|
|
تلقي الجغرافيا الثقافية: جدل التقاليد مع التجديد
حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 22:48
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
النظرية بين الإنتاج والتلقي:
في هذا المقال سوف أمارس نوعا من "الدرس الثقافي الحر" المغاير نوعا، الذي يربط نظرية التلقي بفكرة النسق القيمي وتأثيره الكامن والظاهر عند القائم بعملية التلقي، بحيث أبحث العلاقة بين التلقي والنسق القيمي/ المعرفي المستقر بالفعل لدى القائم بعملية التلقي، وبين الرسالة والمضمون والنسق القيمي الذي يقدمه النص الأصلي ومنتجه ووفق ظرفياته ومفاهيمه.. وسوف أطبق هذه الممارسة على كتابي: "نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة" من خلال أربع قراءات منشورة قدمتها أربعة تصورات مختلفة، لكل منها نسقه القيمي/ الثقافي المغاير في استقبال الكتاب، ثم سوف أختم هذه الممارسة النقدية بتدخلي بالرأي لتوضيح النسق القيمي الذي حملته النظرية والكتاب عندي كما في ظروف إنتاجها، وذلك سيكون تحت عنوان: "من التلقي إلى النظرية: الجغرافيا الثقافية بين الجوهرية والرابطة". ليكون تساؤل المقال المركزي: هل يمكن أن يكون تلقي بعض التصورات النظرية الجديدة للذات العربية، في حالات بعينها، نوعًا من التدافع بين منظومات قيم وسرديات كامنة ومضمرة (قد تمثل "تقاليدا" ما أو ثقافة ما لدى المتلقي)، وليس مجرد اختلاف في وجهات نظر ناتجة عن عملية استقبال حر لأمر "تجديدي" ووفق المنطق العقلي وحجيته القائمة بذاتها! أو بصيغة أخرى: كيف تُستَقبل النظريات الجديدة، وكيف تكشف مقاومة التلقي للتجديد عن الحنين للنسق القديم المستقر عند البعض؟ أي أنه هل هناك احتمالية لأن يغض البعض البصر - بشكل لا إرادي ومضمر- عن حجية طرح ما ومنطقه ولا يبصر أجزاء كاملة، تأكيدا لـ"تقاليد" أونسق تاريخي قيمي/ اجتماعي/ أيدولوجي يحكمه، ويهيمن على قراره النهائي المسبق والجاهز في عملية القراءة وتلقي نص يطرح "تجديد" ما..؟
بين المنطلقات وتباين أنماط التلقي
أربعة قراءات منشورة ظهرت حتى الآن لكتابي: نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة، واحدة في مجلة "الديمقراطية" العريقة قدمها أ.سمير محمد شحاته (بخلفيته في التلقي بوصفه بالأساس من المشتغلين بالصحافة السياسية والثقافية)، وواحدة في مجلة "آفاق التجديد" قدمها د. حافظ قاسم (يخلفيته في التلقي بوصفه الأستاذ المتخصص في الدراسات الحضارية وأدب الرحلات)، وواحدة في موقع "الكتابة" قدمها د. حمدي هاشم ( بخلفيته في التلقي يوصفه الباحث المتخصص في الجغرافيا البيئية بعينها)، وواحدة في موقع "العربي اليوم" قدمها السفير السابق/ عمر الحامدي (بخلفيته في التلقي بوصفه السياسي والناشط القومي المعروف). والحقيقة أنني اهتممت اهتماما خاصا بمداخلة كل منهم على تنوع المقاربة التي اختارتها كل قراءة في تناولها للكتاب، لأنها بقدر ما عكست أطروحة الكتاب وظروف إنتاجه وتصوره الفعلي، بقدر ما عكست النسق القيمي الذي يحكم صاحبها في تطبيق حي ومباشر لـ"نظرية التلقي" في إطارها العام، وليس في مجال تلقي النصوص الأدبية فقط. وسوف أتناول القراءات الأربعة تلك من خلال معيار اقتراب كل منها من ظروف انتاج النظرية وأطروحتها التي وردت في الكتاب، أو محاولة تأويل النظرية وتوجيه التلقي الخاص بها وجهة خاصة، ووفق معايير التلقي/ النسق القيمي الخاص بكل قراءة ومن قدمها، مع تفاوت المساحة التي ستشغلها كل قراءة انطلاقا من مساحة التأويل والتفاوت بين معايير إنتاج النظرية ذاتها ومعايير تلقيها واستقبالها، كما يلي..
قراءة سمير شحاتة: الرؤية الكلية واستيعاب الأطروحة
حقيقة أكثر القراءات تماسا في تلقيها مع كليات الكتاب وأطروحته النظرية جاءت من "مجلة الديمقراطية" مع أ. سمير محمد شحاتة، ربما لأن القراءة/ التلقي قادم من خلفية ونسق ينتمي للصحافة الثقافية- السياسية بروحها التي تميل للعرض الشامل، فاهتم بعرض كليات الكتاب ومحاوره الأساسية، مع بعض الانتقائية المحدودة في إبراز بعض الأفكار السياسية.. لكنها كانت من اكثر القراءات اقترابا من جوهر الفكرة وتركيزا على متونها الأساسية؛ حيث تأتي قراءة مجلة الديمقراطية شاغلة مساحة كبيرة على صفحات المجلة، ومهتمة بعرض الإطار الكلي الفكري البانورامي للكتاب.. وإمكانية بروز كتلة جيوثقافية عالمية جديدة في مواجهة الاستقطاب الراهن شرقا وغربا، تنطلق من مبدأ "فك التعالق الثقافي". واهتمت القراءة برصد أطروحة الكتاب حول الانتقال من مكونات الجيوبولتيك التقليدية إلى مكونات الجيوثقافي ودورها، واستراتيجية الجفرافيات الثلاث تتابعا وتوازيا. كما اهتمت القراءة بالجانب التطبيقي للنظرية على الراهن العربي من خلال حرب غزة وتمثلاتها في الصراع على الجغرافيا الثقافية.. إجمالا قدمت القراءة تصورا محيطا بأبرز محاور الكتاب وتطبيقاته.
