أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الستار الجميلي - التيه بين حدود الأرض الحرام.. قصة قصيرة















المزيد.....



التيه بين حدود الأرض الحرام.. قصة قصيرة


عبد الستار الجميلي

الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 16:30
المحور: الادب والفن
    


التيه بين حدود الأرض الحرام
قصة قصيرة
كان يسير كما لو أنّه حافي القدمين أمام مفترق طرق لا يعرف أيها يقصد.. وما إن تراءي له ضوء خافت بدا له من بعيد كأنه سراجاً منيراً.. جَدَّ السَّير مسرعاً.. وحين وصل بعد لأيٍ أدرك أن السَّراب قد أخذ بتلابيب خلايا عقله المُجهد وألقاه في تهويمات ذاكرته التي إختلطت فيها الرؤى والأزمان، في محاولة مفترضة لترويض الزمن وإستخراج مواطئ محسوسة لقدميه، التي حفرت الصحراء بين أصابعها وفوقها أخاديد جفاف كان يأكل عروق لسانه وأحشائه بظمأ وحشي لم يشهد مثيلا له، مع إنه تعود أن يجوب الصحراء بين فينة وأخرى في مهمات سرّية عابراً الحدود بلا خوف أو وجل.. لكنّه هذه المرّة بات طريداً من ثلاثة حدود عربية بإتجاه المجهول، بعد أن داخلت وشائج القضية التي عاشتها أجيال، نوازع النفس البشرية وذاتيتها المخبأة في العقل الباطن كورم يتحين فرصة تحرر قيحه لينشره مسموماً بأنويةٍ فجّة تتضخم مع عدد ضحاياها الحاليين والمُحتملين.. أنوية وقف أمامها مشدوها وهو يتذكر حرارة عواطف تلك الإجتماعات التي كان حريصاً أن يكون أول من يحضرها، حيث كان الكل يتحدث بصوت واحد ويكادون لا يفترقون إلاّ ليلتقون.. شباب غضٌّ يتسابقون على ِ التضحية وإجتراح فنون التخفي أمام ضغط الأجهزة السّرية التي كانت تنتشر كالدمامل المُتقيحة على جسد مجتمع لم يعرف في تاريخه المكتوب والمروي سوى سيل الدّماء التي كانت تتفجَّر كالبراكين بين كلّ عقد وعقد من السنين العِجاف.. ويتبرعون بما هو متاح في جيوبهم حتى لو كانت فارغة، ويتسارعون إلى عكازة واحدة عند الملمات، وما أكثرها في زمن ليس ككل الأزمان في الكراهية والأحقاد والتفنن في قهر الإرادات المتحفزة على الدوام تروم التحرر والإنطلاق من ربق القيود والقمع المتأصل في النفوس الخربة.. وحين فاجأتهم الأجهزة السرية ذات ليلة شتائية كأنها الزمهرير، كان هو وأخويه في مقدمة القائمة.. كانت المفاجأة سريعة لكنّما وسائل الدفاع عن الذات كانت أسرع.. نجوا بإعجوبة مع ثلاثة إخوة آخرين، مُتجهين مباشرة بدون تخطيط مسبق إلى الحدود اللعينة التي أمست جراحا غائرة نازفة في جسد واحد، والمحرّم إجتيازها على الجانبين كما لو أنّها حُفرت منذ الأزل.. تجمعوا في حوض سيارة ملتفين على بعض كأنهم بضاعة مكدسة، وقد عَلَت رؤوسهم قطعة قماش حذر البرد والمطر المتوقع، كانت تنسحب بين فينة وأخرى من رأس إلى آخر، حرص الجميع على أن يظل رأسه هو من دونهم محمياً، فقد كان أصغرهم عمراً وجسما.. كانت السيارة تنطلق هاربةً مُسرعة بين الطرق الترابية المبلّلة ببقايا مطر كان رحيماً بهم، في تجمعه وإنتقاله مع الغيوم الكثيفة التي كانت الريح تشتتها بين لحظة وأخرى وهي تقاوم لتلقي بثقلها على الأرض، التي تنتظر حملها مولوداً يتراقص مع السنابل أو الأعشاب البرية الني كانت تنمو وحيدة وهي تتلقى بشوق مزهر قطرات المطر، أو الندى المتساقط مع الضباب ليرويها مع ما تبقى من غزلان كانت تجوب أرضاً بدت قاحلة وطاردة للكينونة والكائنات.. ومثقلة بالخوف والذئاب البشرية التي كانت تتحين فُرص نهش ضحاياها في سادية تَفتَّقت عنها بقايا العصر الحجري التي كانت تتلذّذ بلحوم وأظفار البشر المتساقطة تحت السياط، أو المحترقة بإشتعال القطن المُشبّع بالبنزين بين أصابع القدمين، وبمتعة الأنين والصرخات التي كانت تضرب جدران الوطن الذي آل إلى سراديب وزنازين مقفلة، وألسنة وآذانٍ مقتلعة أو مقطوعة، وعيون مُتلصّصة.
