|
|
الناصرية والليبرالية.. هامشية الإتفاق وجذرية الخلاف
عبد الستار الجميلي
الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 20:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أ.د عبد الستار الجميلي مقدمة في مقال سابق تناولنا جدل الإتفاق والإختلاف بين الناصرية والماركسية، وفي هذا المقال نتناول موضوعاً جوهرياً آخر، وهو هامش الإتفاق وجذرية الخلاف بين النظرية السياسية الناصرية والنظرية السياسية الليبرالية، في إطار سلسلة مقارنات مع نظريات سياسية أخرى، وذلك بهدف بيان موقع وخصوصية النظرية السياسية الناصرية بين النظريات السياسية المعاصرة ومعايير التميز والتمييز عنها. إنّ موضوع الناصرية والليبرالية، يحتاج جهدا فكريا خاصا، نظرا لكون الخلاف بين الناصرية والليبرالية هو خلاف جوهري من ناحية، ولأن الليبرالية طُرحت وما تزال تُطرح كما لو أنها فعلا ترتبط بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وكلّ الشعارات الإنسانية التي أصابت وطننا العربي بالتخمة والعُسر معاً، وبالتالي كان الزعم الدائم وفق هذا التوصيف أنّ الليبرالية تحمل مشعل الخلاص من المشكلات التي يواجهها الوطن العربي من ناحية أخرى.. مع أن تجربة النضال العربي المعاصر ضد الإستعمار والتجزئة خصوصاً، تؤكد بأن الليبرالية كانت وما تزال أحد الأسباب الرئيسة لهذه المشكلات بجوهرها الإستعماري والعنصري وهيمنتها الثقافة والقيمية، وموقفها المعادي لحركة التحرر والتقدم والوحدة العربية وإنحيازها المطلق للكيان الصهيوني وإحتلال فلسطين.. ودخلت في إشتباك وعدوان معلن ضد أي مشروع نهضوي عربي يعمل للإنعتاق من التجزئة والتخلف والعدوان والإحتلال المستمر.. وأبرز المشاريع النهضوية العربية، هو المشروع النهضوي العربي الذي أرساه الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وتبلور فكريا في النظرية السياسية الناصرية، التي كانت وماتزال هدفا مستمراً ورأساً مطلوباً لهذه الليبرالية الإستعمارية.. ومع أن الليبرالية شكّلت أحد التيارات والنظريات السياسية العربية المعاصرة، وإن كانت محصورة في بعض النخب السياسية والفكرية والثقافية العربية، إلا أنها شَكلت وما تزال أحد مصادر التهديد للوطن العربي وأمنه القومي ودوله منفردة ومجتمعة، خصوصا وأنها تستخدم شعارات براقة ومغرية وجاذبة، لوطن عربي تزامنت وتخادمت عليه مشاريع عدوانية دولية وإقليمية متعددة. وعلى غرار مقارنة الناصرية بالماركسية، سنستخدم نفس خطوط المقارنة، مع الأخذ بنظر الإعتبار خصوصية المقارنة بين الناصرية والليبرالية، لكونهما ينتميان من حيث التوصيف المعرفي إلى نظريات سياسية مختلفة، لذلك فإنّ المقارنة ستكون في مجال عناصر النظريات السياسية الأكاديمية، والأطر السياسية الأخرى. فما هي الناصرية ؟وما هي الليبرالية؟ وما هو هامش الإتفاق والخلاف الجذري بينهما. أولا- الناصرية والليبرالية- إطار نظري: 1 عن النظرية السياسية: في المقال السابق أيضا عرفنا بأنّ النظريات السياسية هي نتاج البيئة السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية التي تفرزها حلاّ لمشكلات هذه البيئة، وتحقيقاً لأهداف محددة في هذه النظريات، على أساس الحلول التي قدمتها لمشكلات البيئة التي تصدّت لحلها في إطار زماني ومكاني محدّدين، ما جعل من الصعوبة بمكان تقديم تعريف جامع مانع للنظرية السياسية، فالماركسية تقدم تعريفاً للنظرية السياسية يختلف في المنهج والمضمون والعناصر والمعايير والأهداف عن الرؤية الليبرالية، وكلاهما يختلفان عن الرؤية الناصرية في ذات الأبعاد، وبالتالي فإن البحث عن نظرية سياسية ناصرية وفقا للنموذج الماركسي أو الليبرالي، مضيعة للوقت والجهد ولن يُفضي لحل المشكلات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية التي يعاني منها الوطن العربي، خصوصاً وأن أغلب مخاطر هذه المشكلات جاءت من البيئة الإستعمارية الغربية التي أنتجت الليبرالية بمدارسها المتعددة الكلاسيكية والمعاصرة.. وعرفنا أيضاً ان هناك إطار معرفي عام يحدد ويدرس النظرية السياسية كفرع من فروع العلوم السياسية والإجتماعية بشكل عام، ويصنفها إلى أربعة أنواع رئيسة: النظرية المعيارية، والنظرية الإمبريقية/الواقعية، والنظرية المؤسسية، والنظرية النقدية والاشتراكية.. وإلى جانب التقسيم الأكاديمي، صنّفنا النظريات السياسية بشكل عام إلى صنفين رئيسين: النظريات السياسية الأكاديمية وفق التصنيف السابق، والنظريات السياسية الثورية.. كما بيّنا أنّ النظريات السياسية بشكل عام تتضمن مجموعة من العناصر التي تُعدّ المكوّنات الأساسية التي يقوم عليها أي بناء نظري لفهم السياسة وتجلياتها ومظاهرها التي تختلف حتى داخل النوع الواحد في مضمون هذه العناصر. وتمثّلت هذه العناصر: بالمفاهيم، الفرضيات، المبادئ، القيم، المنهج، التفسيرات، الأهداف، والنموذج العام.. وفي ضوء النظريات السياسية التقليدية والثورية، إقترحنا تعريفاً للنظرية السياسية بأنّها: " مجموعة من المبادئ والمفاهيم والقواعد والمناهج والموضوعات التي ترتبط مع بعضها في منظومة فكرية تتضمن من منظور ثوري منطلقات وأسس للقضية وأهداف شاملة ومحددة يَسعى إليها أصحاب القضية، ووسائل وإمكانيات للحركة، لوضع المنطلقات على أرض الواقع باتجاه تحقيق الأهداف المحددة في إطار زماني ومكاني محدّدين". 2- النظرية السياسية الناصرية: في ضوء فهمنا للنظريات السياسية الثورية على أنّها تُمثّل بناءً فكرياً متناماً، يقدم فهما محددا لواقع إجتماعي معين في مرحلة تاريخية محددة بهدف تغيير هذا الواقع، بما يتضمن من تحديد للمشكلة الجوهرية والحل الجذري للمشكلة، والقوى القادرة على التغيير والقوى المضادة، والأداة القادرة على التغيير، إنطلاقا من حدّي النظرية في الزمان والمكان.. ولما كانت الناصرية تنتمي من حيث التوصيف المعرفي إلى النظريات السياسية الثورية، إجتهدنا في تقديم تعريف للنظرية السياسية الناصرية، بأنّها: " منظومة نسق فكري وفلسفي وعقيدي نهضوي، قومي عربي وإنساني شامل ومفتوح، تُمثل الخلاصة الثورية المتنامية لتجربة جمال عبد الناصر السياسية والفكرية والفلسفية والنضالية والتنظيمية، بما تتضمنه من منطلقات وأهداف ووسائل، تنطلق من وحدة الوجود القومي للأمة العربية بإتجاه الإنتقال من التجزئة والتخلف والهيمنة الخارجية إلى التقدم السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي، في إطار دولة عربية واحدة إشتراكية وديمقراطية وعالم قائم على القانون والعدالة والمساواة بين البشر، عبر مجموعة من الوسائل الثورية أو السياسية أو الدبلوماسية بحسب طبيعة كلّ مرحلة". وفي ضوء هذا التعريف الإطاري، حدّدنا مفردات النظرية الناصرية، كما يأتي: أولا- المنطلق، وحدة الوجود القومي للأمة العربية: نقطة إنطلاق الناصرية تتمثّل بتقديم رؤية وفهم محدد للواقع العربي، بهدف تغييره.. والواقع العربي يؤكد، إننا ننتمي إلى مجتمع واحد تكوَّن تاريخيا هو (الأمة العربية) وهي أمة مكتملة التكوين من الناحية التاريخية (وحدة التاريخ) والفكرية والعقلية (وحدة اللغة والحضارة) والنفسية (الشعور بالإنتماء القومي) والمستقبلية والمصيرية (وحدة الأمل).. هذا المنطلق يتضمن حدَّين: 1-حد المكان أو الإطار المجتمعي: الأمة العربية بعنصريها الأرض والشعب، الوطن العربي والشعب العربي على إمتداد هذا الوطن، مع الأخذ بنظر الإعتبار المواطنية المتساوية، لسكان الوطن العربي من غير العرب. 2-حد الزمان أو الإطار التاريخي: الأمة العربية في القرن العشرين وصعوداً إلى القرن الواحد والعشرين. ثانياً- تحديد المشكلات الرئيسة للمجتمع العربي: حتى يُمكن تغيير الواقع العربي يجب تحديد المشكلات الرئيسة، التي تستدعي التغيير والعمل من أجله، وأهمّها: 1-الاستعمار والصهيونية والدكتاتورية والقمع والتمييز بكل أشكاله. 2-التخلف بكل مظاهره السياسية والإجتماعية والإقتصادية والعلمية والثقافية. 3 -التجزئة والإقليمية. 4-تحديات العلم والتكنولوجيا. ثالثاً- تحديد القوى الإجتماعية القادرة على التغيير والقوى المضادة: 1-قوى التغيير: قوى الشعب العامل، الفلاحين والعمال والجنود والمثقفين الثوريين والرأسمالية الوطنية غير المستغِلة.. 2- القوى المضادة: الإستعمار والصهيونية والإقطاع والرأسمالية والإقليمية والدكتاتورية والطائفية والعنصرية وجميع القوى التي لها مصلحة في بقاء التجزئة. رابعاً- تحديد أداة التغيير: التنظيم السياسي لقوى الشعب العامل بشقيه الشعبي والطليعي، وصولاً إلى الحركة العربية الواحدة، والتحالف الواسع للقوى الوطنية والقومية التي تؤمن بوحدة الأمة العربية وحقها في تقرير المصير القومي في إطار دولة عربية واحدة. خامساً- أسلوب التغيير: الثورة العربية الواحدة الشاملة التي يمكن تحقيقها وفق الأساليب الثورية، أو الديمقراطية المتاحة التي تطرحها خصوصية كل ساحة عربية. سادساً- تحديد الحل الجذري للمشكلات: والحل يُمثّل أهداف النظرية السياسية الناصرية، المحددة في الميثاق الناصري: الحرية والإشتراكية والوحدة، وفق التفصيل الاتي: 1-الحرية والتحرر والديمقراطية في مواجهة الإستعمار والصهيونية والدكتاتورية والقمع والتمييز بكل إشكاله: حرية الوطن وحرية المواطن بكافة صورهما السياسية والإجتماعية والإقتصادية، وكفالة إحترام الحقوق والحريات العامة والخاصة، وما يترتب على ذلك من إلتزام في تحرير الأراضي العربية المحتلة في فلسطين والأحواز والجزر العربية الثلاث والإسكندرون وسبتة ومليلية. 2-الإشتراكية والعدالة الإجتماعية، في مواجهة التخلف وأبعاده: إقامة مجتمع الكفاية والعدل، الكفاية في الإنتاج والعدالة في التوزيع. 3-الوحدة في مواجهة التجزئة والإقليمية: عودة الأمر الطبيعي لأمة واحدة، من خلال الدعوة الجماهيرية والعمل السلمي ثم الإجماع الشعبي تتويجا للدعوة والعمل.. أي بناء دولة الوحدة الإشتراكية الديمقراطية. 4- التحديث في مواجهة تحديات العلم والتكنلوجيا: التنمية البشرية والمادية والعلمية والتكنولوجية. سابعاً- البعد الإنساني: العمل من أجل السلام والتعاون الدولي، ورفض كلّ أشكال الإستعمار والهيمنة والتمييز، ودعم حق الأمم والشعوب في تقرير المصير القومي وإختيار النظام السياسي والإقتصادي والإجتماعي الذي يتلائم مع خصوصيتها. وفي إطار تعريف الناصرية الذي قدّمناه وبيان مفرداتها، عرفنا أنّها نظرية ثورية ذات طابع قومي وإجتماعي وإنساني، بأبعاد ثلاثة: نظرية نقدية للإستعمار والرأسمالية والهيمنة الأجنبية على المستوى الدولي، والتجزئة والتخلف والتبعية على المستوى الوطني والعربي.. ونظرية معيارية قيمية حيث تطرح نموذجا للعدالة الإجتماعية والسياسية والمساواة على الصعد الوطنية والقومية والدولية.. ونظرية قومية تركز على الهوية والوحدة العربية في إطار دولة عربية واحدة إشتراكية وديمقراطية.. وأكّدنا بأنّ الناصرية ليست نظرية أيديولوجية جامدة، بل هي نظرية ثورية لتغيير الواقع العربي وطنيا وقوميا، ولما كان هذا الواقع متغير بحكم قوانينه الجدلية الموضوعية، فإن الناصرية، لا يمكن أن تكون قوالب فكرية جامدة، وإنما هي فكر مفتوح يستجيب للظروف المتغيرة التي يجابهها النضال العربي يأخذ منها ويُعطيها، وقابل للتطور وفق ضابط الثوابت والمتغيرات، خصوصا ما تعلّق بالمتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم مع الالفية الثالثة التي تتطلب الإلتزام والصلابة في المنطلقات والمبادئ والأهداف، والمرونة في الوسائل والتكتيك والخطاب عبر إيجاد الأساليب المسايرة لإتجاه التطور العام والمتلائمة مع طبيعة العالم المتغيرة دون الإلتزام بأية قوانين جرت صياغتها في القرون السابقة كما يؤكد الميثاق الناصري. 3- النظرية السياسية الليبرالية: تنتمي النظرية السياسية الليبرالية من حيث التصنيف المعرفي إلى النظريات التقليدية ذات المنحى الفردي المثالي المحافظ والإستعلائي في رؤيتها للآخر غير الأوربي الغربي. وهي تضم مدارس وإتجاهات مختلفة، لذلك من الصعب وضع تعريف شامل للنظرية السياسية الليبرالية إلاّ في إطارها العام، فيمكن تعريفها على أنّها: " نظرية سياسية، فكرية وفلسفية أوربية، تنطلق من الحرية الفردية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، والمجتمع المدني كمجال للمنظمات والأحزاب والجمعيات، والتعددية والقيم الأخلاقية الفردية، بهدف تنظيم المجتمع والمجال السياسي وفق مبادئ العقل والحقوق الفردية والقانونية، والفصل بين الدولة والدين، وإقتصاد السوق". وللنظرية السياسية الليبرالية مجموعة أصول تندرج في بعدين، معرفي وإنساني، سنعرضهما بموضوعية كما جاءت في الفكر الليبرالي، ونترك نقدهما إلى فقرات ستأخذ مكانها في سياق الورقة: البعد الأول- البُعْد المعرفي: يتضمن ثلاثة أصول: الأصل الأول- لا حقيقة مطلقة: لا يحق لأحدٍ – ولا لجهةٍ – أن يدّعي أن الحقيقة عنده دون بقية البشر، ولا يمكن لأي بشرٍ أن يصل إلى الحقيقة بتمامها، فالحقيقة متساوية النسبة لجميع أبناء البشر، فليس هناك حقيقة مطلقة، وإنما الحقيقة نسبية، إذن لا حق لأحد أن يحتكر الحقيقة. وذلك لعاملين: الأول: تعدد مصادر المعرفة، فقد كان الدين سابقاً هو مصدر المعرفة الوحيد، ثم تعددت مصادر المعرفة، بنشأة العلوم الطبيعية، والعلوم الإنسانية. فالمتدين يمتلك مصدرًا، وعالم النفس يمتلك مصدرًا آخر، وعالم الاجتماع يمتلك مصدرًا ثالثًا وغير ذلك، فتعدد المصادر يعني أن الحقيقة ليست حكرًا على أحد. والثاني: نشأت النظريات وتطورها، لا توجد نظرية حاسمة، فكلما تطورت الحضارة، وإتسعت الآفاق أمام العقل البشري، سنشهد نظريات جديدة، وظهور نقص في النظريات السابقة. إذن، ما دامت النظريات في مرحلة تطور وتصاعد، فليست هناك حقيقة مطلقة يمتلكها الإنسان، فالأصل الأول للفكر الليبرالي: ليس هناك حقيقة مطلقة. الأصل الثاني- لا مقدّس على الإطلاق: لا يوجد في الليبرالية شخص أو موضوع مقدس، فلا يمكن القول: أنّ الدين مقدس، أو إمام ما أو عالم ما مقدسان، أو كتاب ما مقدسا، ليس هناك مقدس على الإطلاق، الفيلسوف الألماني "كانت" من رواد الفكر الليبرالي يقول: لتكن جريئاً في نقد المقدسات، لأنك متى ما إعتبرت شيئاً مقدساً، خرجت من أهل التحليل إلى أهل التجليل، وسوف تركع أمام أيّ شخص ما لأنك تعتبره مقدساً، ولن يكون لك نقد أو تحليل لشخصيته، فقد قيّدت فكرك، فأنت ولدت حرّاً في الخلق والتفكير، تحلّل وتنتقد من تشاء، وتبحث عما تشاء، وإلاّ طوّقت وقيدت حريتك التي خُلِقت وأنت تملكها. فمن أجل أن تنسجم مع هذه الطبيعة، وتتلاءم مع فطرتك، إبقَ حرًا، ناقداً ومُحللاً. وفي هذا الإطار، يقول كانت: "رجل الدين يقول: لا تفكر بل آمن، ورجل الإقتصاد يقول: لا تفكر بل إدفع، ورجل السياسة يقول: لا تفكر بل نفذ..". فليس هناك مقدس على الإطلاق. الأصل الثالث- لا معصومٌ من البشر: من وجهة نظر الرؤية الليبرالية لا يوجد بشر معصوم عن الخطأ، لا نبي، ولا إمام، ولا بابا ولا عالم، لأن العناصر البشرية متساوية، كالعقل والشهوة والغريزة، فهي موجودة وموزعة في كل إنسان، وإذا كانت العناصر البشرية متساوية فمن أين جاء الزعم بالعصمة؟! جاءت من البشر، بجعل أنفسهم معصومين، فهذا منطق لا ينسجم مع حقيقة التساوي في العناصر البشرية، فلا يعقل أن تنتج هذه المساواة عنصرًا متميزًا لشخص على شخص آخر. وأما إذا كانت العصمة من الله (عزّ وجل) أعطاها لبشر دون بشر آخر، فهذا عبث وترجيح بلا مرجح، فما هو المميز لهذا الإنسان على هذا الإنسان؟! والله (عزّ وجل) أكد في القرآن الكريم أنه كرّم بني آدم ولم يذكر شخصاً بذاته وإسمه، لذلك ليس هناك معصوم على الإطلاق، فكل بشر يمكن أن نضعه على الطاولة، لنحلله وننقده، فما هو صالح قبلناه، وما هو خطأ رفضناه، فليس هناك معصوم على الإطلاق. البعد الثاني- البعد الإنساني: له ثلاثة أصول أيضاً. الأصل الأول- تحييد العقيدة: الليبرالية لا تعتبر العقيدة ركنًا في إنسانية الإنسان، فهو إنسانٌ بغض النظر عن عقيدته ودينه، لذلك لو أن الإنسان الآخر إختلف معي في العقيدة لا يجوز لي أن أجرده عن إنسانيته وحقوق الإنسانية لأنه مختلف عني في العقيدة، فلو أن إنسانًا إرتد عن عقيدته، فهذا لا يعني أنه خرج عن إنسانيته، بل لا زال إنسانًا، فلا يجوز أن تُسحَب منه حقوق الإنسانية. لذلك يدعو الفكر الليبرالي إلى التعددية في كل مجتمع، تعدد الأديان، تعدد المذاهب، تعدد الآراء، فلا ينبغي أن نجبر المجتمع على واحدة من مظاهر التعدد هذه، بل علينا أن نقبل هذه الظاهرة الإنسانية البشرية، ظاهرة التعددية، فإن هذا كله مقتضى إنسانية الإنسان؛ لأن العقيدة ليست ركنًا من إنسانية الإنسان. الأصل الثاني- مساحة الحقوق أكثر من مساحة الواجبات: الفكر الليبرالي يطلب من الفرد أن يبحث عن الحقوق والإمتيازات لا عن الواجبات، أنا إنسان، يجب أن أبحث عما لي وليس عما عليَّ، ماذا لي؟! ماذا أعطاني الدين مثلا من امتيازات وحقوق وصلاحيات؟! وليس ما فرض عليَّ من وظائف وواجبات وتكاليف، لذلك يؤكد الفكر الليبرالي بوجوب النظر أولًا للحقوق والإمتيازات، لا الواجبات والتكاليف. الأصل الثالث- ربط الحسن والقُبح بالتجربة: الحسن والقبُح موضوعان أساسيان في علم الأخلاق، فما الذي يجعل هذا الفعل حسن، وذاك الفعل قبيح، ومن الذي يقرّر ذلك؟! الليبرالية تؤكد أنّ الحسن والقبيح تقرّره التجربة، إذا لم يُجرَّب شيءٌ فلا يصح الحكم عليه بالحسن ولا بالقبح، بمعنى أيّ فعل وأيّ سلوك(حتى لو كان شادّاً) لا يمكن أن نحكم عليه بالحسن أو بالقبح إلا إذا خضع للتجربة الإجتماعية، وما لم يخضع للتجربة فإن الحكم عليه بالحسن أو القبح إملاءٌ وفرضٌ على المجتمع البشري، من دون مبرر ولا مسوّغ. وقد تطورت الليبرالية في إطار ثلاثة مراحل رئيسة منذ نشأتها وإلى الآن: 1 الليبرالية الكلاسيكية: ظهرت الليبرالية الكلاسيكية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكان من أبرز روادها مفكرون مثل جون لوك وآدم سميث. ركزت على الحكومة المحدودة، والأسواق الحرة، والحقوق الفردية. فقد أرسى لوك أساس الفكر الليبرالي في الحقوق الطبيعية والعقد الإجتماعي، أما سميث، فقد دافع عن الحرية الإقتصادية ومزايا إقتصاد السوق الحر. 2 الليبرالية الحديثة: تطورت في القرنين التاسع عشر والعشرين، لمواجهة التحديات الإجتماعية والإقتصادية الجديدة، ودعت إلى دور فاعل للدولة في ضمان العدالة والمساواة. فقد أكّد جون ستيوارت ميل وتي إتش غرين على ضرورة تدخل الدولة لحماية الأفراد من الظلم الإجتماعي والإقتصادي، كالفقر والتمييز، ما أدّى نسبياً إلى تطبيق شبكات الأمان الإجتماعي لدعم الفئات الضعيفة. 