أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد عناد - تحالف الثورة إلى احتكار السلطة توده والخميني وبني صدر ورجوي















المزيد.....

تحالف الثورة إلى احتكار السلطة توده والخميني وبني صدر ورجوي


احمد عناد

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 20:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


توده والخميني وبني صدر ورجوي… كيف ابتلعت الثورة الإيرانية حلفاءها؟
لم تكن الثورة الإيرانية عام 1979 ثورة حزب واحد.
كانت ائتلافاً واسعاً اجتمعت فيه قوى متناقضة فكرياً: الإسلاميون، والقوميون، والليبراليون، واليساريون، وحزب توده، ومجاهدو خلق، وقطاعات واسعة من المجتمع الإيراني.
كان الجميع تقريباً يريد إسقاط الشاه.
لكنهم لم يكونوا متفقين على السؤال الأهم:
ماذا سيحدث بعد سقوطه؟
وهنا بدأت المرحلة الأخطر من الثورة.
فالثورات لا تنتهي دائماً بسقوط النظام القديم؛ أحياناً تبدأ بعده معركة جديدة على الدولة.
وهذا تحديداً ما حدث في إيران.
توده… تحالف اليسار مع الإسلاميين
كان حزب توده الإيراني أحد أهم التنظيمات الشيوعية في إيران، وقد خرج من سنوات طويلة من القمع والملاحقة.
وعندما اقترب سقوط الشاه، اختارت قيادة الحزب دعم الخميني والثورة الإسلامية.
كان الحساب مفهوماً من زاوية سياسية: إسقاط الملكية أولاً، ثم التأثير في النظام الجديد.
وكان هناك أيضاً حساب أيديولوجي يتعلق بالعداء للولايات المتحدة، فقد رأى الحزب في الثورة المعادية لواشنطن فرصة يمكن أن تخدم أهدافه.
كما لا يمكن تجاهل الحساب الأمني؛ فقد كان الحزب يعرف معنى القمع، ولم يكن يريد أن يدخل في مواجهة مبكرة مع سلطة الثورة الجديدة.
لكن المشكلة كانت أن التحالف السياسي لم يلغِ التناقض الأيديولوجي.
فالحزب الشيوعي كان يؤمن بنظام مختلف جذرياً عن نظام يقوم على ولاية الفقيه والمرجعية الدينية.
ومع ذلك راهن توده على أن هذه التناقضات يمكن تأجيلها.
كان يعتقد أن بإمكانه العمل داخل النظام والتأثير في اتجاهه.
وهنا ربما وقع الخطأ الأول.
أول الإنذارات: الصحافة
بعد سقوط الشاه عاش الإعلام الإيراني فترة قصيرة من الانفتاح عُرفت لاحقاً بـ«ربيع الحرية».
لكن هذه الفترة لم تدم طويلاً.
في مايو 1979 تعرضت صحيفة آيندگان، وهي من أهم الصحف المستقلة، لهجوم سياسي مباشر بعد انتقادات وجهها الخميني إليها، ثم أغلقت نهائياً في أغسطس من العام نفسه. وتصف Encyclopaedia Iranica إغلاقها بأنه جاء بعد تدخل مباشر من الخميني، واعتقال بعض كتابها ومصادرة مطابعها. (The Washington Post)
وفي أغسطس 1979 أقر مجلس الثورة قانوناً للصحافة تضمن عقوبات على مواد اعتُبرت مهينة لقادة الحكومة أو الخميني أو المعتقدات الإسلامية، وترافق ذلك مع حملة واسعة ضد صحف أخرى. (The Washington Post)
وهنا تظهر نقطة لا ينبغي تجاوزها في دراسة موقف توده.
ففي أغسطس 1979 نشر الحزب بياناً يدعم إغلاق آيندگان، كما أدان مسيرة الجبهة الديمقراطية الوطنية احتجاجاً على إغلاقها، بحسب تقرير صحفي معاصر. (Cumhuriyet)
كان ذلك قراراً سياسياً بالغ الخطورة.
فاليسار الذي كان يفترض أن يدافع عن حرية الصحافة قبل بأن تُستخدم السلطة الجديدة أداة لإسكات خصومها.