كان الظلام الدامس هو سِتارهم الوحيد، والبرد والخوف يُضيقان الخناق على عظامهم وصدورهم، فيما كانت النجوم التي تغط وتظهر بين الغيوم، هي دليلهم الوحيد وهم يحاولون إجتياز الحدود المُحرَّمة على الجانبين.. وما إن مَدّوا خطواتهم الأولى على الجانب الآخر وهم يُعانون من هلعٍ بالغ من مفاجآت اللحظة، وحين تكاملت خطواتهم على الجانب الآخر من مشرط الحدود، تنفسوا الصعداء وبدأ الخوف يتسلل خارجا على مهل وهم يقطعون خطوات السلامة، وإن بقي ظل من الخوف تحول إلى قلق ممّا سيواجهون في مسار إجتياز خطوات أخرى كان عليهم أن يَخفُّون عليها على مهل، لم يُهدئ من شَدِّ توترها إلاّ قليلاً، إستقبال الشيخ لهم بحفاوة في مسكنه القريب من الحدود، الذي يُشاركهم الإنتماء لذات القضية التي كانت تعيش أزهى العصور بعد الظلام الطويل الذي عمّ الأرض العربية منذ أن فَتحت الخيانات أسوار بغداد في سقوطها المدوي أمام وحشية هولاكو في عام 1258 المشؤوم.. لكنّ شيخهم مُجبر وفق السياق الأمني المتعارف عليه أو المفروض في الغالب، أن يُسارع قبل المخبرين، إلى إحاطة الجهات المختصة بمقدمهم على أن يُسلمهم صباحا بإعتبارهم لاجئين سياسيين وليسوا مجرد عابرين أو مهربين.. ومع أن التعب والخوف قد أخذا منهم مأخذاً موغلاً في شدّ أعصابهم، والفجر بدأ ينشر أولى حِنّاء خيوطه، إلا أنّهم إستمروا بلا توقف يتبادلون أطراف الحديث والحوار المسموع الذي حُرموا منه طويلا وهم يتخفون أو يهمسون لئلّا تلقط حروفهم السرية الخطرة الآذان الملتصقة على الجدران كحجارات البيوت، فيسقطون خلف الشمس أو المجهول أو تحت التراب بلا قرار.. وحين أدركوا الصباح بعد سويعات قليلة كانت أهداب عيونهم بالكاد تُفتح وهي تصارع إغفاءة متكررة كانت تتساقط عليهم كالإغماء فيما أجسادهم مشلولة بخدر تحاملوا عليه وهم يندفعون أو يُدفعون إلى داخل السيارة، التي سُرعان ما إنطلقت مسرعة تسابق ريح الشتاء القارص الذي بدأت رحمته تتخلى عنهم شيئاً فشيئاً.. كان وجيف قلوبهم هو الآخر يتسارع وهم يجتازون المسافات التي تمنوا لو أنها لا تنتهي ليبقى الأمل معلقا على خيط أفكارهم الذي كان يسترسل ويتماوج صعودا نزولا مع سرعة الريح المتزايدة بعنف كلما زادت السيارة في سرعتها لتسابق المنحدرات والمطبات التي كانت تَخضَّهم بين إغفاءة وأخرى لتوقظهم من أحلام أو كوابيس المجهول، متجمعة في حقل ذكريات كانت ثماره مُحرَّمة، وأسراره بالغة الخطورة كانت خشيتها تنتقل بهم إلى التخفي في الظلام والغرف المغلقة والسراديب أو تحت غطاء فرق المسرح والنوادي الرياضية.. كانت الشمس في مخاض الشروق حين توقفت السيارة، ومعها توقفت قلوبهم وهم يتبادلون النظرات الوجلة التي تحمل شحنات تشجيع متبادل وهم يتناوبون النزول واحدا بعد الآخر في إستسلام قدري أمام سيل الإحتمالات والتوقعات التي كانت تتأرجح في عقولهم كلّ لحظة تمرُّ، لم تُخفف منها إلاّ حفاوة الإستقبال في الدائرة المختصة، التي كان مسؤولها الأول حريصاً على أن يكون أول المستقبلين بإبتسامة عريضة عَلت وجهه قبل شفتيه، كان مفعولها مباشرا في شعورهم بالأمان الذي أخذ يطرد علامات الخوف والوجل والقلق التي لم تفارقهم حتى وهم يجتازون الحدود، وأخذت قلوبهم تستعيد نبضاتها العادية وتستقر بين أضلاعهم شعورا بجذل عميق، سَرى في أجسادهم وهم يطلقون الحرية لها على طول المقاعد التي جلسوا عليها متقاربين ومتقابلين بمدى واسع، ذكرتهم بمؤخرة السيارة التي حُشروا فيها في ذلك الليل البهيم الذي شهد محاولات قنصهم وهم يَطوون الأرض كالطرائد قبل أن يلقوا بأنفسهم في أرضية السيارة التي كانت تنتظرهم في ليلة ليس ككل الليالي من أزمنة الشتاء.. ثلاثة أيام إنقضت وهم في المدينة بين الفندق والدائرة، وبعض الأسئلة التقليدية عن الإسم والمواليد والمهنة والإنتماء السياسي وأسباب اللجوء ومَنْ في العاصمة مِمَّن سبقهم في اللجوء يٌفضلون الإتصال لإستقبالهم وتأمين وضعهم.. كان أصغرهم أكثر إحساسا بالأسئلة والمكان وهم يسيرون في أوقات محددة في شوارع المدينة بأمان إفتقدوه طويلاً.. لكن ما أثار قلقهم فجأة هو سؤاله الذي تضمّن الإستغراب بأن أحدّاً من الذين يأملون أن يستقبلوهم، لم يُكلف نفسه عناء الإتصال بهم ليطمئنوا عليهم أو يُطمئنوهم على الأقل.. أوقعهم السؤال في حيرة وإرتباك واضحين لم يُخفف من وقعهما تداول الأعذار والإحتمالات.