3 الليبرالية المعاصرة: تطورت الليبرالية في ظل قضايا مثل العولمة، والإستدامة البيئية، والتقدم التكنولوجي، بهدف تحقيق التوازن بين الحريات الفردية والمسؤوليات الجماعية، والتعامل مع تحديات جديدة مثل تغير المناخ، وعدم المساواة في الدخل، والخصوصية الرقمية، والتعاون العالمي. ثانياً- هامشية الاتفاق بين الناصرية والليبرالية إنّ التناقض الجذري بين النظرية السياسية الناصرية والنظرية السياسية الليبرالية، ليس في توصيفهما المختلف في إطار النظريات السياسية المعاصرة كونهما تنتميان إلى مرجعيتين فكريتين مختلفتين وحسب، ولكن في أغلب القضايا الجوهرية التي شكّلت معالم المجتمع الدولي المعاصر والعلاقات الدولية والقانون الدولي، والخريطة المعرفية لعالم القرنين العشرين والواحد والعشرين، هذا التناقض وضعنا أمام صعوبة حقيقية في البحث عن نقاط إتفاق بين النظريتين، لكن رغم هذا التباين بين النظريتين، إلاّ أن هناك هامش من الاتفاق في بعض المحاور على مستوى المبادئ العامة مع الخلاف على مستوى التطبيق السياسي والتفاصيل، ومن أهمها: أولاً- مبدأ سيادة الشعب ورفض الحكم الوراثي المطلق: ترفض النظريتان الناصرية والليبرالية الحكم الملكي المطلق أو الإستبداد الوراثي، والإيمان بكرامة الإنسان كقيمة أساسية، وإن اختلف تفسيرها وتطبيقها. والتأكيد على أن مصدر الشرعية هو الشعب ورفض أي حق إلهي أو زمني للحاكم، فقد نشأت الناصرية في سياق إسقاط النظام الملكي في مصر عام 1952 وإعلان الجمهورية، بينما قامت الليبرالية على فكرة العقد الإجتماعي الذي يستمد الحاكم من خلاله سلطته من رضا المحكومين. لكن التطبيق يختلف، حيث تربط الناصرية السيادة الشعبية بحرية الوطن والمواطن وصيغة التحالف الوطني الشعبي الواسع في إطار مرحلة التحرر الوطني والإجتماعي التي عاشتها الناصرية، فيما تربط الليبرالية السيادة الشعبية نظرياً بآليات دستورية وتعددية حزبية. ثانياً- العلمانية: تبنت كلّ من النظريتين الناصرية والليبرالية العلمانية بوصفها فصلا بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، مع خلاف جذري في الموقف والتطبيق، كما سيتبين ذلك عند مناقشة الخلاف حول العلمانية، ولكن نشير هنا مبدئيا، إلى أن الليبرالية في تطبيقها للعلمانية تفصل بين الدين عن الدولة مطلقاً، بينما الناصرية تفصل بين رجال الدين والسلطة السياسية، حفاظاً على الدين والسياسة معاً. ثالثاً- فكرة الدولة الحديثة والمؤسسات: تتفق النظريتان في الإيمان بالدولة الوطنية الحديثة ذات المؤسسات، ورفض النظام التقليدي القائم على الإمتيازات الاجتماعية المغلقة، وتحسين ظروف الحياة الإجتماعية للفرد والمجتمع، فقد إستهدفت الناصرية بناء دولة قوية تعتمد التخطيط والمؤسسات والإهتمام بالتعليم والتقدم العلمي، بينما دعمت الليبرالية دولة قانونية قائمة على التحديث والمؤسسات والفصل بين السلطات وإستقلال القضاء. وتظهر حدود الاتفاق هنا في قبول دور الدولة في التنظيم وحماية حقوق الأفراد، ولكن الخلاف في مدى هذا الدور، إذ تبنّت الناصرية دولة قوية متدخلة لصالح سيادة الشعب والعدالة الإجتماعية، بينما ذهبت الليبرالية إلى تقليص دور الدولة إقتصادياً لصالح سيطرة الطبقة الرأسمالية. رابعاً- العدالة الإجتماعية: نقطة الإتفاق تتمثل بالعدالة القانونية والفردية والتركيز على نوع من العدالة الإجتماعية، وإن إختلفت المعايير، وذلك في إطار الإعتراف بضرورة تقليل الفوارق الإجتماعية ومقاومة إحتكار الثروة والسلطة، مع إختلاف جذري في مفهوم الإحتكار ومعاييره، فالناصرية تبنت التطبيق العربي للإشتراكية وإعادة توزيع الثروة عبر التأميم والإصلاح الزراعي، بينما الليبرالية الإجتماعية مع بداية الألفية الثالثة بدأت بالإقرار بضرورة وجود شبكة أمان إجتماعي أو ما تسميه دولة الرفاه، ولكن هذا الإتفاق حول العدالة الإجتماعية يبقى في إطار حدود واضحة، حيث تميل الناصرية إلى تدخل واسع وسيطرة الشعب على القطاع العام والقطاع الخاص معاً، بينما تتبنى الليبرالية إقتصاد السوق المفتوح في إطار تبني النظام الرأسمالي. خامساً- فكرة التنمية: نقطة الإتفاق هي الإيمان بضرورة تحديث المجتمع، عبر دعم التعليم والتصنيع، فقد ركزت الناصرية على التصنيع الثقيل وبناء قطاع عام قوي وخطط تنمية مادية وبشرية محددة بالأهداف والسنوات، بينما تربط الليبرالية التحديث بحرية السوق والإقتصاد الحر، وبالتالي فإن حدود الإتفاق تختلف في آلية التنمية، التخطيط المركزي الناصري في إطار معادلة الكفاية في الإنتاج والعدالة في التوزيع التي تمثل جناحي المفهوم الناصري للإشتراكية، مقابل آليات السوق والربح المجرد الليبرالية. ثالثاً- جذرية الخلاف بين الناصرية والليبرالية إنّ هامش الاتفاق القليل بين الناصرية والليبرالية، يعكس خلافاً جذريا في أغلب القضايا الرئيسة، التاريخية والعقدية والسياسية والفلسفية والإقتصادية والإجتماعية والقيمية، وكما يأتي: 1- مصادر النظريتين الناصرية والليبرالية أ- مصادر النظرية السياسية الناصرية: في مقالنا السابق عن الناصرية والماركسية، تناولنا مصادر النظرية السياسية الناصرية بشكل موجز، إلاّ انّ المقارنة بين الناصرية والليبرالية تقتضي التوسع في المصادر نظراً لطبيعة الموضوع، فالناصرية إلى جانب كونها نظرية سياسية فهي مشروع نهضوي قومي تَشكّل تاريخيًا في منتصف القرن العشرين حول تجربة جمال عبد الناصر، وعلى ذلك يمكن ردّ مصادرها إلى عدد من الروافد الرئيسة، وكما يأتي: أولا- عوامل التنشئة الإجتماعية والسياسية: لا يمكن فهم الناصرية دون فهم عوامل تنشئة منظرها، إذ تداخلت في شخصية عبد الناصر عوامل أسرية وإجتماعية وتعليمية وسياسية وعسكرية صاغت رؤيته التأسيسية المبكرة، لما سيتبلور بعد ذلك في النظرية السياسية الناصرية، وتتمثّل هذه العوامل بما يأتي: 1- البيئة الإجتماعية المبكرة: بإنتمائه إلى الطبقة الوسطى الدنيا، حيث وُلد جمال عبد الناصر في أسرة يرعاها أب يعمل موظفاً بسيطاً ما أتاح له الإحتكاك المبكر بالإدارة الحديثة، وبهموم الطبقات الشعبية، ما بلور حسّه وإلتزامه الإجتماعي وأولوية العدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص، كما كان لتنقله بين الإسكندرية والقاهرة والصعيد، أثرا بالغاً في تعميق إدراكه بالتفاوت الإجتماعي والجغرافي، وترسيخ فكرة وضرورة الدولة الجامعة القادرة على دمج الأطراف بالمركز. 2- الوعي الوطني المبكر: الذي تبلور بتفاعله مع الحركة الوطنية المصرية في مناخ ما بعد ثورة 1919، وحضور مقاومة الإحتلال البريطاني في المجال الوطني العام، ما شكّل لديه تصوراً مبكرًا بأن الإستقلال هو شرط للكرامة والعزة الوطنية والشخصية، التي كثيراً ما تكررت في خطاباته بعد الثورة. 3 - التنشئة العسكرية: كان قبول جمال عبد الناصر في الكلية الحربية كمؤسسة حديثة وتخرجه ضابطا في الجيش، فرصة تكوين أساسية وفّرت له إطاراً مؤسسياً عصرياً يقوم على الإنضباط والتراتبية والكفاءة، ما عزّز إيمانه بدور الدولة القوية القادرة على التخطيط والتنفيذ، كما كان لتشكيله تنظيم الضباط الأحرار والعمل السري والتنظيمي دوراً مهماً في صقل مهارات القيادة لديه وتمكينه من بناء شبكة تفاعل بين ضباط من أصول اجتماعية مختلفة، مهدّت له قيادة ثورة 23 يوليو 1952، التي كانت إيذاناً ببدء مشروعه الفكري والنهضوي. 4- صدمة حرب فلسطين عام 1948: هذه الصدمة وتجربته الشخصية في الحرب تركت تأثيراً حاسماً قي تصور جمال عبد الناصر بوجود خلل شامل في البنية السياسية والعسكرية للدولة، والحاجة إلى تغيير ثوري جذري للنظام الملكي، وربط الأمن الوطني المصري بإعادة البناء الداخلي لمصر دولةً ونظاماً، وبالأمن القومي العربي بنية ومصيراً. 5- التأثير الفكري المباشر لقراءاته: كانت قراءته المنهجية في التاريخ والسياسة والتاريخ العسكري والسياسي والإستراتيجي، وتجربته كمدرس للإستراتيجية في كلية الأركان، لهما الدور الحاسم في تشكيل الوعي العربي لدى عبد الناصر عبر الربط الإستراتيجي بين جناحي الوطن العربي في مشرقه ومغربه. تانياً- المصدر القومي العربي: كان الفكر القومي العربي من أهم المصادر التي إستقى منها عبد الناصر رؤيته السياسية، بل إن القومية العربية كانت نقطة إنطلاق البناء الفكري للنظرية السياسية الناصرية، حيث بدأ الوعي العربي عنده مبكراً وهو يشترك في مظاهرات الطلبة سنوياً في ذكرى وعد بلفور حتى قبل تشكيل الكيان الصهيوني، وعند تدريسه الإستراتيجية في الكلية الحربية حيث ترسخت لديه القناعة بأن الوطن العربي وحدة إستراتيجية واحدة، أرضا وشعباً ومصيراً، ثم كانت نكبة فلسطين في عام 1948 التي عمّقت هذا الوعي العربي، مضافاً إلى ذلك تأثره بحركات التحرر العربية والرغبة في توحيد الأمة العربية لمواجهة الاستعمار والهيمنة الأجنبية ولتحقيق القوة السياسية والاقتصادية للعرب. وعلى ذلك فقد إستمدت الناصرية مضمونها القومي من بعدين أساسيين، هما إرث النهضة العربية في القرن التاسع عشر، الذي دعا إلى إحياء الهوية العربية الجامعة، والإستقلال العربي، وتحديث الدولة، وإصلاح التعليم، والتأكيد على فكرة أن الأمة العربية وحدة ثقافية وتاريخية تتجاوز الحدود القطرية، كما إستمدت الناصرية بنيتها النظرية الأساسية من المضمون الفكري السياسي للقومية العربية الذي ينطلق من أنّ الهوية العربية إطار سياسي وإجتماعي وتاريخي جامع، وأنّ التجزئة العربية هي نتاج إستعماري لإحتلال عثماني واوربي طويل، وبالتالي فإنّ الوحدة أو التكامل ضرورة إستراتيجية لتحقيق تطابق الحدود السياسية للدولة العربية مع الحدود القومية للأمة العربية، وذلك في إطار تجديدي أعادت الناصرية من خلاله بناء حركة الوحدة القومية بمضمون إجتماعي يحقق العدالة الإجتماعية والسياسية للغالبية الشعبية صاحبة المصلحة الحقيقية في هذه الوحدة القومية. كلّ ذلك إنعكس في إيمان عبد الناصر بوحدة الأمة العربية لغةً وتاريخاً ومصيراً، ورفض الإنقسامات الطائفية والقبلية، وما يترتب على ذلك من سعي حثيث بإتجاه الوحدة العربية كشرط رئيس للتحرر والقوة والتنمية، والتقدم الذي لا يمكن بناءه على التجزئة.. وكان تأثير العسكريين والمفكرين القوميين المصريين والعرب، أمثال عزيز علي المصري وساطع الحصري وقسطنطين زريق اساسياً في تعميق الوعي القومي العربي عند عبد الناصر. لذلك أكد عبد الناصر في فلسفة الثورة في معرض تحديد دوائر الهوية والإنتماء، على أن الدائرة العربية هي أهم الدوائر وأوثقها إرتباطاً بنا وإمتزاجاً معنا في التاريخ والمحن والأزمات والروابط القومية والمادية والروحية، وتأكيداً لذلك بلور الميثاق الناصري هذا الإنتماء في تأكيد أن الأمة العربية لم تعد بحاجة لإثبات حقيقة الوحدة بين شعوبها، فيكفي الأمة العربية أنها تملك وحدة اللغة التي تصنع وحدة الفكر والعقل، ووحدة التاريخ التي تصنع وحدة الضمير والوجدان، ووحدة الأمل التي تصنع وحدة المستقبل والمصير.. وكانت تجربة إقامة الجمهورية العربية المتحدة (1958) تجسيدًا عمليًا لفكرة الوحدة القومية كما آمن بها جمال عبد الناصر، وكان فشلها مدعاة لوضع أسس وخطوات عملية لتحقيق الوحدة العربية، في الميثاق الناصري، من خلال ثلاثية: الدعوة الجماهيرية للوحدة، والعمل السلمي من اجل تقريبها، ثم الإجماع الشعبي على قبولها تتويجاُ للدعوة والعمل معا. ولذلك كله كانت وحدة الوجود القومي للأمة العربية منطلق النظرية السياسية الناصرية في تحديد غاياتها ووسائلها وأساليبها. ثالثاً- البعد الديني الإسلامي: رغم أن الناصرية لم تكن مشروعًا دينيًا، لكن ّالإسلام، عقيدة وشريعة، شكّل أحد أهم روافدها الأساسية، روحياً وحضارياُ وثقافيا ورمزياً، فقد شكل مفهوم العدالة الإجتماعية من منظور الإسلام محوراً رئيساً من محاور النظرية الناصرية بالتركيز على التكافل والزكاة وتحريم الإستغلال، كما شكّل الإسلام مكونًا أساسيًا من مكونات هوية الأمة العربية، من خلال التأكيد على القيم الإسلامية مثل العدل، المساواة، ورفض التطرف الديني وإستغلال الدين في السياسة، وإحترام الإيمان كعنصر روحي مهم في تشكيل الضمير الفردي والجماعي، والتركيز على البعد الحضاري الإسلامي حيث قُدِّمت الأمة العربية بوصفها حاملة لتراث حضاري عربي إسلامي مستمر، ما عزز شرعية المشروع الناصري لدى المواطنين.. وفي نفس الوقت ميّزت النظرية السياسية الناصرية بين الدين والسياسة الحزبية، بالحرص على إبقاء الدين إطارًا روحياً وحضاريًا وأخلاقيًا، دون ربط ثوابته بأية برامج سياسية متغيرة، ما يعني أنّ الناصرية إستلهمت قيم العدالة والتكافل في الإسلام دون إقامة دولة دينية ثيوقراطية.. ولم تر النظرية السياسية الناصرية أي تعارض بين العلم والدين في إطار رؤية عقلانية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، حيث عرّف عبد الناصر، المعاصرة بأنها التجديد في الأصالة، وأكد الميثاق الناصري أن رسالات السماء في جوهرها كانت ثورات إنسانية استهدفت شرف الانسان وسعادته، ولا تتصادم مع حقائق الحياة وحق الإنسان في الحياة، وإنما ينتج الصادم أحياناً من محاولات الرجعية ان تستغل الدين ضد طبيعته وروحه لعرقلة التقدم بإفتعال تفسيرات وتأويلات تتصادم مع حكمته الإلهية السامية، وان الدين الإسلامي هو ضد الظلم الاجتماعي والإستعمار والهيمنة، لذلك كان أول ثورة إشتراكية طبقت مبادئ العدالة والمساواة. رابعاً- حركة التحرر الوطني العالمية: الناصرية هي أحد تجليات حركة التحرر الوطني العربية والعالمية، وكان من الطبيعي أن تستمد احد مصادرها الرئيسة من تجربة مقاومة الإستعمار وبيئة ما بعد الإحتلال الأجنبي لمصر والوطن العربي، وفي ظل صدمة نكبة 1948، لذلك كان التحرر الوطني حجر الزاوية في مشروعها النهضوي وطناً ومواطنين، كما تأثرت بالمد الثوري لحركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وبفكرة تضامن دول الجنوب التي عانت طويلاً من إستعمار بعض دول الشمال، ما انعكس في تبنّي سياسة عدم الإنحياز والحياد الإيجابي. لذلك كانت حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية أحد مصادر النظرية السياسية الناصرية الأساسية، حيث إستلهم عبد الناصر من تجارب هذه الحركات القدرة على التحرر من الإستعمار والبناء الوطني، وضرورة دعم حركات التحرر، معتبراً هذه الثورات والحركات نموذجًا يحتذى به في بناء دولة حديثة ذات سيادة، وكانت أبرز تجليات هذا الاستلهام تأسيس حركة عدم الإنحياز التي كان عبد الناصر أحد مؤسسيها إلى جانب نهرو وتيتو. خامساً- البعد الإجتماعي والإقتصادي- الإشتراكية: إن الوعي المبكر بمعاناة الطبقات الشعبية الفقيرة المحرومة، وتحليل عبد الناصر للواقع المصري والعربي خصوصاً ما تعلق بمعاناة غالبيته الساحقة من العمال والفلاحين وقضايا الإستعمار والتخلف، وفهمه للمشكلات والحلول الموضوعية لها، دفع عبد الناصر إلى تبنى مبادئ الإشتراكية كأداة ونظام إقتصادي وإجتماعي لتحقيق العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة بشكل أكثر عدالة وإنصافاً لتقليل الفوارق بين الطبقات، متأثراً بالفكر الإشتراكي العالمي بما يتناسب مع خصوصية الواقع المصري والعربي، وإرتباطاً بالهوية والقيم العربية الإجتماعية والروحية، ورفض الرأسمالية والاستغلال الطبقي. مؤكداً في الميثاق الناصري بأن الحل الإشتراكي لمشكلة التخلف الإقتصادي والإجتماعي وصولا ثورياً إلى التقدم لم يكن إفتراضاً قائما على الإنتقاء الإختياري وإنما حتمية تاريخية فرضها الواقع، وفرضتها الآمال العريضة للجماهير، كما فرضتها الظروف المتغيرة في النصف الثاني من القرن العشرين، ومحددا الإشتراكية بالكفاية في الإنتاج من خلال تجميع المدخرات الوطنية ووضع خبرات العلم الحديث في خدم إستثمارها ووضع تخطيط شامل لعملية الإنتاج، والعدالة في التوزيع من خلال وضع برامج شاملة للعمل الاجتماعي تعود بخيراته للجموع الشعبية العاملة وتصنع لها مجتمع الرفاهية الذي تتطلع إليه. لذلك كانت الإشتراكية في صلب