|
|
الشريعة مداري الذي انقذ الخميني من الإعدام وغدر به
احمد عناد
الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 07:57
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
آية الله شريعتمداري… الرجل الذي أنقذ الخميني ثم حكم عليه الخميني بالصمت حتى مات .
آية الله محمد كاظم شريعتمداري… الرجل الذي أنقذ الخميني ثم حكم عليه الخميني بالصمت في تاريخ الثورات، هناك مفارقات يصعب على الخيال أن يبتكر مثلها. رجل دين كبير يتدخل لإنقاذ رجل دين آخر من الإعدام، ويساعد على تثبيت مكانته العلمية التي تحول دون قتله.
ثم تمر السنوات. تنتصر الثورة. يصبح الرجل الذي أنقذ حياته قائدًا للبلاد وصاحب أعلى سلطة فيها. أما الرجل الذي أنقذه، فيتحول إلى خصم سياسي، ثم إلى مرجع محاصر في منزله، ثم يموت تحت الإقامة الجبرية، ويُدفن ليلًا بعيدًا عن أتباعه وتلاميذه.
هذه ليست رواية أدبية. إنها واحدة من أكثر القصص دلالة على التحول الذي شهدته إيران بعد ثورة 1979.
إنه آية الله العظمى محمد كاظم شريعتمداري. من هو شريعتمداري؟
كان شريعتمداري واحدًا من كبار مراجع الشيعة في القرن العشرين، ومن أبرز مراجع حوزة قم بعد وفاة المرجع الكبير آية الله محمد حسين البروجردي سنة 1961. في تلك المرحلة لم تكن المرجعية الشيعية في قم مؤسسة ذات رئيس واحد؛ بل كانت موزعة بين عدد من كبار العلماء، وكان شريعتمداري واحدًا من أبرزهم إلى جانب گلپايگاني والمرعشي النجفي وغيرهما.
وهذا مهم لفهم قصته. فالخميني لم يكن يومها هو «المرجع الأعلى» الذي يعرفه العالم بعد الثورة. كان عالمًا دينيًا بارزًا ومعارضًا للشاه، لكنه لم يكن قد أصبح صاحب السلطة الدينية والسياسية التي امتلكها بعد 1979. وكان لشريعتمداري وزن علمي واجتماعي كبير، وامتد تأثيره إلى خارج إيران. ومن الشخصيات التي ارتبطت بالبيئة العلمية والمؤسساتية لشريعتمداري السيد موسى الصدر، الذي أصبح لاحقًا الشخصية الشيعية الأبرز في لبنان.
وهكذا كان شريعتمداري جزءًا من عالم المرجعية الشيعية التقليدية الذي سبق الثورة الإيرانية، لا رجلًا ظهر مع الثورة ثم اختفى. القصة التي بدأت قبل الثورة عام 1963 دخل الخميني في مواجهة مباشرة مع نظام الشاه. اعتُقل بعد خطاباته واحتجاجاته، وتحوّل اعتقاله إلى أزمة كبيرة للنظام. وتشير مصادر صحفية معاصرة إلى أن جهاز السافاك كان يريد إعدام الخميني، وأن آية الله شريعتمداري تدخل لمنع ذلك، محتجًا بأن رجال الدين من رتبة الآيات لا ينبغي أن يخضعوا لعقوبة الإعدام. وبالفعل أُطلق الخميني لاحقًا، قبل أن يُنفى إلى الخارج. (Washington Post)
لكن في الوسط الحوزوي توجد رواية أكثر تحديدًا للواقعة، وهي أن الخميني لم يكن يومها قد بلغ مرتبة المرجعية التي تجعل إعدامه أمرًا بالغ الحساسية، وأن شريعتمداري وكبارًا آخرين من علماء قم تدخلوا لإثبات اجتهاده ورفع مكانته الدينية إلى مرتبة تحميه من المصير الذي كان ينتظره.
هذه الرواية قديمة ومتكررة في مصادر متعددة، لكنها تعود إلى واقعة حدثت قبل عصر الإنترنت والوثائق الرقمية، ولذلك لا توجد بين أيدينا وثيقة إلكترونية أصلية تحمل صيغة الإعلان الحوزوي نفسها.