بعد ثلاثة أيام وصلوا العاصمة مع الغروب في سيارة للشرطة قطعت المسافة بين المدينة والعاصمة بوقت قياسي.. ليس كالمعتاد؟؟ ومع إن الإستقبال كان مُطَمْئِناً في مثل حالتهم التي شابها القلق والتوتر.. إلا أنه لم يكن بمثل حفاوة الإستقبال الرسمي الأول، إذ أُدخلوا مباشرة في قاعة جانبية متوسطة حرّكت فيهم من جديد دواعي الخوف من القادم، ليتم إستدعائهم واحداً بعد الآخر ولمّا يرتاحوا بعد، ومع الأسئلة التقليدية ثمة أسئلة أخرى تحمل من الريبة أكثر من الأمان عن كيفية اللجوء؟ وأسبابه؟ وهل هناك حقاً خطر دفعهم إلى الهروب وتجاوز الحدود؟ ام أنّ هناك أوضاع أخرى تتعلق بخلافات داخلية مع اللاجئين من كيانهم السياسي؟ كانت الأسئلة فيها ظل من التشكيك والحذر وثمة موضوع خفي حائر بين الأسئلة.. وما إن إستكملوا التحقيق عادوا جميعا إلى القاعة بإنتظار القادم.. ومع الإنتظار بدأت تتوارد إليهم بين الفينة والأخرى ومع إستدعاء أقدمهم سياسياُ، الوقائع وتتضح شيئا فشيئا، فقد شَكك كبير اللاجئين المتواجد في العاصمة بأن الهدف من طلب لجوئهم هو دعم المسؤول الأول في هرم القيادة اللاجئ في عاصمة أخرى، بعد حدوث إنشقاق فيما يبدو على الزعامة.. زعامة كيان سياسي مازال في بدايات التشكيل والمعارضة.. ودون التفكير في مصائرهم وعوائلهم التي أصبحت تحت رحمة الأجهزة السرية ولم تصل عنهم أية أخبار منذ أن عبروا الحدود.. أيّ فيروس مسموم هذا الذي يضرب ابناء القضية الواحدة بأنوية وذاتية دون حساب لمشاعر ومصائر من شاركوهم القضية والمصير والخوف والأحلام وسياط الجلادين؟ لكنّما الفيروس إنتشر ويأبى الزوال لتدفع ثمنه أجيال عديدة مِمَن قضوا أو ينتظرون القضاء.. كان الوقع عند أصغرهم أكثر إيلاما، وقد عاش متوهجا بالروح الجماعية والمغامرة بالمستقبل ولما يزل طالبا في سنوات الدراسة الأخيرة، وعاصر أغلب مِمّن لجأوا إلى الخارج ومن بقي منهم في الداخل.. أصبح روحا معذبة لكنّما إيمانه بالفكرة لم يهتز، وإن إهتز بالأشخاص.. فنظر الى أخويه بنوع من العتاب وفي عينيه تساؤل عن الأم التي تركوها والأطفال والنساء، وقد أصبح مصيرهم أيضاً مجهولاً، كمصير عوائلهم.. وفي حُمى تفكيرهم وقلقهم اللذين لم يتوقفا منذ أن وطأوا أرض العاصمة ومواجهة محنة الأسئلة والأجوبة فيما يشبه المحاكمة الخفية، جاء من يُخيّرهم بين تسفيرهم إلى مدينة محدّدة بالإسم في دولة عربية مجاورة من جهة الغرب، معروف عنها بانّها مسكونة في غالبيتها بوهج قضيتهم وإنتمائهم السياسي، أو تسفيرهم إلى بلد عربي آخر في الشرق الذي كان يشهد منذ فترة إقتتالا مريراً أسوداً بين الجيش وتشكيل عسكري آخر.. كان الإختيار مريراً هو الآخر، فالمدينة المقصودة في الغرب مجهولة بالنسبة لهم ولم يسبق أن زاروها أو عرفوا أحداً منها.. وبعد أخذ ورد، والقلق يساورهم بعد أن وُضعوا بين خيارات أصعب من أن يقرروا فيها أمرا، وقد داهمتهم من جديد مشاعر الخوف والقلق وغياب اليقين أكثر من ذي قبل، مضافاً اليها مشاعر غضب إستعرت كحمم بركانية وهم يُلقون هكذا في اليَّم من أبناء قضيتهم دون أي تفسير أو حتى سؤال، ولم يروا وجه أحد منهم ليفسر خفايا ما حدث بعد أن تُركوا في العراء بلا مصير مؤكد أو موطئ قدم مُحتمل يقفون عليه في رحلة لم تنته دروبها المتعرجة إلى مسارٍ محدد.. إختاروا وقرروا في ساعة يأس وبلا طوق نجاة، الدولة العربية في الشرق لأنها محاددة لدولتهم التي غادروها مُكرهين بحثاً عن الأمان المؤقت في دولة عربية أخرى إلى حين.. لم تنقض إلاّ ساعات قليلة حتى وجدوا أنفسهم محشورين من جديدة في عربة شرطة ذات أقفاص متوجهة نحو الحدود، وقد لفّهم صمت كصمت القبور .. ومشاعر مجروحة.. وأسئلة معلقة بلا أجوبة.. وما إن ترجلوا من السيارة بعد توديع رقيق، وأسف واضح من المسؤول كانّه يخبرهم صامتاً بأنه ليس في اليد حيلة أو بُدّ إلا تنفيذ ما هو مقدّر لهم.