النظرية السياسية الناصرية كهدف إستراتيجي رئيسي وطنياً وقومياً، ووسيلة لمغالبة التخلف وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية. وقد شكّلت التحولات الإجتماعية بتفعيل دور الفلاحين والعمال الإجتماعي والسياسي وهم الغالبية الساحقة، وصعود الطبقة الوسطى، شكّلت قاعدة إجتماعية دفعت نحو الإصلاح الزراعي وتأميم القطاعات الإستراتيجية وتوسيع التعليم والخدمات، وبالتالي ترسيخ وبلورة البعد الإجتماعي والتوجه الإقتصادي الإشتراكي في النظرية السياسية الناصرية، وفكرة التنمية الإقتصادية القائمة على التخطيط المركزي. سادساً- المصدر الثقافي والسياسي: ورثت الناصرية في صلب بنائها النظري تجربة وتقاليد الدولة المركزية الحديثة التي بدأت منذ عصر محمد علي، حيث يُنظر للدولة كأداة تحديث وبناء، مع الفارق في المضمون والأهداف والبنية السياسية والإجتماعية ودرجة المركزية، كما كان للمؤسسة العسكرية في مصر كمؤسسة حديثة ومنظمة، دوراً ثورياً تغييراً في الناصرية، ما أهلها لحمل مشروع سياسي وإجتماعي ثوري مع ثورة 23 يوليو 1952. سابعا- المصدر الدولي وسياق الحرب الباردة: كان من أبرز متغيرات نتائج الحرب العالمية الثانية هي الحرب الباردة، التي تجسدت في الإستقطاب الأيديولوجي والسياسي الدولي الذي نتج عنه علاقات صراعية بين القطب الرأسمالي الذي قادته الولايات المتحدة والقطب الإشتراكي الشيوعي الذي قاده الإتحاد السوفيتي السابق، ما وفر هامش مناورة لدول العالم الثالث النامية. وقد عاش جمال عبد الناصر فترة الحرب الباردة كاملة، وحاول الإستفادة من التوازن الدولي بين المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي، متبنياً سياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، والتعاون مع المعسكر الإشتراكي دون التفريط بالسيادة الوطنية والقرار السياسي المستقل. وقد تبنى الواقعية السياسية وفق مقاربة عملية تجمع بين القومية والإشتراكية وبين المبادئ الثورية والضرورات السياسية والدبلوماسية، والتحدّي والمرونة، لتحقيق الأهداف الوطنية والقومية، والتعامل مع القضايا العربية الكبرى، كالحرب والسلام، وفق المصالح العربية دون إفراط وتفريط، مع مراعاة الظروف المحلية والدولية. وقد أسست النظرية السياسية الناصرية رؤيتها للواقع الدولي على المتغيرات التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، التي حدّدها الميثاق الناصري: بتعاظم قوة الحركات الوطنية في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، وظهور المعسكر الشيوعي، والتقدم العلمي الهائل في وسائل الإنتاج وأسلحة الحرب ومخاطرها ووسائل المواصلات، وزيادة تأثير القوى المعنوية في العالم وفي مقدمتها الأمم المتحدة والدول غير المنحازة والراي العام العالمي، ولجوء الإستعمار إلى وسائل العمل غير المباشرة عن طريق غزو الشعوب والسيطرة عليها من الداخل، وفي ضوء ذلك وضع الميثاق الناصري ثلاثة خطوط عميقة في السياسة الخارجية: الحرب ضد الإستعمار والسيطرة، والعمل من أجل السلام، والتعاون الدولي من أجل الرخاء المشترك للأمم و الشعوب كافة، ما أضاف للناصرية بعداً دوليا في سياق هذه الحرب بإتباع سياسة توازن نسبي، مع التأكيد على الحياد الإيجابي وعدم الإنحياز. ثامناً- الخطاب الناصري: إن المصادر أعلاه إنعكست في الخطاب الناصري بكل مستوياته الفكرية والفلسفية ووثائقه الأساسية ومجموعة خطب ومؤتمرات ومقابلات جمال عبد الناصر ومساهمات المفكرين الناصريين، التي بلورت في المحصلة، الناصرية كنظرية سياسية قومية عربية. لذلك لا يمكن فصل الناصرية عن شخصية جمال عبد الناصر نفسه، خاصة عبر نصوص مساهماته الفكرية التي جمعت بين الفكر والتطبيق: فلسفة الثورة التي قدّم فيه قدّم تصورًا لدور مصر العربي، وطرح فكرة الدوائر الثلاث (العربية، الأفريقية، الإسلامية)، والميثاق الوطني الذي يُعدّ الأساس في بلورة النظرية الناصرية، والربط بين الوحدة القومية العربية والعدالة الاجتماعية والسياسية، ثم بيان 30 مارس الذي مثّل تجديدا لجوانب من النظرية على ضوء نكسة 5حزيران 1967، وكذلك مجموعة خطب ومؤتمرات وندوات ومقابلات جمال عبد الناصر من 1952 - 1970، ومساهمات المفكرين الناصريين على إمتداد الوطن العربي التي ساهمت في بلورة النظرية السياسية الناصرية وإغنائها على ضوء المتغيرات التي شهدها الوطن العربي والعالم بعد رحيل عبد الناصر وحتى تفاعلات الألفية الثالثة. إنّ هذه المصادر الأساسية للناصرية التي تفاعلت في إطار معادلة تنشئة سياسية وإجتماعية، وقومية عربية وتحرر وطني، وعدالة إجتماعية، وبعد ديني إسلامي، ودولة قوية حديثة، وسياق حرب باردة، تؤكد بان الناصرية ليست إستنساخًا لنموذج ليبرالي أوروبي أو ماركسي وإن إلتقت معهما في بعض نقاط الإتفاق، بل كانت منظومة عربية فلسفية وفكرية وسياسية خاصة، تشكّلت إستجابةً لظروف تاريخية محددة، الإستعمار، التجزئة، الفقر، وصعود الدولة الوطنية في منتصف القرن العشرين. ب- مصادر النظرية السياسية الليبرالية: الليبرالية تيار فكري–سياسي تطوّر عبر قرون، ولم يظهر دفعة واحدة، لذلك تشكّلت مصادرها من تفاعل فلسفي وتاريخي وإقتصادي وثقافي داخل أوروبا ثم إنتشر عالمياً، وكما يأتي: أولاً- المصدر الفلسفي – نظرية الحقوق الطبيعية: تنطلق الليبرالية من فكرة العقد الإجتماعي التي نادى بها جون لوك أبرز مؤسسي الفكر الليبرالي، حيث طرح فكرة أن الإنسان يمتلك حقوقًا طبيعية (الحياة، الحرية، الملكية)، وأن الدولة تنشأ بموجب عقد إجتماعي لحماية هذه الحقوق، وأعطى للشعب حق مقاومة السلطة إذا إنتهكت هذه الحقوق، ما وضع الأساس لفكرة أن السلطة يجب أن تكون مقيدة وليست مطلقة، وفي ضوء ذلك إستندت الليبرالية على الحرية الفردية التي طورها جون ستيوارت مل بوصفها شرطًا لتقدم المجتمع، وعدم جواز تدخل الدولة إلا لمنع الضرر عن الآخرين. ثانياً- المصدر التاريخي – الصراع ضد الحكم المطلق: نشأت الليبرالية في سياق مقاومة الملكيات المطلقة، والثورات الدستورية في أوروبا، خاصة بعد الثورة الإنجليزية والثورة الأمريكية والثورة الفرنسية، الأمر الذي كرّس مبادئ سيادة القانون، والفصل بين السلطات، وتمثيل الشعب سياسيًا. ثالثاً- المصدر الإقتصادي– إقتصاد السوق: أسهم الفكر الإقتصادي الكلاسيكي ، خاصة إسهام آدم سميث، في ترسيخ البعد الإقتصادي لليبرالية، بالدفاع عن حرية السوق، وتقليل تدخل الدولة في الإقتصاد، وإعتبار المنافسة وسيلة لزيادة الكفاءة والربح والرفاه، وذلك على قاعدة الملكية الخاصة كضمانة للإستقلال الفردي والحرية الإقتصادية. رابعاً- المصدر القانوني – سيادة القانون: إستندت الليبرالية على فكرة خضوع الجميع للقانون، ولا سلطة فوق الدستور، والقضاء مستقل، وقد شكّل هذا البعد القانوني ركيزة لبنية الدولة الحديثة. خامساً- المصدر الثقافي– عصر التنوير: إنبثقت الليبرالية من مناخ فكري أوروبي يؤمن بالعقلانية، وحرية التفكير، ونقد السلطة الدينية والسياسية، والتسامح الديني، حيث كان التنوير تحولًا حضاريًا من مجتمع تقليدي قائم على الإمتيازات الطبقية والأنظمة المطلقة إلى مجتمع يقوم على الفرد وحقوقه. سادساً-المصدر الإجتماعي– صعود الطبقة الوسطى: تزامن صعود الليبرالية مع توسع في حركة التجارة، والثورة الصناعية، وبروز البرجوازية والطبقة الوسطى، وحاجتهما لحماية الملكية الخاصة، وحرية التعاقد، وإستقرار قانوني لهما، لذلك كان الفكر الليبرالي تعبيراً عن تحولات إجتماعية عميقة في المجتمع الأوربي. تطورت الليبرالية بعد ذلك إلى ليبرالية كلاسيكية يكون فيه دور الدولة محدوداً جداً، وليبرالية اجتماعية قبلت بتدخل الدولة لتحقيق العدالة النسبية، وليبرالية جديدة عادت إلى تقليص دور الدولة الإقتصادي. 2- السياق التاريخي والثقافي والحضاري أ. الناصرية: إرتبطت الناصرية بالمشروع السياسي الذي تبلور مع ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة جمال عبد الناصر، لكنها لم تكن ظاهرة مصرية خالصة، بل نتاج تفاعل تاريخي وحضاري عربي أوسع في منتصف القرن العشرين، ويمكن فهم سياقها، عبر ثلاثة مستويات مترابطة، وكما يأتي: أولاً: السياق التاريخي: نشأت الناصرية في سياق مرحلة ما بعد الإستعمار وإنهيار الإمبراطوريات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، وصعود حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث كان الوطن العربي يعيش إرث الاحتلال العثماني والبريطاني والفرنسي، وقيام الكيان الصهيوني عام 1948 وما ترتب عليه من صدمة عربية شاملة، وأنظمة ملكية أو شبه تقليدية ينخرها الفساد والتبعية، ما إستدعى الحاجة إلى مشروع عربي نهضوي يحقق الإستقلال الكامل، وإعادة بناء الدولة، وإستعادة الكرامة الوطنية والقومية، جسدته الناصرية التي تزامن صعودها من جهة أخرى مع سياق الحرب الباردة وإستقطابها الثنائي الدولي، التي دفعها هذا السياق إلى تبني سياسة عدم الإنحياز والحياد الإيجابي في محاولة لتوسيع هامش القرار الوطني والعربي بعيدًا عن الإصطفاف الكامل مع أي معسكر، كما شهدت الناصرية خلال هذه المرحلة التحولات الاجتماعية في مصر والوطن العربي بتوسع قاعدة التعليم، وبروز الطبقة الوسطى، وصعود ضباط الجيش كقوة سياسية قادرة على التغيير، وتفكك البنى الإقطاعية والتقليدية بشكل عام، لذلك جاءت الناصرية تعبيرًا عن السياق الواسع لهذه المرحلة والتحول الإجتماعي في مصر والوطن العربي. ثانياً: السياق الحضاري: جاءت الناصرية في سياق حضاري عربي إسلامي كان فيه الإسلام، عقيدة وشريعة، في صميم بنية المجتمع العربي روحياً وإجتماعياً وقيميا، ومن جهة أخرى كانت الناصرية إمتدادًا لمشروع النهضة العربية الذي بدأ في القرن التاسع عشر، والذي سعى إلى تفعيل الهوية العربية بكل تجلياتها اللغوية والتاريخية والمصيرية والسياسية الإستقلالية، من خلال تحديث الدولة، وإصلاح التعليم، وإستعادة الفاعلية الحضارية العربية، كما إستندت الناصرية إلى فكرة مركزية الدولة في التراث السياسي الحديث بإعتبارها أداة بناء الأمة، وهو تصور وإن تأثر بالنموذج الأوروبي للدولة القومية في بعض جوانبه، لكن أعيد بنائه في إطار عربي، حيث إعتبرت الناصرية أن الأمة العربية وحدة حضارية وثقافية تتجاوز الحدود السياسية التي رسمتها القوى الاستعمارية، وسعت إلى تحقيق الوحدة والتكامل لهذه الأمة العربية المجزأة رغم حقيقة وحدتها التاريخية والجغرافية والإجتماعية. ثالثاً: السياق الثقافي: جاءت الناصرية في سياق ثقافي يركز على الكرامة، والتحرر والعزة، والعدالة الاجتماعية، الذي لامس وجدان الجماهير على إمتداد الوطن العربي التي شعرت بالإهانة والإحباط بعد نكبة 1948، ما ساعد على صعود الثقافة الجماهيرية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين التي رسخها إنتشار وسائل الإعلام العامة والخاصة، وتحول الخطاب السياسي إلى خطاب تعبوي جماهيري من خلال اللغة المباشرة والحماسية، وبالتالي تشكيل هوية سياسية شعبية جديدة رسمت ملامحها القضايا العربية الكبيرة، الحرية والتحرر، والعدالة الإجتماعية والإشتراكية، والتقدم والتنمية، والوحدة العربية وغيرها، التي كانت في صميم قاموس الناصرية المعرفي الواسع الإنتشار شعبياً. لكلّ ذلك يمكن القول إن الناصرية تشكلت عند تقاطع: أزمة الإستعمار والتجزئة، والحاجة إلى دولة حديثة قوية، وصعود الوعي القومي العربي، وتحولات إجتماعية داخلية عميقة، وإستقطاب دولي حاد، لهذا لم تكن الناصرية مجرد برنامج سياسي، بل كانت لحظة تاريخية عبّرت عن تطلع حضاري عربي نحو التحرر والإستقلال، والوحدة، والعدالة، والتنمية. ب. الليبرالية: إن الليبرالية هي بنت الحضارة الأوربية ونشأت في ظل ظروفها الخاصة، فقد عاشت أوروبا قروناً مظلمة بكل المقاييس الحقوقية والإنسانية والحضارية، ونشبت فيها حروب دينية نتيجة تنازع السلطة الزمنية مع السلطة الروحية، والصراع الطائفي بين الكاثوليك والبروتستانت، لكن مع حركات الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، ومع تلاشي العصر الإقطاعي وظهور الرأسمالية في بريطانيا وهولندا غرب أوربا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بدأت جذور الليبرالية تنبت وتظهر كحركة سياسية خصوصاً في القرن السابع عشر الذي شهد ولادة الدول القومية وإنتهاء الحروب الدينية التي مزّقت القارة الأوروبية بإبرام إتفاقية وستفاليا عام 1648 التي كانت بداية إرساء قواعد القانون الدولي المعاصر.. كما كان لشرارة الثورة الصناعية في بريطانيا دوراً مفصلياً في إحداث نقلة نوعية للإقتصاد والعقل البشري، ما فتح المجال أمام أشكال من الإبتكار والإختراع والتصنيع، لتنتقل بعد ذلك تلك الرؤى والأفكار إلى الولايات المتحدة ما شجع الأفراد على المطالبة بالحرية بمختلف أبعادها. إن تلك الصراعات والحروب والأحداث والوقائع خلقت الأسباب وهيأت الظروف لولادة فلسفة الليبرالية، حيث تبلور ظهورها كحركة سياسية أثناء عصر التنوير وحظيت بشعبية كبيرة بين الفلاسفة والإقتصاديين في العالم الغربي، وذلك بسبب رفض الليبرالية للمفاهيم الدارجة خلال ذلك الوقت من الملكية المطلقة والحق الإلهي للملوك، وسيطرة الكنيسة على الشعب. وقد إنتشرت الليبرالية بوتيرة متسارعة بعد الإطاحة بالحكم الفرنسي، حيث شهد القرن التاسع عشر تأسيس الكثير من الحكومات الليبرالية في دول قارة أوروبا، وأمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية، وزاد انتشار أفكار الليبرالية في القرن العشرين، وصولا إلى القرن الواحد والعشرين. 3- الموقف العقدي والفلسفي أ- الموقف من الدين: يُشكّل الدين مفهوماً إشكالياُ في النظريات السياسية الحديثة، نتيجة إرتباطه المباشر بالإلوهية والمقدس، وقضايا الحكم، والشرعية، والسيادة، والمقاصد والأهداف، والسلطة، والأخلاق العامة، وحدود السلطة، والعلاقة مع الآخر، وغيرها من القضايا الإشكالية. وتختلف المدارس السياسية الكبرى إختلافاً جذرياً في موقفها من الدين وتعريفه، وموقعه في الدولة والمجال العام، وفي هذا الإطار فإن الموقف من الدين يُشكل خلافاً جوهرياً بين الناصرية التي تستند على موقف إيماني بالدين، حيث يُشكل الدين الإسلامي الحنيف مصدراً رئيسا ومحورياً من مصادر النظرية السياسية الناصرية، فيما تنطلق الليبرالية من موقف رافض للدين أو تحييده، وكما يأتي: 1- الموقف من قصة الخلق الدينية: المقصود بقصة الخلق الدينية هي الفكرة التي تصف أصل الكون والحياة بأنه نتيجة إرادة إلهية، كما هو منصوص عليه في الكتب الدينية السماوية وفي مقدمتها القرآن الكريم. ولما كانت الليبرالية تركز على العقل والفردية والحرية وفق مفهومها لهذه المفردات، وتتبنى من وجهة نظرها منهجًا علميًا وعقلانيًا في تفسير الظواهر الطبيعية والإجتماعية، فإنّها تتبنى بشكل عام موقفًا محايدًا أو متشككًا تجاه فكرة الخلق الدينية، بدعوى تطبيقها المنهج العلمي لتفسير الكون. مع تباين شكلي داخل الليبرالية في الموقف من قصة الخلق، إذ تذهب الليبرالية الكلاسيكية إلى الفصل بين الدين والعلم وتعتبر الدين شأناً شخصياً وأخلاقياً، وتوجب تفسير الظواهر الطبيعية علمياُ وعقلياً، وتُخرج قصة الخلق الدينية من معايير السياسة أو القانون، وبالتالي التحرر من المرجعية الدينية في التعليم والمناهج التعليمية والتطور والعلوم الحديثة بعيداً عن التفسير الديني، فيما تحاول الليبرالية المعاصرة تخفيف الموقف من الرؤى الدينية عبر منح حرية الإعتقاد للأشخاص بقصة الخلق الدينية، دون جعلها جزءًا من السياسات العامة أو المناهج العلمية الرسمية. وهذا يعني بشكل عام ان الليبرالية في موقفها من قصة الخلق الدينية، تنطلق من مبدأ العلمانية الذي يفصل المرجعية الدينية عن مؤسسات الدولة والعلم، حيث تكون الأولوية للعلم والمنهج العقلاني في تفسير أصل الحياة والكون، ما يجعل التطور والعلوم الحديثة هي المرجعية الأساسية، وأي محاولة لفرض قصة الخلق الدينية على التعليم أو السياسات العامة تعتبر إنتهاكاً واضحاً لمبدأ الحياد الليبرالي. أمّا الناصرية فتنطلق من إيمان لا يتزعزع بالله سبحانه وتعالى والأديان السماوية وفي مقدمتها الإسلام والبعد الغيبي للوجود، وأن الله عزّ وجل هو الخالق ومصدر كل شيء، والإيمان بقصة الخلق كما وردت في القرآن الكريم والكتب السماوية، حيث كانت بداية البشرية مع الخلق الإلهي لآدم وحواء، ومنهما تفرّعت الإنسانية. هذا الموقف الإيماني مؤسس على رفض الإلحاد جملةً وتفصيلاً، والإعتقاد بالوحي السماوي، إطاراً روحيًا ومعنويًا وحضارياً وثقافياً للوجود. وبذلك فإنّ الناصرية قد تبنّت تصورًا روحانيًا واقعيًا للوجود: الله هو الخالق للإنسان، والإنسان خليفته في الأرض الذي وكرّمه بإعمارها، والتاريخ هو ساحة فعل للإنسان لممارسة حريته ومسؤوليته. ويظهر ذلك واضحا في الخطابات المتكررة لجمال عبد الناصر الذي أكّد فيها أنّ الإسلام مصدر أساسي للهوية والقيم الروحية والأخلاقية، وانّه أول ثورة إشتراكية في تطبيق العدالة والمساواة بين البشر، مستخدماً القيم الإسلامية لتعزيز الوحدة الوطنية، وتأكيد الهوية الوطنية والعربية، والتوفيق بين الدين والتحديث. وتأكيداً لهذا الموقف تضمّنت المادة الأولى من شروط العضوية في الاتحاد الإشتراكي العربي على أن يكون العضو مؤمنا بالله وملائكته ورسله وفي مقدمتها الإسلام، كما أكّد الميثاق على أنّ من ضمانات العمل الشعبي إيمان لا يتزعزع بالله وبرسله ورسالاته القدسية التي بعثها بالحق والهدى إلى الإنسان في كل زمان ومكان".. ولا تعارض بين هذا الإيمان والعلم بقوانين الطبيعة التي جاءت مع خلق السماوات والأرض، بهدف معرفتها وتوظيفها عقلياً ومنهجياً لخدمة الإنسان، الذي يجمع في ذاته وحدة متكاملة ومترابطة ومتفاعلة من الذكاء المفكر والطبيعة المادية، وتأمين حاجاته وعلاقاته، أفراداً وجماعات. هذا يعني أن الناصرية هي الأقرب للعقل والعلم من الليبرالية، فإن فصل الدين عن تفسير الظواهر الطبيعية يخلق أزمة معنى للوجود الكلي عند الأفراد والمجتمعات، كما إن رفض نظرية الخلق الدينية في المجتمعات ذات الخلفيات الدينية يعتبر غزوًا ثقافيًا أو تهديدًا للهوية الدينية، الليبرالية غالبًا تتعامل مع ذلك بالتحفظ أو التأكيد على حرية الاعتقاد الفردية دون فرضها جماعيًا. 2- المرجعية العليا ومصدر الشرعية: تنطلق الليبرالية من افتراض أن الإنسان الفرد هو مصدر الشرعية السياسية، وأن العقل والقانون الوضعي كافيان لتنظيم الحياة العامة، وبناءً عليه لا يُعترف بالدين كمصدر للتشريع، ويُستبعد من المجال السياسي، وتُحصر السيادة في الإرادة البشرية، حيث يرى جون رولز(وهو من مفكري الليبرالية) أن الدولة الليبرالية لا يمكن أن تستند إلى "عقائد شاملة" دينية أو ميتافيزيقية، بل إلى "عقل عام" مشترك، أمّا الناصرية فتقوم على مرجعية قومية وسياسية، تجعل الأمة والمصلحة القومية والدولة المركزية هي مصادر الشرعية العليا، فلا يكون الدين في هذا الإطار مصدراً للسيادة بل ديناً للدولة ومصدراً رئيساً للتشريع وعنصراً ثقافياً وأخلاقياً داعماً للوحدة الوطنية والقومية. 