ضحى عبدالرؤوف المل
الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 12:01
المحور:
الادب والفن
المسافة الفاصلة بين التجربة والمعرفة.
ثمة فارق دقيق بين أن يعيش الإنسان تجربة وأن يفهمها، وبين أن يفهمها وأن يصبح مؤهلا للحديث عنها بوصفها معرفة. فالزواج من أكثر التجارب الإنسانية قدرة على كشف الإنسان لنفسه، لأنه لا يكتفي بإظهار ما نحب أن نكونه، بل يكشف ما نحن عليه عندما نتعب ونغضب ونختلف ونخسر ونشعر بالتهديد. ولهذا فإن كثرة الحديث عن الزواج لا تعني بالضرورة عمق المعرفة به، كما أن الخروج من تجربة زوجية لا يعني تلقائيا امتلاك مفاتيحها. قد يخرج الإنسان من زواج واحد أكثر حكمة من إنسان عاش زواجا طويلا، وقد يخرج من زيجات عدة ولم يتعلم سوى كيف يبرر نفسه في كل مرة. المسألة إذن ليست في عدد التجارب، وإنما في مقدار ما أحدثته التجربة داخل صاحبها من مراجعة. فالتجربة التي لا تغير وعينا قد لا تكون تجربة مكتملة، بل مجرد حدث مر بنا وترك في ذاكرتنا رواية نرويها للآخرين.
تكمن مشكلة خفية في الخطاب الاجتماعي المعاصروهو سهولة انتقال الإنسان من موقع المجرب إلى موقع الخبير. يكفي أحيانا أن يعيش المرء أزمة عاطفية حتى يبدأ في تفسير العلاقات، وأن يمر بانفصال حتى يوزع النصائح، وأن يقرأ بعض المفاهيم النفسية حتى يتحدث بلغة التشخيص، وكأن الألم يمنح صاحبه شهادة علمية، وكأن المرور بالنار يجعل كل من خرج منها خبيرا في كيفية إشعالها وإطفائها. والحقيقة أن الألم قد يصنع الحكمة، لكنه قد يصنع أيضا المرارة، وقد يفتح البصيرة، لكنه قد ينتج دفاعات نفسية أكثر صلابة، وقد يجعل الإنسان أكثر إنصافا، وقد يجعله أكثر اقتناعا بأنه الضحية الأبدية. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل خطاب عن الزواج ليس: كم مرة تزوجت؟ ولا كم سنة عشت مع شريكك؟ وإنما ماذا اكتشفت عن نفسك؟ هذه هي المسافة الفاصلة بين التجربة والمعرفة. فمن لم يكتشف نفسه داخل أزمته، قد يكون قد اكتشف عيوب الآخرين فقط.
والأخطر أن الإنسان يستطيع أن يبني حول نفسه رواية متماسكة جدا بعد الانفصال، رواية يكون فيها هو الطرف الذي حاول دائما، وصبر دائما، وأعطى دائما، بينما كان الآخر مصدر المشكلة في كل مرة. وهذه الرواية قد تكون صحيحة أحيانا، لكن الخطر يبدأ عندما تصبح قاعدة تفسيرية ثابتة لا تقبل المراجعة. النفس البشرية بارعة في حماية صورتها عن ذاتها، فهي تستطيع أن تنتقي من الماضي ما يؤكد براءتها، وأن تمنح أخطاءها أسماء لطيفة، بينما تمنح أخطاء الآخرين أسماء قاسية. ما تسميه عند نفسك ظرفا عابرا قد تسميه عند غيرك ضعفا في الشخصية، وما تعتبره عند نفسك رد فعل قد تعتبره عند الطرف الآخر عدوانا، وما تسميه لنفسك بحثا عن الكرامة قد تصفه عند غيرك بأنه هروبا من المسؤولية. ولهذا فإن النضج النفسي لا يبدأ عندما نعرف كيف نفسر سلوك الآخرين، بل عندما نستطيع أن نضع تفسيراتنا عن أنفسنا تحت الشك نفسه. إن أصعب سؤال يمكن أن يطرحه الإنسان على ذاته أين ظلمت أنا، ولو بقدر لا أحب الاعتراف به؟