حين إجتازوا الحدود مشيّاً على الأقدام المحشورة بأحذية لم يَتسنَّ لهم نزعها منذ صباح الأمس.. إكتشفوا أنّ عليهم أن يسيروا مسافات أكثر مما توقعوا، وأن يجتازوا عددا من المتاريس والسيطرات العائدة للجيش والتشكيل الآخر.. وما إن إقتربوا من أول المتاريس تلقاهم ضابط شاب من التشكيل الآخر.. وبعد عدد من الأسئلة والأجوبة حول حالتهم والظروف التي ساقتهم إلى هذا الموقف، أخبرهم الضابط بأنهم في ظل وضعهم ككيان مسلح وليس دولة، فإنّه لا يستطيع أن يؤمن حياتهم، خصوصاً وانّ الموقف مازال متوتراً، وبالتالي لا يملك حلاّ لمشكلتهم رغم تعاطفه الكامل مع قضيتهم المؤمن بها أيضاً والمنتمي إليها فكرياً وحركياً، لكنه في ساحة أخرى لها خصوصياتها ووضعها الإستثنائي بعد أن سُلبت أرضهم ولم يعد يملكون الوضع القانوني والسياسي لهم كدولة، ونصحهم بضرورة تسليم أنفسهم للجيش بإعتباره يمثل الدولة التي هم داخل حدودها الآن، والخيارات ربما ستكون في صالحهم، مقترحاً إما أن يرتاحوا الليلة عندهم من عناء الرحلة والطريق ويتوجهون صباحا إلى أقرب ثكنة للجيش، أو أن يتناولوا طعام واجب الضيافة الذي أصرّ عليه، ثم يتوجهون بعد ذلك إلى مقرات الجيش القريبة.. وبعد مناقشة سريعة بدت خياراتهم منعدمة، فحسموا موقفهم بتسليم أنفسهم هذا اليوم إلى الجيش دون أن بُعرضوا أنفسهم لليلة كوابيس وقلق جديدة.. حينذاك قرر الضابط نقلهم بسيارته الخاصة إلى أقرب نقطة مسموح له الوصول إليها بموجب تفاهمات التهدئة التي تم التوصل إليها مؤخرا.. فكان قدرهم أن يسيروا من جديد مسافة أخرى ليصلوا إلى مقر الجيش القريب، وهم في حالة من التشتت والضياع عمّا ينتظرهم من وقائع أو مفاجئات اصبح الإحساس بها معدوماً كأنهم قد إستسلموا ولم يعد يعنيهم إلاّ أن تتناولهم الأيادي وبغض النظر عمّا يحصل.. المهم أن تنتهي كوابيس رحلتهم التي باتت كما لو أنّها إستهلكت في تفاصيلها أكثر من ألف ميل بين الحدود التي باتت علاماتها عصيّة على الفهم والإستيعاب في ظلّ تلاشيها وإلغائها في مخيلة أجيال كان قدرهم أن يعيشوا عنفوان وتصاعد ومدّ الفكرة التي نقلت أو كادت أن تنقل الهتاف إلى السّماء.. وما إن إقتربوا من البوابة على بعد أمتار صاح بهم الحارس أن يتوقفوا.. ومتسائلاً عن هوياتهم وهدف مجيئهم؟ كان صوت الحارس قلقا في ظل التوتر الأمني بين الأطراف.. بادر المتحدث بإسمهم إلى التعريف بوضعهم بكلمات مختصرة، بأنّهم لاجئين سياسيين ويرومون تسليم أنفسهم للجيش، ولا يملكون سوى حاجياتهم الخاصة القليلة.. إقترب الجنود منهم بحذر، وبعد أن إطمأنوا أدخلوهم إلى كبير العسكريين في المقر.. كان إستقباله لهم عاديا وحذرا أول الأمر، وبعد أن أعطوه صورة كاملة عن سبب لجوئهم والمشكلة التي لا يعرفون أصلها التي دفعت إلى تسفيرهم إلى حدود دولته، تفاعل معهم بأريحية ورحب بهم بطريقة تركت في أنفسهم إنطباعاً مريحاً خفّف إلى حدّ ما القلق الذي عاشوه منذ أن دخلوا الحدود، وقد قام بواجب الضيافة العربية بطريقة ألقت إرتياحا في نفوسهم أكثر، ثم تركهم لإجراء إتصالات خاصة بوضعهم وكيفية التصرف؟.. كانت لحظات الإنتظار أكثر مما تتحمله أعصابهم التي وقعت تحت ضغط شديد كان أصعبها، تخلي إخوة النضال عنهم بطريقة تركت جروحاً غائرة، ليس من السهل إلتئامها في قادم الأيام التي لم يعد يدركون ملامحها التي غاب عنها الأفق متلاشياً خلف الظلال الرمادية والأسئلة المُعلّقة بلا أجوبة.. وما إنّ أطلَّ الضابط المسؤول وهو يفتح الباب حتى تَسمّروا خوف المفاجآت، لكنّهم سرعان ما إستعادوا هدوء النفس وهم يقرأون أسارير الرجل التي بدت مُبتهجة وهو يُخبرهم بأنهم موضع ترحيب في بلدهم الثاني، وأنّ شخصيةً عسكرية مهمة ستكون بإنتظارهم، والسيارة الخاصة مهيأة لتقلهم بكل إحترام إلى العاصمة.. إذاك شعروا بدبيب فرح كوني يدب في أجسادهم وارواحهم التي عاشت محنة حقيقية خلال الأيام والساعات المنصرمة، التي مرّت كأنّها سنيناً ثقالاً تداخلت فيها الأزمنة والوجوه والذكريات، مريرة وعاتية في عصفها الذي كان يضرب الرؤوس كهدير دجلة حينما تغضب وتفيض.