3- موقع الدين في المجال العام: تسمح الليبرالية بالدين في المجال الخاص وتقيده في المجال العام، فهو مرفوض كمصدر للتشريع أو السياسات العامة، إذ يرى تشارلز تايلور أن العلمانية الليبرالية الحديثة لا تعني حيادًا كاملًا، بل إعادة تعريف الدين بما يتلاءم مع الدولة الحديثة، بينما يكون الدين في الناصرية حاضراً في الخطاب العام، وعدم السماح بتشكيل سلطة دينية موازية في الدولة، وذلك بفصل رجال الدين عن الدولة لا الدين نفسه. 4- الدين والأخلاق العامة: تعتبر الليبرالية الأخلاق مسالة نسبية غير مؤسسة على الوحي أو الطبيعة، وليس للدولة أن تفرض تصوراً أخلاقياً دينياً، وهو ما يؤدي إلى تفكك المعنى الأخلاقي في المجتمع، امّا الناصرية فترى أنّ الأخلاق ذات طابع إجتماعي قومي مرتبطة بالعدالة والمساواة والوحدة، ومستمدة من الدين كمصدر لإلهامها. يتبين مما سبق أنّ الليبرالية رغم إدعائها الحياد إلاّ أنّها تُقصي الدين عن المجال العام، وتفرض تصورًا علمانيًا محددًا، يختزل الدين في الشعائر، كما تفصل الإيمان عن التشريع والأخلاق عن الوحي، ما يؤدي إلى فراغ معياري وأزمة معنى وتفكك للقيم المشتركة، الأمر الذي يؤكد أن الخلاف بين الليبرالية والناصرية حول الدين ليس خلافًا شكليًا أو تاريخيًا، بل خلافًا بنيويًا في المرجعية والتصور الإنساني والأخلاقي. ب- الموقف من العلمانية: العلمانية وفق المفهوم الأوربي هي فصل الدين عن الدولة والسياسة، وتحويل مرجعية التشريع إلى العقل أو القانون المدني، ولما كانت الليبرالية فلسفة سياسية تركز على حرية الفرد وحقوقه، وتعتبر الدين شأنًا خاصًا ولا ينبغي له أن يحدد قوانين الدولة أو السياسة العامة، فإنّها تلتقي مع العلمانية في المبدأ الأساسي وهو فصل الدين عن الدولة وعن السياسة، وذلك إنطلاقاً من رؤية الليبرالية للدولة على أنّها يجب أن تكون محايدة تجاه الدين وان لا يكون مصدراً للشرعية أو القانون العام، مع ضمان الحرية الدينية الفردية، وتعتبر العلمانية شرطاً للحرية وضماناً للحقوق والحريات الفردية، وأنّ القانون والسياسة يجب أن يعتمدا على القواعد العقلية والعقد الإجتماعي وليس على الشرائع الدينية. لذلك أصبح تطبيق العلمانية في المجتمع الغربي بفصل الدين عن السياسة قاعدة عملية في معظم الدول الغربية، ولكن مع ذلك لا يزال التداخل بين القيم الغربية والدين موجودًا، خصوصًا في مسائل التعليم، الزواج، والرموز الوطنية. وقد واجه الموقف العلماني لليبرالية بفصل الدين عن الدولة والسياسة نقداً يتعلق بأن هذا الفصل سيترك أخلاقيات القانون دون مرجعية مطلقة، ويجعلها نسبية، كما إنّ تطبيق العلمانية بشكل صارم يمكن أن يؤدي إلى تجاهل القيم الجماعية أو الهوية الدينية للأمة، ففي العالم الثالث غالبًا ما يُفرض النموذج الغربي العلماني دون مراعاة الثقافة المحلية ما يُفضي إلى إحتكاك وصدام ثقافي وقيمي تدفع ثمنه الشعوب. امّا الناصرية فتؤمن بأنّه لا يمكن الفصل المطلق بين الدين والدولة، لأن الدين جزء من النسيج والهوية والقيم الروحية والأخلاقية للأمة العربية، وبالتالي ترفض العلمانية بمفهومها الغربي التي تفصل الدين عن الدولة وتقصيه عن الحياة العامة، ولكنها في نفس الوقت تسعى لحل يتجاوز الثيوقراطية أي حكم رجال الدين، مع التأكيد على أهمية الإسلام كدين للدولة متضمناً مبادئ الشورى والعدل والمساواة في إطار تفسير إشتراكي للإسلام، وترى أن العلمانية الحقيقية هي فصل رجال الدين عن الدولة في إطار واجبهم الروحي، لأن تدخلهم في السياسة سيُفضي إلى تشوية الدين بربطه بقواعد السياسة القائمة على المصالح والمواقف المتغيرة، وتشويه السياسة بربطها بالمقدس وبالتالي التعطيل لمصالح الناس. ت- الموقف من سؤال الفلسفة الأساسي: إنّ سؤال "أيهما أسبق: الفكر أم المادة؟" هو من الأسئلة الأساسية في الفلسفة، ويقود إلى نقاشات حول طبيعة الوعي والعقل وأصل المعرفة والعلاقة بين الإنسان والواقع المادي، وقد إنقسمت الفلسفات الكبرى إلى المثالية التي تعتبر الفكر هو الأساس والمادة إنعكاس للفكر، والمادية التي تؤكد بأنّ المادة هي الأصل بينما يُمثل الفكر نتاجاً لتطور المادة والممارسات الواقعية. وقد إنحازت الليبرالية الكلاسيكية إلى المثالية العقلانية في المجالين السياسي والإجتماعي، حيث تؤكد بأنّ الإنسان يمتلك عقلًا حرًا قادرًا على التعقل والتفكير النقدي، ما يوجب بناء المجتمع وبنيته السياسية على هذا الفكر، ومع ذلك لا تنكر أهمية الواقع المادي، لكنها تراه خاضعاً للفكر في إطار الاستخدام والتطبيق كما في الإقتصاد والسياسة والقانون، لكن هذا الموقف تطور مع الليبرالية المعاصرة التي ذهبت إلى أنه مع انّ الفكر هو أساس تفسير الواقع، لكنه يعمل ضمن شروط المادة والإقتصاد والمؤسسات القانونية، مع مراعاة الظروف المادية والإجتماعية للشعوب. وقد واجه هذا الموقف الليبرالي نقدا فلسفياً وإجتماعياً يتعلق بأنّ التركيز على الفكر والعقل قد يؤدي إلى إهمال البعد المادي والإجتماعي في تحليل قضايا العدالة والتنمية، كما إنَّ تفسير العالم اعتمادًا على الفكر فقط غير عملي، خاصة في المجتمعات ذات الواقع الإقتصادي والسياسي الصعب. أمّا الناصرية فقد تبنّت موقفاً فلسفياً رافضاً لهذا الإستقطاب الثنائي المتعسف، في تأكيدها أن الإنسان وحدة متكاملة من المادة والفكر أو الذكاء، لا يمكن الفصل بينهما أو تغليب أحدهما على الآخر، معتبرة الإنسان هو الأساس والمحرّك الفعلي للتاريخ، بوعيه وممارسته، وليس الفكر أو المادة وحدهما، لذلك فهي ترفض أن ترى في الأفكار المجرّدة وحدها محركاً للتاريخ كما عند المثاليين ومثالهم الأبرز(الليبرالية)، بنفس رفضها للمادة وحدها محركاً للتاريخ كما عند الماديين(ومثالها الماركسية)، وترى أن الإنسان ليس مجرد تابع للظروف، بل هو فاعل تاريخي حر، ومسؤول عن صنع مصيره شرط أن يدرك قوانين الواقع الموضوعية، كما ترفض الحتمية في التاريخ وتؤكد أنّه قابل للتغيير بالفعل الإنساني الواعي، حيث تُشكل المادة الظروف المحيطة بالإنسان، والفكر يمنحه القدرة على الوعي والتفاعل مع هذه الظروف، هذه العلاقة الجدلية تجعل الإنسان لا يقف موقف المتلقي فقط، بل هو فاعل ومنتج للتاريخ. وفي إطار هذا الموقف يؤكد جمال عبد الناصر: " إن النصر حركة، والحركة عمل، والعمل فكر، والفكر فهم وإيمان، وهكذا كل شيء يبدأ بالإنسان"، لذلك ركزت الناصرية على الإصلاح الزراعي، والتعليم، والتنمية الصناعية بهدف تحسين الظروف المادية للإنسان، وفي الوقت نفسه تعزيز وعيه السياسي والإجتماعي. ما يعني أنّ الناصرية تعتبر أن بناء الإنسان هو بناء للوطن، والإنسان الواعي هو من يغير الواقع ويقود التاريخ.. ث- الموقف من الإنسان: يُعدّ مفهوم الإنسان نقطة الخلاف الأعمق بين الناصرية والليبرالية، إذ تنطلق كل منهما من تصور مختلف للعلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، فالإنسان الفرد في التصور الليبرالي هو الأصل ويسبق الدولة والمجتمع من حيث القيمة والإعتبار الأخلاقي، ومسؤول عن إختياراته، بإفتراض قدرته على إتخاذ قرارات عقلانية في حياته اليومية وممارساته المختلفة، وهو كائن عاقل حر يمتلك حقوقًا طبيعية (الحياة، الحرية، الملكية) لا تمنحها السلطة بل عليها الإعتراف بها وحمايتها لا توجيهها أيديولوجيًا، وبالتالي تُشكل الحرية الفردية مركز النظام القانوني للدولة الليبرالية، خاصة حرية التعبير والإختيار والإعتقاد التي تُمثّل جوهر الكرامة الإنسانية، وتميل الليبرالية إلى تقليص تدخل الدولة في تشكيل هوية الإنسان أو فرض تصور أخلاقي موحّد، مع الاكتفاء بضمان إطار قانوني يحمي الحقوق.. وخلاصة موقف الليبرالية أن الإنسان فرد مستقل، والحرية حق أصيل، والدولة خادم للحقوق لا وصيّ عليها. أمّا الناصرية فتنظر إلى الإنسان ضمن سياق قومي وإجتماعي؛ فهو ليس كائنًا منعزلًا بل جزء من أمة لها خصوصيتها التاريخية والثقافية والحضارية، والانتماء الوطني والقومي عنصر أساسي في تعريف الإنسان. وترى أن التحرر يسبق الحرية الفردية المطلقة، حيث تُعلي من شأن التحرر الوطني والإجتماعي، بتحرير الإنسان من الإستعمار، ومن الجهل والفقر، ومن التبعية، ما يعني أن الحرية في المفهوم الناصري ذات بعد جماعي لا فردي صرف، والعدالة الإجتماعية شرط الكرامة الإنسانية التي لا تتحقق بمجرد الإعتراف القانوني بالحقوق، بل لا بد أن ترتبط بضمانات التعليم والعمل والرعاية، ما يُعطى الدولة دوراً مركزياً في تحقيق المساواة والعدالة، فهي ليست مجرد حارس للحقوق، بل فاعل رئيس في تشكيل الوعي الوطني والقومي وتحقيق التنمية والتقدم. وخلاصة الموقف الناصري من الإنسان أنه مواطن منتمٍ إلى جماعة وطنية وقومية، وكرامته تتحقق عبر العدالة والتحرر والتنمية، وأنّ الإنسان الحر هو أساس المجتمع الحر ، كما يؤكد الميثاق الناصري. ويتبين مما سبق إن الإختلاف جذري فيما يتعلق بالموقف من الإنسان، ففي حين ترى الليبرالية الإنسان بوصفه ذاتًا مستقلة ذات حقوق طبيعية سابقة على الدولة، ترى الناصرية الإنسان بوصفه كائنًا إجتماعيًا وطنيًا وقومياً، تتحقق كرامته في إطار جماعة سياسية عادلة ومستقلة، على المستويين الوطني والقومي. ج- الموقف من الفلسفة السياسية: تهتم الفلسفة السياسية عادة بدراسة طبيعة الدولة ومصدر السلطة، والعلاقة بين الفرد والمجتمع، والأسس الأخلاقية للسياسة والقوانين. ويتمثّل موقف الليبرالية من الفلسفة السياسية بالتركيز على حرية الفرد وحقوقه بإعتباره وحدة التحليل الأساسية، وحقوقه يجب أن تكون محمية من الدولة المدنية التي لا تقوم على الإرادة الفردية للحاكم أو على الجماعة القومية، بل على القانون والمؤسسات المستقلة، ومساواة المواطنين أمام القانون، بغض النظر عن الدين أو العرق، والفصل بين السلطات من خلال التوازن بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لضمان عدم إستبداد الدولة، كما تقوم على التعددية والمجتمع المدني من خلال تعدد الأحزاب، النقابات، والجمعيات، مما يعزز الحوار السياسي وإحترام الإختلاف. أمّا الفلسفة السياسية في النظرية الناصرية التي تنطلق من رؤية الدولة والمجتمع، فلا تؤمن بالدولة الحارسة كما هي لدى الليبرالية، كما لا تؤمن بأن الدولة سينتفي وجودها عند تحقق المجتمع الشيوعي كما تعتقد الماركسية، وإنّما تؤمن بالدولة الفاعلة في خدمة العدالة الإجتماعية وتوزيع الثروة والتنمية، وترى أن الحرية هي حرية الوطن والمواطن معاً، وأنهما مرتبطان بالعدالة السياسية والإجتماعية، أي الديمقراطية التي تعني الحرية السياسية والإشتراكية التي تعني الحرية الاجتماعية ولا يمكن الفصل بينهما فهما جناحا الحرية الحقيقية، كما يؤكد على هذا الميثاق الناصري، لذلك تسعى الناصرية إلى إقامة توازن بين حرية الفرد وحقوق المجتمع، فوفقاً للميثاق الناصري: "ان الإنسان الحر هو أساس المجتمع الحر"، وترى في الإستعمار والهيمنة الرأسمالية تهديدًا وجوديًا واقعاً، لذلك تدعو إلى تحرر سياسي وثقافي واقتصادي كامل للأمة العربية. 4-الموقف من الإستعمار على الرغم من أن الليبرالية قد دأبت على تقديم نفسها كفلسفة حرية، في إطار الدفاع عن حرية الإنسان الأوروبي، وملكيته الخاصة وسوقه الرأسمالي، إلاّ أنها في الأصل نشأت تاريخياً داخل الدول القومية الأوروبية الرأسمالية التجارية، والتوسع الإستعماري لهذه الدول، لذلك كان لهذه النشأة دوراً في ممارسة الليبرالية إستثناءً منهجياً في مواجهة الإنسان المستعمَر والشعوب غير الأوربية من هذه الحرية الليبرالية الكلاسيكية، على أساس انّ هذه الشعوب غير ناضجة وغير مؤهلة للسياسة والحكم، ما يبرر من وجهة نظرها إخضاعها للوصاية أو ما سمته بالإحتلال ((التقدّمي)). وهو موقف يتناقض مع خطاب الليبرالية عن الحرية، وقد جاء هذا الموقف بوضوح في أدبيات مفكرين مؤسسين لليبرالية كجون لوك وجون ستيوارت مل، الذين برّروا إستعمار ما سموها "الأراضي غير المملوكة" وفرض الوصاية على "الشعوب غير الناضجة سياسياً"، تحت مسمّى الليبرالية الإمبريالية، وتطور هذا النوع من الإمبريالية مع الليبرالية المعاصرة من الإستعمار العسكري إلى الإستعمار القيمي بعد نهاية الإستعمار المباشر، وتحول بعد ذلك إلى هيمنة قانونية وثقافية وأخلاقية، كأداة هيمنة معيارية عبر القانون الدولي والديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني بصيغها الليبرالية وشروطها السياسية والإقتصادية. وقد إنطلقت الليبرالية في موقفها المتناقض هذا من التصور التاريخي للليبرالية التي ترى الغرب متقدمًا، والمجتمعات الأخرى في مراحل "متأخرة" جداً عن الحضارة الغربية، وبالتالي تبرير الإستعمار تحت عنوان التنمية والتقدم. وإنسحب هذا الموقف المتناقض أيضاً من حركات التحرر الوطني بدافع الحفاظ على المصالح الغربية، والحرص على إستمرار آليات الهيمنة على بعض الدول التي تمكنت من الحصول على الإستقلال عبر السوق الدولي، وشروط التمويل، وسياسات ما سُمي بالتنمية المُستدامة وفقاً للمعايير الليبرالية. إن هذا السياق الليبرالي الغربي الذي تبنى المساواة والحرية الفردية داخل أوروبا والولايات المتحدة، تبنى موقفاً مزدوجاً بتجاهل حقوق وحريات شعوب العالم الثالث أثناء الإستعمار، وذلك بدعم السياسات الإستعمارية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، مع الترويج المتكرر لقيم الحرية والمساواة في داخل الدول الغربية. أمّا موقف الناصرية من الإستعمارن فتحدّده خصوصية الإطار الذي تشكّلت فيه الناصرية بوصفها مشروعاً فكرياً وسياسياً تحرريا في سياق السعي الصراعي للوطن العربي للتحرر من الإستعمار والتبعية الإقتصادية والنفوذ الغربي المباشر وغير المباشر بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، حيث طرح جمال عبد الناصر رؤية تقوم على التحرر الوطني والعدالة الإجتماعية والوحدة العربية بهدف تحرير الإرادة العربية من الهيمنة الأجنبية وبناء نموذج تنموي مستقل يقوم على العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية. وقد ترك هذا السياق الصراعي لنشوء الناصرية موقفاً حدّياً من الإستعمار إتسم بالوضوح والحسم، إذ إعتبرت الناصرية أن التحرر من الهيمنة الأجنبية هو الشرط الأول لنهضة الأمة العربية، لذلك كان دعم حركات التحرر الوطني العربية والعالمية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية أولوية في المشروع الناصري بهدف مواجهة النفوذ الإستعماري في الوطن العربي والعالم، وتعزيز التضامن بين دول العالم الثالث، الذي كان من أبرز تجليات هذا الموقف المشاركة الرئيسة مؤتمر باندونج عام 1955 وتأسيس حركة عدم الانحياز التي سعت إلى خلق مسار مستقل عن الإستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي خلال الحرب الباردة، كما إعتبرت الناصرية تحرير فلسطين والأراضي العربية المحتلة الأخرى مركزية في إستراتيجية التحرر العربي من الإستعمار. 