لكن غياب الوثيقة الإلكترونية لا يعني أن الواقعة لم تحدث. بل إن المصادر التاريخية والصحفية تؤكد جوهر القصة: شريعتمداري تدخل لإنقاذ الخميني من الإعدام، مستندًا إلى مكانته الدينية.
وهنا تبدأ المفارقة. الرجل الذي ساهم في إنقاذ حياة الخميني لم يكن يعلم أن التاريخ سيضعه بعد أقل من عقدين في مواجهة الرجل نفسه. لماذا كان الاعتراف باجتهاد الخميني مهمًا؟ في النظام الديني الشيعي التقليدي، ليست كل مرتبة دينية واحدة. هناك طالب العلم، ثم العالم، ثم المجتهد، ثم المرجع الذي يبلغ مرتبة يستطيع معها أن يكون «مرجع تقليد». وكان الاعتراف بالخميني مجتهدًا ومرجعًا يعني رفعه إلى مرتبة دينية تجعل التعامل معه باعتباره مجرد محرض سياسي أمرًا بالغ الصعوبة. ولهذا ارتبط اسم شريعتمداري بهذه اللحظة. لم يكن شريعتمداري يمنح الخميني «حصانة قانونية» بالمعنى الحديث للكلمة، وإنما كان يمنحه المكانة الدينية التي تجعل إعدامه قضية مختلفة تمامًا.
وهذا فرق مهم. ومن هنا يمكن فهم ما تقوله المصادر عن أن السافاك كان يريد إعدامه، وأن تدخل شريعتمداري ساهم في إنقاذه. (Washington Post)
ثم جاءت الثورة بعد ستة عشر عامًا تقريبًا تغير كل شيء. عاد الخميني إلى إيران سنة 1979. وسقط الشاه. وانتصرت الثورة. لكن الذين أسقطوا الشاه لم يكونوا متفقين على شكل الدولة التي ستأتي بعده. وهذه نقطة غالبًا ما تُهمل في الروايات المختصرة للثورة الإيرانية.
لم يكن السؤال فقط: هل نسقط الشاه؟ بل أصبح: ماذا سنبني بعد سقوطه؟ وهنا ظهر الخلاف بين شريعتمداري والخميني الخلاف لم يكن على الإسلام
من السهل أن نختصر القصة فنقول: «الخميني أراد دولة إسلامية، وشريعتمداري عارضه.» وهذه صياغة غير دقيقة. شريعتمداري كان رجل دين ومرجعًا شيعيًا، ولم يكن علمانيًا معاديًا للدين.
كان اعتراضه يتعلق بصورة الدولة وموقع رجال الدين داخلها. كان السؤال الحقيقي: هل تكون المرجعية الدينية مستقلة عن الدولة، أم يصبح الفقيه نفسه رأس الدولة وصاحب السلطة السياسية العليا؟
وهنا اصطدم الرجلان. ولاية الفقيه… نقطة الانفجار كان الخميني قد طرح تصورًا سياسيًا خاصًا لولاية الفقيه.
وبعد الثورة لم تعد المسألة بحثًا فقهيًا داخل الحوزة، بل تحولت إلى نظام للحكم. أصبح الفقيه قائدًا للدولة، وأصبحت له صلاحيات واسعة على المؤسسات السياسية والعسكرية والقضائية. وتوضح Encyclopaedia Iranica أن ولاية الفقيه أصبحت مركز الدستور الإيراني الجديد، وظهرت بصورة واضحة في المواد 5 و107 و110، وأن إدخال هذا المبدأ في دستور 1979 أضر بصورة مباشرة بالتعدد التقليدي للمرجعية الشيعية. (Iranica Online)
وهنا كان شريعتمداري يقول: لا. ليس بالضرورة «لا للإسلام». وليس بالضرورة «لا للثورة». بل: لا لتحويل سلطة الفقيه إلى سلطة سياسية مطلقة. من يراقب الفقيه؟
هذه ربما كانت أهم نقطة في موقف شريعتمداري. إذا أصبح الفقيه هو الحاكم، فمن يراقبه؟ وإذا كان يمتلك سلطة واسعة على مؤسسات الدولة، فمن يستطيع محاسبته؟ وإذا أصبحت معارضة الحاكم معارضة لمشروع ديني، فهل يستطيع رجل الدين أن يعترض دون أن يتحول اعتراضه إلى اتهام له بمعاداة الإسلام؟
هذه الأسئلة لم تكن فلسفة مجردة. لقد أصبحت واقعًا سياسيًا بعد الثورة. وتنقل دراسة عن المؤسسات السياسية الإيرانية أن شريعتمداري كان يرى أن ولاية الفقيه لا ينبغي أن تعني أن تكون السلطة السياسية محفوظة لفقيه واحد، وأنه كان على خلاف واضح مع تفسير الخميني لها. (MP-IDSA) الدستور… هنا أصبح الخلاف علنيًا في عام 1979 كانت إيران تكتب دستورها الجديد. وهنا حاول شريعتمداري الدفع باتجاه نظام مختلف. كان من أشد المنتقدين لإدخال ولاية الفقيه بصورتها التي تمنح القائد سلطات واسعة.