أما الحديث عن حسن الاختيار أكثر تعقيدا مما يبدو. فالناس يحبون الاعتقاد بأن الزواج الناجح نتيجة العثور على الشخص الصحيح، والزواج الفاشل نتيجة العثور على الشخص الخطأ. لكن هذه المعادلة مريحة أكثر مما هي صحيحة. لأن الإنسان لا يدخل الزواج حاملا عينيه فقط، بل يدخل إليه بتاريخه النفسي، ومخاوفه، ونظرته إلى السلطة، ومفهومه للكرامة، وطريقته في التعبير عن الغضب، وحدود احتماله، وصورته عن الحب، وعلاقته بأسرته الأصلية، وتوقعاته غير المعلنة عن الطرف الآخر. ولذلك قد يختار شخصان الشريك نفسه في ظروف متشابهة، ثم يعيشان علاقتين مختلفتين تماما. فالاختيار مهم، لكنه ليس كل شيء. إننا لا نختار شريكا فقط؛ نحن نختار أيضا الطريقة التي سنعيش بها هذا الاختيار. وقد يكون الإنسان حسن الاختيار وسيئا في المعاشرة، كما قد يخطئ في بعض عناصر الاختيار ثم ينجح في بناء علاقة ناضجة. الحياة الزوجية ليست امتحانا ينتهي لحظة إعلان الزواج، بل امتحان يبدأ عندها.
ومن المؤسف أن تتحول بعض الخطابات إلى محكمة للنساء أو الرجال، فتضع كل طرف أمام قائمة من الشروط، ثم توهمه أن ضمان المستقبل يكمن في التخلص من كل عنصر لا يطابق الصورة المثالية. المرأة مطالبة أحيانا بأن تبحث عن المال والمكانة والاستقرار، والرجل مطالب بأن يبحث عن الجمال والعمر والحالة الاجتماعية، ثم يأتي الواقع ليكشف أن الإنسان ليس ملفا يمكن اختصاره في مجموعة مواصفات. المال قد يحمي الأسرة من بعض الأزمات لكنه لا يمنحها الرحمة، والجمال قد يفتح باب الانجذاب لكنه لا يضمن الاحترام، والمكانة الاجتماعية قد تمنح الأسرة هيبة خارجية لكنها لا تمنع صاحبها من أن يكون قاسيا في الداخل. وكذلك فإن التجربة الزوجية السابقة لا تجعل الإنسان صالحا أو فاسدا بذاتها، كما أن عدم الزواج لا يجعله أكثر نقاء أو أقل نضجا. الإنسان لا تختصره حالته الاجتماعية. الذي ينبغي أن نسأل عنه هو قدرته على تحمل المسؤولية، وصدقه، ونضجه، واستعداده للحوار، ووعيه بأخطائه، وقدرته على أن يرى الآخر إنسانا مستقلا لا أداة لتحقيق تصوراته.
لكن المفارقة الأكثر إثارة للتأمل تظهر عندما يصبح صاحب التجربة مرشدا للآخرين، فيتحدث عن اللين والتغافل والرحمة والصبر والسكن والمودة. لا مشكلة في ذلك من حيث المبدأ؛ بل قد يكون حديثه نافعا للغاية. غير أن القيمة الأخلاقية للخطاب ترتفع حين يكون صاحبه قادرا على تطبيق المفاهيم نفسها على نفسه. فالذي يدعو إلى التغافل ينبغي أن يعرف كيف يتغافل عن أخطائه هو قبل أخطاء غيره، والذي يتحدث عن الرحمة ينبغي أن يسأل نفسه إن كان قد منحها لمن عاش معه، والذي يشرح معنى الاحتواء ينبغي أن يتذكر كيف تعامل مع ضعف شريكه، والذي يطالب الآخرين بحسن الاختيار ينبغي أن يكون مستعدا لسؤال نفسه عن اختياراته السابقة. ليست الحكمة أن نقول للناس ما ينبغي عليهم فعله، وإنما أن نمتلك الشجاعة لنرى المسافة بين ما نعرفه وما نمارسه. فهناك أشخاص يعرفون الصواب جيدا، لكنهم لا يستطيعون العيش به، ومعرفة الصواب وحدها لا تجعل الإنسان صالحا، كما أن الحديث الجميل عن الفضائل لا يعوض غيابها في السلوك.
