب؟
- ترامب.. بين السياسة والتجارة


المزيد.....




- ممداني يرد على عمدة نيويورك الأسبق وقوله إنه لا ينبغي له حضو ...
- الآلاف يتجمعون في بلغراد لتأبين -جزار البوسنة-.. وانتقادات م ...
- ريكي مارتن وروبرت باتينسون.. من الأكثر أناقة بالبدلة البيضاء ...
- فيديو يُظهر هروب أحد أفراد طاقم طائرة أمازون بعد انحرافها عن ...
- بعد حرب إيران واستهداف قواعدها.. أمريكا تدرس تقليص وجودها ال ...
- أول تعليق من الخارجية السعودية بعد هجمات الحوثيين على 4 مدن ...
- مقتل شخصين في تحطم طائرة صغيرة بمطار سان دييغو (صور)
- وزير الخارجية البريطاني يعلن -إعادة ضبط- السياسة تجاه إسرائي ...
- إصابة 10 أشخاص في هجوم أوكراني على مدينة ساراتوف الروسية
- توقيف مواطن مولدوفي في مقاطعة أستراخان للاشتباه بمحاولة اغتي ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الستار الجميلي - نزع سلاح الميليشيات.. الخيار الصعب؟