ضحى عبدالرؤوف المل
الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 15:49
المحور:
الادب والفن
رواية ورثة الصمت للروائية عبير داغر إسبر
لا يبدو الموت حادثةً نهائية بقدر ما يبدو لغةً تتناقلها الأجيال حين تعجز عن العثور على لغة أخرى في رواية ورثة الصمت للروائية عبير داغر إسبر. تبدأ الرواية من نانا التي "أرادت أن تكون لها الكلمة الأخيرة فقالتها وانتحرت"، ثم تعود المحاولة في جسد جانو، ابنة سامي، وكأن الموت لم يكن فعلًا فردياً بل جملةً عائلية يعيد كل جيل كتابتها بصيغة مختلفة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه على القارىء هو لماذا تنتحر هؤلاء النساء؟ ومن الذي علّمهن أن الموت يمكن أن يكون امتلاكاً للكلمة الأخيرة؟
تتجاوز الرواية مأساة الانتحار إلى مأساة أعمق هي مأساة الإرث النفسي والرمزي، فكل شخصية تحمل شيئاً من التي سبقتها، لا باعتبارها نسخة منها، وإنما باعتبارها وارثة لطريقة معينة في تفسير الألم. ماريا تسمي المصائب "النحوسات"، وفكتوريا تحوّل الندم إلى لعنات يومية، ونانا تحول الحرية إلى إعادة اختراع للذات، وجانو تذهب أبعد من ذلك نحو الصمت والعدمية. أما سامي، الراوي، فيحاول أن يمنح هذا التاريخ تفسيره الخاص، فيضع اللعنة على النساء ثم يتوقف فجأة ليسأل "لكن هل تحلّ اللعنة على النساء فقط؟" وهذه الجملة، في رأيي، هي المفتاح الأخلاقي للرواية كلها، لأنها تشكك في الرواية التي يصنعها سامي بنفسه. فربما لا تكون هناك لعنة نسائية أصلًا، وإنما عائلة عجزت عن تسمية خساراتها إلا عبر الأساطير والاتهامات والتوريث، وربما يكون أخطر ما يُورّث داخل العائلات ليس المرض ولا الموت، وإنما القصة التي نرويها عن المرض والموت. ومن هنا تكتسب نانا حضورها المدهش رغم غيابها الجسدي إنها ليست شخصية ميتة، بل فكرة حية تستمر في تشكيل الأحياء، حتى يبدو أن جانو لا تعيش حياتها وحدها، وإنما تعيش أيضاً تحت ظل السؤال الذي تركته عمتها وراءها فهل يملك الإنسان حق أن تكون له الكلمة الأخيرة في حياته؟
لكن الشخصية الأكثر تعقيداً هو سامي ، لأنه راوٍ عاشق ومتحيز، وأب مكسور يحاول أن ينقذ ابنته وفي الوقت نفسه أن يستعيد سلطته عليها. سامي يقول" أردت أن أكتب على صفحات حياتها حكايات لم تُمْلِها عشيرة من ربات بيوت غاضبات"، ولا يمكن المرور على هذه الجملة مروراً عابراً، فالرجل الذي يريد إنقاذ ابنته يريد، في العمق، أن يصبح مؤلف حياتها. إنه يريد أن يكتب لها الحكاية الصحيحة، أن ينزع عنها إرث النساء، وأن يستبدل "صلاة أجدادها النساك" بحكايات جداتها "الموتورات". غير أن المفارقة أن سامي، وهو يحاول تحرير جانو من إرث نانا، يجعلها أسيرته هو، إذ لا يستطيع أن يراها إلا من خلال شبح أختها. يقول: "ها هي ابنة قلبي تعيد دون ذرّة إبداع ما فعلته بي أختي قبلها بسنوات"، وفي هذه الجملة انكشاف عميق لعمى الراوي لأن جانو ليست نانا، لكنه يحتاج إليها أن تكون نانا كي يستطيع تفسير ما يحدث. إنها آلية نفسية مأساوية، فالأب لا يواجه ابنته كما هي، بل يواجه تاريخاً عائلياً عاد إليه في جسدها. ولهذا تبدو جانو، في جزء كبير من المقطع، شخصية تُرى ولا تتكلم بما يكفي، بينما يحتكر سامي حق تفسيرها. هنا يمكن طرح سؤال نقدي جوهري: هل جانو شخصية مستقلة فعلًا، أم أنها لا تزال محبوسة داخل وعي أبيها؟ لهذا تجعل عبير أسبر القارىء أمام توقعات مستقبلية وتساؤلات تزيد شغف القارىء في العمق أكثر، فإذا بقيت جانو مجرد مرآة لنانا أو موضوعاً لتحليل سامي، ستظل شخصية مأساوية قوية لكن ناقصة الاستقلال، أما إذا بدأ القارىء في كشف ما لا يعرفه سامي عنها، وما يخطئ في فهمه، فستتحول من "ابنة تحاول الموت" إلى شخصية كاملة تقاوم حتى سلطة الراوي نفسه.
