أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ندى مصطفى رستم - كم جلد فأرة يصنع فروة؟














المزيد.....

كم جلد فأرة يصنع فروة؟


ندى مصطفى رستم

الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 15:51
المحور: الادب والفن
    


تأمل في الأعداء الذين نخيط بهم مستقبلنا
قبل سنوات، دار بيني وبين رجلٍ سياسيّ عتيق، يُحسَب له حساب لنزاهة مبدئه ووطنيته، نقاشٌ طويل حول ما يحدث في منطقتنا.
سألته بتلقائية:
«ما رأيك بما سيكون عليه الحال بعد هروب بشار الأسد؟»
ظننتُ أنه سيطلق نبوءة، أو يهتف بثقة المنتصرين، لكنه صمت قليلًا، ثم قال ببساطة جارحة:
«لنرَ كم جلد فأرة يصنع فروة.»
ضحكتُ يومها، ولم أفهم تمامًا ما أراد قوله.
أما الآن، فلا أضحك.
ظلّت العبارة عالقة في ذهني، وكلما تأملت ما حولنا، بدت لي أكثر قسوةً ووضوحًا.
كم فأرًا نحتاج؟
كم جلدًا؟
كم زمنًا؟
وكم خطأً علينا أن ندفع ثمنه، حتى نكتشف أن ما ظنناه فروةً لم يكن سوى جلودٍ متراكمة؟
هل كان الفأر رمزًا للضعف؟ أم للانتهازية؟
هل المقصود بالجلد تلك الوجوه السياسية التي يمكن خلعها وتبديلها عند كل منعطف؟
وهل الفروة التي ننتظرها هي الوطن؟ أم غطاءٌ جديد من الأكاذيب؟
عبارة واحدة، لكنها فتحت أبوابًا لا تُغلق من الأسئلة.
منذ عام 1970 وحتى اليوم، لم نُمنح ترف الاختيار.
كنا دائمًا ضحية معادلاتٍ تُصنع خارج إرادتنا:
من يحكمنا، ومن يعارض باسمنا، ومن يفاوض علينا، ومن يملك حق تقرير متى تُمنح لنا «فروة» جديدة… لا لنلبسها، بل لنُخيطها لأحدهم.
وما بعد انهيار المستبد ليس بالضرورة نعيمًا.
بل ربما يكون الاختبار الأخطر.
فحين يسقط الطاغية، لا نجد دائمًا وطنًا جاهزًا لاحتضان أبنائه، بل نجد فراغًا تتسابق القوى لملئه، وسوقًا لتصريف الجلود.
كل واحد يأتي بجلد فأره، يطالب بحصته، ويدّعي أنه الأجدر بأن يُلبس الناس «الدفء».
لكن الوطن، كما نعلم، لا يُصنع من جلود القوارض.
نظرة واحدة إلى خارطة سوريا تكفي لفتح السؤال من جديد:
في الشمال، «ثوار» تحت المظلة التركية، يفاوضون على السيادة بلسان الجغرافيا.
في الشرق، فصائل بواجهات مدنية، لكنها تدار من غرف أمريكية وتقاتل بخرائط النفط.
في الجنوب، اتفاقات «مصالحة» لا تحمي حتى من الاغتيال.
وفي دمشق، كان الجرذ الأكبر يوزع الدم ويطالب بلقب «رئيس».
وما بين هؤلاء وأولئك، قوافل من الفئران الصغيرة: قادة فصائل، أمراء حرب، شيوخ قبائل، نشطاء مؤتمرات، ومعارضون يغيّرون جلودهم عند كل مؤتمر دولي.
أما الناس… نحن… فنموت من البرد، ولا نلبس شيئًا.
كل فروة تُخاط، تُخاط لأحدٍ غيرنا.
يسألوننا فقط:
هل تفضلون جلد الفأر المدعوم من طهران؟ أم أنقرة؟ أم واشنطن؟
ثم يخبروننا أن الخيار ديمقراطي!
ولأننا لا نملك ماكينة الخياطة، نضطر إلى إقناع أنفسنا بأن هذه الفروة ستكفي، ستدفئ، ستستر.
بينما الحقيقة أننا فقط ننتقل من جلد إلى آخر، ولا شيء يتغير سوى عدد الثقوب في أرواحنا.
لكن المسألة ليست بهذه البساطة أيضًا.
ففي السياسة، ليس كل عدوٍ عدوًا تمامًا، وليس كل صديقٍ نقيًا.
هناك عدوّ تصادمه بيد، وتصافحه بالأخرى.
عدوّ تحتاجه مؤقتًا، لتقطع به طريقًا، أو لتوازن به خصمًا أكبر، أو لتكسب به لحظةً في لعبةٍ أثقل منك.
قد تحتاجه اليوم، وأنت تعرف أنك ستتجاوزه غدًا.
فهل نكرهه؟
نعم.
هل نحتاجه؟
أحيانًا.
هل يمكن أن نُخيط به جزءًا من الفروة؟
ربما… إن لم يكن لدينا جلد أفضل.
هذه ليست بالضرورة خيانة، بل قد تكون دهاءً سياسيًا.
وليست تبريرًا للضعف، بقدر ما هي محاولة للنجاة في لحظة انعدام الوزن.
المشكلة ليست في استخدام العدو حين تفرض الضرورة ذلك، بل في أن يتحول المؤقت إلى دائم، والتكتيك إلى تبعية، والحليف الضروري إلى صاحب قرار، وأن نكتشف في النهاية أننا لم نستخدم جلود الفئران لصناعة الوطن، بل سمحنا للفئران بأن تخيط الوطن على مقاسها.
وهنا يعود السؤال:
هل نملك خياطًا حقيقيًا؟
خياطًا يرى المشهد كاملًا، لا يكتفي بعدّ الجلود.
يعرف أي جلد يصلح للكتف، وأي جلد لا يصلح إلا للأرض.
يعرف متى يصافح العدو، ومتى يترك يده.
يعرف أن التوازن السياسي وسيلة للعبور، وليس وطنًا بديلًا.
ويعرف، قبل كل شيء، أن الفروة لا قيمة لها إذا كان صاحبها عاريًا من السيادة والكرامة.
هل كان الرجل يائسًا حين قال عبارته؟
لا أظن.
ربما كان واقعيًا أكثر منا.
ربما أراد أن يقول إن سقوط الطاغية لا يعني تلقائيًا سقوط الطغيان، وإن الفراغ الذي يتركه المستبد قد لا يملؤه الأحرار، بل قد تتسابق إليه قوى كثيرة، لكل منها جلدها، وحساباتها، ومصالحها.
منذ ذلك اليوم، وأنا أفكر في سؤاله.
كم جلد فأرة يصنع فروة؟
قد لا نعرف العدد.
لكننا نعرف شيئًا واحدًا:
كلما طالت الحرب، زاد عدد الجلود، وقلّ الدفء.
وكلما صمتنا، خُيطت الفروة على مقاسهم، لا على مقاس شعبٍ نُهبت كرامته.
فلا تخدعكم المسميات.
قد لا تكون المشكلة في أي جلد نختار، بل في أننا ما زلنا نقبل أن يُطلب منا الاختيار بين جلود الآخرين.
ربما لا نحتاج فروةً أصلًا.
ربما نحتاج نارًا تحرق هذه الجلود كلها، حتى لا يبقى لنا منها شيء.
فنعود عراة…
لكن أحرارًا.
وحينها فقط، ربما نستطيع أن نصنع فروتنا بأنفسنا.
لا من جلد فأر.
بل من جلد وطنٍ عاش طويلًا تحت الخوف، وقرر أخيرًا أن يستعيد نفسه.