5- الليبرالية ونظرية تفوق الرجل الأبيض نظرية تفوق الرجل الأبيض هي رؤية عنصرية تزعم أن الأوربي البيض أرقى عرقيًا وأخلاقيًا وثقافيًا من غيره، وتُستخدم هذه الفكرة لتبرير الإستعمار والعبودية والتمييز العنصري. ومع أن الليبرالية طرحت نفسها على أساس أنّها فلسفة سياسية تركز على حقوق الفرد والحرية والمساواة أمام القانون بغض النظر عن العرق أو الدين، كما وردت في النصوص الكلاسيكية لكتابات جون لوك وجون ستيوارت ميل مثلاً، إلاّ انها ارتبطت تاريخيًا بالغرب الإستعماري، مما خلق ازدواجية وتناقض بين قيمها النظرية، وتطبيقها العملي على أرض الواقع، فقد إرتبطت الليبرالية الغربية في القرنين 18 و19 بالإستعمار والعنصرية، وتجارة الرقيق، والتوسع الإمبريالي الذي كان يُبرر تحت عنوان "التفوق الحضاري الغربي" الذي يتماهى مع فكرة تفوق الرجل الأبيض. وفي ظل تطور القوانين الدولية والإنسانية، حاولت الليبرالية المعاصرة التخفيف نظرياً من هذا التناقض عبر مناهضة العنصرية نظرياً وإعتبار نظرية تفوق الرجل الأبيض منافية لقيمها الأساسية، والتأكيد على المساواة بين الأفراد بغض النظر عن العرق أو الدين أو الجنس، إلاّ أنّ التحديات التطبيقية رغم المبادئ النظرية لازالت تحمل آثاراً إستعمارية وثقافية وإقتصادية تمييزية في مواجهة شعوب العالم الثالث، ما يؤكد إستمرار إزدواجية المعايير الليبرالية الغربية، ومواجهتها تتطلب أكثر من نصوص نظرية، بل تغيير مؤسساتي وثقافي واقتصادي وقوانين على المستوى الوطني والدولي. 6- الموقف من حركات التحرر الوطني والعالم الثالث يُقصد بـالعالم الثالث تلك الدول والمجتمعات التي خضعت للإستعمار الأوروبي، ثم سعت إلى الإستقلال السياسي وبناء الدولة الوطنية خلال القرن العشرين، أما حركات التحرر الوطني فهي الحركات السياسية والإجتماعية التي ناضلت ضد الإحتلال الأجنبي والتبعية الإقتصادية والهيمنة الثقافية. وقد طرح موقف الليبرالية من العالم الثالث وحركات التحرر الوطني إشكالية مركزية في الفكر السياسي الليبرالي الحديث، حول كيفية تعامل الليبرالية بوصفها فلسفة الحرية مع نضال شعوب العالم الثالث من أجل التحرر؟ إنّ موقف الليبرالية تحكم به تصورها التقليدي للتاريخ والتقدم كتطور خطي للتاريخ، يمثل فيه الغرب ذروة التقدم، فيما تُمثّل المجتمعات غير الغربية مراحل "متأخرة"، وبناءً عليه لا تُعد شعوب العالم الثالث من وجهة نظر الليبرالية شركاء متكافئين بل مجتمعات “غير ناضجة” سياسيًا، ما أنتج علاقة تراتبية حضارية، الفردانية الليبرالية مقابل الجماعية التحررية، حيث تركز الليبرالية على حرية الفرد وتُهمّش البعد الجماعي، بينما حركات التحرر الوطني جماعية بطبيعتها حيث تضع الأمة والإستقلال والسيادة قبل الحرية الفردية المجردة . وقد جسّد هذا التبرير الليبرالي النظري للإستعمار عدد من المفكرين الليبراليين الذين برروا الإستعمار أو قبلوه بوصفه "مرحلة ضرورية"، فمثلاً جون ستيوارت مل استثنى الشعوب “غير المتحضرة” من حق تقرير المصير وإعتبر الحكم الإستعماري مؤقتاً ومفيداً، ما يعكس إزدواجية المعايير الليبرالية، فالحرية حق للمواطن الأوروبي، والإستعمار مقبول لغير الأوروبي، وبالتالي يكشف انّ الليبرالية لم تكن كونية بل حضارية مركزية. وما يتعلق بالموقف الليبرالي من حركات التحرر الوطني فقد تميّز بالسلبية أو العداء الصريح، لأنها من وجهة نظرها قومية جماعية جذرية ذات توجهات إشتراكية، وهي خصائص تتعارض مع أسس الليبرالية في الفردانية وإقتصاد السوق والدولة محدودة الدور، وحين إضطرت الليبرالية إلى الإعتراف بالأمر الواقع ربطت ذلك بدعم مشروط للإستقلال بحسب المصالح الغربية أو معارضة غير مباشرة بمحاصرة الأنظمة التحررية أو إسقاطها أو إحتوائها، ومناهضة التحرر باسم الديمقراطية عبر تشويه حركات التحرر في الخطاب الليبرالي وتصويرها على أنها إستبدادية غير ديمقراطية معادية للحريات دون إعتبار للسياق الإستعماري الذي فرض أولوية التحرر والسيادة، وهشاشة الدولة الوطنية الناشئة التي تتطلب سنوات طويلة من جهود إعادة البناء السياسي والإجتماعي والإقتصادي، كما يتجاهل التصور الليبرالي المرحلة الإستعمارية التي تمّ خلالها نهب منظم للموارد وتفكيك البنى الاجتماعية. ما يكشف أن الليبرالية ليست محايدة بل هي جزء من بنية الهيمنة، ويرى إدوارد سعيد أن: الخطاب الغربي عن الحرية غالبًا ما يُخفي علاقات قوة غير متكافئة، كما يذهب آخرون إلى أن الدولة الليبرالية الحديثة غير قابلة للإستنساخ في مرحلة ما بعد الإستعمار دون فقدان السيادة. يتضح مما سبق إنَّ موقف الليبرالية من العالم الثالث وحركات التحرر الوطني لم يكن موقفًا داعمًا للتحرر بقدر ما كان إنتقائياً مشروطاً وخاضعاً لمركزية غربية، فالليبرالية رغم خطابها الحقوقي، لم تتصالح تاريخيًا مع القومية التحررية أو السيادة الوطنية أو التنمية المستقلة بل أعادت إنتاج الهيمنة بصيغ جديدة، أكثر نعومة وأقل مباشرة. أمّا موقف الناصرية من حركة التحرر العربية والعالمية، فقد دعمت حركة القومية العربية الوحدوية والتحرر الوطني، وإعتبرت أن تحرير الوطن العربي من الإستعمار والحفاظ على سيادته السياسية ضرورة أساسية لتحقيق النهضة العربية، وبالتالي تبّنت دعم حركات التحرر العربية والعالمية في أفريقيا وآىسيا وأمريكا اللاتينية، من خلال الربط بين قضية التحرر العربي بالتحرر العالمي من الإستعمار والإستغلال الاقتصادي. وفي هذا الإطار لعبت مصر الناصرية دوراً محورياً في مؤتمرات دولية مثل مؤتمر باندونج عام 1955، الذي كان إيذاناً بوضع مفهوم تأسيسي للعالم الثالث كمحور مستقل عن الإستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي، وأكدت الناصرية حاجة دول العالم الثالث النامية إلى تضامن إقتصادي وسياسي لمواجهة الهيمنة الإقتصادية الرأسمالية، من خلال إنشاء تحالفات ومؤسسات دولية مستقلة، مثل حركة عدم الانحياز، لتعزيز الإستقلال السياسي والإقتصادي للدول النامية، كما سعت الناصرية إلى تطوير نماذج تنموية وطنية تقوم على التخطيط الوطني المستقل، بعيداً عن التبعية للرأسمالية الغربية. وفي إطار موقفها الإستقلالي وجهت الناصرية نقداً شديداً للتيارات الليبرالية العربية المرتبطة بالغرب أو المهمشة لقضايا التحرر الوطني والإجتماعي، وجاء هذا النقد في إطار تأكيد الناصرية بانّ حركة التحرر العربية في القرن العشرين، وفي المركز منها القضية العربية الفلسطينية، شكّلت محورًا رئيساً للصراع بين الهيمنة الإستعمارية وحقوق الشعوب في الحرية والإستقلال والسيادة والتقدم، كما مثّلت القضية العربية الفلسطينية نموذجاً صارخاً للصراع بين حق تقرير المصير الوطني والمصالح الغربية التقليدية التي فرضت الكيان الصهيوني بدون وجه حق ليكون فاصلاً يمزق إمتداد الوطن العربي بين مشرقه ومغربه. وعلى الرغم من شعارات الليبرالية الغربية عن الحرية وحقوق الإنسان، لكن موقفها من حركة التحرر العربية وفلسطين إتسم بالعدائية وإزدواجية المعايير، والنظر إلى الوطن العربي ومنه فلسطين على أنه منطقة نفوذ إستراتيجية وجيوسياسية، ودعم الكيان الصهيوني منذ فرضه سنة 1948 تحت حجج واهية بإسم التقدم الحضاري والأمن الغربي، وتصوير حركة التحرر العربية على أنها معادية للديمقراطية أو للأمن الدولي، متجاهلة مرحلة الإستعمار المريرة والإحتلال والتهجير القسري للشعب العربي الفلسطيني، ما يعكس الإزدواجية الليبرالية لحرية الفرد وحرية الشعوب وحق تقرير المصير، فهو موقف مقبول في الغرب وأوروبا ومرفوض أو محدود في الوطن العربي، وإذا ما إضطرت لسبب أو آخر إلى إعلان دعم ما لحقوق الإنسان والحرية ضمن مصالح الدول الغربية السياسية والإقتصادية، فإنها تركز على حقوق أفراد معينين داخل الدولة وتتجاهل الحقوق الجماعية والسيادة الوطنية، وتستخدم القيم الليبرالية كغطاء للهيمنة الجيوسياسية وتتجاهل الإعتبارات التاريخية والإحتلالية. 7- الليبرالية العربية إن موقف الليبرالية الغربية السلبي من حركة التحرر العربية والقضية العربية الفلسطينية والوطن العربي بشكل عام، إنعكس على موقف التيار الليبرالي العربي وتناقض خطابه، ما يتطلب بيان السياق التاريخي والسياسي لنشوء هذا التيار ومواقفه التي إصطدمت بالكثير من القضايا الجوهرية العربية، وفي مقدمتها حركة التحرر العربية وقضية فلسطين المركزية. فقد ظهرت الليبرالية العربية نتيجة إستيراد الفكر السياسي الغربي إلى الوطن العربي الذي كان معظمه واقع تحت الإحتلال الأوربي، وبالنالي لم تنشأ كتيار أصيل متوافق مع خصوصيات المجتمع العربي والتحديات التاريخية في مواجهة الإستعمار، إذ ارتبطت بالليبرالية الغربية، التي كانت قد نشأت في حضن أوربا الإستعمارية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وفي ذات الوقت كانت (أي الليبرالية الغربية) جزءًا من المشروع الإستعماري الذي سعى إلى الحفاظ على مصالح الغرب في المستعمرات، سواء الإقتصادية أو السياسية. وعند إنتقال الفكر الليبرالي إلى الوطن العربي كان محدود النطاق إقتصر على النخب الثقافية والطبقة المتوسطة الحضرية في المدن الكبرى، مع الترويج لبعض الحريات الفردية والقانونية، دون ان يكون هناك إلتزام كامل بحقوق المواطنين أو حركة التحرر العربية وحق الوطن العربي في تقرير المصير وإختيار النظام السياسي والإقتصادي والإجتماعي الذي يرغب بإرادته الحرّة. وفيما يتعلق بالقضية العربية الفلسطينية، كانت مواقف الليبرالية العربية المتناقضة أكثر وضوحاً، فقد تبنت بعض التيارات الليبرالية العربية سياسات مزدوجة، فهي تدعو نظرياً إلى "حلول سلمية"، لكنها عملياً لم تمنح الأولوية لدعم حق الشعب العربي الفلسطيني التاريخي في فلسطين وفي تقرير مصيره، وإختارت وفقاً لمصالحها التوازن مع مصالح القوى الغربية في المنطقة، كما إن مبدأ حرية الفرد الذي تعتبره الليبرالية الغربية أساسًا، لم يمتد عملياً في مواقف الليبرالية العربية ليشمل حماية الشعوب المحتلة أو المعرضة للهيمنة الخارجية خصوصا في الوطن العربي. إن الليبرالية العربية في سياقها التاريخي والسياسي ومواقفها، تمثل نموذجاً محدوداً للحرية الفردية، وتبايناً جذريًا عن مشاريع التحرر القومية، وهامشية تحرير فردية، بينما كانت حركة التحرر العربية والفلسطينية تستهدف تحرراً جماعياً وسيادة سياسية لأمة بكاملها وأراضيها المحتلة وفي مقدمتها فلسطين، وهذا الموقف هو ما عزل الليبرالية العربية عن مشاريع التحرر القومية العربية، وفي مقدمتها الناصرية التي وضعت أولوية تحرر وتقدم ووحدة الأمة العربية والسيادة الوطنية والقومية في صميم برنامجها السياسي القومي النهضوي. امّا موقف الناصرية من الليبرالية العربية فهو موقف نقدي، نظراً لإرتباط هذه الليبرالية بـالمصالح الغربية وبتهميش قضايا التحرر الوطني والإجتماعي العربية، وترى أن الليبرالية الغربية المستوردة لم تكن مناسبة للواقع العربي، لأنها غالباً ما تعكس مصالح القوى الإقتصادية الغربية وتضعف الدولة الوطنية، لذا ركزت الناصرية على دور الدولة المركزية في إدارة الإقتصاد والتخطيط الوطني، مع الحفاظ على الحرية الفردية ضمن إطار القيم الوطنية والإجتماعية العربية، بعيداً عن الإنفتاح الليبرالي الكامل على النماذج الغربية. 8- الموقف من الرأسمالية تؤكد التجربة التاريخية بأن الليبرالية والرأسمالية يعملان كجناحين لمنظومة واحدة في الواقع التاريخي، وإن كانتا ليستا متطابقتين نظريًا. فعلى المستوى النظري، الليبرالية فلسفة سياسية/قانونية، موضوعها الحرية، الحقوق، الدستور، العقلانية، وغيرها من المفردات، وسؤالها المركزي، كيف نُقيّد السلطة؟ أمّا الرأسمالية، فهي نظام إقتصادي، موضوعه الملكية، السوق، الربح، وسؤالها المركزي، كيف نُنظّم الإنتاج والتبادل؟ لذلك نظريًا يمكن أن تكون ليبرالية بلا رأسمالية كاملة (دولة رفاه)، ورأسمالية بلا ليبرالية (أنظمة سوقية)، لكن في التجربة الغربية الحديثة، البرجوازية إحتاجت الليبرالية لتفكيك الإقطاع والسلطة المطلقة، والرأسمالية لتوسيع السوق والتراكم، فصار البرلمان مع السوق والحقوق الفردية والملكية الخاصة منظومة واحدة وظيفياً، الليبرالية تحمي السوق قانونياً، والرأسمالية تموّل الليبرالية سياسياً، ما يعني أنّهما يُشكلان معاً جناحين لمشروع برجوازي واحد، وتعبيراً عن قوة إجتماعية طبقية محددة.. وهنا يظهر التناقض فعندما يتعارض منطق السوق مع العدالة، والربح مع الحقوق، ورأس المال مع الديمقراطية نلاحظ أن الليبرالية تنحاز للرأسمالية، بتقييد الحريات بإسم "لاستقرار"، وتفريغ الديمقراطية من مضمونها الإجتماعي، ما يُظهر الليبرالية غطاءً أخلاقياً وقانونياً للرأسمالية وليس قوة مستقلة عنها، ما يعني أنّهما يشكلان تحالفاً تاريخياً، ويعملان كـجناحين لمنظومة واحدة، الليبرالية تضبط الشكل السياسي، والرأسمالية تتحكم في الجوهر الإقتصادي. وفي المحصلة فإنّ الليبرالية السياسية بدون عدالة إجتماعية تتحول إلى حرية للأقوياء فقط، لذلك العلاقة بين الليبرالية والرأسمالية هي علاقة عضوية تخدم مشروعًا واحدًا، حتى لو إختلف الخطاب. أمّا موقف الناصرية من الرأسمالية فلم يُبنى على موقف أيديولوجي جامد من النشاط الإقتصادي والملكية الخاصة أو من الرأسمالية بوصفها نظاماً إقتصادياً في حد ذاته، لكنها وقفت بوضوح ضد الرأسمالية الإحتكارية المرتبطة بالهيمنة الأجنبية. أي ذلك النمط الإقتصادي المرتبط بالمصالح الاستعمارية والشركات الاحتكارية الغربية. فقد أدركت الناصرية أن إستمرار هذا النمط يعني بقاء الاقتصاد العربي رهينة لمراكز القوة في النظام الدولي، وأن الإستقلال السياسي لا يمكن أن يكتمل دون إستقلال اقتصادي حقيقي.، ورأت أن الرأسمالية في العالم الثالث كانت في الغالب أداة لربط إقتصادات الدول النامية بالمراكز الإقتصادية الغربية. لهذا طرحت الناصرية نموذجاً إقتصادياً يقوم على دور قوي للدولة في إدارة الاقتصاد، عبر التأميم والسيطرة على الموارد الإستراتيجية وتحقيق العدالة الإجتماعية وتذويب الفوارق الطبقية. وتجسد هذا التوجه بوضوح في قرار تأميم قناة السويس عام 1956، وما ترتب عليه من مواجهة مباشرة مع القوى الإستعمارية، الذي لم يكن مجرد نزاع سياسي على خلفية القرار بل كان صراعاً على السيطرة على الموارد والقرار الوطني. وفي هذا الإطار طرحت الناصرية طريقاً ثالثاً بين الرأسمالية الغربية والإشتراكية الشيوعية، من خلال السعي إلى الجمع بين الإستقلال الوطني، والتنمية الاقتصادية والعدالة الإجتماعية بقيادة الدولة. وقد إنعكست هذه الرؤية في وثائق الفكر الناصري مثل الميثاق الوطني عام 1962 الذي وضع الأسس النظرية لما عُرف لاحقاً بالطريق العربي للإشتراكية الذي يجمع بين العدالة الإجتماعية والإستقلال الوطني والتنمية الإقتصادية، في إطار مشروع نهضوي يهدف إلى تحرير الإنسان العربي من الفقر والتبعية في آنٍ واحد.. ورغم أن عقوداً طويلة مرّت على التجربة الناصرية في التطبيق ورحيل جمال عبد الناصر، إلاّ أنّ السؤال الذي طرحته المرحلة الناصرية مازال قائماً: هل يمكن للوطن العربي أن يبني نموذجاً تنموياً مستقلاً في ظل نظام دولي تُهيمن عليه القوى الإقتصادية الرأسمالية الكبرى؟ ما يعيد إلى الواجهة من جديد وأكثر إلحاحاً جوهر المشروع الناصري، الذي لم يكن مجرد تجربة تاريخية عابرة، بل محاولة مبكرة ومستقبلية لصياغة معادلة تجمع بين التحرر الوطني والعدالة الإجتماعية والإستقلال الاقتصادي والوحدة العربية، لذلك لم تكن الناصرية مجرد موقف إقتصادي من الرأسمالية أو موقف سياسي من الإستعمار، بل كانت وستبقى مشروعاً تحررياً شاملاً هدفه بناء دولة عربية مستقلة إقتصادياً وسياسياً، قوية وقادرة على مواجهة الهيمنة الخارجية وتحقيق التنمية والعدالة الإجتماعية في الوطن العربي. 