نانا اختارت اسمها كما حاولت أن تختار حياتها، ثم حاولت أن تختار موتها، ولذلك يبدو الانتحار، داخل وعي سامي، امتداداً متطرفًا لفلسفة الاستقلال التي مارستها طوال حياتها. وفي المقابل، سامي لم يغير اسمه "كنت سامي وبقيت كذلك للجميع". إن ثبات اسمه يقابله اضطراب عالمه الداخلي، بينما تتغير أسماء الآخرين وتتبدل مواقعهم وهوياتهم. حتى فنسنت ليس اسمه الحقيقي في لحظة من السرد، سامي يعترف"فسمّيته فنسنت". وكأن الراوي الذي فقد السيطرة على حياته يحاول استعادة السيطرة على الآخرين عبر تسميتهم. وتتقاطع نانا وسامي بصورة مدهشة.إذ كلاهما يمارس فعل التسمية، لكن نانا تسمي نفسها، بينما سامي يسمي الآخرين. الأولى تمارس حرية الذات، والثاني يمارس سلطة التأويل. وحتى جانو تبدو واقفة بينهما، فهي تحمل اسماً منحها إياه الآخرون، لكنها تقاوم أن يتحول اسمها إلى تعريف نهائي لها. لذلك لا يصبح سؤال الاسم هامشياً في الرواية ، بل يتصل مباشرة بسؤال الانتحار: إذا كان الاسم هو أول طريقة يقول بها الإنسان "أنا"، فهل يمكن أن يكون الموت محاولة أخيرة ليقول "أنا" بطريقة لا يستطيع الآخرون تغييرها؟
وتزداد الرواية قوة حين تخرج من البيت إلى مونتريال، لأن المنفى هنا ليس ديكوراً جغرافياً بل امتداداً نفسياً للعائلة. الثلج الذي يغطي المدينة لا يمحو شيئاً من ذاكرة سامي، على العكس، يبدو كأنه يكشفها. وسط العاصفة يرى المهاجرين وهم "كتلة بشرية غير متسقة"، ويكتشف أن المدينة التي يفترض أن تكون مكاناً للاندماج لا تمنحهم بالضرورة إحساس الانتماء. يقول" فمن عمق البياض أطللنا على حيوات بعضنا كتلةً بشريةً غير متسقة" ، ثم يصل إلى واحدة من أكثر الجمل متانة "كل ما أبغيه أن يسجّلوا مرورهم بي". إذ يلتقي المنفى بالموت على مستوى رمزي بالغ الذكاء، فكلاهما تجربة للخوف من الاختفاء، وكلاهما يجعل الإنسان يبحث عن شاهد يقول إنه كان موجوداً. ولذلك فإن رغبة سامي في معرفة اسم الممرضة لوسيل، وحفظ ملامح الغرباء، ليست فضولًا عابراً، إنها محاولة لمقاومة العدم. حتى المستشفى نفسه يصبح فضاءً مقابلًا للعائلة. العائلة تنتج الأساطير واللعنات والذكريات، بينما المستشفى ينتج الملفات والمواعيد والتقييمات. سامي يريد أن يقول إن جانو "ليست مجنونة"، بينما المؤسسة لا تستطيع إلا أن تسجل أنها محاولة انتحار تحتاج إلى متابعة. وبين هذين العالمين تقع جانو بين أب يريد أن يرويها، ومؤسسة تريد أن تصنفها، وذات تحاول ألا تكون قابلة للاختزال في أي منهما. ومن هنا يصبح المنفى أكثر من غربة عن الوطن، إنه غربة عن اللغة نفسها، لأن سامي لم يعد يعرف كيف يشرح ألمه إلا عبر سلسلة من الصور والذكريات والمجازات. وحين يقول عن لوسيل إنه أراد أن يحكي لها "حكاية عائلتنا"، فإنه يكشف حاجته العميقة إلى تحويل المعاناة إلى رواية، كأن الاعتراف أمام الآخر هو آخر أشكال طلب اللجوء.