ويشير مركز عبدالرحمن برومند إلى أن شريعتمداري عارض صراحة ولاية الفقيه، كما عارض منح مجلس صيانة الدستور سلطة واسعة على البرلمان، وقاطع الاستفتاء على الدستور. (Abdorrahman Boroumand Center) والأخطر بالنسبة للخميني أن شريعتمداري لم يكن معارضًا من خارج المؤسسة الدينية.
كان مرجعًا كبيرًا. أي أن الاعتراض جاء من داخل الحوزة نفسها. وهنا أصبح الصراع أخطر. شريعتمداري لم يكن رجلًا بلا جمهور كان لشريعتمداري نفوذ واسع، خصوصًا بين الأذريين في شمال غرب إيران.
وتقدر بعض المصادر عدد أتباعه ومقلديه بملايين عدة، وهو ما جعل نفوذه الديني والسياسي تحديًا حقيقيًا للسلطة الجديدة. (Abdorrahman Boroumand Center) وفي تبريز خصوصًا ظهر غضب واسع من الاتجاه الجديد. وفي نهاية عام 1979 اندلعت اضطرابات مرتبطة بالصراع حول الدستور وموقف شريعتمداري، وسقط قتلى من أنصاره، ثم بدأ الضغط عليه يتصاعد حتى وضع تحت الإقامة الجبرية. (Amnesty International)
وهنا انتقلت العلاقة بين الرجلين من الخلاف إلى الصدام. المفارقة: منقذ الأمس يصبح خصم اليوم تخيل المشهد: في عام 1963 كان الخميني رجل دين معتقلًا، مهددًا بالإعدام. وكان شريعتمداري أحد العلماء الذين وقفوا لمنع قتله. وفي عام 1979 أصبح الخميني قائد الثورة. أما شريعتمداري فأصبح أحد أبرز رجال الدين الذين يرفضون شكل الدولة التي أقامها.
الرجلان لم يعودا في الموقع نفسه. أحدهما أصبح صاحب السلطة. والآخر أصبح صاحب السؤال المزعج صادق قطب زاده… الضربة القاضية
في عام 1982 انفجرت قضية صادق قطب زاده، وزير الخارجية السابق. اتهمته السلطات بالتخطيط لانقلاب ضد النظام واغتيال الخميني. وأقحمت قضية شريعتمداري في هذه المؤامرة. ثم ظهر شريعتمداري على التلفزيون الإيراني وأقر بمعرفته بالمخطط. لكن هنا يجب أن نكون منصفين تاريخيًا.
لا نستطيع أن نكتب: «ثبت أن شريعتمداري كان شريكًا في مؤامرة اغتيال الخميني». لأن القضية لم تمر بمحاكمة مستقلة يمكن من خلالها اختبار الأدلة. بل إن منظمة العفو الدولية أشارت إلى أن اعترافه التلفزيوني جاء، بحسب التقارير، بعد اعتقال عدد من أقاربه، بينهم ابنته الحامل واثنان من أصهاره. (Amnesty International)
كما توثق مصادر حقوقية لاحقة ظروف الضغط الشديد الذي أحاط بالاعترافات، وأن القضية استُخدمت لإحكام السيطرة عليه وعلى مؤسساته. (Abdorrahman Boroumand Center) أما قطب زاده فقد أُعدم في سبتمبر 1982. وبذلك انتهى عمليًا أي مجال لعودة شريعتمداري إلى الحياة العامة. إسقاط المرجع لم يكتف النظام بإبعاده سياسيًا. فقد جُرد من مؤسساته ونفوذه، وأغلقت المؤسسات التابعة له. وأصبح يعيش تحت الإقامة الجبرية. ووفق مصادر حقوقية، فقد قُطعت اتصالاته ووُضع في عزلة شديدة، بينما استمر الضغط عليه وعلى أسرته. (Abdorrahman Boroumand Center) وهنا تكمن إحدى أكثر اللحظات قسوة في القصة. رجل كان مرجعًا لملايين الناس أصبح ممنوعًا من التواصل مع الناس.