9-العلاقة بين الليبرالية والرأسمالية والصهيونية إنّ العلاقة بين الليبرالية والرأسمالية والصهيونية هي علاقة مركبة ومتداخلة تاريخياً وفكرياً، ويمكن فهمها من خلال ثلاثة مستويات، وكما يأتي: أولاً- العلاقة الفكرية: كانت تحولات البيئة الفكرية والسياسية الأوربية الكبرى، وقوامها الليبرالية وصعود النظام الرأسمالي، هي الحاضنة لنشوء الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، التي صاغ مشروعها الإستيطاني بشكل رئيس "هيرتزل"، في إطار المفاهيم السياسية الليبرالية الحديثة، حلاً سياسياً للمسألة اليهودية في أوروبا. حيث ساهمت فكرة القومية الليبرالية الأوربية، في تقديم الصهيونية لنفسها كحركة قومية حديثة تسعى لتأسيس دولة قومية يهودية مثل غيرها من الدول القومية التي نشأت في أوروبا، والدعوة لإنشائها عبر الإستيطان في فلسطين، بإستخدام الخطاب الحقوقي الخاص بــ “حق تقرير المصير” الذي تبناه الفكر الليبرالي الأوروبي منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، خاصة في ظل نتائج الحرب العالمية الأولى وإنهيار الإمبراطوريات التقليدية التي كانت تضم قوميات متعددة. ثانياً- العلاقة السياسية: كانت العلاقة بين المشروع الصهيوني والقوى الليبرالية الرأسمالية الغربية وثيقة ومترابطة وتجلى ذلك في دعم الدول الغربية ذات الأنظمة الليبرالية الدائم للمشروع الصهيوني، وكان من أبرز مظاهر هذا الدعم وعد بلفور عام 1917 الذي أصدرته الحكومة البريطانية لدعم إقامة “وطن قومي لليهود في فلسطين”، والدعم السياسي والإقتصادي والعسكري الأمريكي والأوربي الواسع للكيان الصهيوني منذ تأسيسه عام 1948. وكذلك التحالف الجيوسياسي خلال الحرب الباردة حيث تحول الكيان الصهيوني إلى حليف إستراتيجي للغرب الليبرالي، في مواجهة المعسكر الإشتراكي الذي كان يقوده الإتحاد السوفييتي السابق، وفي مواجهة الوطن العربي بتنفيذ سلسلة من حروب العدوان التي كان المعسكر الليبرالي الغربي شريكاً مباشراً فيها، خصوصاً ضد المشروع القومي الناصري. ثالثاً- العلاقة الإقتصادية: على الرغم من وجود تيارات تدعي الإشتراكية داخل الحركة الصهيونية، خصوصاً في بداياتها (مثل الكيبوتسات)، إلاّ أن التطبيق سرعان ما ألحق إقتصاد الكيان الصهيوني تدريجياً ضمن إطار الإحتكار الرأسمالي الليبرالي، حتى أصبح مندمجاً في الإقتصاد الرأسمالي العالمي وأصبح الكيان الصهيوني ضمن دائرة ومنظومة الإرتباط الاقتصادي بالأسواق الليبرالية الرأسمالية، ومركزاً مهماً في إستثمارات التكنولوجيا، من خلال العلاقة الوثيقة مع شركات كبرى في الولايات المتحدة وأوروبا. وفي إطار الدعم المالي الغربي تلقى الكيان الصهيوني مساعدات إقتصادية وعسكرية ضخمة خصوصاً من الولايات المتحدة، ما رسّخ إرتباطه المصيري بالنظام الإقتصادي الرأسمالي الليبرالي العالمي. يتبين مما سيق ان العلاقة بين الصهيونية والليبرالية والرأسمالية هي علاقة تداخل تاريخي وسياسي نشأت في البيئة الأوروبية الحديثة، ثم تطورت عبر التحالفات الدولية والإقتصاد العالمي، حيث وفرت الليبرالية الإطار الفكري والسياسي، وشكلت الرأسمالية البيئة الإقتصادية الداعمة لها، وبالتالي تحول الصهيونية إلى مشروع سياسي مرتبط مصيرياً بالبنية الإستراتيجية للغرب. الأمر الذي يؤكد مفارقة كبرى تكمن في أن الليبرالية التي رفعت شعارات الحرية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، كانت في الوقت نفسه توفر الغطاء السياسي لمشروع استيطاني في فلسطين عبر وعد بلفور في وقت كانت فيه فلسطين جزءاً من المجال القومي العربي التاريخي. وهكذا وُلد المشروع الصهيوني في قلب المعادلة الإستعمارية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وإعادة رسم خرائط الوطن العربي والنظام الإقليمي بشكل عام. ومع قيام الكيان الصهيوني عام 1948، تعمّق هذا التحالف بين المشروع الصهيوني والغرب الليبرالي. فقد أصبحت إسرائيل جزءاً من البنية الإستراتيجية للغرب، وتلقت دعماً سياسياً وعسكرياً وإقتصادياً واسعاً من الولايات المتحدة والدول الغربية، الأمر الذي ساهم في تثبيت موقعها داخل النظام الدولي الذي تقوده القوى الرأسمالية الكبرى. إنّ هذه العلاقة تكشف عن واحدة من أبرز إشكاليات الخطاب الليبرالي في النظام الدولي المعاصر، وهي إزدواجية المعايير، فالقيم التي يتم الترويج لها عالمياً تحت عنوان الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان كثيراً ما تصطدم بواقع سياسي تتحكم فيه موازين القوة والمصالح الإستراتيجية. لذلك فإن فهم العلاقة بين الصهيونية والليبرالية والرأسمالية لا يقتصر على بعدها الفكري أو التاريخي فحسب، بل يرتبط أيضاً بطبيعة النظام الدولي نفسه، حيث تتقاطع الأفكار مع المصالح، وتتحول الشعارات إلى أدوات سياسية ضمن صراع أوسع على النفوذ والهيمنة. وفي هذا السياق تبرز القضية العربية الفلسطينية مثالاً واضحاً على التناقض بين المبادئ المعلنة للنظام الدولي الليبرالي وبين ممارساته الفعلية، وهو تناقض ما زال يشكل أحد أهم مصادر الصراع والتوتر العسكري والسياسي والأخلاقي في العالم المعاصر. أمّا موقف الناصرية من الصهيونية، فقد إتّسم بالحسم والوضوح، بإعتبارها مشروعاً إستعمارياً يُهدّد وحدة الأمة العربية وقضاياها، خاصة القضية الفلسطينية، وقد إرتبط هذا الموقف بثلاثة أبعاد رئيسية: أولاً- الصهيونية إمتداد للإستعمار الغربي: رأت الناصرية أن الصهيونية لا تنطبق عليها معايير أن تكون حركة قومية يهودية، بل هي أداة للمصالح الغربية في الوطن العربي ومحيطه الإقليمي، بهدف تمزيق الأمة العربية والسيطرة على مواردها، وقد شكّل إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين عام 1948 نتيجة مباشرة للهيمنة الغربية والإحتلال الإستعماري، وهذا الخطر الوجودي هو الذي دفع الناصرية لمواجهة هذا المشروع الإستيطاني سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً. ثانياً- دعم للقضية الفلسطينية: إعتبرت الناصرية أن تحرير فلسطين وإستعادة حقوق الشعب العربي الفلسطيني قضية مركزية للأمة العربية، لذلك دعمت بكل الوسائل حركات المقاومة العربية الفلسطينية، مع التأكيد على أن الكفاح ضد الصهيونية جزء لا يتجزأ من الصراع العربي الشامل من أجل التحرر الوطني والإستقلال والسيادة العربية. ثالثاً- مواجهة النفوذ الصهيوني: رسمت الناصرية سياسات دفاعية وإستراتيجية لمواجهة أي محاولات توسعية أو نفوذ صهيوني، سواء على صعيد الحدود أو على صعيد النفوذ السياسي والإقتصادي في الوطن العربي، حيث كان العمل من أجل الوحدة العربية والتضامن العربي إحدى الوسائل الرئيسة لمواجهة المشروع الصهيوني، وهو ما تجلى في إنشاء التحالفات العسكرية والسياسية لمواجهة الكيان الصهيوني، التي كان من ابرز تجلياتها، الموقف العربي الموحد في مواجهة العدوان الثلاثي سنة 1956 وفي مواجهة عدوان5 حزيران1967. يتبين مما سبق، أن موقف الناصرية من الصهيونية كان موقف مقاومة عربية شاملة، يجمع بين الرؤية الإستراتيجية لمواجهة الهيمنة الغربية والصهيونية كأداة إستعمارية، والدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية كجزء من المشروع العربي الموحد لتعزيز الوحدة العربية والتكامل السياسي والعسكري لمواجهة المشروع الصهيوني، الذي إعتبرته الناصرية تهديداً وجودياً للأمة العربية، ومقاومته جزءاً لا يتجزأ من مشروعها القومي العربي التحرري. 10-الموقف من المجتمع المدني يُقصد بالمجتمع المدني وفق المفهوم الغربي، شبكة المؤسسات والتنظيمات التي تنشأ خارج إطار الدولة المباشر، مثل النقابات المهنية والعمالية الجمعيات الثقافية والخيرية المنظمات الحقوقية الأحزاب السياسية، التي يُفترض أن تمُثل وسيطاً بين المجتمع والدولة وأن تسهم في الدفاع عن مصالح المواطنين وتعزيز لمشاركة السياسية. وتعد قضية المجتمع المدني من أهم القضايا التي تكشف طبيعة الاختلاف بين النظرية السياسية الناصرية والنظرية السياسية الليبرالية، وذلك إنطلاقاً من تصور مختلف لدور الدولة وطبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة، وبالتالي فهم وظيفة المجتمع المدني وحدود نشاطه. ففي إطار موقف الليبرالية يحتل المجتمع المدني مكانة مركزية في النظرية الليبرالية، إنطلاقاً من فكرة تقليص سلطة الدولة وتعزيز إستقلال المجتمع، بإعتباره مجالاً لحماية الحريات الفردية ووسيلة لتنظيم المصالح الإجتماعية خارج سلطة الدولة، وأداة لمراقبة السلطة السياسية ومحاسبتها، لذلك ُتشجع الليبرالية تعددية المؤسسات والتنظيمات، وتعتبر أن مصداقية النظام الديمقراطي مرتبطة بقوة المجتمع المدني. لكن التحليل التاريخي النقدي للمجتمع المدني يؤكد أن الكثير من منظمات المجتمع المدني قد تحولت إلى أداة للتأثير السياسي الخارجي، خصوصاً عندما يعتمد على التمويل الدولي. فالسياق الليبرالي الذي أعلى من شأن الحرية الفردية سرعان ما تنكشف تناقضاته بين المبدأ والتطبيق، فمنذ نهاية الحرب الباردة، إحتّل مفهوم المجتمع المدني مركزية في الخطاب السياسي الليبرالي النظري، بوصفه مساحة مستقلة عن الدولة والسوق، لتعزيز المشاركة السياسية والدفاع عن الحقوق والحريات، إلاّ أنّ التجربة السياسية خلال العقود الأخيرة كشفت أن هذا المفهوم تجاوز إطاره النظري المثالي، وتحول إلى أداة سياسية لتعزيز الهيمنة داخل المجتمعات واختراق المجتمعات الأخرى. ومع صعود العولمة والمؤسسات العابرة للحدود، وبرامج الدعم المرتبطة بسياسات بعض الدول الليبرالية، تحولت هذه المؤسسات إلى أداة ضبط وهيمنة داخلية وآلية لإدارة المجتمع وتوجيهه بدلاً من تمكينه، بتوظيف شبكات واسعة من المنظمات غير الحكومية ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية، موجهة للتأثير في الرأي العام وصياغة أولوياته، ما يُشكل نمطاً من الهيمنة الناعمة عبر التأثير الثقافي والإعلامي وتشكيل الوعي العام. وفي المجال الدولي أُستخدم المجتمع المدني كأداة إختراق خارجي حيث إكتسب المجتمع المدني بعداً إستراتيجياً في السياسة الخارجية لبعض الدول الليبرالية، من خلال إستخدام المنظمات غير الحكومية، وبرامج دعم الديمقراطية، ومشاريع التنمية السياسية كأدوات للتأثير في المجتمعات الأخرى، أما الناصرية فقد تعاملت مع مفهوم المجتمع المدني من رؤية مختلفة، فقد تبنّت موقفاً يقوم على رؤية المجتمع المدني من منظور الدولة والأمة والقومية، معتبرة الدولة هي الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية الوطنية والسيادة العربية، وتوظيف المجتمع المدني لتقوية الأمة وتعزيز الوحدة القومية والمصالح الوطنية والقومية العليا، وليس كمساحة مستقلة تراقب الدولة أو تنتقدها، وتطبيق هذه الرؤية من خلال الحملات التعليمية، والتطوعية، أو التنظيمات الشبابية القومية. وقد جاءت هذه الرؤية الناصرية في إطار مرحلة تحرر وطني كان الهدف الأساسي فيها هو مواجهة الإحتلال والنفوذ الإستعماري وبناء دولة وطنية قوية وتحقيق العدالة الإجتماعية، وبالتالي فرضت خصوصية المرحلة من الدولة الناصرية تنظيم المجتمع ضمن أطر سياسية وإجتماعية مرتبطة بالدولة، مثل التنظيم السياسي لتحالف قوى الشعب العامل في إطار الإتحاد الاشتراكي العربي، وأن أي تعددية سياسية أو إجتماعية قد تؤدي إلى عودة نفوذ الطبقات الإقطاعية والرأسمالية التقليدية التي قامت الثورة من أجل إنهاء نفوذها الإستغلالي، وكذلك إختراق القوى الأجنبية للمجتمع عبر هذه الواجهات، ما يُضعف مشروع الدولة الوطنية ويُجهض مهمات التحرر الوطني التي تتطلب تحالف شعبي واسع بين القوى الوطنية. ويتبين من ذلك أن جوهر الإختلاف بين النظريتين الناصرية والليبرالية في رؤيتهما للمجتمع المدني، يكمن في ثلاث مستويات أساسية: 1. العلاقة مع الدولة: تُعطي الليبرالية الأولوية لإستقلال المجتمع المدني بإعتباره ضمانة للحريات ومراقبة ممارسات الدولة، أمّا الناصرية فترى أن دور المجتمع المدني الأساسي يكون ضمن مشروع الدولة الوطنية، بهدف تحقيق التنمية والعدالة الإجتماعية وحماية الإستقلال الوطني. 2. الدور السياسي: الليبرالية ترى المجتمع المدني أداة للتعددية السياسية، امّا الناصرية فترى أنّ المجتمع المدني جزء من مشروع تعبئة المجتمع حول أهداف التنمية والتحرر. 3. البعد الدولي: الليبرالية تعمل على بناء شبكة من منظمات المجتمع المدني الممولة من الدول الليبرالية بهدف توظيفها ضمن مصالحها، أمّا الناصرية فتحذر من محاولات إستخدام المجتمع المدني كوسيلة للإختراق الأمني والتدخل الخارجي، وهو ما ظهر جليا في أحداث ما سُمي بالربيع العربي، وإنكشاف دور الدول الليبرالية في تمويل المجتمع المدني، وإعداد كوادره لتنفيذ الحشد السياسي وإحداث الفوضى، ما حوّل المجتمع المدني في الوطن العربي إلى مجرد أدوات للإختراق والنفوذ في الصراع السياسي الدولي، ما أثار جدلاً واسعاً حول دور المجتمع المدني في الوطن العربي، خاصة بعد توسع نشاط المنظمات الحقوقية والتنموية، وتمحور الجدل حول عدة أسئلة، من قبيل: هل المجتمع المدني يمثل قوة ديمقراطية حقيقية؟ أم أنه مشروع وأداة للإختراق والتأثير الخارجي؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين إستقلالية المجتمع المدني وضرورات وثوابت حماية السيادة الوطنية؟ 11-الموقف من حقوق الإنسان يُشكل الموقف من حقوق الإنسان أحد المحاور الأساسية للخلاف بين الناصرية والليبرالية، ليس من زاوية قبولها أو رفضها، ولكن من زاوية تعريفها ومضمونها وحدود تطبيقها، ومدى مصداقية الإلتزام بها من عدمه، ومن حيث طبيعة الحقوق التي تُعطى الأولوية، ودور الدولة في حمايتها أو تنظيمها، فقد شهد الفكر السياسي العربي منذ منتصف القرن العشرين، جدلاً واسعاً حول مفهوم حقوق الإنسان، وقد أخذ هذا الجدل بعداً عملياً في سياق المقارنة بين الفكر القومي الناصري والفكر الليبرالي الغربي، في مواجهة سؤال جوهري: هل تتحقق حقوق الإنسان عبر الحريات السياسية الفردية أولاً، أم عبر العدالة الإجتماعية والتحرر الوطني؟ أم عبر التوازن بينهما؟، وكما يأتي: أولاً-السياق التاريخي للجدل الفكري: بدأ المشروع الناصري جانبه التطبيقي مع ثورة 23 يوليو عام 1952 التي خططها وقادها جمال عبد الناصر، في إطار مرحلة كان فيها الوطن يعيش حركة تحرر عربية في صراعه الواسع مع الإحتلال والنفوذ الإستعماري الغربي، ومع بنى إجتماعية تقليدية تتحكم بها منظومة الإقطاع والرأسمالية المستغلة. بينما كان الفكر الليبرالي الغربي قد تشكل عبر سياق تاريخي أوربي مختلف بمساهمات عدد من المفكرين وبعد الثورات الدستورية الغربية كالثورة الفرنسية وإعلانها لحقوق الإنسان والمواطن 1789 حتى مرحلة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 وتبلور مفهوم حقوق الإنسان الذي حدّد دور الدولة وإقتصاره على حماية الحريات الفردية، ومن هنا نشأ الخلاف بين النظريتين على مستوى الأفكار وعلى مستوى السياق التاريخي والإجتماعي معاً. ثانياً- تعريف الحرية: ترى الليبرالية أن الحرية تبدأ من الفرد، وأن حماية حقوق الإنسان تقوم على ضمان الحريات السياسية، مثل حرية التعبير والتعددية السياسية، وبنية مؤسسية دستورية، والفصل بين السلطات. أما الناصرية فقد إنطلقت من التأكيد بأنّ الحرية السياسية تصبح شكلية إذا كان الإنسان يعاني من ظروف إقتصادية واجتماعية قاسية، وبالتالي التركيز على العدالة الإجتماعية من خلال الإصلاح الزراعي والتعليم المجاني وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد. وقد عبّر الميثاق الناصري لعام 1962 عن ذلك بالربط بين الحرية والعدالة الاجتماعية، من خلال تأكيده " إن حرية رغيف الخبز ضمان لابد منه لحرية تذكرة الإنتخابات". ثالثاً- دور الدولة: يُعد دور الدولة أحد أبرز نقاط الخلاف بين الناصرية والليبرالية، فالفكر الليبرالي حصر دور الدولة الوظيفي بحماية الحريات الفردية وتنظيم العلاقة بين المواطنين، وبالتالي فإنّ التوسع في دورها السياسي والإقتصادي يُشكّل تهديداً للحريات. أما النظرية الناصرية فقد أعطت للدولة دوراً أساسياً لتحقيق التنمية الإقتصادية والعدالة الإجتماعية، إلى جانب إنشاء تنظيم سياسي هو الإتحاد الإشتراكي العربي، من أجل ضمان تحالف وطني واسع لقوى الشعب العامل لحسم الصراع مع الإستعمار وبناء دولة وطنية قوية وقادرة على حماية إستقلالها السياسي والإقتصادي. رابعاً: البعد القومي والدولي لحقوق الإنسان: من الخصائص المميزة للنظرية الناصرية أنها وسّعت مفهوم حقوق الإنسان ليشمل حقوق الشعوب وليس الأفراد فقط، فقد إعتبرت أن حق الشعوب في التحرر من الإستعمار والسيطرة الأجنبية هو شرط أساسي لضمان كرامة الإنسان، ولهذا دعمت الناصرية العديد من حركات التحرر الوطني العربية والعالمية، في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. أمّا الليبرالية فرغم انّها أعطت بعداّ عالمياً لحقوق الإنسان من خلال المؤسسات الدولية، وفي مقدّمتها الأمم المتحدة التي أصدرت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، لكنها أثبتت إزدواجية بين التنظير والتطبيق، بالتشدد في معايير تطبيق حقوق الإنسان لصالح الإنسان الغربي، لكنها إستخدمت هذه الحقوق غطاء للتدخل في الدول غير الأوربية، ولم يصل دفاعها عن الحقوق الفردية والجماعية للشعوب غير الغربية إلى مستوى خطابها النظري في الدفاع عن حقوق الإنسان أينما يكون في داخل المجتمع الغربي أو خارجه، خصوصا في العالم الثالث وإلى مستوى معالجة جذور التفاوت الإجتماعي والإقتصادي. 