قراءة حافظ قاسم: التقاط المفهوم وتجاوز المركزية
ثم تأتي قراءة د.حافظ قاسم من اليمن في مجلة "آفاق التجديد" على رشاقتها وصغر حجمها، لأن القراءة/ التلقي جاءت من صاحب نسق قيمي ينتمي للدراسات الحضارية والثقافية الواسعة، فاستطاعت القراءة التواصل مع كليات النظرية عندما رصدت أن الكتاب يطرح تصورا، يرى أن القرن الـ20 كان قرن الجغرافيا السياسية بينما القرن الـ21 هو قرن الجغرافيا الثقافية بالأساس. وكذلك نقد الكتاب للتبعية والتعالق الثقافي الذي يسلم تسليما بنظريات في الجغرافيا السياسية وضعت في الغرب، ووفق سياقه التاريخي ومركزيته مع (ماكيندر- ماهان- سبيكمان- ....). كما تبرز القراءة رؤية الكتاب حول ارتباط نظريات الجغرافيا السياسية بفكرة المركزية الغربية والمسألة الأوربية، ووهم الحضارة المطلقة التي تبرر لنفسها دعاوي التمدد والسيطرة على ثقافة الآخر وجغرافيته. وتبرز القراءة واحدة من أهم الأفكار التي تكون النسق العام للكتاب وهي إعادة تعريف الأمن القومي بوصفه بنية مشتركة وشرطية بين المكون الخشن والموارد الصلبة والقوة الناعمة والسردية الثقافية، وان تفكك السردية الثقافية للأمن القومي لجماعة ما يعني أن تفككها الخشن والصلب أمر مؤجل ومحسوم ليس إلا. أما أبرز ما قدمته القراءة وقدرتها على التقاط المعني الذي أنتجه الكتاب، فكان تواصلها مع مفهوم "الجغرافيا الثقافية الرابطة" ذاته وتسليط الضوء عليه، باعتباره جوهر التمايز بين التصور الاستراتيجي لنظريته في الجغرافيا الثقافية، وبين الطرح الغربي الذي يركز على الجغرافيا الثقافية الظاهرية التي ترصد علاقة المكان وتأثيره على الثقافة وتنوعها إجمالا. ثم تمر القراءة على "استراتيجية الجغرافيات الثلاث"، وكذلك أحد محاور النسق العام للنظرية مع تصور "الكتلة الجيوثقافية الثالثة. قراءة حمدي هاشم: النقد التخصصي وجدله مع النسق الكلي مع القراءة الثالثة سوف يبدأ التأثير الكبير لمعايير التلقي الخاصة التي قد تميل نوعا لتأويل النظرية والكتاب وفق تصورها الذاتي، فالقراءة الثالثة نشرت في موقع "الكتابة" قدمها د.حمدي هاشم من مصر، وقد قام التلقي الخاص به على تصورات النقد التخصصي لحد بعيد، مع الوقوف على مسافة ما من النسق الكلي لمضمون الكتاب ذاته وظروف نتاجه. وسيتسع هذا الجزء مقارنة بالقراءتين السابقتين، بما يمثل انعكاسًا لدرجة التوتر والمفارقة بين نسق القراءة ونسق النص ومنطقه نفسه. وقفت القراءة على مسافة من جوهر الكتاب، واستخدمت خطابا يُطلقُ أحكاما كلية، لا تقترب من جوهره الكلي والنسق النظري العام الذي يطرحه، فرغم أن الذي كتبها متخصص في إحدى مجالات الجغرافيا (البيئة)، إلا أنه افتقد بعض الشئ لروح العلوم البينية المتفاعلة وروح الدرس الثقافي لمنظومة القيم النسقية التي تحكم ظاهرة ما. وهو ما جعله يلجأ –كما قال في هوامش دراسته- إلى الذكاء الاصطناعي ليقترح من عنده تطبيقات للنظرية، دون أن يهتم بالاطلاع المدقق على الفصول التطبيقية في الكتاب، واستنباط منطقها. كانت القراءة مثقلة بالأحكام/ التلقي الأيديولوجي المسبق من خارج أطروحة الكتاب ذاته، بداية استهلت القراءة حضورها بفقرة كاملة تتحدث عما أسمته "الملكيات الخليجية" وعلاقتها التاريخية بالدولة المصرية "الناصرية"، في خطاب تأويلي وإسقاطي يخالف ما طرحه الكتاب عن ضرورة تجاوز التناقضات والسرديات التاريخية إرث القرن الـ20 التي جاوزها التاريخ، وأن تظهر سردية جيوثقافية جديدة تعمل كمنصة مشتركة جامعة. ورغم تأكيد القراءة على جدية مشروع الكتاب وطرحه الثوري –كما أسمته- إلا أنها رفضت اسم الكتاب: "نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة"! دون أن تقدم أي نقاش لبنية النظرية او لمكوناتها، إنما فقط قدمت هذا الحكم العام، مع طرحها شرط لوجود سلطة معرفية للاعتراف بـ"النظرية"! وأن الأطروحات الفكرية النظرية الجديدة، يجب أن تمر –وفق تصور الكاتب ومخيلته التاريخية- عليه وعلى لجنة من المحكمين! حتى تحصل على صك البراءة والمرور، في منطق ملتبس للغاية. ولو نظرنا للأمر بموضوعية أي اعتراض القراءة على "مفهوم النظرية"؛ لقلنا إن هذا اعتراض مشروع في ذاته، لكنه يفترض تعريفًا بعينه –في مخيلة الكاتب وخلفيته للتلقي- لـ"النظرية" بوصفها نظرية، لا تكتسب صفة النظرية إلا بعد اعتراف مؤسسي ما بها! وهنا يطرح السؤال نفسه: هل الكتاب يعلن نفسه "نظرية مكتملة الاعتراف" أم يقدم نسقًا نظريًا جديدًا ويطرح فروضه ومفاهيمه للحوار والنقد، والنقاش، والتباديل والتوافيق التطبيقية وظروفها المتغيرة؟ وفي حقيقة الأمر إن النقد الأكاديمي نفسه جزء من اختبار النظرية، وليس بالضرورة شرطًا سابقًا على طرحها... فهنا يختلف التصور العلمي والمعرفي تماما لشروط إطلاق مفهوم "النظرية" الذي تقدمه القراءة ضمن أفق تخصصي لا يستوعب، في بعض مواضعه، طبيعة النسق البيني والكلّي الذي تقترحه النظرية. وفي فقرة أخرى تقول القراءة إنه: "يتحدى الكاتب بأطروحته نظرية الواقعية مباشرة، لكنها قد تتهم بالانفصال عن الواقع المادي للقوة العسكرية والاقتصادية (الصلبة)، خاصة في منطقة مضطربة مثل الشرق الأوسط".. لتستمر القراءة في انفصالها عن النسق الفكري للكتاب وظروف انتاجه –ويظهر التباين بين المناهج العلمية الجزئية والتخصصية البحتة، وبين المناهج البينية والثقافية والكلية-، حيث القراءة هنا كانت جزئية لم تقف على النسق الفكري العام لنظرية الكتاب، التي في أحد أعمدتها الرئيسة تعيد تعريف الأمن القومي بوصفه بنية مشتركة بين القوة الصلبة والناعمة، بينما لجأت القراءة إلى التأويل والتوجيه واعتبرت أن الجغرافيا الثقافية تهمل بعد القوة الصلبة! وليس كما تقول أطروحة الكتاب أن الجغرافيا الثقافية هي التي تمنح القوة الصلبة معنى الحضور والوجود في جغرافيتها التاريخية. وفي موضع آخر تكرر القراءة ما معناه إن الانتقال من الجيوسياسي إلى الجيوثقافي يعني الانتقال من القوة الصلبة إلى القوة الناعمة، بينما أطروحة الكتاب وشرط إنتاجها التاريخي تقوم على نفي هذه الثنائية أصلًا!. فالثقافة لا تحل محل القوة الصلبة؛ الثقافة تمنح القوة الصلبة سياقها وشرعيتها وامتدادها الجغرافي والسردي.لأن الكتاب يعيد تعريف الأمن القومي باعتباره بنية مشتركة بين الصلب والناعم. بل إن المفارقة الجميلة هنا أن القراءة في نهايتها اقترحت دمج القوة الناعمة مع القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية، وأن الثقافة تمنح الشرعية والهوية بينما توفر القوة الصلبة الحماية والقدرة على التنفيذ. بما يعني أن جزءًا من اعتراض القراءة الأول يتراجع عمليًا في خاتمتها دون أن تلتفت القراءة أن هذا أحد المحاور الأساسية للكتاب ونسقه الفكري بالفعل. وكذلك تعود القراءة للتاويل والتوجيه مجددا في موضع آخر، فبعد أن رفضت أن يحمل الكتاب اسم "نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة"، عادت وأخذت عليه أنه: "يظل الكتاب نظريًا بدرجة كبيرة.. بالإضافة إلى التركيز على “جغرافية الذات العربية” قد يميل بالفهم نحو الانغلاق الثقافي، بدلًا من فاعلية الانفتاح على العالم!" فلو سلمنا جدلا –رغم احتواء الكتاب على الأطر العامة للتطبيق- بأن الكتاب نظري بدرجة كبيرة، ولا يقدم خطة تنفيذية كافية.. لكان هذا أيضا مبررا لا يهدم النظرية أبدا، لأن هناك فرقًا بين بناء النسق النظري في حد ذاته، وصياغة السياسة العامة المنبثقة عنه. بل اللافت أن القراءة نفسها، في نهاية المقال، قدمت ما تصورت أنه "استراتيجية عربية جيوثقافية" تتضمن: البنية المؤسسية والتعليم والإعلام والدبلوماسية الثقافية والاقتصاد الثقافي والتكامل مع القوة الصلبة. ليطرح السؤال المنطقي نفسه بشدة؛ إذا كان غياب الخطة التنفيذية يجعل النظرية غير مكتملة، فما الذي يعنيه أن تقوم القراءة نفسها باشتقاق خطة تنفيذية –كما تصورت- استنادا لفرضيات الكتاب؟ وفي الفقرة نفسها، يوجد تلقي يوحي بالتوجيه الفكري الخاص، وعدم التواصل مع النسق الفكري العام للكتاب في حد ذاته، خاصة في استقبال القراءة لما يخص "التعالق الثقافي" وضرورة تفكيكه، فهي تقدم حكما سطحيا وطرقا من الخارج بأن تفعيل الجغرافيا الثقافية العربية هو نوع من الانغلاق الثقافي! وكأن الانفتاح على العالم يعني الخضوع لفكرة وجود ثقافة مركزية واحدة تريد السيطرة على كل الجغرافيات الأخرى، في فهم مبتسر لفكرة "مجتمع الكوزموبوليتان التاريخي". وتستمر حالة التلقي القسري لمحتوى الكتاب حين تقول القراءة: "تعد “الجغرافية الثقافية” فرع من الجغرافية البشرية (الجغرافية قسمين، طبيعي وبشري)، يدرس علاقة المكان بالثقافة (منذ منتصف القرن العشرين)، بينما مصطلح “الجيوثقافي” مفهوم حديث (في بداية القرن الواحد والعشرين)، يستخدم في سياقات القوة الناعمة والسياسات الثقافية العالمية. وقد أكد الكتاب بأنهما مترادفتان دون فرق جوهري بينهما، وهما ليس كذلك في الأساس، بل يمكن القول إن الجيوثقافي امتداد تطبيقي واستراتيجي للجغرافية الثقافية." ففي الواقع إن نقطة الانطلاق في الكتاب والوعي الخاص بإنتاجه، وجهده الأساسي ليست مجرد إعادة تعريف للجيوثقافي كما تصورت القراءة، وإنما كان الجوهر هو إعادة بناء للعلاقة بين الجغرافيا والثقافة من أساسها. فالجغرافيا الثقافية التقليدية الغربية تميل إلى الوصفية/الانطباعية وتسأل: كيف يؤثر المكان في الثقافة؟ بينما الجغرافيا الثقافية الجوهرية التي يطرحها الكتاب تسأل: كيف تصبح الثقافة مكونًا جوهريًا في إنتاج معنى الجغرافيا والوجود عليها وبناء سرديته الكبرى في تدافعه مع سرديات أخرى؟ والجغرافيا الثقافية الرابطة تسأل: كيف يتحول هذا الجوهر الثقافي إلى رابطة تتجاوز التفكك السياسي والجغرافي وتعيد وصل المجال التاريخي المفكك/ المنقطع؟ لتبدو الفقرة السابقة فجوة واضحة بين القراءة وبين ما طرحه الكتاب ذاته، وكان الأحرى بالقراءة علميا أن تطرح تعريف الكتاب لـ"الجغرافيا الثقافية الرابطة"، ثم تشتبك معه رفضا أو قبولا، حذفا أو إضافة. لأن الكتاب في جوهر طرحه للبديل نقل مفهوم "الجغرافيا الثقافية" ومقاربته الكلية من تأثير المكان على الثقافة وتنوعها، إلى الحضور الاستراتيجي للثقافة في الجغرافيا بوصفها تدافع سرديات تبرر للجماعات البشرية الوجود على تلك الجغرافيا، في مقابل جماعات أخرى تسعى للوجود نفسه على الجغرافيا نفسه، وذلك حينما طرح الكتاب مفهوم "الجغرافيا الثقافية الجوهرية"، تمييزا عن الجغرافيا الثقافية الانطباعية أو الظاهرية التي قدمها الغرب. واستمرت حالة الخلط بين الجزئي والكلي في القراءة، حينما ذكرت: "وكذلك لم تنتبه تلك الخاتمة الضعيفة إلى أهمية الكشف عن جدلية الذكاء الاصطناعي كأداة جيوثقافية قوية، وقدرته على إعادة تشكيل هوية الشعوب، وتأثيره غير الأخلاقي على سرديتها الثقافية عبر أدوات القوة الناعمة، ومخاوف التلاعب بالسرديات التاريخية، على خلفية توفير المجال لتأثير عابر للحدود، يعيد صياغة العلاقة بين الثقافة والتكنولوجيا"... فهذه فقرة تحتاج تأسيسًا معرفيا موضوعيًا مباشرًا، ذلك أن المطالبة بأن "تنتبه" الخاتمة لكل أداة أو مستجد تقني بعينه، هي مطالبة تخلط بين وظيفة الخاتمة النظرية ووظيفة الدراسة التطبيقية المتخصصة؛ فالخاتمة في أي عمل نظري تُلخّص أركان النسق العام وتفتح أفقه، لا أن تستوعب تفصيلًا بحجم "جدلية الذكاء الاصطناعي" التي تستحق بذاتها بحثًا مستقلًا. وقد يكون الأدق أن يُطرح هذا كموضوع بحثي لاحق يُبنى على أرضية النظرية، لا كنقيصة فيها. ووقعت القراءة في بعض الأخطاء التعميمية الإجرائية أو الشكلية ربما دون تدقيق كاف؛ مثل استدعاء بعض الكتب بعينها ووفق ذائقتها وطرحها كمراجع لابد أن توجد داخل الكتاب! دون أن تبرر لماذا هذه الكتب بعينها! وكذلك القول بأن الدراسات السابقة التي ذكرها الكتاب سهت عن كتاب ما (بينما الكتاب المشار إليه حاضر ومذكور في متن الكتاب)، كما تصورت القراءة أن الخاتمة لم تقدم خريطة طريق لتطبيق نظرية الكتب! والحقيقة يبدو الأمر انطباعيا لحد ما، لا يفرق بين وضع الأطر العامة لنسق فكري جديد والمبادئ الحاكمة له، وبين تطبيقه الذي يعتمد على التباديل والتوافيق واختبار الفروض، إضافة إلى أن القراءة فقدت الاتصال تماما مع الفصول التطبيقية بالكتاب التي وضعت بالفعل رؤى تطبيقية في بعض الملفات الإجمالية الكبرى بعينها. وأخيرا هناك ملاحظة قد تصل بالتلقي ومفارقته إلى الذروة، إذ أن القراءة بدأت من اعتراض على النظرية، وعلى عدم وجود تطبيق كافٍ، وانتهت إلى اقتراح يشمل: (مجلس عربي للأمن الثقافي- مراكز دراسات جيوثقافية- استراتيجية عربية للأمن القومي الثقافي- تعليم وهوية - إعلام ودبلوماسية ثقافية- اقتصاد ثقافي- ودمج القوة الناعمة بالصلبة)، أي أنها انتهت عمليًا إلى استعراض المجال التطبيقي للفكرة التي كانت تنتقدها. فلعل المفارقة اللافتة في القراءة أن نقدها للطرح النظري انتهى إلى التأكيد عليه وإعادة إنتاج عدد من مقدماته في صورة برنامج تطبيقي، سواء كان معبرا عن النظرية حقيقة أم لا! فهنا لحظة المفارقة الكبرى والتناقض البناء بين البداية الحذرة والنتائج النهائية للقراءة. فقد سعىت القراءة في مستهلها إلى حصر المفهوم داخل أسيجة الجغرافيا التقليدية، لكنها ختمت باقتراح خطة عمل استراتيجية تُترجم المفهوم ذاته وتعترف به! وهو ما يكشف أن المسافة بين القراءة والنسق الذي تتعاطي معه قد تكون حقيقة أقل مما تبدو عليه في البداية، حينما نستبعد بعض العبارات/ الأحكام الانطباعية، أو بالأصح مع تحييد معايير التلقي الذاتي التي تحاول توجيه المتن وتأويله بعيدا عن سياقه وظروف إنتاجه.