المرض… والسنوات الأخيرة أصيب شريعتمداري بالسرطان. وفي سنواته الأخيرة ازدادت حالته الصحية سوءًا، وبقي تحت القيود المفروضة عليه. وتشير المصادر إلى أنه عولج في قم ثم نُقل في النهاية إلى مستشفى في طهران، حيث توفي في أبريل 1986 بعد غيبوبة استمرت عدة أيام. (Ubiquiti) وكانت السلطة قد سلبته قبل ذلك معظم مظاهر مكانته العامة. لم يعد المرجع الذي يستقبل طلابه. لم تعد له مؤسسات مفتوحة. لم يعد يستطيع أن يتحرك بحرية. حتى موته لم يتحول إلى مناسبة عامة. دفن في الظلام تؤكد منظمة العفو الدولية في تقريرها عن رجال الدين الشيعة أن أنصار شريعتمداري مُنعوا من إقامة جنازة عامة، وأنه دُفن سرًا في منتصف الليل وفي مكان بعيد. (Abdorrahman Boroumand Center) وتؤكد مصادر صحفية معاصرة أن شريعتمداري مات في أبريل 1986، وأنه كان قد أمضى سنوات تحت الإقامة الجبرية. (Ubiquiti) أما الروايات التفصيلية عن وصيته ومكان دفنه ومن صلى عليه، فهي متداولة في المصادر الحوزوية والصحفية، لكنها أقل توثيقًا من واقعة الدفن السري نفسها؛ ولذلك ينبغي التفريق بين الأمرين. وهذا التفريق لا ينتقص من مأساة النهاية. فمجرد منع أتباع مرجع كبير من إقامة جنازة عامة له، ثم دفنه ليلًا بعيدًا عن الحشود، يكفي ليكشف حجم الصراع الذي بلغته الدولة مع الرجل.
هل كان شريعتمداري ضد الثورة؟ ليس بهذه البساطة. هذه واحدة من أكثر النقاط التي تستحق الإنصاف. شريعتمداري كان من المعارضين للشاه، وكان بيته في قم مركزًا يجتمع فيه معارضون وشباب من الحوزة.
وتذكر المصادر أنه كان من الشخصيات الدينية المهمة في المعارضة التي سبقت الثورة. (Los Angeles Times) لكن تأييده إسقاط الشاه لم يكن يعني موافقته على كل ما جاء بعده. وهذا فرق جوهري. لقد أسقط الشاه. لكنه رفض أن يكون البديل سلطة دينية غير قابلة للمحاسبة.
ولهذا يمكن تلخيص موقفه بجملة: كان مع الثورة ضد الشاه، لكنه لم يكن مع تحويل الثورة إلى احتكار سياسي باسم الفقيه. رجل الدين الذي رفض أن يتحول إلى حاكم قد نختلف مع شريعتمداري في كثير من أفكاره. وقد لا نتفق معه في تصوره الكامل للدولة. لكن موقفه من ولاية الفقيه يستحق أن يُقرأ بعيدًا عن الدعاية السياسية.
فهو لم يقل: «أنا أريد العلمانية». ولم يقل: «أبعدوا الإسلام عن الدولة». بل كان السؤال: هل تحتاج المرجعية إلى أن تصبح حكومة؟ وهل إذا أصبحت المرجعية حكومة، ستظل قادرة على أداء وظيفتها الدينية المستقلة؟ كان يرى أن هناك ثمنًا لدمج الحوزة في السلطة. والتاريخ الإيراني بعد الثورة قدم أمثلة كثيرة على هذا الثمن. المأساة الشخصية ربما لهذا السبب لا تبدو قصة شريعتمداري مجرد قصة صراع سياسي. إنها قصة رجل ساعد في إنقاذ حياة رجل آخر، ثم وجد نفسه بعد سنوات في مواجهة مشروع ذلك الرجل.