12-الموقف من القومية يُمكن تعريف القومية، بأنّها: "مفهوم معرفي وفكري وسياسي وإجتماعي يقوم على إعتبار أية جماعة ترتبط بمجموعة من العناصر كاللغة والتاريخ والمصير المشترك، تشكل امّة لها هوية محددة ونطاق بشري وجغرافي معينين، ما يمنحها الحق والقدرة على المطالبة بحق تقرير المصير القومي بتطابق حدود دولتها السياسية مع الحدود القومية لها كأمة". ولما كانت الليبرالية فلسفة سياسية تركز على الفرد وحقوقه، وتقيم الدولة على أسس قانونية ومؤسسية وليس على أساس الهوية القومية، فقد نتج عن ذلك جدل وصراع جوهري بين الليبرالية والقومية، خصوصًا في مواجهة القومية في الوطن العربي والعالم الثالث. وتعود جذور هذا الجدل والصراع إلى الليبرالية الكلاسيكية التي ترى أن الحرية الفردية وحقوق الفرد أهم من أي إلتزام جماعي تجاه الأمة أو القومية، على أساس أن القومية تضع مصلحة الأمة قبل الفرد وأن السعي إلى وحدة الأمة سيكون على حساب تنوع الأفراد داخل الدولة، وهذا ما يتعارض مع الدولة الليبرالية التي تقوم على القانون والمؤسسات، وليس على الهوية العرقية أو الثقافية. إلاّ أن هذا الموقف من القومية لم ينسحب على القومية في الغرب فقد دعمت الليبرالية القومية في أوروبا في حالات توحيد الدولة مثل ألمانيا أو إيطاليا، لكنها إتخذت موقفاً سلبياً من القومية في العالم الثالث وحركات التحرر القومية في سياق تبريرها للإستعمار. وقد ساد هذا الموقف السلبي في مواجهة القومية العربية والقوميات الأفريقية والآسيوية، وإذا ما تطلبت المصالح الغربية دعم نوع من أنواع الإستقلال فيكون مشروطًا بهذه المصالح ليس إلاّ، والمثال البارز موقفها من وحدة مصر وسورية (ج ع م) عام 1958، حيث بذلت الدول الليبرالية الغربية المستحيل من أجل فك عرى هذه الوحدة العربية الوليدة، وأصبح منع اية مشاريع وحدوية عربية مفردة مركزية في الإستراتيجية الليبرالية الغربية، وسبق لبريطانيا وفرنسا الليبراليتين أن منعتا قيام أي وحدة قومية عربية بتجزئة الوطن العربي إلى دويلات وفقاً لإتفاقية سايكس بيكو عام 1917، الأمر الذي يؤكد بأنّ موقف الليبرالية من القومية هو أبرز الأمثلة على ازدواجية المعايير، فهي تدعم القومية في الغرب وتعارضها في العالم الثالث، وحرية الفرد مقبولة في الغرب، لكنها مرفوضة للشعوب غير الغربية حين تتخذ شكل قومية تحررية، التي لم تكتف برفضها ولكن صوّرتها على أنها تهديد للديمقراطية أو السلام الدولي الغربي لتبرير تدخلها السياسي والإقتصادي، على الرغم من أن القومية التحررية هي تعبير عن حق تقرير المصير الذي تزعم الليبرالية الدفاع عنه. أمّا موقف الناصرية من القومية، فينبع من كونها في منطلقاتها وغاياتها هي نظرية قومية عربية، ونقطة إنطلاقها هي القومية العربية مؤكدة بأن الأمة العربية جوهر ووجود تُمثّل أمة واحدة تجمعها وحدة اللغة والتاريخ والأمل والمصير المشترك، وتسعى لتحقيق الوحدة العربية الشاملة، ما يعني أنّه موقف إنتماء لفكرة القومية العربية وتجسيدا لحركتها، فالناصرية هي بنت القومية العربية وحركتها التحررية، وهي نظريتها السياسية الأكثر تطورا، التي تجاوزت بها الأطر التقليدية التي اتسمت بها في مرحلة نشوئها الحديث كرد فعل للإحتلال الأجنبي العثماني وبعده الأوربي، وفتحت الآفاق للوعي الفردي أو الجماعي المجرد للأمة العربية كأمة، باتجاه الوعي بمعاناة المواطن العربي من الإستعمار والتجزئة والفقر والجهل والإستبداد، لذلك كانت القومية العربية حجر الزاوية في النظرية السياسية الناصرية، لكنها في ذات الوقت كانت قومية حركية قائمة على التحرر والإستقلال والعدالة الإجتماعية والوحدة العربية ومشروعا نهضويا ينطلق من أن الأمة العربية هي كيان واحد متكامل، وأن التجزئة السياسية التي فرضها الإستعمار هي عدوان على وحدة الأمة العربية كأصل، ما يتطلب العمل من أجل وضع حدّ لها بكل الوسائل المشروعة. لذلك لم تكن القومية بالنسبة للناصرية مجرد وعي سلبي بالإنتماء إلى أمة واحدة، بل تضمّنت بعداً تحررياً لمواجهة الإستعمار والمطامع الجيوسياسية الدولية والإقليمية، وبعداً إجتماعياً وسياسياً ربطت الناصرية فيه جدلياً بين القومية والاشتراكية بهدف تحقيق الوحدة العربية والعدالة الإجتماعية والسياسية عبر إعادة توزيع الثروة ومفاصل السلطة على المستويين الوطني والقومي، أي ان الناصرية ربطت بين القومية كوعي وإنتماء وإطار والإشتراكية كمضمون إجتماعي وإقتصادي. ومن جهة أخرى ومع أن الناصرية هي نظرية قومية إلاّ أنها في ذات الوقت نظرية تحررية وإنسانية تربط ما بين الإستقلال الوطني ومقاومة الإستعمار والهيمنة الخارجية والصهيونية، ورفض الطائفية والعنصرية في نفس الوقت. 13-الموقف من القيم الأخلاقية والإجتماعية- تشريع الشذوذ المثلي- سقوط ونهاية الليبرالية في الخطاب الغربي السائد يتم تقديم الليبرالية بوصفها فلسفة كونية للحرية وحقوق الإنسان، غير أن التحليل التاريخي، يكشف أن الليبرالية ليست حيادية ولا بريئة قيميًا، بل نشأت وتطورت داخل سياق الحداثة الأوروبية الإمبريالية، ثم تحوّلت في مرحلتها المتأخرة إلى نظام معياري عالمي يُعيد إنتاج الهيمنة بصيغ ناعمة وغير مباشرة. وأبرز تجليات هذه الإشكالية هي في علاقتها التاريخية بالإستعمار وتبريره وفق خط تطوري يقف الغرب على قمته فيما تضع الشعوب غير الأوربية في القاع، وتحوّلها المعاصر الأخطر بتشريع أنماط أخلاقية تتمثّل بالشذوذ المثلي، وفرضها معياراً كونياً أحادياً. وتنطلق الليبرالية في تشريعها للشذوذ المثلي من فردانية وحرية مطلقة وسيادة لإختيار وحياد قيمي للدولة وفصل الأخلاق عن أي مرجعية تتعلق بالدين أو الطبيعة أو الغائية الإنسانية، وترفض بتعسف أي معيار أعلى من الفرد أو القانون الوضعي، وترهن شرعية الفعل بصدوره من إرادة فردية وعدم خضوعه لأي معيار غائي أو فطري، والسعي لإلغاء أي معيار قيمي لا يتوافق مع الحرية الفردية. وقد تطور تشريع الشذوذ المثلي مع الليبرالية المعاصرة من الحرية الفردية إلى نموذج إلزام وأداة هيمنة معيارية، فالليبرالية المعاصرة لم تعد تقتصر على حماية حرية الفرد فقط، بل أصبحت تُلزم المجتمع بالإعتراف بالشذوذ المثلي وتُجرِّم أيّ رفض ثقافي أو ديني أو سياسي له، ما أنتج تضييقاً على المجتمعات غير الليبرالية ونزعاً لشرعيتها الأخلاقية والإجتماعية والدينية. وقد أخذ هذا الإلزام القيمي بُعداً دولياً في الألفية الثالثة، حيث أصبحت قضايا الهوية الجنسية جزءاً من الخطاب الحقوقي الليبرالي الدولي، تُستخدم اليوم في تصنيف الدول إلى" متقدمة خاضعة للشذوذ المثلي/ ومتخلفة رافضة له"، وذلك بهدف ممارسة الضغط السياسي وفرض الشروط الإقتصادية، ما حوّل الليبرالية إلى أداة ضبط عالمي للقيم لا كخيار فلسفي محايد، وإستعمار قيمي بدلا من إستعمار عسكري. إن هذا المنحى من الهيمنة الليبرالية الثقافية والسياسية، التي تقوم على الفردانية والحرية المطلقة، وفصل الجنس عن التكاثر، والدين عن السياسة والأخلاق، والهوية عن الطبيعة، والأخلاق عن الغاية، وتحرر الفرد من أي إلتزام ومعيار أخلاقي شامل، هذا المنحى يتعارض مع الشرائع السماوية وفي مقدمتها الدين الإسلامي الحنيف، في التأكيد بانّ الإنسان مخلوق على فطرة الجنس المنضبط بالزواج بين ذكر وأنثى، والأخلاق موضوعية ومرتبطة بمقاصد الخلق والعلاقات الاجتماعية، كما يتعارض هذا المنحى الليبرالي الشاذ مع القانون الطبيعي من خارج الدين، إذ تربط الفلسفة الطبيعية من أرسطو إلى الأكويني، الجنس بالتكاثر، والطبيعة بالغاية، والثنائية ذكر/أنثى بالأساس البيولوجي. ومن جانب نقدي آخر فإن هذا المنحى في تشريع الشذوذ المثلي، يؤدي إلى تفكك الأسرة والروابط وتآكل التضامن، ويُفرغ الأخلاق من مضمونها ويُحوّل الحرية إلى فوضى معيارية. ورغم إدعاء الليبرالية الحياد إلاّ انّها تُمارس سلطة معرفية وأخلاقية وتُقصي كل تصور بديل، وبالنتيجة أزمة في المعنى الوجودي والهوية الإنسانية، ما يؤكد أن الاعتراض على هذا المنحى في الليبرالية ليس دينيًا فقط، بل حضاريًا وإنسانيًا، لذلك فنحن أمام ليس سقوط الليبرالية بل نهايتها، حين تجرأت على شريعة الله الخالق للبشر من ذكر وأنثى ليتكاثروا ويتعارفوا، وعلى الطبيعة البشرية نفسها وقانونها البيولوجي الثنائي بالتكاثر من خلال التزاوج بين الذكر والأنثى، لذلك فإنّ رفض الليبرالية ليس رفضًا للحرية بل رفضًا لتحويلها إلى معيار كوني مفروض، وادّعاء حضارة واحدة أن قيمها هي "الإنسانية الوحيدة الممكنة"، القائمة على رؤية أخلاقية محددة وتوجب على المجتمعات الأخرى بالامتثال لها، وكذلك رفضاً لخطاب أحادي يخفي آليات الهيمنة الثقافية والسياسية تحت ستار الدفاع عن الحرية الفردية وحقوق الإنسان، الذي حوّل الليبرالية إلى إمتداد ناعم لمنطق الإستعمار، وإعادة إنتاج الهيمنة بصيغ حديثة من الهيمنة القيمية والهيمنة الإقتصادية، وإلى الإقصاء الرمزي والسياسي لكّل ما هو غير غربي وغير شاذ. وفي مقابل التشريع الليبرالي الغربي، حافظت النظرية السياسية الناصرية على الهوية الثقافية والإجتماعية للمجتمع العربي، فقد ركزت على الدفاع عن القيم التقليدية والإجتماعية في المجتمع العربي، وكان هذا الموقف جزءاً من رؤيتها الشاملة للتحرر الوطني والنهضة العربية، حيث ركّزت على تعزيز الأسرة والقيم الأخلاقية كأساس للإستقرار الوطني والتنمية، معتبرة أن الأسرة هي الخلية الأساسية في المجتمع، وأن المجتمع لا يمكن أن ينهض إلا إذا حافظ على هذه الأسس. وهو ما إنعكس في سياسات التعليم والقانون والإجتماع، معتبرة أن المجتمع العربي يجب أن يقوم على أسس أخلاقية مشتركة، تحافظ على الأسرة والقيم التقليدية كأساس للإستقرار الإجتماعي والتنمية، مع رفض إستيراد أيّة معايير غربية قد تهدد النسيج الاجتماعي. ما يعني أن المشروع الناصري وإن كان تقدمياً في مجالات التحرر الوطني والتنمية الإقتصادية والإجتماعية، لكنه كان حريصاً في موقفه من القيم الأخلاقية على المحافظة على الأسرة والهوية والتقاليد الثقافية العربية والإسلامية ضد التأثير الليبرالي الغربي، وبالتالي فإنّ الناصرية تُجسد رؤية متوازنة بين التقدم السياسي والإقتصادي والإجتماعي والحفاظ على الثوابت الإجتماعية والثقافية، ما يميز مشروعها عن المشاريع الليبرالية الغربية في كل المجالات بلا استثناء.. ورغم أن التشريع الليبرالي للشذوذ المثلي لم يكن مطروحاً في المرحلة الناصرية بنفس الحدّة المطروحة حالياً، إلاّ أنّه يمكن إستنباط الموقف الناصري من موقف الإسلام الذي يعدّ مصدراً رئيسا من مصادر الناصرية ومن الإطار الفكري والسياسي الناصري الذي كان واضحاً في رفض أي تقنين يروج للسلوكيات الجنسية المخالفة للقيم الاجتماعية العربية والإسلامية، وبالتالي فإن موقف الناصرية من التشريع الليبرالي الغربي للشذوذ الجنسي هو الرفض القاطع والتمسك بموقف الإسلام إنطلاقاً من موقفها الإيماني بالإسلام كمصدر رئيس من مصادر نظريتها السياسية التي تعتبر الأسرة وقاعدتها التكاثر بالزواج بين الأب الذكر/ والأم الأنثى هي الخلية الأولى في المجتمع وفقاً للميثاق الناصري، وأن الله(سبحانه وتعالى) قد خلق البشر على فطرة الجنس، وأن تقنين العلاقات الجنسية يكون بين الذكر والأنثى من خلال الزواج للتكاثر وتكوين الأسرة، ما يضمن إستمرار البشرية التي كرّما الله بإعمار الأرض. 14-الموقف من النظام الدولي ترتبط الناصرية بالتجربة السياسية التي قادها جمال عبد الناصر في سياق الحرب الباردة وحركة التحرر الوطني العربية والعالمية، بينما ترتبط الليبرالية بتقاليد فكرية وضعها مفكرو العقد الإجتماعي مثل جون لوك والظروف الأوربية وتطورها اللاحق في نظريات الليبرالية الدولية المعاصرة، لذلك إختلف موقف كل من النظريتين الناصرية والليبرالية من النظام الدولي، وكما يأتي: أولاً- الناصرية والنظام الدولي: إن المرجعية الأساسية التي تستند إليها الناصرية في موقفها من النظام الدولي، هي التحرر والسيادة، لذلك نظرت إلى النظام الدولي بوصفه ساحة صراع قوى، تميل القوى الكبرى من خلاله إلى الهيمنة على الدول الضعيفة والأمم الممزقة، الأمر الذي وضع السيادة الوطنية الكاملة في أولوية تصورها للتعامل مع النظام الدولي ورفض التبعية السياسية والإقتصادية، وتبني ودعم سياسة عدم الإنحياز كخيار إستراتيجي بين الكتلتين الشرقية والغربية خلال الحرب الباردة، بهدف حماية الإستقلال الوطني وتوسيع هامش الحركة للوطن العربي والدول النامية. وفي نفس الوقت أكدت على سياسة خارجية محددة في الميثاق الناصري تقوم على رفض الإستعمار والهيمنة والدعوة إلى السلام والتعاون الدولي من أجل الرخاء المشترك للبشرية جمعاء. وتنطلق الناصرية في موقفها هذا من تصورها أنّ النظام الدولي هو بنية هيكلية غير عادلة وغير متكافئة تعكس إختلال ميزان القوة، لذلك تدعو إلى إعادة توازن العلاقات الدولية عبر التضامن بين دول الجنوب، ومن جهة أخرى تُقدَّم أولوية وإعتبارات الأمن القومي والإستقلال الإقتصادي على الإندماج العميق في الإقتصاد العالمي، والنظرة بحذر إلى المؤسسات المالية الدولية مخافة أن تتحول إلى أدوات نفوذ. ويتبين مما سبق أنّ الناصرية ترى أنّ النظام الدولي ضرورة واقعية، لكنه في ذات الوقت مجال تنافس وصراع بين قوى غير متكافئة، لذلك يجب التعامل معه بحذر ومن موقع السيادة والندية لا الإندماج والتبعية. ثانياً- الليبرالية والنظام الدولي: تنطلق الليبرالية نظرياً من فرضية أن العلاقات الدولية يمكن تنظيمها عبر القانون والمؤسسات، وأن التعاون المتبادل بين أشخاص القانون الدولي يخفف من إحتمالات النزاعات والصراعات، لذلك تدعو إلى تعزيز المؤسسات متعددة الأطراف والتأكيد على أهمية المنظمات الدولية والقانون الدولي بوصفهما إطارين لضبط سلوك الدول وتقليل الفوضى في النظام العالمي. وترى إنّ الإعتماد الاقتصادي المتبادل والانفتاح التجاري والاستثمار المتبادل يخلقان مصالح مشتركة تقلل من احتمالات الصراع، وتعزز الإستقرار الدولي. وتعتمد الليبرالية البعد الحقوقي في إطار علاقات النظام الدولي، من خلال التأكيد بأن إحترام الحقوق والحريات يعزز الشرعية الداخلية للدول والإستقرار الخارجي في العلاقات الدولي. لكّن معرفة موقف الليبرالية من النظام الدولي لا يكتمل إلا إذا تجاوزنا الإطار النظري وقدّمنا تحليلاً نقدياً للفجوة بين المثال النظري والممارسة السياسية الواقعية، وبين مبادئها المعلنة وسلوك الدول التي تبنتها، فالليبرالية التي بنت موقفها من النظام الدولي على أساس إحترام حقوق الإنسان، وتعزيز الديمقراطية، ودعم سيادة القانون الدولي، وتشجيع التعاون الدولي، وذلك بهدف تقديم تصور مثالي لنظام دولي قائم على العدالة والتكافؤ بين الدول، سرعان ما كشف التطبيق عن اسوأ مظاهر هذه الفجوة وهي الازدواجية في التطبيق العملي، التي تتمثل، بما يأتي: 1. إنتقائية تطبيق حقوق الإنسان: بينما تدّعي الدول الليبرالية الدفاع عن حقوق الإنسان، إلا أن التطبيق غالبًا ما يرتبط بالضغط على دول معينة تحت حجج إنتهاكات حقوق الإنسان، في حين يتم التغاضي عن إنتهاكات مماثلة أو أشد من قبل حلفاء الليبرالية الإستراتيجيين، كما يحث من قبل الكيان الصهيوني، أو دعم أنظمة غير ديمقراطية خادمة للمصالح الجيوسياسية الليبرالية الغربية. 2. إزدواجية المعايير في إستخدام القوة: تزعم الليبرالية رفض الحرب من حيث المبدأ، لكنها بالتطبيق تقوم بتبرر التدخل العسكري تحت شعارات مثل "التدخل الإنساني" أو "نشر الديمقراطية"، بينما ترفض تدخلات مشابهة من قوى أخرى، فمثلا غزو العراق 2003 وغزو فنزويلا في الوقت الحاضر، تم تبريرهما بخطاب ليبرالي رغم الجدل حول شرعيتهما الدولية والرفض من غالبية الدول. 3. تسييس القانون الدولي: إحترام القانون الدولي يتكرر كثيراً في الخطاب النظري الليبرالي، لكن التطبيق يكشف إنتهاكاً مستمراً للشرعية الدولية والقانون الدولي من قبل الدول الليبرالية الكبرى، عندما يتعارضان مع مصالحها، وكثيراً ما تستخدم القانون الدولي أداة للضغط السياسي على الدول التي لا تتوافق مع مصالحها، بدلاً كونه مرجعية محايدة. 4. هيمنة المؤسسات الدولية: إنّ المؤسسات التي شُكلت لخدمة التعاون الدولي، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تم توظيفها لخدمة مصالح الدول الليبرالية التي تقوم من خلالها بفرض سياسات إقتصادية، كالخصخصة والتقشف والتكيف الهيكلي على الدول النامية، بهدف تكريس وإستمرار التبعية السياسية والإقتصادية. 5. التناقض بين العولمة والسيادة: تدعو الليبرالية إلى فتح الأسواق وحرية التجارة، لكنها تسمح للدول الليبرالية الكبرى بحماية أسواقها عند الحاجة، ما يخلق نظامًا غير متكافئ في منظمة التجارة العالمية. وتنبع هذه الإزدواجية في الموقف الليبرالي من إعتبارات خاصة بالدول الليبرالية الغربية، يتم من خلالها تغليب المصلحة على المبدأ، حيث يُحرك هذه الدول المنطق الواقعي للقوة والمصلحة، وليس منطق المبادئ. كما تُستخدم الليبرالية أداة هيمنة وغطاء أيديولوجي لتبرير التدخلات الخارجية، أو لفرض نماذج سياسية واقتصادية وقيمية ليبرالية معينة على دول أخرى. ويعكس هذا الإزدواج عدم تكافؤ القوة في النظام الدولي، لكونه غير متوازن بطبيعته، ما يجعل تطبيق المبادئ الليبرالية خاضعًا لميزان القوى. وقد ترتب على هذه الإزدواجية الليبرالية فقدان الثقة في الخطاب الليبرالي النظري عالميًا، وتعميق الفجوة بين الشمال والجنوب، وتصاعد التيارات السياسية والإجتماعية المناهضة للهيمنة الغربية، وبروز قوى دولية بديلة كدول البريكس تتحدى النموذج الليبرالي وتدعو إلى عالم متعدد القطاب والخيارات الحضارية والسياسية والإقتصادية في إطار التعاون الدولي والرخاء المشترك للبشرية. وبالمحصلة النهائية فإن النظرية السياسية الليبرالية، التي تُقدم على المستوى النظري تصوراً أخلاقياً وإنسانياً مثالياً للنظام الدولي تكشف في التطبيق العملي عن إزدواجية بنيوية تتداخل فيها القيم بالمصالح الغربية لتبرير هيمنة القوى الليبرالية الغربية على بنية النظام الدولي والمركزية الغربية في فرض مبادئه وقواعده ومؤسساته وحتى معاييره وقيمه الأخلاقية، التي شهدت تدنياً أخلاقيا وإنسانياً وحضارياً في الوصول بالعبث الليبرالي إلى حدّ المسّ بشريعة الله (عزّ وجل) والقانون الطبيعي الإنساني. يتبين مما سبق أن الخلاف بين الناصرية والليبرالية جذري في رؤيتهما للنظام الدولي، فالناصرية تتعامل معه من منظور واقعي سيادي يركز على موازين القوة وتحقيق توازن بين حماية السيادة الوطنية والإنخراط الفاعل في النظام الدولي دون فقدان القرار المستقل، بينما تنظر الليبرالية إلى النظام الدولي من منظور مؤسسي تعاوني يسعى لتقييد القوة بالقانون، وهو ما لم يتحقق إذ أن الدول التي تنتمي إلى الفضاء الليبرالي تغلب القوة المنفلتة من أية قوانين دولية وإنسانية لتحقيق وحماية مصالحها التي في غالبيتها تتعارض مع القانون الدولي ومصالح الشعوب، وخير دليل على ذلك موقفها من الحقوق التاريخية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني في أرضه المغتصبة من الكيان الصهيوني.