قراءة عمر الحامدي: حين تُقرأ السردية الجديدة من داخل السردية القديمة
أما القراءة الرابعة، التي قدمها السفير الليبي السابق/ عمر الحامدي، فقد قاربت الكتاب من مدخل مختلف للتلقي؛ إذ قرأت مفهوم الجغرافيا الثقافية الرابطة ونظريته في ضوء التراث الفكري للقومية العربية ومشروعات الوحدة العربية، وهو مدخل مفهوم بالنظر إلى خلفية القائم بعملية التلقي واستقبال أطروحة الكتاب وتأويله، لكنه يقود إلى سؤال منهجي: هل يجب على الجغرافيا الثقافية الرابطة إعادة صياغة للمقولات الوحدوية السابقة، أم أنها تنقل النقاش وفرص المستقبل إلى مستوى نظري جديد يتفق مع السياق التاريخي الراهن وتحدياته الماثلة؟ وصدرت القراءة تصوراتها التاريخية للعلاقة بين المكون الثقافي كتابع للمكون السياسي الأيديولوجي، ونظرت للمكون الثقافي نظرة مشابهة لقراءة الباحث المصري في الجغرافيا البيئية، حينما نظرت القراءة للمكون الثقافي ودوره نظره جزئية ولم تلتفت للتعريف الجديد الذي تمنحه الدراسة للمكون الثقافي ودوره في لحظات التراجع الحضاري، واعتبرت أن الكتاب يعلي من البعد الثقافي على حساب البعد الحضاري والاستراتيجي و"الرؤية القومية العربية". في حين أن النظرية تطور المكون الثقافي وترتفع به للمستوى الاستراتيجي في ظل انسداد السرديات السياسية العربية في القرن الـ21، وعجزها عن الاستجابة للتحديات القادمة من السرديات الإقليمية الأخرى، فما فات القراءة أن النظرية قد تتقاطع مع سؤال الوحدة العربية، لكنها لا تستنفد فيه ولا تعيد إنتاج السردية القديمة بظروفها نفسها، للنظرية منطلقات فلسفية وهي أنه لا توجد أطروحة/ أيديولوجيا سياسية صالحة لكل مكان وزمان، ولكن يوجد جوهر ثقافي/ حضاري ينتج تمثلات سياسية مختلفة للتعبير عن ظرفيته وتاريخيته. والأصل هنا هو الذات العربية الجامعة المختارة من شعوب تراكمت عندها حضارات وطبقات وشعوب متنوعة، واللحظة التاريخية لتطور مفهوم "القومية العربية" كان لها سياقها وظرفيتها، والآن تمر الذات العربية بلحظة تاريخية حرجة عجزت فيها معظم السرديات الأيدلوجية يمينا ويسارا عن التصدي لها، من ثم تطرح نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة، أنه استجابة للتحديات الإقليمية وسردياتها التي تمددت على حساب الذات العربية (الشيعية الإيرانية- العثمانية الجديدة- الصهيونية الإبراهيمية- المركزية الأفريقية الأثيوبية)، على المكون الثقافي العربي أن ينهض ويؤكد على وجوده التاريخي في الجغرافيا التي تمدد بها الاخرون، تمهيدا لظهور خطابات سياسية جديدة تعبر عن متطلبات اللحظة الراهنة، مع الاحترام الشديد لكل السرديات الأيديولوجية التاريخية العربية، التي عجزت وانسد بها الطريق لأسباب متنوعة. ومما ورد في متن القراءة: "كنت أتوقع أن ذلك سينعكس على رؤيته للذات العربية وعلى المشروع الحضاري العربي ليقدمه في اطاره المعرفي والفكري الاستراتيجي المقاوم، ليضيف الى الرؤية القومية العربية ويتقدم اجيال الشباب في القرن 21 في اغناء الرؤية الحضارية.. تكريسا لرؤية المشروع الحضاري العربي بابعاده المتعددة". هنا يمكن القول إن المشروع الجديد يستطيع أن يستفيد من التراث القومي العربي (وكل أيديولوجيات العرب التاريخية ونضالاتهم)، لكنه لا يمكن أن يكون أسيرًا له، القومية العربية قدمت إجابة سياسية/تاريخية عن سؤال العمل السياسي بطريقتها وفي لحظتها التاريخية، أما الجغرافيا الثقافية الرابطة فتحاول أن تقدم إستجابة جيوثقافية عن سؤال التفكك والتراجع الحضاري، بتفعيل الجوهر الثقافي فوق جغرافيته التاريخية وتدافعه مع السرديات الأخرى في لحظة تاريخية حرجة للغاية، معلية من الجوهر أي الذات العربية نفسها (بما تتضمنه من شعوب غير عربية اختارتها وتمسكت بها هوياتيا) وليس أيديولوجيات بعينها، وساعية لأن تكون خطابات سياسية جديدة ليست في صراع مع أحد ولا تراهن سوى على الجوهر الموحد للبلدان العربية وفي بعدها الإسلامي والأفريقي. وتقول القراءة في موضع آخر: "لكن وجدت أن الدكتور الجوهري اتخذ رأيا آخر وهو الاهتمام بدراسة البعد الثقافي على أهميته، بان خصص له ثلاث كتب أخرها نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة".. وهنا لب الأزمة في التلقي الجزئي؛ فهو ينظر للثقافة ليس في بعدها الاستراتيجي أو في تطور مسارات التدافع الدولي في القرن الـ21، فمازال التصور الأيديولوجي التاريخي يعتبر الثقافة أداة ملحقة على البنية الأيديولوجية وسردياتها القديمة، ولم يمنح نفسه فرصة حقيقة للتعاطي مع التصور الجيواستراتيجي للثقافة ومفهوم السرديات الكبرى. فمازال البعض حنينا وإخلاصا