في 1963: شريعتمداري يتدخل لإنقاذ الخميني. وفي 1979: الخميني يصبح قائد إيران وشريعتمداري معارضًا لولاية الفقيه. وفي 1982: اسم شريعتمداري يُربط بقضية قطب زاده. وفي السنوات التالية: الإقامة الجبرية والعزلة والمرض. وفي 1986: الموت والدفن السري. هذه ليست مجرد سلسلة أحداث. إنها قصة التحول من المرجعية المستقلة إلى الدولة الدينية المركزية. ماذا لو انتصرت رؤية شريعتمداري؟ هذا سؤال افتراضي لا يستطيع المؤرخ أن يجيب عنه بيقين. لكن طرحه مشروع. ماذا لو لم تدخل ولاية الفقيه إلى الدستور؟ ماذا لو بقيت المرجعية الدينية متعددة ومستقلة عن السلطة التنفيذية؟ ماذا لو أصبح رجال الدين جزءًا من المجال العام، لكنهم لم يصبحوا الدولة نفسها؟ ربما كانت إيران ستصبح جمهورية إسلامية مختلفة جذريًا. وربما كانت الصراعات ستأخذ طريقًا آخر. وربما كان شريعتمداري سيظل مرجعًا كبيرًا، والخميني زعيمًا دينيًا وسياسيًا من بين زعماء آخرين. لكن التاريخ لم يختر هذا الطريق. لقد انتصر نموذج الخميني. وأصبح مبدأ ولاية الفقيه حجر الأساس في النظام السياسي. وتوضح Encyclopaedia Iranica أن هذا التحول كان له أثر مباشر في تقليص التعدد التقليدي للمرجعية الشيعية، ونقل مركز السلطة من تعدد المراجع إلى مؤسسة سياسية يقودها الفقيه. (Iranica Online) السؤال الذي بقي بعد شريعتمداري ربما لا تكمن أهمية شريعتمداري في أنه انتصر. بل في أنه خسر، وبقي السؤال الذي طرحه. من يراقب الفقيه عندما يصبح الفقيه هو الحاكم؟
هذا هو السؤال. ليس سؤالًا عن شخص الخميني وحده. ولا عن شريعتمداري وحده. بل عن العلاقة بين الدين والسلطة. فالسلطة تستطيع أن تستخدم الدين لتكتسب الشرعية.
لكن ماذا يحدث عندما يصبح الدين نفسه محتاجًا إلى سلطة الدولة كي يحافظ على شرعيته؟ وهنا تصبح قصة شريعتمداري درسًا أكبر من إيران. لأن المرجع الذي يدخل القصر قد يخسر استقلاله.
والفقيه الذي يصبح حاكمًا قد يجد نفسه مضطرًا إلى إسكات فقيه آخر. وهنا تتغير العلاقة: من مرجع ينصح السلطان إلى مرجع يصبح سلطانًا. وربما كان شريعتمداري يرى هذه النهاية مبكرًا
الرجل الذي أنقذ الخميني في النهاية تبقى الصورة الأكثر غرابة. رجل دين كبير رأى أن خصمه يستحق الحياة. فوقف إلى جانبه عندما كان الإعدام يقترب منه.
ثم تغير الزمن. وأصبح ذلك الخصم أقوى رجل في إيران. لكن شريعتمداري لم يتراجع عن فكرته الأساسية. رفض أن تتحول المرجعية إلى سلطة مطلقة. فدفع الثمن.