أما من الناحية الأسلوبية، فإن الرواية تمتلك طاقة لغوية لافتة، وربما تكون قوتها ومشكلتها في الوقت نفسه أن عبير اسبر تملك حساً استعارياً واضحاً، وتستطيع أن تجعل الثلج والمدينة والجسد والذاكرة عناصر في مشهد نفسي واحد. لكن كثافة المجاز تبلغ أحياناً حداً يجعل الصورة تنافس الحدث بدل أن تخدمه، ففي مساحة قصيرة تتجاور ميدوزا وزرقاء اليمامة وجان دارك وسيبيريا وأفلام الرعب وسور الصين وإيكيا وسمبسون وغيرها. بعض هذه الاستدعاءات موفق جدا لأنه يكشف عن وعي سامي الثقافي المهاجر، لكن بعضها الآخر يوشك أن يجعل القارئ يرى براعة الكاتب بدل أن يرى انكسار الشخصية. الرواية تحتاج، في رأيي، إلى قدر أكبر من الثقة بالصمت وبالتفصيل اليومي. والدليل أن أكثر لحظاته تأثيراً ليست بالضرورة أكثرها بلاغة، وإنما تلك التي تعود فيها جانو إلى تفاصيلها الصغيرة مثل حين تمسح الماء عن مقعد السيارة، أو تمرر أصابعها في شعر أبيها، أو تسخر من حذائه قائلة" ما بقى تغيّر هالفضيحة اللي برجلك". هذه الجملة البسيطة أقوى من صفحات من الرثاء لأنها تقول إن العلاقة لم تنته، إن الابنة التي أرادت الموت لا تزال قادرة على السخرية من أبيها. وكذلك لحظة "دجاجتي الحمقاء" تعيد الرواية من الفلسفة إلى الحميمية، ومن "امرأة حاولت الانتحار" إلى ابنة لها اسم دلع وذاكرة مشتركة مع أبيها. فالرواية لا تحتاج إلى مزيد من البلاغة، بل إلى مزيد من الاقتصاد، ومزيد من المساحة لجانو كي تصبح صاحبة صوت لا مجرد موضوع في صوت أبيها.
إن القيمة الحقيقية لهذه الرواية تكمن في أنها ترفض أن تجعل الانتحار حادثة منفصلة عن التاريخ، وفي الوقت نفسه ترفض، أو ينبغي أن ترفض، أن يحول التاريخ إلى قدر محتوم. نانا ليست قدر جانو، وجانو ليست نسخة من نانا، وسامي ليس مجرد ضحية للنساء، والنساء لسن مصدر اللعنة التي يحاول أن يلصقها بهن. فهل الرواية تتحدث عن الطريقة التي يصنع بها البشر وراثتهم النفسية بأنفسهم؟ أم ما نورثه ليس فقط الدم والمرض والذكريات، وإنما العبارات التي نصف بها أنفسنا مثل النحس، الجنون، اللعنة، الغربة، العدمية، الكلمة الأخيرة. بهذا تصبح جانو، بعد خروجها من المستشفى، أكثر من ناجية من محاولة انتحار، إنها نقطة اختبار للرواية كلها. هل سيعيد سامي إنتاج نانا داخلها؟ هل سيجعلها تحمل ملكية الماضي؟ أم سيتعلم أخيراً أن يحب ابنته من دون أن يفهمها بالكامل؟
لكن وأنت تتعمق في القراءة تتساءل إذا كانت جانو قد ورثت عن عائلتها ليس الجينات وحدها، بل خوفها وذاكرتها وخرائط موتها، وإذا كان سامي قد قضى عمره كله وهو يهرب من سوريا، ثم اكتشف أن الوطن الذي غادره ظلّ يسكنه ويتناسل في ابنته، فهل كانت محاولته إنقاذ جانو من الموت إنقاذاً لها حقاً، أم محاولة متأخرة لإنقاذ نفسه من تاريخٍ لم يجرؤ يوماً على مواجهته؟ وهل يستطيع الأب أن يقطع الحبل السري الذي يصل ابنته بمآسي العائلة، أم أن الرواية، وهي تعيد إلينا كل هذه الوجوه والغيابات والانتحارات والخيانات والهجرات، تقول إننا لا نغادر أوطاننا ولا موتانا أبداً، وإنما نحملهم معنا من جيل إلى جيل؟ وعندما يصبح القصّ آخر أسلحة الأب في مواجهة الموت، يبقى السؤال الأكثر قسوة هو هل يستطيع سامي أن يكتب لجانو نهايةً لم تكتبها العائلة من قبل، أم أن شهرزاد نفسها ستكتشف، في الليلة الأخيرة، أن الحكاية التي أنقذتها طوال ألف ليلة لم تكن سوى طريقة أخرى لتأجيل الموت؟
طرابلس / بيروت — الإثنين 17 آب 2026، الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرًا.
#ضحى_عبدالرؤوف_المل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