حين وصلوا العاصمة كان الرجل بإنتظارهم عند الباب الرئيس، وقد حرص على مصافحتهم واحدا بعد الآخر.. وقف عند أصغرهم وهو يُردد تُذكرني بشبابي وأنا أجوب الشوارع هاتفا بحلمنا العربي الجميل الذي لم تجر رياح التاريخ بما تشتهي سفننا التي كانت تمخرُ بحار الدنيا وأمواجها العاتية، كأنّ العالم كلّه قرر في لحظة تعارضت فيها المصالح أو إلتقت، أن يكون ضدنا.. جلس أمامهم ولم يُطل بأسئلته مكتفيا بالتقليدي منها، ومنصتاً على السياسي الأقدم وهو يعطيه تفاصيل قضيتهم ورحلتهم عبر الطرق الوعرة والحدود، وما جرى في العاصمة التي جاءوا منها وموقف إخوتهم الذي ما زال يثير فيهم مشاعر الإحباط والصدمة.. أنصت الرجل بإهتمام وتعاطف، عَبَّر عنها عمليا بمضاعفة واجبات الترحيب والضيافة العربية بطريقة مبالغة ليشعرهم بالأمن والأمان.. وما إن شعر بأنهم أصبحوا في وضع مريح، أخبرهم بانهم سيقضون الليلة في فندق من الدرجة الأولى ليأخذوا مزيداً من الراحة، وفي الصباح هم بالخيار إمّا البقاء في ضيافة وطنهم الثاني إلى ما شاء الله، ولديه الصلاحية الكاملة لتحقيق ذلك، أو أن يُؤّمن تسليمهم إلى سفارة الدولة العربية المحسوبين عليها سياسياً، بعد مبادرة الإتصال بخصوص وضعهم الذي تفهمته السّفارة مرحبين بهم.. ولما كانت المرحلة قد شهدت تطورات ذات خصوصية، فقد فضلوا التوجه إلى سفارة الدولة العربية التي كانت على الدوام موئلاً للعرب ومقصداً لأحرارهم.. وما إن دخلوا غُرف الفندق غلبهم النوم مباشرة من طول الإجهاد والقلق، ولم تشهد ليلتهم لأول مرّة تلك الكوابيس والأنّات التي كانت ترافقهم على طول رحلة التيه التي أُجبروا عليها مُكرهين لا مختارين.. وحين هَلّت تباشير الصباح وشمسه المُشرقة خلل الستائر الرقيقة، تلقوه مستيقظين في وقت واحد كأنهم على موعد مسبق في الدقيقة واللحظة.. وفي الساعة المحدّدة وجدوا السيارة بإنتظارهم أمام باب الفندق مباشرة.. سارت بهم من شارعٍ إلى آخر وهم مسترسلون في جو غامر من الفرح واليقين بالخلاص بدأ يطرق أبواب الأمل بعد طول معاناة.. لكنّما رغم فيض هذه المشاعر المُطَمْئِنة، وقبل الوصول إلى السّفارة، أول ما تبادر على اذهانهم في لحظة مفاجئة ومضت وضربت عقولهم وقلوبهم بشدّة موجعة على غير موعد، هو وضع عوائلهم الحرج، وكيفية إنقاذهم أو على الأقل الإطمئنان على أوضاعهم بعد أن فقدوا الثقة بأن مَنْ فرط بهم لن تهمه عوائلهم للوصول إليها والإطمئنان عليها.. مجرد الإطمئنان.. لم يسترسلوا بأفكارهم كثيرا فقد أخبرهم السائق بالتهيؤ فإنهم على باب السفارة الآن.
وما إن ترجلوا من السيارة وبدأوا أول خطوات الدخول أحسوا برهبة خاصة فهي سفارة دولة القائد الذي لم تمرّ إلا أيام قليلة على غيابه المبكر، القائد الذي فجّر وإحتضن أحلامهم وعاشوا معه عظمة الأيام الحلوة والمرة دون أن تهتز قناعتهم أو تهدأ حرارة نشاطهم رغم المخاطر والوعيد الذي كان يطاردهم من مكان إلى آخر.. كان السفير كريماً في إستقبالهم بنفسه.. جلس بينهم يربت على أكتافهم ويقوي من عزيمتهم، وهو يخبرهم بأنهم على موعد غدا لنقلهم بالطائرة إلى عاصمة البلد الذي كان يحلمون بزيارته بين فترة وأخرى، فكيف إذا هم سيكونون ضيوفاً لاجئين إلى أجل غير مُسمّى؟.. كانت الفرحة أعجز من أن تصفها الكلمات.. والصدمة التي تلقوها من إخوة النضال تلاشت أصدائها في مكان آخر فيه من التعويض أكبر من أن