سُلبت مؤسساته. حُوصر. وُضع تحت الإقامة الجبرية. أُقحمت قضيته في مؤامرة قطب زاده. ظهر على التلفزيون في اعترافات أحاطت بها شبهات وضغوط شديدة. ثم مات مريضًا. ودُفن في الليل. لكن السؤال بقي. هل كان شريعتمداري يرى أبعد مما رأى الآخرون؟
ربما. والتاريخ وحده لا يستطيع أن يعيد التجربة لنرى ماذا كان سيحدث لو انتصرت رؤيته. لكن شيئًا واحدًا لا يمكن إنكاره: الرجل الذي ساهم في إنقاذ الخميني من الإعدام سنة 1963، انتهى به الأمر إلى أن يموت تحت النظام الذي بناه الخميني. وهذه واحدة من أكثر مفارقات الثورة الإيرانية قسوة المصادر والمراجع
1. Encyclopaedia Iranica – Constitution of the Islamic Republic: حول ولاية الفقيه، الدستور، وصلاحيات القيادة وتأثير ذلك في تقليد المرجعية الشيعية. (Iranica Online) 2. Washington Post – January 21, 1979: مصدر صحفي معاصر يذكر تدخل شريعتمداري سنة 1963 لمنع إعدام الخميني. (Washington Post) 3. Abdorrahman Boroumand Center – The Clash of the Ayatollahs: حول نفوذ شريعتمداري، معارضته لولاية الفقيه، موقفه من الدستور، والصدام مع النظام. (Abdorrahman Boroumand Center) 4. Amnesty International – Human Rights Violations Against Shi’a Religious Leaders and Their Followers: حول الإقامة الجبرية، قضية قطب زاده، الاعتراف التلفزيوني، ومنع الجنازة والدفن السري. (Amnesty International) 5. UPI Archives – April 3, 1986: تقرير معاصر لوفاة شريعتمداري ومرضه والإقامة الجبرية وقضية قطب زاده. (Ubiquiti) 6. Los Angeles Times – April 5, 1986: تقرير عن وفاته، خلافه مع الخميني، وتجريده من مكانته الدينية بعد قضية قطب زاده. (Los Angeles Times) 7. Abdorrahman Boroumand Center – Iran: Human Rights Violations Against Shi’a Leaders and Their Followers: حول ظروف الإقامة الجبرية والاعتراف والدفن السري. (Abdorrahman Boroumand Center)
#احمد_عناد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تحالف الثورة إلى احتكار السلطة توده والخميني وبني صدر ورجوي
-
هل سقطت الدولة العميقة ام تهاوت
-
قراءة استقصائية في هندسة التحول داخل الدولة العراقية
-
العراق نصف قرن خارج الحلم
-
ايران والعراق حين تاكل الإمبراطورية اطرافها
-
مضيق هرمز… حين يصرخ الماضي ولا يسمعه أحد
-
مصادرة وطن
-
وهم نهاية العالم
-
اجساد النساء اصبحت مسرحاً للسلاح وقوة المليشيات
-
العقلية الإيرانية عقلية البقاء وجدلية التمايز
-
المهندس المعمم ج1
-
المهندس الفقيه ج2
-
زلزال لشبونة الذي انجب التنوير
-
السؤال الأزلي القدر والإرادة
-
العقل التجميعي والعقل الخلاق
-
العراق في عين العاصفة الداخل المأزوم والضغط الاقليمي
-
الدين بين العبادة والاخلاق وسؤال الاستغلال ج1
-
استغلال الدين في الديانات الغنوصية ج2
-
لا الحسين وصوت اليوم
-
المثقف في مراة السؤال السقراطي
المزيد.....
-
حرائق الغابات في أوروبا تُفجّر قنابل من الحرب العالمية الثان
...
-
مقتل شخص وإصابة آخر في غارة على النبطية.. والجيش الإسرائيلي
...
-
سقوط 3 قتلى وإصابة آخرين في غارات وإطلاق نار إسرائيلي على من
...
-
بعد أكثر من 9 أشهر في عرض البحر.. حاملة الطائرات -أبراهام لي
...
-
-لا نهاية في الأفق-.. هل تدخل الحرب الأمريكية الإيرانية مرحل
...
-
ألمانيا تعتزم استئناف تصدير أسلحة إلى إسرائيل
-
ألمانيا تخطط لنشر نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي أرو 3
-
بعد تجربة سرية.. ألمانيا تعلن نجاح اختبار صاروخ -لورا- الإسر
...
-
هند رجب.. مأساة الطفولة تحت النار
-
قطارات روسيا.. مسارات التنمية الآمنة
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|