قد يبدو ذلك في لحظته انتصاراً على خصم سياسي.
لكن المشكلة في أدوات القمع أنها لا تحمل أسماء أصحابها.
الأداة التي تُستخدم ضد خصمك اليوم قد تستخدم ضدك غداً.
وهذا بالضبط ما حدث لاحقاً.
إعدامات الأيام الأولى

بعد انتصار الثورة مباشرة بدأت المحاكم الثورية عملها.
وفي 16 فبراير 1979 أُعدم أربعة من كبار مسؤولي النظام السابق:
نعمت الله نصيري، رئيس السافاك السابق؛
مهدي رحيمي، قائد شرطة طهران والحاكم العسكري؛
منوتشهر خسرو داد، قائد طيران الجيش؛
رضا ناجي، الحاكم العسكري لأصفهان. (The Washington Post)

كانت المحاكمة سريعة، وتذكر المصادر المعاصرة أنها انتهت إلى الإعدام خلال ساعات.
وفي ذلك الوقت أعلنت السلطات أن هذه الإعدامات ليست نهاية التطهير، بل بدايته. (The Washington Post)
وهنا تظهر أهمية هذه الحادثة بالنسبة إلى قصة بني صدر.
فالرجل كان قريباً من الخميني، لكنه بدأ يرى أن طريقة بناء الدولة الجديدة أخطر من مجرد التخلص من رجال النظام السابق.