#ندى_مصطفى_رستم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يغيب الاستبداد ،ولا يحضر الاستقرار
- - رسالة لوالدي - يا أبي الحبيب…
- نحن الذين نعيش الانهيار… ونشهد عليه..!
- ظلال في فنجان
- سبع سنوات يا أمي…
- سوريا، بلد الاختصاصات القاتلة!
- صرخة في العدم / حين تُقتل النساء مرّتين
- ولادة من الهامش
- سجينة مزحة!...
- صندوق اسراري...!
- صندوق اسراري..!
- القلب مسكنك
- متْ قاعد
- نص بحاجة للعنوان!
- للسوريين اشتياقهم
- اليوم العالمي للاجيئن
- هي والأغبياء
- متحف لأظافر طاهره!
- متحف الأظافر!
- رحيل بلا دموع


المزيد.....




- مسرحية -الناعشون- السعودية تثير الأسئلة الوجودية في مهرجان ا ...
- حرب بصرية.. جدران طهران تتحول إلى شاشة تروي رواية الصراع مع ...
- التعليم العالي: خدمات مجانية لطلاب الشهادات الفنية بمركز الح ...
- التعليم العالي: خدمات مجانية لطلاب الشهادات الفنية بمركز الح ...
- ممثلة أمريكية تلفت الأنظار بدبوس أحمر في مهرجان البندقية الس ...
- من اسطنبول إلى أنقرة.. تفاصيل جنازة الفنان التركي سرحات كيلي ...
- بين الخيام والركام.. سينما متنقلة تعرض لأطفال غزة لحظة فرح
- -البحث عن رسول-: رحلة سينمائية في أعماق روح غامزاتوف تفتتح - ...
- تحقيق في وفاة الممثل التركي سرهات مصطفى كيليتش داخل منزله با ...
- سوزان ساراندون: ما زلت أخسر أدوارا سينمائية بسبب دعمي لفلسطي ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ندى مصطفى رستم - كم جلد فأرة يصنع فروة؟