رابعاً- النقد الناصري لليبرالية تتمثّل أبرز نقاط النقد الناصري للنظرية السياسية الليبرالية، بما يأتي: 1- العلاقة العضوية بين الليبرالية والرأسمالية: من المنظور الناصري، العلاقة بين الليبرالية الرأسمالية ليست ملتبسة ولا متكافئة، بل علاقة عضوية تخدم مشروعًا واحدًا، حتى لو إختلف الخطاب، فالليبرالية هي الإطار السياسي، والرأسمالية هي المحتوى الإقتصادي لمنظومة واحدة تخدم الطبقات المالكة ومصالح الخارج، ما يعني إنّ الليبرالية ليست حيادية، بل تعبيراً سياسياً عن سيطرة رأس المال، وهما جناحان لمشروع إستعماري واحد، وبالتالي لا يمكن تحييد الليبرالية عن الرأسمالية، ولا تحقيق حرية حقيقية دون كسر منطق السوق الرأسمالي المفتوح، فالحرية بلا عدالة إمتياز طبقي لمن يملكون على حساب من لا يملكون إلاّ قيودهم، والسيادة بلا إقتصاد وطني وهم وتبعية وإستقلال شكلي. 2-وهم الحريات الليبرالية: من المنظور الناصري، حرية الصحافة يملكها رأس المال، وحرية الترشح تحتاج تمويلًا، وحرية السوق تعني سحق المنتج الوطني الضعيف، وبالتالي كلّ هذه الحريات هي شكلية ونظرية ليس إلاّ، بينما يبقى القرار الحقيقي ملك الأقلية المالكة، تتلاعب بها حسب مصالحها الخاصة وكيفما تشاء، والحرية الفردية الليبرالية مخصصة للفرد الغربي فقط، لكنّها غير مقبولة ومقيدة في العالم الثالث، وتوظف كأداة للهيمنة الثقافية والسياسية، وبينما تركز على القانون والمؤسسات العقلانية، تتجاهل أو تقيد الحقوق الفردية والجماعية الوطنية والقومية في العالم الثالث. 3- الديمقراطية الليبرالية: الناصرية لا ترفض الديمقراطية من حيث المبدأ، لكنها ترفض الديمقراطية بلا عدالة إجتماعية، وتعتبرها غطاء طبقياً ليبرالياً، وإقتراعاً شكلياً في ظل الفقر والجوع والبطالة، ومساواة قانونية شكلية بلا مساواة إقتصادية، لذلك فمن دون كسر هيمنة رأس المال تصبح الديمقراطية أداة لإعادة إنتاج سيطرة الطبقات المُستغلة نفسها، وتداول السلطة والثروات والفساد فيما بينها. 4- الإستعمار الجديد: المنظور الناصري يربط الليبرالية والرأسمالية بـالتبعية الإقتصادية وفتح الأسواق قسراً، وإرتهان القرار الوطني للمؤسسات الدولية المعبرة عن سيطرة الدول الليبرالية الغربية الكبرى، ما جعل الليبرالية بوابة للإستعمار الغربي الجديد، وعلاقة مكشوفة أو مستترة مع نظرية تفوق الرجل الأبيض العنصرية في جوانب من فصوله المتعاقبة. 5- الليبرالية وإضعاف الدولة الوطنية: وجهت الناصرية نقداً منهجياً لليبرالية لما تسببه من تفكيك لمركزية ودور الدولة، وترك المجال للشركات الكبرى والمصالح الأجنبية، وتهديد قدرة الدولة على التخطيط والتنمية الوطنية، معتبرة إنّ أيّ نموذج ليبرالي مفروض في الوطن العربي سيؤدي حتماً إلى زيادة الفوارق بين الطبقات وتهميش أكثر للفقراء الضحية الدائمة لليبرالية الرأسمالية، وهو ما يتعارض مع مركزية العدالة الإجتماعية في النظرية الناصرية. 6- الليبرالية وتهميش القضايا الوطنية والقومية: اعتبرت الناصرية أن الليبرالية المستوردة غالباً ما تغفل القضايا الأساسية للأمة العربية، مثل التحرر الوطني والوحدة العربية والدفاع عن القضية الفلسطينية. في المقابل، ركزت الناصرية على تقديم مشروع تنموي وسياسي مستقل، يجمع بين الحرية ضمن إطار الدولة القوية والعدالة الإجتماعية والتحرر الوطني، بعيداً عن التأثيرات الغربية المباشرة. 7- البديل الناصري: في مقابل الجناحين الليبرالي–الرأسمالي، تطرح الناصرية: دولة وطنية قوية، وإقتصادًا موجهًا يخدم الأغلبية، وملكية عامة للقطاعات الإستراتيجية، وديمقراطية إجتماعية مرتبطة بالعمل والإنتاج، وحرية مرتبطة بالسيادة لا بالسوق. خامساً- المفردات الأساسية للناصرية والليبرالية في ضوء عناصر النظريات السياسية الأكاديمية- مقارنة لما كانت النظريتان الناصرية والليبرالية تنتميان إلى نظريات سياسية على طرفي نقيض من حيث العناصر وجوانب متعددة في مواقفهما التي تُشكل فحوى رؤيتيهما بحسب توصيفهما لأي من النظريات السياسية المعاصرة، سواء كانت أكاديمية تقليدية أو ثورية، فإنّ المقارنة بينهما تقتضي تحديد المفردات التي تُشكل الإطار المفاهيمي والقاموس الفكري المعرفي لكلّ من النظريتين، وكما يأتي: 1- الإطار المفاهيمي: أولًا- مفهوم الناصرية: في بداية الدراسة إقترحنا تعريفاً محدّداً للناصرية شاملاً من زاوية عناصر النظرية الثورية الأساسية من حيث المنطلق والأسلوب والاهداف أو الغايات، لكن هنا نقدم مفهوماً عاماً لأغراض المقارنة، على أساس: أن الناصرية هي تيار فكري وسياسي إرتبط بالتجربة الثورية لجمال عبد الناصر، وتشكّل في سياق مقاومة الإستعمار وبناء الدولة الوطنية العربية بعد الإستقلال، بالإرتكاز على التحرر الوطني والقومي والاشتراكية ودور الدولة المركزي في التنمية وتحقيق الكفاية في الإنتاج والعدالة الاجتماعية والسياسية في التوزيع، والقومية والوحدة العربية. ثانيًا- مفهوم الليبرالية: الليبرالية في مفهومها العام هي: مذهب فكري وسياسي نشأ في أوروبا، ويقوم نظرياً على تقديس الحرية الفردية، وحماية حقوق الإنسان، والديمقراطية التمثيلية، وإقتصاد السوق، والحد من تدخل الدولة في حياة الأفراد وإقتصار دورها على حماية حقوقهم. 2-المقارنة وفق عناصر التحليل السياسي الأكاديمي: في ضوء ما سبق من تحليل للخلاف الجذري بين النظرية الناصرية والنظرية الليبرالية، وقبل الدخول في المقارنة بين عناصر النظريتين الناصرية والليبرالية في ضوء عناصر النظرية السياسية الأكاديمية، فإنّ المقارنة بين النظريتين وفق التحليل السياسي الأكاديمي يُعطينا فهماً أوسع لأهم محاور الخلاف بين الناصرية والليبرالية، وكما يأتي: أ. تصور الإنسان: الإنسان في النظرية الناصرية كائن إجتماعي مندمج في الأمة، والمصلحة العامة مُقدَّمة على المصلحة الخاصة دون تفريط بكينونة وحياة وكرامة وحقوق المواطن الفرد. أمّا الليبرالية فترى الإنسان الغربي فردّاً عقلانياً حراً له حقوق طبيعية سابقة على الدولة، أما هذه الرؤية فلا تنسحب على الإنسان غير الغربي الذي تعتبره متخلفاً وخارج السياق الحضاري. ب. العلاقة بين الفرد والدولة: الناصرية ترى الدولة تعبيراً عن الإرادة القومية وتلعب دوراً فاعلاً لتحقيق التنمية والعدالة الإجتماعية والسياسية. بينما الليبرالية تعتبر الدولة مجرد أداة تعاقدية إجتماعية محدودة، وتقتصر وظيفتها على حماية الحقوق وتنظيم المجال العام. ت. النظام الإقتصادي: إختارت الناصرية الإشتراكية حلاً ثوريا لمشكلة التخلف الإقتصادي والإجتماعي الذي فرضه الواقع العربي والآمال العريضة للقوى الشعبية المقهورة، والطبيعة المتغيرة للعالم في القرن العشرين، وأبرز مظاهر هذا الخيار التأميم والتخطيط المركزي وإعادة توزيع الثروة. أمّا الليبرالية فتبنّت رأسمالية السوق من خلال الملكية الخاصة المنافسة وتقليص تدخل الدولة، وتلازم هذه الرأسمالية مع الإستعمار وتبريره. ث. الشرعية السياسية: تُمثّل الناصرية شرعية إنجاز ثورية، قامت على التحرر الوطني والقومي والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية وبعد دولي يتمثل بحركات تحر عالمية وعدم الإنحياز، وغيرها من الإنجازات المادية والسياسية والإجتماعية والفكرية والنضالية. أمّا الليبرالية فتستند على شرعية إجرائية وقانونية تقليدية وشكلية، تقوم على الانتخابات والدستور والفصل بين السلطات لصالح الطبقات الرأسمالية المالكة للثروة والسلطة معاً. ج. الديمقراطية والتعددية: تبنت الناصرية ديمقراطية شعبية لتأمين تحالف وطني شعبي واسع في إطار مرحلة التحرر الوطني والثورة السياسية والإجتماعية معاً، معتبرة الحقوق الإقتصادية والإجتماعية هي أساس وشرعية الحقوق المدنية والسياسية، من خلال إعتبار الديمقراطية والإشتراكية جناحا الحرية الحقيقية. في حين تبنّت الليبرالية ديمقراطية تعددية، تقوم على المنافسة السياسية وتداول السلطة بين الطبقات الرأسمالية التي أقصت غالبية الشعب، وحوّلت الديمقراطية إلى أحادية مغلقة، تأخذ من الديمقراطية شكل الإنتخابات التي تقتصر على تيار واحد هو التيار الليبرالي الرأسمالي ومغلقة على حزبين فقط كما يحث في الولايات المتحدة. ح. الهوية السياسية: الناصرية تُمثّل هوية قومية عربية جامعة تتجاوز حدود الدول العربية وتجزئتها من قبل المشاريع الإستعمارية، وفي ذات الوقت تعمل على التوحيد وطنياً وقومياً ورفض كلّ أشكال الطائفية والعنصرية والأقلوية ذات المنحى الصراعي الإنفصالي. أمّا الليبرالية وفقاً لخطابها النظري مدنية قائمة على المواطنة المتساوية داخل الدولة، لكن هذا التطبيق لا ينسحب على المواطن غير الأوربي المهاجر وحتى الذي يتبنى الليبرالية في الدول غير الأوربية. 3-مقارنة بين الناصرية والليبرالية في ضوء عناصر النظرية السياسية الأكاديمية: أولًا- المفاهيم الأساسية: تقوم الناصرية على مجموعة مفاهيم مركزية تُشكّل بنية نظريتها الفكرية، ومن أهمها: الأمة، الشعب، العدالة الإجتماعية، الإستقلال الوطني، السيادة، الدور الطليعي للدولة، المفهوم المركزي: الأمة العربية بوصفها فاعلاً تاريخياً ومستقبليا.. امّا في الليبرالية: الفرد، الحرية، الحقوق الطبيعية، السوق، التعددية، سيادة القانون، المفهوم المركزي: الفرد بوصفه وحدة التحليل الأساسية. الإختلاف هنا مفهومي بنيوي وليس إجرائياً، بين النظرية الناصرية والنظرية الليبرالية. ثانيًا- الفرضيات النظرية: تُحدّد الفرضيات رؤية الناصرية للواقع وطبيعة الصراع، وتُشكّل إطاراً تفسيرياً، وفي هذا الإطار تفترض الناصرية أن الفرد غير متكافئ إجتماعيًاً بطبيعته، السوق ينتج التبعية والإحتكار، الدولة أداة تحرر وبناء، الصراع الأساسي: قومي/إجتماعي. أمّا الليبرالية فتفترض أن الأفراد أحرار عقلانيون، السوق آلية تنظيم ذاتي، الدولة خطر محتمل على الحرية، الصراع الأساسي: سلطة الدولة مقابل حرية الفرد. الفرضيات متناقضة بين الناصرية والليبرالية وليس لهما أرضية معرفية واحدة مشتركة. ثالثًا- المبادئ الحاكمة: يُقصد بالمبادئ هنا القواعد الموجّهة للعمل السياسي، وهي في الناصرية: أولوية المصلحة العامة، تدخل الدولة، التخطيط، الوحدة، أمّا في الليبرالية فهي: أولوية الحرية الفردية، حياد الدولة، المنافسة، التعدد. المبادئ مختلفة جوهرياً بين الناصرية والليبرالية. رابعًا- القيم السياسية: تُمثّل هذه القيم الجانب المعياري في النظرية السياسية والتي تحدد "ما ينبغي" لا "ما هو كائن"، ومن أهمها في الناصرية: العدالة، المساواة، التضامن، الكرامة، القومية، أمّا في الليبرالية فهي: الحرية، الإستقلال الفردي، التسامح، الاختيار. تبدو القيم وكأنّها ليست مختلفة بل تراتبيتها معكوسة، لكن تحليل مضمون هذه القيم يؤكد أن الخلاف القيمي السياسي هو أساسي بين الناصرية والليبرالية. خامسًا- المنهج: تبنت الناصرية مزيجاً من المناهج: المنهج الواقعي العملي من خلال قراءة الواقع كما هو، وإتخاذ قرارات عملية حسب الظروف، فهو منهج تاريخي بنيوي يفسر السياسة في سياق الإستعمار والتبعية، بما يُقرب المنهج الناصري من الواقعية النقدية، لكنّ مساهمات المفكرين الناصريين، حاولت تطوير المنهج الناصري إلى يُعرف ب"المنهج الجدلي الإنساني" كما حدّده الدكتور عصمت سيف الدولة وهو إجتهاد إستنئائي مازال قيد المناقشة، وصيغته: "1- في الكل الشامل للطبيعة والإنسان.2- كل شيء مؤثر بغيره متأثر به.3-كل شيء في حركة دائمة.4- كل شيء في تغير مستمر.ز5- في إطار هذه القوانين الثلاثة يتحول كل شيء طبقاً لقانونه النوعي.6- وينفرد الإنسان بالجدل قانوناً لتطوره. 7- في الانسان نفسه يتناقض الماضي والمستقبل.8- ويتولى الإنسان نفسه حلّ التناقض بالعمل. 9- إضافة فيها من الماضي والمستقبل.10- ولكن تتجاوزها إلى خلق جديد. أمّا الليبرالية فتبنت منهج فردانياً تجريدياً يستخدم العقلانية والإختيار العقلاني وهو قريب من الوضعية والمنهج التحليلي إختلاف المنهج يجعل الدمج بين الناصرية والليبرالية مستحيلاً منهجياً ومعرفياً. سادسًا- التفسيرات السياسية: يتعلق هذا التفسير بالواقع الموضوعي الذي تنطلق منه النظرية، فالناصرية تفسر: تخلف الوطن العربي نتيجة الإستعمار والتبعية، اللامساواة بسبب هيمنة الطبقات، تفكك السيادة سببه ضعف الدولة. في حين تفسر الليبرالية: التخلف بسبب ضعف المؤسسات، اللامساواة بسبب تفاوت الكفاءة، الإستبداد بسبب تضخم الدولة. نموذج تفسير الواقع في النظريتين الناصرية والليبرالية يتضمن أسباباً متعارضة تماماً بينهما. سابعًا- الأهداف النهائية: الأهداف في النظرية السياسية الناصرية إستراتيجية وثورية: حرية الوطن وحرية المواطن وطنياً وقومياً وتحرير فلسطين والأراضي العربية الأخرى في الأحواز والإسكندرون وسبتة ومليلية، إقامة مجتمع الإشتراكية والعدالة الاجتماعية، تحقيق التنمية الوطنية المستقلة، الوحدة العربية وبناء دولة قوية عربية حديثة، دعم حركات التحرر، القضاء على الإستعمار والهيمنة. أمّا أهداف الليبرالية فهي: حماية الحرية، إستقرار النظام الدستوري، النمو عبر السوق، إدارة التعدد. الأهداف والغايات في الناصرية والليبرالية الغايات، متناقضة ولا تساعد على إيجاد أرضية مشتركة. ثامنًا- النموذج السياسي: يُقصد بالنموذج السياسي هنا الإطار العام الذي تقدمه النظرية للدولة والمجتمع في إطار مكاني وزماني محدّدين، ونموذج الناصرية يتمثّل: دولة عربية موحدة قومياً وقوية تقود التحرر والتنمية، إقتصاد مختلط وملكية عامة في القطاعات الكبرى، قطاع خاص منظم، كفاية في الإنتاج وتوزيع عادل للثروة، تعبئة جماهيرية، قيادة سياسية طليعية. أمّا نموذج الليبرالية فيتمثّل: دولة دستورية محدودة، إقتصاد سوق رأسمالي، مجتمع مدني مستقل، تداول السلطة، ومركزية غربية لفرض القيم الليبرالية على النظام الدولي والمجتمعات غير الغربية. النموذج السياسي متناقض شكلاً ومضموناَ، بين الناصرية بجوهر نموذجها التحرري الإشتراكي القومي الإنساني، والليبرالية بنموذجها النظري الذي يغطي القهر الإستعماري وفرض القيم الثقافية والأخلاقية المتدنية إنسانياً وحضارياً. الخاتمة بعد إستكمال مناقشة هامش الإتفاق وجذرية الخلاف بين النظرية السياسية الناصرية والنظرية السياسية الليبرالية، نخرج بعدة ملاحظات أساسية جديرة بالتأسيس عليها في إطار الموقف الناصري من الليبرالية، وكما يأتي: أولا- إن الناصرية والليبرالية هما من مدرستين مختلفتين جذرياً، وإطارين معرفيين متضادين، فالناصرية كانت إستجابة تاريخية لمجتمعات ما بعد الإستعمار، لذلك تنتمي إلى نظريات التحرر والعدالة والسيادة والمساواة، أمّا الليبرالية فتنتمي إلى نظريات الحرية الفردية والحد من السلطة نظرياً لكنها تنتمي في حقيقتها، أرضية وأهدافاً، إلى نظريات الإستعمار والرأسمالية الإحتكارية وتفوق وإستعلاء الرجل الأبيض والهيمنة الثقافية والأخلاقية الشاذة، ويعكس الجدل بينهما الصراع التقليدي في النظرية السياسية بين العدالة الإجتماعية والحرية الفردية، ما يعني أنّ الناصرية والليبرالية نموذجان متعارضان جذرياً ولا يمكن التوفيق بينهما، لذلك فإن أي حديث عن "ناصرية ليبرالية" أو" ليبرالية ناصرية"، هو خلط نظري وعملي لا يستقيم أكاديمياً ومعرفياً، ولا يتوافق مع الجوهر التحرري والإشتراكي والوحدوي والإنساني للناصرية. ثانياً- إن الخلاف الجذري بين الناصرية والليبرالية لا يقع في الأصول فقط، ولكنّه يتناول الكثير من الفروع، لذلك فإن الحديث عن "لبرلة " الناصرية في إطار مرونة الواقعية السياسية في مواجهة الهيمنة الليبرالية الرأسمالية التي فرضها متغير الأحادية القطبية الأمريكية ومركزية المنظومة الغربية بعد إنتهاء الحرب الباردة، أو "تنصير" الليبرالية لتتوافق في تبادلية مصلحية مع متغير هذه الهيمنة، هو حديث فيه تضييع للوقت والجهود، لأن الخطاب الليبرالي الغربي هو خطاب هيمنة أحادي لا يقبل الحلول الوسط أو تبادل المصالح، فهو مؤسس على مصلحة واحدة هي مصلحة المركز الغربي والإنسان الغربي، ولا يستقيم معه منطق الشركاء أو تبادل المصالح، فمن لا يكون معه شكلاً ومضموناً هو ضده، عدواً وهدفاً دائماً. ثالثاً- إن الليبرالية في تكيفها لمرحلة ما بعد الإستعمار إنتقلت من تبرير الإستعمار وفق ثنائية الشعوب المتفوقة حضاريا/ والشعوب المتخلفة غير الناضجة، إلى فرض التبعية بعد الإستقلال عبر إجهاض التنمية المستقلة وفرض نماذج السوق الرأسمالي الغربي، وشروط “الحكم الرشيد” والتكيف الهيكلي، ما أعاد إنتاج فرض التبعية الإقتصادية على دول العالم الثالث تحت شعارات إنسانية ليبرالية براقة، كانت هذه الشعارات أول ضحاياها. رابعاً- إن إزدواجية وتناقضات الخطاب السياسي الليبرالي تظهر في أغلب إن لم يكن في جميع مفردات الحقوق والحريات التي أسست لمنظومة خطابها النظرية، فالحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والمجتمع المدني والقومية وغيرها من المفردات التي ناقشناها في سياق البحث، كانت بالنسبة لها مقبولة في داخل الدول الغربية، ومرفوضة في الدول والمجتمعات غير الغربية، وتحول بعضها إلى أدوات ضغط وتصنيف ومعايير شرعية دولية دون إحترام ومراعاة للخصوصيات التاريخية والمسارات الوطنية للتحرر من الإستعمار والهيمنة الأجنبية ومطالب الإستقلال والعدالة الإجتماعية والتنمية المستقلة. خامساً- إنّ موقف الليبرالية الغربية المعادي لقضايا حركة التحرر والإستقلال والعدالة الإجتماعية والتنمية المستقلة والوحدة العربية، والقضية العربية الفلسطينية ودعمها للكيان الصهيوني في إغتصابه لأرض فلسطين العربية وإستمرار عدوانه على الأمة العربية والوطن العربي، يؤكد بان الحديث عن ليبرالية عربية وليبراليين عرب، لا يتوافق مع هذا المنهج العدواني، ما يتطلب من التيارات التي تماهت مع المشروع الليبرالي الغربي إنتماء وفكراًن أن تعيد النظر بهذا الإنتماء، لأنها في هذا الإختيار في الموقع، بالوعي وباللاوعي، المعادي للوطن العربي والتي يتم أو يمكن إستخدامها في مشاريع ضد وطنها العربي، وهو ما ظهر أكثر وضوحا في أحداث ما سُمي في الإعلام الأمريكي الغربي بــ((الربيع العربي))، حيث تم إستخدام هذه التيارات في هدم وتفكيك العواصم والحواضر العربية ونشر الفوضى والإرهاب والإبادة في جميع الساحات العربية التي تعرضت لهذا المخطط المنهجي المنظم. سادسا- إنّ من أبرز مظاهر السقوط الحضاري والأخلاقي لليبرالية، هو تشريعها للشذوذ المثلي، في عدوان مباشر على شريعة الله وخلقه للبشر وفطرة الجنس بالزواج بين الذكر والأنثى، وعدوان على القانون الطبيعي الذي يربط الجنس بالتكاثر، والطبيعة بالغاية، وثنائية الذكر والأنثى بالأساس البيولوجي. بدل الإعتراف بأنّ الشذوذ المثلي مرض نفسي وبيولوجي لا يمكن معالجته إلا من خلال العلاج النفسي أو التدخل الجراحي، هذا إذا لم تُطبق عليه النصوص الدينية السماوية التي تتفق على أقصى العقوبات لهذا الشذوذ في الدنيا والآخرة، وليس عبر محاولة فرضه كمعيار للحرية والإختيار وتصنيف الدول بين متقدمة لمن يقبله ومتخلفة لمن يرفضه. إنّ هذا المنحى في السقوط يعكس هيمنة ثقافية وحضارية ليبرالية تؤدي إلى تفكك الأسرة والروابط وتآكل التضامن، وتفرغ الأخلاق من مضمونها وتُحوّل الحرية إلى فوضى معيارية، وبالنتيجة أزمة في المعنى الوجودي والهوية الإنسانية، وهدم لمعنى الحياة الإنسانية وهدفها وتجريدها من أية قيم أخلاقية، وإعادة البشرية إلى مرحلة الوحشية والإباحية وغياب المحرمات، لنكون بذلك أمام ليس سقوط الليبرالية بل نهايتها، حين تجرأت على شريعة الله والطبيعة.. فما هو رأي الليبراليين العرب بهذا المنحى الشاذ؟ لم نسمع منهم أي موقف رافض لهذا المنحى.. فهل السكوت من علامات الرضى، وفق القاعدة الفقهية المعروفة؟ نأمل الا يكون ذلك. سابعاً- يتبين من مناقشة محاور البحث، إنّ الليبرالية شكلت وما تزال أحد مصادر التهديد للوطن العربي وأمنه القومي ودوله منفردة مجتمعة، ومَكمَن الخطر انّها تستخدم شعارات براقة ومغرية وجاذبة، لوطن عربي واحد، تزامنت وتخادمت عليه مشاريع عدوانية دولية وإقليمية متعددة، وفي مقدمتها المشروع الغربي الليبرالي الرأسمالي، لذلك فإن تحديد موقف جذري منها وفضحها فكرياً وممارسة، يقع في أولى مهمات القوى الوطنية والقومية في التصدي لهذه المشاريع العدوانية. سابعاً- بقيت ملاحظة منهجية بخصوص مصادر البحث، التي إعتمدنا فيها على الوثائق والكتابات الرئيسة للناصرية والليبرالية، وستتم الإشارة إليها بالتفصيل عن تحويل هذا البحث إلى دراسة أكاديمية أو كتاب.
#عبد_الستار_الجميلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التيه بين حدود الأرض الحرام.. قصة قصيرة
-
من القرصنة البحرية إلى القرصنة السياسية.. النظام الدولي يتفك
...
-
الناصرية والماركسية.. جدل الإتفاق والإختلاف
-
الشرقاط 67 - قصة قصيرة
-
أزمنة بغداد المدَّورة- مسرحية قصيرة
-
حتى لا ننسى.. الأحواز والجزر الثلاث والإسكندرون وسبتة ومليلي
...
-
العرب وخيار التوحيد.. او التفتيت
-
درس التاريخ الأساسي.. ثنائية السلطة والدم
-
دَوار العالم.. وتراجع إدارة السلام
-
معضلة الديمقراطية في العراق
-
الكيان الصهيوني والنظام الإيراني.. مواجهات الإخوة الأعداء..
...
-
ما التغيير المطلوب؟
-
ترامب.. بين السياسة والتجارة
المزيد.....
-
أعضاء جدد في قاعة مشاهير الروك أند رول.. القائمة الكاملة
-
لحظة وقوع إطلاق نار في مدرسة ثانوية بتركيا.. شاهد رد فعل الط
...
-
روسيا تحذّر إسرائيل بلهجة حادة: ضربات بوشهر تنذر بـ-كارثة نو
...
-
تحركات دولية مكثفة لإحياء مفاوضات واشنطن وطهران وسط مخاوف من
...
-
عاجل | مسؤول في الخارجية الأمريكية للجزيرة: ندعم نزع سلاح حز
...
-
محللون: الصراع الأمريكي الإيراني دخل مرحلة كسر عظم جديدة
-
صور أقمار صناعية ترصد أضرارا في مقر قيادة الشرطة بمحافظة أصف
...
-
حصار هرمز.. تصعيد أمريكي واختراقات ملاحية وغضب صيني
-
من النرويج للسويد.. مراهق يقود حافلة مسروقة لمسافة 200 كم
-
الفقر يتفاقم في السودان.. 70 بالمئة من السكان تحت خط الفقر
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|