لم تكن المسألة بالنسبة إليه: هل يُحاسب رجال الشاه؟
بل:
من يحاكمهم؟ وبأي قانون؟ ومن يملك سلطة إصدار الحكم؟
لأن الدولة التي تتجاوز القانون باسم الثورة تستطيع أن تتجاوز القانون باسم حماية الثورة نفسها.
بني صدر… من باريس إلى الجمهورية الإسلامية
كان أبو الحسن بني صدر من الشخصيات المقربة من الخميني قبل الثورة.
عاد معه إلى إيران، ثم أصبح وزيراً، ثم أول رئيس منتخب للجمهورية الإسلامية عام 1980.
وبحسب شهادة بني صدر اللاحقة، كان التصور الذي حمله معه من باريس أن تكون الجمهورية قائمة على مشاركة الشعب، وأن لا تتحول إلى حكم رجال الدين.
لكن هذا التصور اصطدم تدريجياً بالواقع.
فبعد الثورة ظهرت مؤسسات عديدة تمتلك نفوذاً خارج مؤسسة الرئاسة:
الحرس الثوري، واللجان الثورية، والمحاكم الثورية، والمؤسسات الدينية، ومجلس الثورة.
وكان بني صدر يرى أن هذه المؤسسات يجب أن تخضع للدولة.
أما رجال الدين الثوريون فكانوا يرون أن الثورة تحتاج إلى مؤسساتها الخاصة لحمايتها.
وهنا تحول الخلاف إلى سؤال جوهري:
من يملك الدولة؟
الجيش والحرس… مركز الصراع الحقيقي
عندما أصبح بني صدر رئيساً، أصبح أيضاً قائداً أعلى للقوات المسلحة.
وهذا جعله في مواجهة مباشرة مع منظومة عسكرية ثورية جديدة.
كان الجيش النظامي موجوداً، لكنه خرج من الثورة مثقلاً بالشكوك والتطهير.
وفي الوقت نفسه كان الحرس الثوري يتوسع.
وبالنسبة إلى بني صدر لم يكن وجود قوة مسلحة موازية للجيش مجرد مشكلة تنظيمية.
كان يعني أن الرئيس لا يملك فعلياً احتكار القوة.
وهذا هو جوهر الدولة الحديثة.
من يملك السلاح يملك القدرة على حماية السلطة أو إسقاطها.
الحرب مع العراق
في سبتمبر 1980 بدأ الغزو العراقي لإيران.
وهنا أصبح بني صدر قائداً أعلى للقوات المسلحة في أخطر ظرف ممكن.
لم يكن ضد الحرب أو ضد الدفاع عن إيران.
كان يرى أن العراق المعتدي يجب أن يُواجه وأن الأراضي الإيرانية يجب أن تُحرر.
لكن خلافه كان حول طريقة إدارة الحرب.
كان أكثر حذراً في العمليات الهجومية الكبرى، وكان يريد الاعتماد على الجيش النظامي والقدرة العسكرية المهنية، بينما كان الحرس الثوري يزداد حضوراً في الميدان والسياسة.
وفي يناير 1981 وقعت عملية إيرانية كبيرة انتهت بخسائر وفشل عسكري.
وكان بني صدر قد عارض العملية بالشكل الذي نُفذت به.
وبذلك أصبحت الحرب نفسها جزءاً من الصراع على السلطة.
هل كان الخلاف على الحرب أم على الدولة؟
في الظاهر كان الخلاف عسكرياً.
لكن جوهره كان سياسياً.
بني صدر كان يريد أن تكون الدولة صاحبة القرار العسكري.
أما التيار الديني الثوري فكان يبني إلى جانب الدولة الرسمية مؤسسات ثورية مستقلة.
وهنا أصبح الصراع بين:
رئيس منتخب وقائد أعلى للقوات المسلحة
و
قيادة دينية تمتلك مؤسسات مسلحة وثورية وقضائية خاصة بها.
كان من الصعب أن يستمر الطرفان طويلاً.
1981… نهاية الشراكة
في يونيو 1981 وصل الصراع إلى نقطة الانفجار.
سحب الخميني دعمه لبني صدر.
ثم أُبعد بني صدر عن قيادة القوات المسلحة.
وفي 21 يونيو صوّت البرلمان على عدم كفاءته السياسية، وانتهت رئاسته.
لكن بني صدر لم ينتظر ما سيحدث بعد ذلك.
دخل الاختفاء.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين.
العزل السياسي ليس في ذاته حكماً قضائياً.
لكن بني صدر كان يعيش في بلد شهد بالفعل إعدامات ومحاكم ثورية واعتقالات واسعة، وكان يعرف أن الصراع السياسي يمكن أن يتحول إلى ملف أمني.
وقد قال لاحقاً إن الأشخاص الذين أخفوه في منازلهم أُعدموا.
وهذا يعكس مستوى الخطر الذي كان يعتقد أنه يواجهه. (The Washington Post)
هل كان الهدف اعتقاله أم تصفيته؟
هذه من أكثر النقاط حساسية.
لا توجد لدينا وثيقة حاسمة تقول إن الخميني أصدر أمراً سرياً بتصفية بني صدر.
ولا توجد أيضاً وثيقة تثبت أن القيادة أمرت بالسماح له بالهرب.
لكن السياق يسمح بسؤال سياسي مشروع:
هل كان اعتقال بني صدر ومحاكمته أو إعدامه سيكلف النظام أكثر من إخراجه من إيران؟
كان ذلك صيف 1981.
إيران في حرب مع العراق.
ومجاهدو خلق دخلوا في مواجهة مسلحة.
والإعدامات مستمرة.
وبني صدر كان لا يزال شخصية معروفة وله علاقات داخل الجيش.
في مثل هذا الظرف، كان يمكن أن يتحول اعتقاله أو إعدامه إلى قضية سياسية أكبر من شخصه.
أما وجوده في باريس فكان يعني:
خصماً سياسياً في المنفى، لا شهيداً داخل إيران.
لكن هذه تبقى فرضية تحليلية، لا حقيقة موثقة.
الهروب… وما الذي نعرفه فعلاً؟
في 29 يوليو 1981 خرج بني صدر من إيران مع مسعود رجوي على متن طائرة بوينغ 707 تابعة للقوة الجوية الإيرانية.
قاد الطائرة العقيد بهزاد معزي، وهو طيار بارز كان قد قاد طائرة الشاه عند خروجه من إيران عام 1979. (Upi)
وكانت العملية قد أُعدت مسبقاً؛ وتذكر Le Monde أن إعدادها استغرق نحو ثلاثة أسابيع، وأن الطائرة قدمت خطة طيران عادية لمهمة ليلية، ثم أُدخل بني صدر إلى القاعدة في شاحنة وانطلقت الطائرة نحو الغرب. (Le Monde.fr)
وهنا تصبح العملية أكثر إثارة.
فلم يكن الأمر مجرد شخص هرب من نقطة حدودية.
كانت هناك:
