أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ندى مصطفى رستم - - رسالة لوالدي - يا أبي الحبيب…














المزيد.....

- رسالة لوالدي - يا أبي الحبيب…


ندى مصطفى رستم

الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 13:55
المحور: سيرة ذاتية
    


اليوم تدخل عامك الاول من العقد العاشر ،
وما زلت في عيني ذلك الأب العظيم الذي علّمني معنى الحنان والقوة معًا. كلما كبرت، اكتشفت أكثر كم هو رصيدك كبير في قلوب الناس، ليس مالًا بل محبة واحترامًا وذكرًا طيبًا لا يُشترى.
أنا فخورة أني ابنتك… وأحاول دائمًا أن أكون انعكاسًا لصفاتك التي سمعت عنها ورأيتها فيك: إنسانيتك، صدقك، عدلك، ووقوفك إلى جانب الحق مهما كان الثمن.
يا أبي… دعني أحكي لك حكايتي معك كما عشتها أنا…
كنت طفلتك المشاكسة المدللة، أتذكر… التي لا تكتفي بك أبًا بل كانت تريدك لنفسها فقط. كنت أغار عليك من الجميع، حتى من أمي، وكنت أقول لك دائمًا بطفولتي:
“ولاك بابا لا مو هيك… أنا رح احكي لك فقط!”
وكنتَ تبتسم، وتتركني أستأثر بك، وكأنك لي وحدي.
كنت أختلق القصص لألفت انتباهك، وأصرّ أن تبقى معي، وأقنعك أن تختي الصغير أريح من تختك الكبير، فقط لأبقيك بقربي. كنت أمسك برقبتك وأسحبك معي، وأخوتي يعترضون وأنا لا أسمع لهم. ثم أبدأ بأغاني النوم… تلك الأغاني التي كنت أؤلفها كل ليلة، وأنت تستمع لي بصبر، وتدّعي النعاس، بينما أنا أنام قبلك بدقائق! كم كنت أنانية في حبك… وكم كنت سعيدًا بذلك.
وكانت أمي، بحنانها، تحاول أن تهدئني وتقول: “دعي والدك يرتاح”… فأهدأ قليلًا، ثم أعود لأكمل حديثي الذي لا ينتهي.
لكن يا أبي…
في عمر الثامنة، لم تكتمل تلك السعادة.
حدث شرخ بداخلي لم أفهمه حينها… كيف أستيقظ ولا أراك؟ كيف أنتظرك عند باب البيت ولا تأتي؟ لمن سأحكي قصصي اليومية؟ من سيغني لي؟ من سيأخذني بالسيارة؟ كيف اختفى عالمي فجأة؟
بدأت أبحث عنك في كل شيء… في أوراقك، في ثيابك، في كل زاوية في البيت. كنت أسأل أمي، فتلتزم الصمت، والدمع يملأ عينيها، وتقول: “اهدأي يا صغيرتي… سيعود، هو مسافر.”
لكن أي سفر هذا الذي لا يأخذ معه حقيبته… ولا حتى ماكينة حلاقته؟
كبر السؤال داخلي… وصغر صوتي.
أصبحت أجلس وحدي، لا أرغب حتى باللعب مع إخوتي. وإن خرجت للعب مع أولاد الحارة، كنت عصبية، أفتعل المشاكل، فقط لكي لا يتحدث معي أحد… لكي لا أسمع كلمة “بابا” منهم. أصبحت عدوانية، وأنا التي كانوا يلقبونني بالطفلة البريئة المهذبة.
انكسر شيء بداخلي يا أبي… ولم أعرف كيف أصلحه.
حتى البيت تغيّر… صمت ثقيل، وجدران لم تعد تلمع كما كانت، وأصبحت باردة. أمي… أين ذهبت ابتسامتها التي كانت تملأ المكان أمانًا؟ وإخوتي، علي وإياد، بدأوا يتغيرون أيضًا… كأننا جميعًا فقدنا شيئًا أكبر من أعمارنا.
كنت أراقب كل من يدخل بيتنا، لعل أحدهم يذكر اسمك… لكنهم كانوا يخفضون أصواتهم، ويتجنبون الحديث عنك. وعندما كانت عمّاتي وجدتي يأتون، كنت ألاحظ حزنهم، وأحاول أن أواسيهم، وأنا الطفلة الصغيرة، وأقول لهم:
“لا تحزنوا… بابا مسافر ولن يتأخر… أنا متأكدة، لأنه لم يأخذ أغراضه.”
وأبدأ بسرد التفاصيل، وأحاول أن أضحكهم من قصة إلى أخرى.
وأمي كانت تنظر إليّ وتقول: “ندا كفى… دعيهم يستريحون.”
فأتنهد في داخلي وأقول: يا ليتك هنا يا أبي، لتكتمل فرحتنا.
كنت أتمنى أن يبقوا معنا، ألا يعودوا إلى البلد بالباص الذي كنا نسميه “هوب هوب”… فقط ليبقوا معي وننتظرك سويًا.
ومضت سنتان وتسعة أشهر…
حتى جاء ذلك اليوم. رجل من الشرطة العسكرية يحمل ظرفًا أصفر بنيًا، وأخرج منه ورقة. لم أفهم شيئًا… قلت في داخلي: ماذا يريد هذا؟
قالت أمي: “هذه رسالة من والدك… يريد أن نراه.”
توقفت الدنيا عند هذه الجملة.
“أبي يريد رؤيتنا”… كانت كافية لأحلم، لأنتظر، لأعيش على أمل ذلك اللقاء. كنت أفكر ماذا سألبس، ماذا سأحكي، كيف سأروي لك كل الحكايات التي غابت عنك… وكنت أقول لنفسي: إن لم أنتهِ، سأكمل لك في البيت.
وعندما جاء اللقاء…
كانت الصدمة أكبر من قلبي الصغير… رأيتك تخرج من خلف القضبان.
ولم أفهم السبب… إلا عندما كبرت.
فهمت أنك لم تغب… بل دفعت ثمن موقفك. لأنك رفضت أن تكون مع الظلم، ورفضت أن تعمل مع من عُرف بالمكر والخداع. اخترت طريقًا صعبًا، لكن نظيفًا… أن تعود إلى بلدتك، وتعيش بكرامة، وتربي أولادك.
ورغم أنك درست الفلسفة، أثبت أنك معلم مميز في الرياضيات. أحبك طلابك، ونجحوا، وحتى اليوم حين يلتقون بك، أشعر بفرحتك وكأنها فرحة أب بأبنائه.
ولأنك لم تتغير… دفعت الثمن مرة أخرى. في عام 2011، قلت كلمة الحق، وطالبت بحياة كريمة، فكان نصيبك الاعتقال والألم… لكنك بقيت ثابتًا كما أنت.
وخلال غيابك يا أبي… كانت أمي تحاول أن تضمّد هذا الغياب بطريقتها الجميلة. كل ليلة كانت تحكي لنا حكايتها معك، لا فقط لتسليتنا، بل لتجعلنا ننام دون أن نرهقها بأسئلتنا عنك، ودون أن نغرق في الحزن.
كانت تصف لنا نفسها وهي شابة جميلة، بشعرها الأحمر وعينيها العسليتين، مليئة بالحياة والشقاوة… وتحكي كيف كانت مشاكسة لك، وكيف أصرت أن تدخل حفلة عرس لأحد أقربائك رغم أن دخول الأطفال كان ممنوعًا!
كنا نضحك وننتظر تلك اللحظة التي التقت بك، لكن أمي، بدهائها اللطيف، كانت تتوقف دائمًا عند أجمل لحظة وتقول:
“نكمل غدًا يا صغاري…”
فأغضب، وأعاند، وأحيانًا أساومها، وأحيانًا أستسلم للنوم وأنا أفكر: ماذا سيحدث لاحقًا؟ كيف أحب أبي أمي؟ كانت حكايتها تسكنني… كما كنت أنت تسكنني.
يا أبي…
غيابك لم يكسرني، لكنه غيّرني. ترك في داخلي وجعًا… لكنه زرع فيّ قوة وفخرًا لا يوصفان.
عاد الزمن، وعدت إلينا بعد عقود… وكنت أنا قد أصبحت أمًا، وأخي أبًا، وأخي الصغير شابًا، وأمي كما هي… لم تتغير، إلا بتعب السنين الذي مرّ عليها.
أما أنا… فلم أتغير في حبك. ما زلت تلك الطفلة التي تقول: “أنا رح احكي لك فقط”.
واليوم، وأنا في الغربة منذ ستة عشر عامًا، ما زلت أحتفل بيومك كل عام… وأشعل شمعة، وأدعو أن تكون الشمعة القادمة وأنا بين ذراعيك.
كل عام وأنت قنديل دربي يا أبي…
كل عام وأنت قلبي وفخري وسندي…
وأطال الله عمرك بالصحة والعافية.
ابنتك التي تحبك دائمًا وأبدًا…