تترك آثاراً وندوباً.. وخلال الحوار الذي إستمر لساعات أخبرهم السفير بأن عليهم قضاء الليلة في داخل السفارة حتى يحين موعد السّفر غدا.. لكنما المتحدث بإسمهم أخبر السفير بأن السلطات قد أمّنتهم ويُفضلون المبيت في الفندق ويقصدون السّفارة غدّا، لكن السفير إعترض وأخبرهم بأنّهم في عهدة السّفارة الآن بناء على إختيارهم، وسيتم ربما إعتقالهم ما إن يخرجوا من باب السفارة لأنهم الآن في أرض أخرى فضّلوها على دولتهم، والخشية من تسفيرهم إمّا إلى نفس الدولة التي جاءوا منها أو إلى دولتهم نفسها وهذا هو الخيار الأخطر، ولن تملك السفارة في هذه الحالة التدخل بأي شكل من الأشكال.. لكن المتحدث بإسم المجموعة أصرّ بأنهم سيكونون بأمان بناء على موقف الشخصية العسكرية التي سَهلت لهم اللجوء إلى السفارة.. لكنّما قدرهم فيما يبدوا ألا تنتهي رحلة عذابهم كما لو كانت ثمة لعنة تُلاحقهم في كلّ مكان.. فما إن خرجوا من السّفارة وقبل وصولهم إلى الفندق تم نقلهم إلى نفس الشخصية العسكرية، الذي إستقبلهم بحفاوة لا تختلف عن المرة الأولى، لكنّه أخبرهم مباشرة بأن دخولهم السفارة كأرض أجنبية وإن كانت عربية، بناء على إختيارهم وخروجهم منها، يُلزمه بناء على الإتصالات والقرار المُتخذ بأن يتم تسليمهم إلى دولتهم، ولكن تم الأخذ بنظر الإعتبار الشاب الصغير الذي بينهم وعطفاً عليه سيتم تسفيرهم إلى حدود دولتهم، ومن هناك يمكن البحث عن خيارات تجنبهم المخاطر.. كانت الصدمة شديدة، فقد رفض الشخص العسكري بتهذيب وبلغة دبلوماسية عودتهم من جديد إلى السفارة العربية أو حتى مجرد الإتصال بها دون أن تبارح ملامح وجهه مشاعر التعاطف.. لقد تقرّر مصيرهم بناء على خطأ المتحدث المسؤول الذي لم يُحسن دراسة الموقف والقانون الدبلوماسي.. ما أدخلهم من جديد في آتون فصول أكثر خطورة في محنتهم التي عليها أن تدور في حلقة تيه مفرغة بين حدود محرّمة لثلاث دول عربية، كانت بالأمس القريب مساحة واحدة وخريطة واحدة قبل أن يغوص المِشرط الدولي الحاد عميقاً في جسدها ويُمزقّها إلى خرائط وحدود وهمية متناثرة كبثور الجدري الموجعة على الجسد الذي كان يختلج من وقع الضربات المتتالية.
ما إن وصلوا بين الحدّين بعد رحلة مُضنية تداخلت فيها مشاعر مختلطة من القلق والغضب والإجهاد والتعب النفسي والجسدي.. ترجلوا صامتين على مهل كأن هناك من يدفعهم إلى هاوية بلا قرار حيث ينتظرهم المصير المجهول وتوقعاته وإحتمالاته التي تصالبت امام أعينهم وفي عمق أحشائهم المُختَضَّة بصدمة الوقائع التي عاشوها بعد وجيز من إجتيازهم الحدود.. بالكاد سمعوا الشرطة العسكرية وهم يودعونهم عند المتر الأخير بين حدود الدولة العربية التي غادروها وحدود دولتهم التي سبق وأن إجتازوها مُجبرين من مكان آخر.. لم يتبق في جعبتهم سوى أرغفة خبز باردة وقناني مياه لا تكاد تكفيهم إلا لساعات وهم يُحاولون الآن التسلل خفية مشياً على الأقدام، وهم صامتين لا يقوون على الحديث سوى همس متسائل عما حدث وكيف وصل بهم الحال إلى ما هم فيه الآن من خيارات بدت تلتف حول رقابهم ولا مفر أمامهم، إمّا القنص والتغييب خلف القضبان، أو الموت جوعاً وعطشاً في هذه الصحراء التي خلت من البشر، أو أن يكونوا طعاماً للذئاب التي كان عوائها يُسمع عن قرب، حقيقة كانت أو مُتخيلة؟ فيما كان صوت الريح مُختلطاً بقطرات برد الشتاء تضرب وجوههم بوخزٍ بلا رحمة.