قاعدة جوية، وطائرة عسكرية، وطيار، وطاقم، وخطة طيران، ووقود، ثم إقلاع وعبور المجال الجوي الإيراني.
وتحدثت التقارير عن ملاحقة أو اعتراض من مقاتلات إيرانية.
وبحسب شهادة بني صدر اللاحقة، ظهرت طائرة مقاتلة أثناء الرحلة وأُبلغوا بالعودة وإلا سيتم إسقاطهم. (The Washington Post)
لكن الطائرة لم تُسقط.
هل كانت رواية «اختطاف الطائرة» صحيحة؟
أعلنت إيران أن الطائرة اختُطفت.
لكن Washington Post نقلت في اليوم التالي أن مراقبين للشأن الإيراني اعتبروا رواية الاختطاف ربما وسيلة لتقليل مسؤولية القوات المسلحة عن مساعدة بني صدر، وحماية العسكريين من الانتقام. (The Washington Post)
وهذه نقطة مهمة جداً.
لأننا نعرف الآن أن العملية لم تكن فردية.
بل كان هناك تعاون داخل القوات الجوية.
والدليل الأقوى أن هروب بني صدر أعقبه بالفعل تطهير واعتقالات داخل سلاح الجو؛ وثيقة CIA رفعت عنها السرية نقلت تقارير عن اعتقال نحو 200 شخص واتهامهم بالتواطؤ في الهروب، وعن إعدام عدد من الضباط. (CIA)
إذن يمكننا إثبات شيء:
كان هناك اختراق حقيقي داخل المؤسسة العسكرية ساعد بني صدر على الهروب.
أما الشيء الذي لا نستطيع إثباته:
أن الخميني نفسه أمر بغض الطرف عن العملية.
وهذا فرق يجب أن يبقى واضحاً في أي كتابة تاريخية جادة.
بني صدر ورجوي… تحالف المنفى
بعد وصولهما إلى فرنسا تشكل تحالف بين بني صدر ومسعود رجوي، وأُعلن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في أكتوبر 1981.
لكن التحالف كان هشاً من الناحية الفكرية.
بني صدر أراد جمهورية ذات طابع ديمقراطي، بينما كانت منظمة مجاهدي خلق تتحول بصورة متزايدة إلى حركة ثورية مسلحة.
ولذلك لم يكن تحالفهما قائماً على تطابق فكري كامل.
بل كان تحالفاً ضد خصم مشترك.
وفي النهاية انفصل بني صدر عن رجوي.
رجوي واختيار السلاح
انتقلت مجاهدي خلق إلى العمل المسلح ضد الجمهورية الإسلامية.
ثم اتخذ رجوي خطوة ستظل تطارد المنظمة تاريخياً:
التحالف مع العراق.
خلال الحرب العراقية الإيرانية أقامت المنظمة قواعدها في العراق، ثم أسست جيش التحرير الوطني الإيراني.
وفي 1988 شن الجيش عملية «فروغ جاويدان» داخل إيران، وانتهت بهزيمة قوات رجوي في معركة مرصاد.
كان ذلك فشلاً استراتيجياً كبيراً.
فالحركة التي أرادت إسقاط الجمهورية الإسلامية عسكرياً لم تستطع تحقيق هدفها.
2003… نهاية مرحلة العراق
بعد سقوط صدام حسين تغير وضع مجاهدي خلق جذرياً.
فقدت المنظمة الدولة التي وفرت لها قواعدها العسكرية.
ثم جرى نزع سلاحها ونقل أفرادها تدريجياً من العراق.
واستقر معظمهم لاحقاً في ألبانيا.
أما مسعود رجوي فقد اختفى عام 2003، ولم يظهر علناً منذ ذلك الوقت.
وهنا يجب أن نكون دقيقين:
لا يوجد حتى اليوم إثبات مستقل حاسم يسمح بالجزم بوفاته.
ظهرت روايات عديدة عن موته، لكن مصيره ظل غير محسوم.
أما مريم رجوي، فقد أصبحت الشخصية السياسية العلنية الرئيسية للمنظمة والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بينما بقي مسعود حاضراً في خطاب الحركة وبنيتها الرمزية رغم اختفائه.
إذن لا يصح القول:
«مات مسعود وخلفته مريم».
الأدق:
«اختفى مسعود رجوي، وانتقلت القيادة السياسية والعلنية للحركة إلى مريم رجوي.»
بني صدر… طريق مختلف
بني صدر لم يتحول إلى قائد عسكري.
ولم يتحالف مع صدام حسين.
ولم يؤسس جيشاً.
اختار المنفى السياسي والفكري.
بقي في فرنسا وواصل الكتابة والمقابلات والدفاع عن رؤيته للجمهورية، منتقداً ولاية الفقيه واحتكار رجال الدين للسلطة.
وظل في المنفى حتى وفاته عام 2021.
وهنا تتضح المفارقة بينه وبين رجوي:
بني صدر اختار المعارضة السياسية.
رجوي اختار الثورة المسلحة.
وكلاهما فشل في إسقاط النظام.
لكن مساريهما كانا مختلفين جذرياً.
توده… النهاية التي تكشف الخطأ
ظل حزب توده فترة طويلة في موقع الدعم للنظام الجديد.
لم يحمل السلاح ضد الخميني.
ولم يخرج إلى المنفى في البداية.
بل اعتقد أنه يستطيع العمل داخل الجمهورية الإسلامية والتأثير في مسارها.
لكن في فبراير 1983 تغير كل شيء.
اعتُقل نور الدين كيانوري وعدد كبير من قيادة الحزب، وأُعلن الحزب غير قانوني، ثم بدأت الاعترافات التلفزيونية القسرية والاتهامات بالتجسس لصالح الاتحاد السوفيتي. وتؤكد Encyclopaedia Iranica أن كيانوري اعتُقل في 6 فبراير 1983، ثم ظهر في برامج تلفزيونية قدم فيها اعترافات قسرية. (Iranica Online)
وتشير دراسة أكاديمية حديثة إلى أن الاعتقالات بدأت في 6 فبراير واستمرت، وطالت آلاف الأعضاء، وأن قادة الحزب تعرضوا للتعذيب وأجبروا على الاعتراف بالتجسس. (Cambridge University Press)
وفي مايو 1983 حُظر الحزب رسمياً. (Upi)
وهنا وقعت المفارقة الكبرى:
الحزب الذي راهن على العمل مع الخميني أصبح هو نفسه هدفاً لآلة الدولة التي ساعد في تثبيتها.
ثلاث طرق… وثلاث نهايات
يمكن اختصار التجربة الإيرانية في ثلاثة مسارات.
بني صدر: المواجهة السياسية
دخل الثورة من موقع قريب من الخميني، ثم أصبح رئيساً، واختلف مع رجال الدين حول طبيعة الدولة وإدارة الحرب.
عُزل.اختبأ.ثم هرب إلى فرنسا.