#ندى_مصطفى_رستم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحن الذين نعيش الانهيار… ونشهد عليه..!
- ظلال في فنجان
- سبع سنوات يا أمي…
- سوريا، بلد الاختصاصات القاتلة!
- صرخة في العدم / حين تُقتل النساء مرّتين
- ولادة من الهامش
- سجينة مزحة!...
- صندوق اسراري...!
- صندوق اسراري..!
- القلب مسكنك
- متْ قاعد
- نص بحاجة للعنوان!
- للسوريين اشتياقهم
- اليوم العالمي للاجيئن
- هي والأغبياء
- متحف لأظافر طاهره!
- متحف الأظافر!
- رحيل بلا دموع
- دعني!
- إلى مصور!


المزيد.....




- من البداية حتى النهاية.. إليكم التسلسل الزمني لهجوم حفل عشاء ...
- نتنياهو: ضرباتنا في لبنان تتم وفق قواعد متفق عليها مع أمريكا ...
- سوريا: هل تتحقق العدالة الانتقالية مع بدء محاكمة رموز النظام ...
- -لن نراهن على السلطة المتخاذلة-.. حزب الله: الخروقات الإسرائ ...
- كابول تحث مواطنيها العالقين في قطر بانتظار تأشيرات أميركية ع ...
- باكستان تتحرك لإحياء مفاوضات واشنطن وطهران عقب إلغاء زيارة م ...
- تحالف مفاجئ بين بينيت ولبيد للإطاحة بحكومة نتنياهو
- حرب لا تُحسم.. أمريكا تملك القوة وإيران تمسك بالكلفة
- أكبر هجوم منسق واغتيال وزير الدفاع.. ما الذي يحدث في مالي؟
- زلزال ياباني على الأبواب.. عودة -جودزيلا- في ثوب نيسان R36


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ندى مصطفى رستم - - رسالة لوالدي - يا أبي الحبيب…