ينظر للعالم وفق سرديات القرن الـ20 وينكر أن العالم تجاوز لحظته التاريخية، ولا يريد الاعتراف بأن العالم تغير ويحتاج إلى مقاربات معرفية جديدة، وأنه عندما يتفكك التمثل السياسي ويعجز كما يراه الجميع الآن في الوطن العربي، على الجوهر الثقافي أن يصعد للقيام بدوره، ويربط الجغرافيا التي تتفكك تمهيدا لظهور خطابات سياسية جديدة وفاعلة (مثلما تطرح نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة في واحد من أهم فروضها النظرية). وتقول القراءة في موضع آخر: "أشرت الى أهمية وحدة الرؤيا وعدم تفكيك المعطى الحضاري الاستراتيجي، الذي لا شك أنه يتكون من ثقافي وسياسي واقتصادي وامني، فلاضرورة لفصل الثقافي وبذل جهود موسعه بشأنه بما دعاه لأن يتصدى لوضع نظرية في هذا المجال كما يذكر في كتبه"... وهنا تتبدى أبرز مظاهر التلقي القسري والانفصال مع النسق القيمي العام الذي يطرجه الكتاب ونظريته، أو يمكن التعبير عن الأمر بصياغة أخرى ترى أن التمسك اللاإرادي برؤية واحدة وتأويل واحد للعالم وفلسفته ترفض الذات التي تقوم بعملية التلقي مفارقته، وتنكر أصلا وجوده! فالقراءة هنا تمسكا بحنينها الأيديولوجي لعالمها القديم لا ترى أطروحة الكتاب كما هي وكما تعبر عن نفسها صراحة ونصا، إنما تأول النسق القيمي للكتاب وفق تصورها التاريخي.. فالنظرية لا تفصل بين مكونات الظاهرة الإنسانية، لكنها ترى في لحظتها التاريخية ووفق الظروف الراهنة إعادة ترتيب و"موضعة" تلك المكونات، بحيث يكون المكون الثقافي هو جوهر الاستجابة لتحديات تمدد السرديات الأخرى في الجغرافيا العربية، وتعيد تعريف الأمن القومي بوصفه سردية مشتركة بين القوى الصلبة والناعمة، وأن الاعتماد على القوة الصلبة/ العسكرية وحدها لن ينجح في مواجهة التمدد السردياتي للآخرين، وأن الصعود الحضاري يتطلب ظهور سردية عربية جديدة بكل بساطة، تتجاوز التناقضات التاريخية، وتتحول إلى كتلة عالمية ثالثة لها شروطها الحضارية المميزة، التي إذا وعت لنفسها يمكن أن تحرر العالم من وهم الحضارة المطلقة الغربية ونظريات الجغرافيا السياسية التي صاحبتها في القرن العشرين، وهذا هو البعد الفلسفي للنظرية الذي طرحته في فصلها الأول ولم يلتفت له الكثيرون. وتقول القراءة في موضع آخر: "وأريد هنا من باب التوضيح والتاكيد أن أشير إلى إن مثقفا في وزن وجهود الدكتور الجوهري، لابد أن يعطي ويعرف النشء الجديد بماهية المشروع الثقافي العربي الذي قدمته الأمة العربية منذ أربعة عشر قرنا وكيف قدم هذا المشروع خدمة للإنسانية كمشروع انساني استفادت منه الانسانية واستفادت منه الحضارة الغربية المعاصرة وإن أنكرت ذلك إلا بعض المثقفين الشجعان الذين اعترفوا بما ساهمت به الحضارة العربية".. وتبرز الفقرة السابقة المسافة القائمة بين تلقي القراءة وتصورها للمكون الثقافي، وبين المكون ذاته في شروط إنتاجه وظرفيته التي يطرحها الكتاب، الكتاب ونسقه الفكري يرى أن المكون الثقافي ودوره في لحظات التأزم الحضاري هو إعادة إنتاج الذات الإنسانية التي تنتمي له، خاصة عندما تنسد سردياتها السياسية المطروحة، فالمكون الثقافي وفق شروط إنتاجه ليس مجرد مجال للاستقطاب وتنازع الفضل بين العرب والمسلمين وغيرهم، بل إن المكون الثقافي هو الجذر والمركز والجوهر الذي يسبق التمثلات السياسية الأيديولوجية، والذي يجب ان يصعد للقيام بدوره في ربط ما تفرق من جغرافيا البلاد العربية، تمهيدا لظهور تمثلات سياسية فاعلة جديدة. وكررت القراءة تصورها قائلة: "لكن فيما تعرضت له الأمة العربية في سياق تاريخها خاصة منذ مؤتمر لندن عام 1907، وسيتأكد أن الركن الثقافي على أهميته لا يمكن وحده ان يكون الرد الحاسم اليوم".. فالقراءة تصر على تخيلها وتصورها الذهني التاريخي المسبق، بأن المكون الثقافي وفق أطروحة الكتاب هو تصور قائم بذاته! وليس كما يقدمه الكتاب نفسه هو الجوهر التاريخي الجامع للناعم والخشن الذي يعيد إنتاج الذات العربية والإسلامية، تمهيدا لتقديم سردية كبرى جديدة بما تحمله من معان وتصورات ومقاربات شاملة. الاختلاف هنا هو اختلاف بين الأيديولوجيا وبين الطرح المعرفي، الأيديولوجيا وسردياتها القديمة إرث القرن العشرين ترى أن المكون الثقافي هو مكون تابع وملحق بالمكون الأيديولوجي، بينما لم تمر العقلية الأيديولوجية على المناهج العلمية المرتبطة بالدراسات الثقافية أو مدرسة ما بعد الاستعمار مثلا، لكي تتواصل مع أطروحة في بناء السرديات الكبرى الجديدة بالاستناد للمكون الثقافي وباعتباره الجوهر كما تطرح النظرية في كتاب الجغرافيا الثقافية الرابطة. وأخيرا ختمت القراءة تصورها قائلة: "حاولت أن أوضح أنني لست ضد أهمية العامل الثقافي لكنه يلزم أن يكون في اطار المعطى الحضاري الاستراتيجي، ويمكن لمن يرغب الاطلاع على مشروع الميثاق القومي الوحدوي المنشور على الفيس صفحة اللجنه العربية القوميه والدعوه للجميع للمشاركة في مبادرة الحوار العربي بين التيارات وتجديد المشروع الحضاري الذي تعمل عليه اللجنة العربية القوميه لتوحيد التيار القومي الوحدوي". وفي هذه الفقرة السابقة يبدو جليا الاختبار لتساؤل المقال الرئيس حول استقبال التصورات النظرية الجديدة للذات العربية، من خلال تدافع مضمر مع سرديات تاريخية تحكم عملية التلقي وتوجهها وتأولها، باتجاه هذا المركز التاريخي الكامن في مركز النسق القيمي للقائم بعملية التلقي واستقبال النص النظري/ السردياتي الجديد. بينما في جوهر أطروحة الكتاب لا يتعارض أبدا مع انتماءه ودفاعه عن تلك الذات العربية بصفتها طبقة هوياتية مختارة طوعا، لكن الكتاب يرى ظرفية تاريخية تطرح نفسها بأن سؤال العمل السياسي يفرض الانتقال من سؤال الوحدة السياسية، إلى سؤال الرابطة الجيوثقافية تمهيد لظهور خطابات ومسارات سياسية جديدة، تقدر كل السرديات التاريخية وتحترمها لكنها لا تقدسها، ولا تُثَبِّتُ التاريخ عندها. وإذا كانت اختلافات التلقي قد كشفت أن كل قراءة أعادت إدراج مفهوم الجغرافيا الثقافية داخل نسقها السابق، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس: أي القراءات تواصلت أكثر مع رسالة الكتاب ومتنه الأساسي وأيها انقطع عن التواصل أكثر؟ وإنما: ما الذي تقترحه النظرية نفسها بوصفه تجاوزًا لهذه الأطر السابقة؟
من التلقي إلى النظرية: الجغرافيا الثقافية بين الجوهرية والرابطة
بعد هذا الاستعراض لطرائق التلقي المختلفة، يصبح من الضروري العودة إلى النص نفسه باختصار وإيجاز شديدين، لا بوصفه موضوعًا للقراءة هذه المرة، وإنما بوصفه حاملًا لنسق نظري يريد أن يعيد تعريف العلاقة بين الجغرافيا والثقافة... ليأتي الدور -أخيرا وليس آخرا- بأن أطرح مقولة "الجغرافيا الثقافية بين الجوهرية والرابطة"؛ حتى أجمل أطروحة النسق القيمي والإضافة التي يقدمها الكتاب في نظرته للجغرافيا الثقافية، فلقد قدم الكتاب نظرة فلسفية مغايرة تماما لمفهوم "الجغرافيا الثقافية" ومجاله، الغرب في نظرته التقليدية للجغرافيا الثقافية كان وصفيا وانطباعيا لحد بعيد، قاصرا العلاقة على رصد تأثير المكان (الجغرافيا) على تقاليد الإنسان وعاداته وتنوعها (ثقافته عموما). أما نظرة الكتاب وفلسفته للعلاقة بين الجغرافيا وبين الثقافة؛ فأختصرها بما ورد في الكتاب من مفهومين رئيسين وهما: الجوهرية والرابطة، أي الجغرافيا الثقافية الجوهرية، والجغرافيا الثقافية الرابطة.. الجغرافيا الثقافية الجوهرية هي التفرقة الفلسفية والنسقية الأساسية بين تصور الكتاب ونظريته، وبين التصور والنظرية الغربية للجغرافيا الثقافية، الجغرافيا الثقافية "الجوهرية" تأتي تمييزا عن التصور الغربي الوصفي/ الانطباعي/ التقليدي للعلاقة بين المكان والثقافة، والجوهرية هنا تعني التصور الاستراتيجي لدور الثقافة في لحظتها التاريخية بالقرن الـ21 بوصفها المكون القادر على منح السرديات البشرية الكبرى جوهرها المميز، في مواجهة سرديات أخرى تتدافع وتتنافس معها على المكان/ الجغرافيا نفسها، العلاقة هنا بين الجغرافيا والثقافة علاقة استراتيجية جوهرية كبرى، وليست مجرد علاقة تصف أثر المكان على تنوع العادات والتقاليد والثقافات. أما الجغرافيا الثقافية الرابطة؛ فهي الامتداد الاستراتيجي والتاريخي والتطبيقي العملي الذي يطرحه الكتاب لفلسفة الجغرافيا الثقافية الجوهرية ونظرتها العامة للعلاقة بين المكان والثقافة.. بمعنى أن نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة هي الإطار الذي يقترحه الكتاب على الذات العربية، استجابة لحالة الانسداد التاريخي والتفكك الحضاري والتراجع الجغرافي لصالح سرديات أخرى تمددت على حسابها. فالجغرافيا الثقافية الرابطة هي الأداة التاريخية التي يرى الكتاب أنه يمكن لها في لحظتها التاريخية عبر استراتيجية "الجغرافيات الثلاث" أن توقف تراجع الثقافة العربية على جغرافيتها في مواجهة ثقافات أخرى تمددت في الجغرافيا نفسها (إيرانية شيعية- تركية عثمانية جديدة- صهيونية إبراهيمية- مركزية أفريقية أثيوبية). وفي مرحلة مستقبلية تطرح الدراسة فرصة تحول الذات العربية والإسلامية في بعد دولي إلى "كتلة جيوثقافية ثالثة"، تحرر العالم من نسق "الجغرافيا السياسية" التاريخي الذي طورته الذات الغربية، بحجة امتلاكها لحضارة شمولية مطلقة يجب ان تهيمن على كل الجغرافيا.