رجوي: المواجهة المسلحة
دخل الثورة من موقع ثوري مختلف، ثم اصطدم بالنظام.
اختار السلاح.
ثم تحالف مع العراق.
وخسر معركته العسكرية.
وانتهى إلى المنفى.
توده: التعاون
اختار التحالف مع النظام الجديد.
ودعم بعض خطوات إقصاء خصومه.
واعتقد أن بإمكانه التأثير في النظام من الداخل.
ثم جاء الدور عليه.
من كان يملك الثورة؟
ربما هذه هي النقطة الأهم في القصة كلها.
بعد سقوط الشاه لم يعد السؤال:
من يريد إسقاط النظام؟
فقد سقط بالفعل.
أصبح السؤال
من يملك أدوات الدولة؟
ومن يملك:
الجيش، والسلاح، والأمن، والقضاء، والإعلام، والمؤسسات الثورية، والقدرة على إصدار القرار
يمتلك القدرة على تحديد شكل النظام الجديد.
وهنا كان الخميني أكثر نجاحاً من معظم شركائه السابقين.
فالثورة التي بدأت تحالفاً واسعاً بدأت تتحول إلى دولة.
والدولة بدأت تتحول إلى نظام ذي مركز ثقل ديني وثوري.
وبمجرد اكتمال بناء مؤسسات القوة، لم تعد الحاجة إلى معظم الحلفاء السابقين قائمة.
بدأت عملية الإقصاء
الخلاصة: الثورة التي أكلت أبناءها
ربما لا تكمن قصة الثورة الإيرانية في أن الخميني «خدع» الجميع ببساطة.
القصة أكثر تعقيداً.
توده أخطأ في تقدير طبيعة الإسلام السياسي.
اعتقد أن بإمكانه تأجيل الخلاف الأيديولوجي والعمل مع الخميني ضد الشاه والولايات المتحدة.
بني صدر أخطأ في تقدير قوة المؤسسات الثورية.
اعتقد أن الشرعية الانتخابية يمكن أن توازن سلطة رجال الدين.
رجوي أخطأ في تقدير أثر التحالف مع العراق.
اعتقد أن القوة العسكرية المدعومة من بغداد يمكن أن تعيده إلى طهران.
أما الخميني فقد فهم شيئاً مختلفاً:
أن الثورة لا تصبح دولة بالشعارات، وإنما بالسيطرة على مؤسسات القوة.
وحين امتلكت القيادة الدينية تلك المؤسسات، انتهت الشراكة التي صنعت الثورة.
خرج بني صدر إلى المنفى.
تحول رجوي إلى قائد حركة مسلحة ثم إلى شخصية مختفية.
قُضي على توده داخل إيران.
وبقي الخميني ونظامه.
وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى:
الثورة التي أسقطت الشاه لم تكن هي الدولة التي جاءت بعدها.
كانت الثورة تحالفاً.
أما الدولة فكانت مشروعاً واحداً.
وبين الاثنين وقعت المعركة التي حددت تاريخ إيران الحديث.
ولهذا فإن قصة توده وبني صدر ورجوي ليست ثلاث قصص منفصلة.
إنها ثلاثة أجوبة مختلفة عن سؤال واحد:
ماذا تفعل عندما تنتصر الثورة التي شاركت في صنعها؟
هل تتحالف معها؟
هل تحاول إصلاحها من الداخل؟
أم تحمل السلاح ضدها؟
اختار توده التحالف.
اختار بني صدر المواجهة السياسية.
اختار رجوي السلاح.
وفي النهاية خرج الثلاثة من الداخل الإيراني.
أما النظام الذي ظنوا جميعاً أنهم يستطيعون التأثير في مساره، فقد بقي.

