أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد عناد - العراق نصف قرن خارج الحلم














المزيد.....

العراق نصف قرن خارج الحلم


احمد عناد

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 16:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هناك أوطان تمر عليها السنون فتضيف إلى عمرها مجداً وخبرة وحكمة. وهناك أوطان تمر عليها السنون كالعواصف، فلا تترك وراءها سوى الركام والندم والأسئلة.

حين أنظر إلى العراق اليوم لا أرى بلداً عمره بضعة عقود، بل أرى إنساناً أنهكته الرحلة. أراه رجلاً تجاوز الستين من عمره، يجلس عند ضفة نهر قديم، يقلب ألبوم ذكرياته، ويتساءل بحزن: أين ذهبت كل تلك السنوات؟

منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، تبدو الحكاية وكأنها سباق طويل بين الأمل والخيبة. كان البلد يقف على بحر من الثروات، وتحت قدميه أحد أكبر الاحتياطات النفطية في العالم، وبين ضفتيه أرض خصبة ومياه وتاريخ وحضارة وآلاف العقول القادرة على البناء. كان كل شيء يوحي بأن العراق مقبل على مستقبل مختلف، مستقبل يليق ببلادٍ علّمت البشرية أول الحروف وأول القوانين.

لكن شيئاً آخر كان يُكتب في الخفاء.
كانت الحروب تقترب.
وكانت السلطة تكبر على حساب الوطن.
وكانت الأحلام تصغر أمام صوت المدافع.
ثماني سنوات من الحرب كانت كافية لابتلاع جيل كامل من الشباب. شباب خرجوا من المدارس والجامعات إلى الجبهات. بعضهم عاد محمولاً على الأكتاف، وبعضهم عاد بعاهة ترافقه العمر كله، وبعضهم لم يعد أبداً.

وما إن وضعت الحرب أوزارها حتى بدأت حرب أخرى من نوع مختلف. مغامرات سياسية، وحسابات خاطئة، وقرارات دفعت شعباً بأكمله إلى حصار قاسٍ لم يكن يعرف له مثيلاً. سنوات طويلة وقف فيها العراقي في طوابير الخبز والوقود والدواء، بينما كان العالم يركض نحو المستقبل.

كبر أطفال الحصار وهم يتعلمون معنى الحرمان قبل أن يتعلموا معنى الحياة.
وحين ظن العراقي أن المحنة شارفت على نهايتها، جاء الاحتلال. وسقطت الدولة، وانفتح الباب على مصراعيه لكل الأشباح التي كانت مختبئة في الظلام.
استيقظت الطائفية.
واستيقظت الكراهية.
واستيقظت الأحقاد .
وأصبح الدم العراقي أرخص مما ينبغي أن يكون.
تحولت الهوية الوطنية التي كانت تجمع الناس إلى سؤال مؤجل، وحلت محلها هويات أصغر تتقاتل فيما بينها على وطن واحد.
ثم جاء الإرهاب ليضيف فصلاً جديداً من المأساة، وليدفع الأبرياء مرة أخرى ثمن صراعات لم يختاروها.
وخلال كل تلك العقود كان هناك شيء واحد يتكرر باستمرار: الخاسر دائماً هو المواطن.
ليس الوزير.
ولا المسؤول.
ولا التاجر الفاسد.
ولا صاحب النفوذ.
الخاسر كان ذلك الإنسان البسيط الذي أراد فقط أن يعيش حياة طبيعية.
أن يدرس.
أن يعمل.
أن يتزوج.
أن يبني بيتاً.
أن يربي أبناءه بأمان.
لكن حتى هذه الأحلام البسيطة تحولت إلى رفاهية بعيدة المنال.
إن أكثر ما يؤلم في قصة العراق ليس حجم الأموال التي ضاعت، ولا عدد المشاريع التي لم تُنجز، ولا حتى الخراب الذي أصاب المدن.

الأكثر إيلاماً هو العمر.
العمر الذي لا يعود.
عمر الشباب الذين غابوا.
وعمر الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن ولم يعودوا.

وعمر الآباء الذين رحلوا وهم يحلمون بوطن أفضل لأبنائهم.
وعمر أجيال كاملة عاشت وهي تؤجل أحلامها إلى الغد، حتى اكتشفت أن الغد قد تحول إلى عقود.