ختاما؛
في فصول الكتاب وأبوابه يحضر التأسيس المعرفي لهذا الطموح المستقبلي الواسع، غير أن تحقيق هذا الطموح يظل مشروطًا بقدرة فكرية حرة على قراءة سنن التاريخ، وأن لكل زمان ظروفه وسياقاته واستحقاقاته، وأنه لا يوجد تمثل سياسي/فكري/أيديولجي يصلح لكل زمان ومكان. ومن ناحية أخرى هناك نتيجة يخرج بها المقال؛ أنه قد انقسمت القراءات الأربعة جزءين (والكثير من القراءات الشفوية أيضا)؛ جزء أعاد تأويل النظرية من داخل تقاليد أيديولوجية أو أكاديمية تخصصية سابقة، فغلبت لديه معايير النسق الذي ينتمي إليه على محاولة اختبار منطق النص الجديد من داخله، ورفض المتلقي استقبال "التجديد" وتلقيه الذي طرحته نظرية الكتاب، وأصر على إعادة إنتاج "التقليد الأكاديمي" المحدود نوعا أو "التقليد الأيديولوجي" وحنينه وتأويل الكتاب قسرا في هذا الاتجاه. بينما الجزء الآخر كان متحررا غير خاضع لـ"التقاليد" وسردياتها التاريخية في استقبال النص/ النظرية، وكانت استجابته وتلقيه لأطروحة الكتاب أكثر حرية وانفتاحا قدر الممكن على "التجديد" وفرصه المستقبلية للذات العربية.
ملاحظة:
* نشرت الدراسة ورقيا في مجلة "آفاق التجديد"، العدد 21، سبتمبر 2026م .
#حاتم_الجوهرى (هاشتاغ)
Hatem_Elgoharey#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في الأصل كان الشاعر
-
تحديات الإدارة الثقافية على مستوى السرديات الكبرى
-
هيجل العربي وهيجل الأوربي: نقد التمثيل الماركسي
-
الصهيونية الإبراهيمية: نهاية مسار وبداية آخر
-
السرديات الكبرى بين المتن والهامش: راهن دولة ما بعد الاستقلا
...
-
بناء النماذج المعرفية وتجديد السردية المصرية/ العربية
-
الصهيونية الإبراهيمية: من التأسيس إلى سردية الهيمنة
-
حرب إيران : نظرية المتغير الأكثر بروزا والمحور الإبراهيمي
-
هل كانت الحرب لتفكيك الاحتشاد العربي/ الإسلامي؟
-
اغتيال المرشد والوجه الخشن لصفقة القرن
-
الحلف الهندوإبراهيمي وفضاء الصهيونية الجيوثقافي
-
مأزق السردية الجيوثقافية: دور السياسات العليا والعامة
-
هل تصبح مصر دولة الممانعة الوحيدة!
-
النظام الدولي: مأزق الوستفالية والحضارة المطلقة
-
الصدام الحضاري وإسرائيل: من أثينا الليبرالية إلى اسبرطه
-
تجمع الدول الست من أجل غزة: مقاربة في الإسناد السياسي
-
التوازن الناعم والخشن في مواجهة سيناء: مقاربة جديدة
-
جيوثقافية الشرق المأزوم: بين المثقف العمومي والمثقف التأسيسي
-
الممثل الرئاسي لشئون مساعدات غزة وإدارتها
-
متغيرات استراتيجية.. وضعف عربي في الاستجابة
المزيد.....
-
بوتين: روسيا -منفتحة- على إجراء مفاوضات لإنهاء حرب أوكرانيا
...
-
الجزائر تشدد عقوبة افتعال الحرائق
-
-رويترز-: لا إصابات عسكرية أمريكية في غارات إيرانية على الأر
...
-
الجيش الكويتي: الدفاعات تتصدى حاليا لهجمات بمسيّرات معادية
...
-
بوتين: موقف طوكيو من زيارتي للكوريل لم يفاجئني.. وتدهور العل
...
-
-فارس-: دوي انفجارات في مواقع عسكرية والقنصلية الأمريكية في
...
-
مشاورات سودانية تمهيدا لحوار داخلي
-
ما الذي يرجوه المغاربة من الانتخابات المقبلة؟
-
الجيش الأردني يعلن اعتراض 10 صواريخ أُطلقت من إيران
-
بوتين: جيشنا يتقدم بالجبهة والعدو ينهار
المزيد.....
-
النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط
/ محمد مراد
-
افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار
...
/ حاتم الجوهرى
-
الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن
/ مرزوق الحلالي
-
أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال
...
/ ياسر سعد السلوم
-
التّعاون وضبط النفس من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة
...
/ حامد فضل الله
-
إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية
/ حامد فضل الله
-
دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل
...
/ بشار سلوت
-
أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث
/ الاء ناصر باكير
-
اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم
/ علاء هادي الحطاب
المزيد.....
|