كانت الليلة الأولى ثقيلة بحملها وتساؤلاتها وهواجسها.. كان عليهم أن يجوسوا أرضا لم تطرقها أقدامهم من قبل.. مشوا على مهل متقاربين على إمتداد الشارع الإسفلتي ولكن عن بعد لئلا تلتقطهم أضوية السيارات المارة أو الدوريات التي تجوب الطرق الترابية والوعرة بحثا عن المهربين او الهاربين لسبب أو آخر.. وما إن بدأ بصيص ضوء الفجر الأول حتى سارعوا إلى الإختفاء تحت أحد قنطرات الشارع التي كان مدخلاها من الجانبين مغمورين بغدران مياه لا تُلفت إنتباه أحد.. دخلوها وقد أخذهم التعب والنعاس فيما عافت أنفسهم الطعام منذ أن غادروا العاصمة.. حتى العطش لم يشعروا به إلا وهم ملتصقين مع بعض داخل القنطرة من شدة البرد الذي كان يتسلل عبر ملابسهم التي لم يغيروها منذ أن خرجوا من العاصمة الأولى.. كان عليهم أن يقضوا ساعات النهار الطويلة محشورين في هذا الحّيز الذي تَحول إلى نعمة، وهم يتبادلون النوم واليقظة والحراسة خشية أن يغطون في نومهم فتفاجئهم الدوريات أو الذئاب أو أية مفاجآت.. وما إن إنقضى النهار بطوله غير المعتاد وفق أحاسيسهم التي لم تعد تحتمل الإنتظار، حتى أدركوا أن ما متوفر من الماء قد نفذ، وما تبقى من الخبز كسرات عليهم أن يقتصدوا بها بأقل قدر ممكن.. وعليهم من جديد أن يواصلوا السير بمحاذاة الشارع من جديد بحيث لا يغيب عن ناظرهم، وإلا ضيّعتهم الصحراء والقت بهم طعاماً للذئاب التي كانت تنتشر دون إنقطاع في تلك المسافات الشاسعة من الجزيرة والصحراء.. أَيّ قدر هذا الذي دفعهم على حين غرّة إلى تجرع مرارة المحنة، وأشباح الظلام تتناوب قطع أنفاسهم بين مسافة وأخرى لتأكل جلودهم بسياط البرد والفزع؟
لليوم الثالث وهم يسيرون بلا أمل، كأن عاصمة دولتهم ومدينتهم ذات الربيعين أصبحتا في نهاية الكون، أو أنّهما وهماً صنعته مخيلاتهم التي بدأ الوهن النفسي والبايولوجي يداخلهن بصور مختلطة إختفت في ألوانها الباهتة المسافة بين الحقيقة والخيال.. كان العطش والجوع يمزق أحشائهم وشفاههم، ولم يكونوا يملكون لمداراتهما الا وضع الكوفية فوق مياه الغدير التي كانت تسبح فيه الديدان المختلفة، ليمتصوا عبر مسامات الكوفية القليل من المياه بما يبلل شفاههم أو تجرع قطرات منه الى جوفهم الذي لم يعد معنياً بسيل الفيروسات والجراثيم التي إستقرت مع القطرات لتفعل فعلها التي يحلوا لها وقد وجدت فرائسها السهلة دون عناء.. فيما كانت الحشائش التي أسعفهم المطر بنموها، طعامهم الوحيد لوجبة واحدة، كانوا يحسبوها وليمة من ولائم ذكرياتهم التي عاصروا فيها أنواع الطعام الشهي في البيوت أو في المطاعم الشعبية خصوصا ذات الرائحة الطيبة بطيبة أهلها، رغم كآبة الزمن الذي داخل يومياته وحش السياسة متجولاً كلعنة في عقول الأجيال التي كان قدرها أن ترث قرون الكراهية والشقاق، منذ أن وُلدت السلطة من رحم القبيلة وجبروت الإنسان والى عصر الدول والحروب والإنقلابات.. بدأ التعب يغلبهم وبدأت تظهر عليهم علامات إجهاد وملامح مرض على وجوههم التي مالت إلى الصفرة والسواد معاً، إثر ما تناولوه من مياه وحشائش الغدران المنتشرة كالندوب الغائرة في أديم الصحراء، ما أجبر المغص الشديد بعضهم إلى الهرولة بين دقائق وأخرى في الليل أو النهار الأمران أصبحا سيّان.
وفي اليوم السابع إستسلموا بعد أن تلاشت خياراتهم أمام عنف الصحراء وشحتها وبرودتها القاسية وقد تحولت المسافات أمامهم إلى ظلام دامس، وإجدودبت الأرض عماءً وغمراً وخواء كأنّها لم تشهد بعد بداية خلق من ُيفسد فيها ويسفك الدماء ويُقيم المشانق والزنازين والقضبان.. ومع أوّل ضوء الشمس الباهر قرروا أن يحرقوا وجوههم بأشعتها التي حُرموا منها طيلة سبعة أيام مُتخفين، قبل أن يُوارون تحت التراب أو في بطون الذئاب.. لأول مرة أحسوا بجمال الشمس الأخاذ التي كانت تتبادل الغزل مع الأرض بأشعتها الذهبية كأنها تودعهم في موكب جنائزي صامت وهي تسير بهم إلى ذات الأفق الذي تسكنه ملايين الأرواح البريئة أو الخاطئة، لا فرق حينما يُهال التراب لحظة الوداع الأخير.. إستلقوا على ظهورهم وعيونهم صوب الشمس شاخصة لا تبرحهها في لحظ تأمل كوني أخيرة.
إذاك أدرك ذلك الشاب الغض وهو يُشارك أخويه وأصحابه مخاوف الليل ومساراته المتعبة وأنياب الجوع والعطش، وإحتفالية الإستلقاء الأخيرة، أن السياسة في أرضهم لعنة تُصيب من يطرق أبوابها بالوجع الذي لا فكاك منه ولا مفر، حتى أبطالها يعانون حتى وهم في ذروة إنتصارهم، فلذة الإنتصار لا تصمد أمام معاناة الحفاظ عليها، قاتلاً أو مقتولاً معادلة لا فكاك منها؟.. تساءل في قرارة نفسه: مَنْ يروي الآن في لحظات غيابهم الأخيرة، أو سيروي مع تدفق الزمن اللامرئي، رحلتهم المريرة، ستة رجال تجاوزوا أو إجتازوا ثلاثة حدود محرّمة لثلاث دول عربية خلال أيام معدودة، لكنّما الرحلة، يا لصبرهم وجَلَدهم، لم تنتزع من دواخلهم حلم هدم هذه الحدود اللعينة التي حفرت جروحاً عميقة بَدّدت صفاء السماء العربية بصيحات آلامها التي لم تتوقف، سنوات طويلة من العذاب والأمل.