أحياناً أتساءل: كيف كان سيكون شكل العراق لو لم تُهدر كل تلك السنوات؟
كم جامعة كانت ستُبنى؟
كم مصنعاً كان سينهض؟
كم مدينة كانت ستزدهر؟
كم عالماً ومفكراً ومبدعاً كان سيمنح وطنه ثمرة علمه؟
لكن التاريخ لا يمنحنا فرصة ثانية لنجرب الاحتمالات.
إنه يمنحنا شيئاً واحداً فقط: الدرس.
والدرس الأكبر الذي دفع العراقيون ثمنه بالدم والدموع هو أن الوطن أكبر من الحاكم، وأكبر من الحزب، وأكبر من الطائفة، وأكبر من الشعارات كلها.

فالأوطان لا تُبنى بالخطب الحماسية، ولا بالرايات المرتفعة، ولا بالأغاني الوطنية التي تصدح في المناسبات.
الأوطان تُبنى حين يشعر الإنسان أن كرامته مصانة، وأن مستقبله محفوظ، وأنه شريك حقيقي في أرضه.
بعد نصف قرن من الحروب والأزمات والانقسامات، لم يعد العراق بحاجة إلى نصر جديد في معركة جديدة.

بل بحاجة إلى انتصار من نوع آخر.
انتصار الإنسان على الخوف.
وانتصار العقل على التعصب.
وانتصار الوطن على كل ما سواه.
فالأمم قد تخسر معارك كثيرة وتنهض من جديد، لكن أخطر ما يمكن أن تخسره هو إيمانها بنفسها.
لقد خسرنا نصف قرن من الزمن، لكن الأمم لا تُقاس بما خسرته فقط، بل بما تتعلمه من خسائرها. وما زال أمام العراقيين خيار واحد لا بديل عنه: أن يحبوا العراق أكثر من كل ما عداه. فالأوطان لا تنهض بالثروات وحدها، بل بأبنائها حين يقررون أن يكون الوطن أولاً… وأخيراً.”
ولذلك، رغم كل شيء، ما زلت أؤمن أن العراق لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
ففي هذه الأرض ما زال هناك من يحلم.
وما دام الحلم موجوداً، فإن الوطن ما زال قادراً على النهوض.



#احمد_عناد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ايران والعراق حين تاكل الإمبراطورية اطرافها
- مضيق هرمز… حين يصرخ الماضي ولا يسمعه أحد
- مصادرة وطن
- وهم نهاية العالم
- اجساد النساء اصبحت مسرحاً للسلاح وقوة المليشيات
- العقلية الإيرانية عقلية البقاء وجدلية التمايز
- المهندس المعمم ج1
- المهندس الفقيه ج2
- زلزال لشبونة الذي انجب التنوير
- السؤال الأزلي القدر والإرادة
- العقل التجميعي والعقل الخلاق
- العراق في عين العاصفة الداخل المأزوم والضغط الاقليمي
- الدين بين العبادة والاخلاق وسؤال الاستغلال ج1
- استغلال الدين في الديانات الغنوصية ج2
- لا الحسين وصوت اليوم
- المثقف في مراة السؤال السقراطي
- على تخوم الانهيار هل يعيد العراق ماساة السودان
- الخرافة ..حين يستحمر العقل
- النعرات والانقسام والفرصة الاخيرة
- إيران بين نيران حرب الأيام ال 12


المزيد.....




- مقتل مشتبه به في إطلاق نار جماعي بعد مواجهة لساعات مع الشرطة ...
- ترامب يعيد نشر بيان رئيس وزراء باكستان عن موعد توقيع الاتفاق ...
- إصابة 7 مدنيين جراء قصف أوكراني استهدف سوق سفاتوفو في لوغانس ...
- الصحة اللبنانية: ارتفاع حصيلة ضحايا الهجمات الإسرائيلية إلى ...
- جرس إنذار: أوروبا تندد بوقف -أنثروبيك- الوصول إلى نماذج -فاب ...
- السفير الأمريكي لدى إسرائيل: بقاء الدولة العبرية وازدهارها ي ...
- ألمانيا: ارتفاع عدد الجرائم ذات الدوافع السياسية بنسبة 40 با ...
- تقرير دولي جديد.. الجيش الإسرائيلي مسؤول عن أكثر من نصف ضحاي ...
- -أمر مثير للقلق للغاية-.. ابنة الشقيق الأكبر لترامب تتحدث عن ...
- سوريا.. الجيش الإسرائيلي يطلق النار على مزارعين في حوض اليرم ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد عناد - العراق نصف قرن خارج الحلم