وهذا لا يعني أن صاحب التجربة الفاشلة يجب أن يصمت. على العكس، قد يكون أكثر الناس حاجة إلى الكلام، ولكن بشرط أن يتغير موقع الكلام: من منصة الحكم إلى مساحة التأمل. يستطيع الإنسان أن يقول تعلمت من زواجي السابق أنني أخطأت في كذا ، وأن يقول كنت أظن أن المشكلة كلها في الطرف الآخر، ثم اكتشفت أن لي نصيبا منها ، وأن يقول :كنت أبحث عن صورة معينة للشريك، ولم أفهم الإنسان الذي أمامي، وأن يقول: كنت أعرف معنى الصبر نظريا، لكنني لم أكن أمارسه حين أختلف. هذا النوع من الاعتراف لا ينتقص من صاحبه، بل يرفعه، لأنه يحول التجربة من سلاح يستخدمه ضد الآخرين إلى معرفة يستخدمها لتطوير نفسه. أما حين تصبح كل تجربة سابقة دليلا على سوء الآخرين، فإن الإنسان لا يكون قد تعلم من الماضي، بل يكون قد أعاد ترتيب الماضي ليبرئ الحاضر. وهنا تصبح الكتابة وسيلة للدفاع عن الذات أكثر مما هي وسيلة لاكتشاف الحقيقة.
ولعل أعمق ما يمكن أن نتعلمه من مؤسسة الزواج أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى اختيار جيد، بل يحتاج إلى قدرة مستمرة على إعادة اختيار شريكه في كل مرحلة من مراحل الحياة. أن تختار الإنسان نفسه بعد أن يتغير شكله، وبعد أن يمرض، وبعد أن يقل المال، وبعد أن يزداد ضغط الحياة، وبعد أن تظهر طباع لم تكن تراها في البداية، وبعد أن تصبح الرومانسية اليومية مسؤوليات وفواتير وأطفالا وتعبا وصمتا. هنا تحديدا يتبين إن كان الزواج قائما على الاستهلاك أم على الميثاق. فالذي اختار الصورة فقط سيشعر بالخيانة عندما تتغير الصورة، أما الذي اختار الإنسان فسيحاول أن يتعرف إليه من جديد. والزواج الناضج ليس أن يظل الآخر مطابقا لما أحببناه في البداية، بل أن نملك من العمق ما يسمح لنا بأن نحب الإنسان أيضا في مراحل لم نكن قد خططنا لها.
لكن السؤال الأخلاقي الذي ينبغي أن يرافق كل حديث عن الزواج ليس من تزوج، ومن طلق، ومن بقي، ومن رحل، ومن كان على حق ومن كان على خطأ، فالحياة أعقد من هذه الثنائيات. السؤال الأهم من كل هذا هو هل خرجنا من تجاربنا أكثر عدلا أم أكثر قسوة؟ أكثر بصيرة أم أكثر يقينا بأنفسنا؟ أكثر قدرة على فهم الآخر أم أكثر براعة في إدانته؟ فالتجربة التي لا تقود إلى مراجعة الذات قد تتحول إلى غرور مقنع، والخطاب الذي لا يختبر نفسه قد يتحول إلى وعظ، والمعرفة التي لا يصاحبها تواضع تصبح سلطة. أما الحكمة الحقيقية فتبدأ في اللحظة التي يكف الإنسان عن استخدام ماضيه لإثبات أنه كان محقا دائما، ويبدأ باستخدامه ليكتشف أين كان يمكن أن يكون إنسانا أفضل. عندها فقط يصبح الحديث عن الزواج أكثر من نصائح، يصبح شهادة إنسانية على الضعف البشري، وعلى أن الميثاق لا يحفظه جمال الاختيار وحده، بل أخلاق من اختار، ولا تحميه الكلمات الكبيرة، بل القدرة اليومية على الرحمة والإنصاف والاعتذار والمراجعة. فالبيت لا ينهار دائما لأننا اخترنا الإنسان الخطأ، أحيانا ينهار لأننا دخلناه ونحن نعتقد أن مهمتنا العثور على شخص يرضينا، لا أن نصبح نحن أيضا أشخاصا يستطيع الآخر أن يجد عندهم السكن.
طرابلس- لبنان- الخميس في 3 ايلول 2026 الساعة العاشرة صباحا
#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