كما أنني أعتقد أن قصة الجنرالات الأربعة يجب أن تبقى في المقال؛ لأنها تقدم للقارئ أول مثال ملموس على طبيعة المحاكم الثورية والإعدامات التي بدأ منها الخلاف الذي سيظهر لاحقاً عند بني صدر.



#احمد_عناد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل سقطت الدولة العميقة ام تهاوت
- قراءة استقصائية في هندسة التحول داخل الدولة العراقية
- العراق نصف قرن خارج الحلم
- ايران والعراق حين تاكل الإمبراطورية اطرافها
- مضيق هرمز… حين يصرخ الماضي ولا يسمعه أحد
- مصادرة وطن
- وهم نهاية العالم
- اجساد النساء اصبحت مسرحاً للسلاح وقوة المليشيات
- العقلية الإيرانية عقلية البقاء وجدلية التمايز
- المهندس المعمم ج1
- المهندس الفقيه ج2
- زلزال لشبونة الذي انجب التنوير
- السؤال الأزلي القدر والإرادة
- العقل التجميعي والعقل الخلاق
- العراق في عين العاصفة الداخل المأزوم والضغط الاقليمي
- الدين بين العبادة والاخلاق وسؤال الاستغلال ج1
- استغلال الدين في الديانات الغنوصية ج2
- لا الحسين وصوت اليوم
- المثقف في مراة السؤال السقراطي
- على تخوم الانهيار هل يعيد العراق ماساة السودان


المزيد.....




- ليبيا.. هجمات متواصلة بالمسيّرات على منشآت نفطية والدبيبة: ع ...
- خبير: هذه فوائد السلام مع الأكراد على تركيا داخليا وخارجيا! ...
- قانون نزع سلاح الأكراد.. خطوة تاريخية أم مناورة سياسية؟
- كسوف كلي للشمس.. تحذيرات ونصائح لمشاهدة ممتعة وآمنة
- سؤال صحفي -مقيت وصادم- عن -قتل الروس- يثير جدلا وضجة في ألما ...
- مواطنو نوفوسيبيرسك يقدمون ترحيبا حارا لبوتين أثناء توقف موكب ...
- اليمن.. الحوثيون يجددون هجماتهم على المخا
- الولايات المتحدة.. حريق هائل يلتهم مصنعا لتدوير الخردة في هي ...
- إيطاليا.. لقطات من طائرة ركاب تسجل لحظة ثوران بركان إتنا ما ...
- -القناة 12- عن مصدر إسرائيلي: ضغط أمريكي كبير للتقدم في خارط ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد عناد - تحالف الثورة إلى احتكار السلطة توده والخميني وبني صدر ورجوي