وفي لحظة صحو رفع الشاب رأسه قليلا متحاملا على قدميه التي أحسهما حافيتين وهو يحاول أن ينتزعهما متورمتين من حذائيه.. وبين حلم ويقظة تراءى له مفترق طرق لكنّه سرعان ما غرق في حيرة أيهما يطرق.. وثمة بصيص ضوء وظل انسان عن بعد، تحامل مسرعاً إليهما، لكنه كلّما حاول الوصول يبتعدان، أهو السّراب يتماوج ويتراقص مع رغباته؟ أم أن عقله أصيب بلوثة جنون الصحراء أو لعنة السياسة؟ بقي مشدوهاً مستسلماً على هذا الحال مع أصحابه، والشمس تتخلل اجسامهم بدفء غريب حتى أعماق أرواحهم التي بدت على وشك أن تغادرهم تائهة في الصحراء.. لكنهم في لحظة رؤيا أو يقظة إكتشفوا جميعا، أن بدويا ممن يجوبون الصحراء مع خيمته الوحيدة وعائلته وأغنامه، قد صادفهم ملقيين في صحراء الله الواسعة، وما إن تأكد أنهم أحياء في الرمق الأخير، حتى نقلهم إلى خيمته واحدًا بعد الآخر، ليبدأ بعد ذلك خطوات إحيائهم بقليل من الماء والدهن الحر الصافي وفنون الطب الشعبي البدوي، لثلاثة أيام متتالية لم يَكل أو يَمل، كأنهم أبنائه أو من ذوي رحمه.. وبعدها جزر لهم واحدة من أغنامه السّمان ليعوضوا ما خسروه من قوة وأعصاب وربما عقل، كان يكتوي طيلة الليالي السابقة بأشباح وإختلاط في الرؤى والحقائق والخيانة المُتدَلية كحبل حول رقابهم..
وما إن إستعادوا الإحساس بالوجود، والحياة التي أنقذها رجل بدوي واحد بعناية إلهية لم تهمه السياسة يوماً أو غيرها من أشباح العصر ومنتجاته، سوى إرث المروءة العربية.. ليبدأوا بعد ذلك رحلة التسلل من جديد، والوصول المتتابع إلى مدينتهم وعوائلهم متخفين.. وما إن وصلوا إكتشفوا بعد حين أن الموافقة على لجوئهم في العاصمة الأولى قد صدرت لكنها وصلت متأخرة.. فقدرهم هذه المرّة أن تكون الرحلة والمصائر مُنفردة.. القدر الذي لم يُمهلهم ترف الإنتظار، فقد إقتنصت الأجهزة السرية أحد أخويه الذي فقد عقله من التعذيب ليستشهد بعد ذلك غريقاً في وادي غاضب بفيضه الشتائي القارص كلّ عام.. فيما كان السّجن مصيراً مأساوياً لآخرين كان بينهم ذلك الشاب الذي راح مع أخيه الآخر ضحية خيانة واحد من اللاجئين الذي عاد فجأة لأسباب لم تكن مفهومة، ليّسلمه ذات ليلة بثمن بخس للأجهزة السرية التي إعتقلته مع عائلته بالكامل ولم يبق منها سوى الصغار.. بينما إختار متحدثهم وأقدمهم سياسياً الخلاص الفردي بتسليم نفسه والركون في زاوية التخلي عن كلّ شيء.. فيما تمكن الإثنان المتبقيان من عبور الحدود لاجئين سياسيين من جديد، لكنّهم بعد سنوات أُستدرجوا بطريقة أو بأخرى إلى الداخل ليعدموا بطريقة وحشية إختفت أسرارها مع جثتيهما اللتين لم تُسلم ولم يُعرف مصيرها إلى الآن.

1970- 2025



#عبد_الستار_الجميلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من القرصنة البحرية إلى القرصنة السياسية.. النظام الدولي يتفك ...
- الناصرية والماركسية.. جدل الإتفاق والإختلاف
- الشرقاط 67 - قصة قصيرة
- أزمنة بغداد المدَّورة- مسرحية قصيرة
- حتى لا ننسى.. الأحواز والجزر الثلاث والإسكندرون وسبتة ومليلي ...
- العرب وخيار التوحيد.. او التفتيت
- درس التاريخ الأساسي.. ثنائية السلطة والدم
- دَوار العالم.. وتراجع إدارة السلام
- معضلة الديمقراطية في العراق
- الكيان الصهيوني والنظام الإيراني.. مواجهات الإخوة الأعداء.. ...
- ما التغيير المطلوب؟
- ترامب.. بين السياسة والتجارة


المزيد.....




- -متحف لا يُنهب-.. قصة إعادة بناء الذاكرة السودانية في العالم ...
- -أنا ألمس إذا أنا موجود-.. قصص نجاح بالدوحة في اليوم العالمي ...
- حصاد 2025.. أجمل الروايات والكتب التي بقيت راسخة في ذاكرة ال ...
- تاريخ سكك حديد مصر.. مهندس بلجيكي يروي قصة -قطار الشرق الأول ...
- فيديو.. -الحكواتي- المسرح الفلسطيني الوحيد بالقدس
- يا صاحب الطير: فرقة الفنون جعلت خشبة المسرح وطناً حرا..
- الشيخ نعيم قاسم : زرع الكيان الإسرائيلي في المنطقة من قبل ال ...
- أجمل -أهدافه- خارج الملعب.. حمد الله ينقذ فنانا مغربيا من ال ...
- أول روايتين لنجمي هوليود توم هانكس وكيانو ريفز تريان النور ب ...
- فتح باب الترشح للدورة الثانية من جائزة خالد خليفة للرواية


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الستار الجميلي - التيه بين حدود الأرض الحرام.. قصة قصيرة