أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - حاتم الجوهرى - مأزق السردية الجيوثقافية: دور السياسات العليا والعامة















المزيد.....



مأزق السردية الجيوثقافية: دور السياسات العليا والعامة


حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)


الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 22:32
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


مقدمة:
تجعلنا حرب غزة بمتغيراتها الراهنة ومع الحشد الأمريكي المتصاعد ضد إيران، وصعود نبرة المواجهة "الإسرائيلية" تجاه مصر والعرب والمسلمين (على لسان توم باراك تحديدا، وعلى لسان هاكابي مؤخرا أيضا، واللذان يقف خلفهما دونالد ترامب دون شك ويعبران عن سياساته الخارجية)، للبحث في مقومات المواجهة الجيوثقافية الحضارية الشاملة بيننا وبينهم، وما هي محددات الانطلاق للقيام بـ"تحول جيوثقافي" فارق ووازن في محصلة التدافع الحضاري، والأهم ما هي قيود أو معيقات القيام بهذا "التحول الجيوثقافي" العربي والمصري، لاعتماد سردية ثقافية جديدة قادرة على الدفاع عن الجغرافيا الخاصة بها في مواجهة دعاوي التمدد الجيوثقافي الصهيوني والأمريكي في الجغرافيا العربية.
ولكي نقف من خلال -منهج الدرس الثقافي- على القيمة المركزية الحاكمة للسياق التاريخي العربي الراهن، والتي تنتظم حولها معظم القيم الاجتماعية والسياسية، لابد سيصل بنا الأمر للحديث عن لحظة ما بعد الاستقلال في مصر والوطن العربي، باعتبارها مركز النسق القيمي الحضاري الراهن و"سياساته العليا" و"سياساته العامة"، ومعهما "بنيته الاجتماعية" و"البيروقراطية".
وفي سياق البحث عن معطلات "التحول الجيوثقافي" المطلوب للذات العربية، يمكن أن نسأل سؤالا جرئيا ومباشرا: لماذا ندور في حلقة مفرغة من "الانقطاع السياسي" منذ 1952م؟ وما الفرق بين إدارة الشأن اليومي وتفاصيله (السياسة العامة)، وصياغة الوجود الحضاري وكلياته (السياسة العليا)؟ لنحدد ضربة البداية للتحول المطلوب ما بين مؤسسات "السياسات العليا" ومؤسسات "السياسات العامة".
ففي هذه المقالة ومن خلال منهج الدرس الثقافي التحليلي للقيم الكلية وتعقب مصدرها وموضع سلطتها، سنسعى لتفكيك المأزق الوجودي لدولة ما بعد الاستقلال في مصر والوطن العربي، ونطرح مفهوم التحول الجيوثقافي كضرورة وحيدة وممكنة للنجاة الحقيقية في القرن الـ21.
تتبدى المشكلة الكبرى لدولة ما بعد الاستقلال الآن، أن السياسة العامة والحقائب الوزارية المعبرة عنها وجهازها الإداري والتنفيذي، تحولت في كثير من الأحيان إلى منطق رد الفعل تتعامل مع الأزمات بمنطق إطفاء الحرائق أو منطق العمل الدعائي (التعليم، الصحة، الخدمات، الثقافة، الخارجية، الإعلام، ...)، مع معاناتها الشديدة من الاستغراق في المحلية والبيروقراطية، كما يعتبرها البعض حائط صد لـ"مؤسسات السياسات العليا" والنظام السياسي برمته.
ومشكلة "مؤسسات السياسات العليا" التي يعرفها الناس باسم "المؤسسات السيادية" (مؤسسة الرئاسة- أجهزة الأمن والمخابرات- ما في حكمهما)، والتي من المفترض أن تُعنى بـ"البقاء الحضاري" والتموضع الاستراتيجي وسياساتهم العليا، باعتبارها الركيزة الوظيفية التي تحمي كيان الدولة العابر للأنظمة المتغيرة...، المشكلة أنها تعثرت في تجديد "السردية الجيوثقافية" لتواكب المتغيرات، مما جعلنا في حالة "انكشاف" أمام السرديات الإقليمية الصاعدة والدولية المهيمنة (الإمبراطورية أو الدينية أو العرقية أو المذهبية)، ووقعت بدورها في حالة التأخر ورد الفعل على مستوى السياسات الخارجية وما في حكمها، والتحرك وفق مفاهيم الحد الأدنى الممكن في ظل التناقضات القائمة.
والحل/ السؤال الممكن الذي ستستطلع امكانياته هذه المقالة، هو لماذا يوجد عجز عن القيام بـ"التحول الجيوثقافي" المطلوب؟ رغم وضوح مستحقاته في السياسات العامة، وفي السياسات العليا.. وكيف يمكن وضع مقاربة جديدة للخروج من الانسداد الراهن واستباق حالة الانسداد السياسي المصحوبة بانقطاع سياسي، التي ترافق دولة ما بعد الاستقلال منذ نشأتها.

مقاربة الجغرافيا الثقافية الرابطة
بحثا عن "التحول الجيوثقافي" ونظريته
في معرض القاهرة الدولي للكتاب الـ57 هذا العام صدر كتابي "نظرية الجغرافية الثقافية الرابطة"؛ والذي أقدم للذات العربية من خلاله طرحا وسردية جديدة ممكنة للنجاة في سياق التدافعات الدولية الراهنة، بعدما قدمت في السياق ذاته ثلاثة كتب لإعادة تأسيس القوة الناعمة العربية ودورها في القرن الـ21، هي على التوالي: "الدبلوماسية الثقافية البديلة" الذي اشتغل على مجال السياسات العامة في نطاق التبادلات الثقافية الدولية الرسمية وغير الرسمية وفق رؤية مغايرة وجديدة، وكتاب "مدرسة الدراسات الثقافية العربية المقارنة" الذي اشتغل في نطاق المناهج العلمية للدرسات الثقافية ومجال تطبيقها وتوظيفها وفق منهج وفلسفة جديدة، وكتاب "السياسة الثقافية الثالثة" الذي اشتغل في مجال السياسات العامة ووضع سياسة ثقافية جديدة.
ويتصف الكتاب الأحدث عن الجغرافيا الثقافية بأنه يتناول "السياسات العليا" أو الاستراتيجية، وليس فقط السياسات العامة، فالكتاب يشتغل في مساحة "السياسات العليا" للدول وفق تصور نظري يرى أن هذه لحظة تاريخية تتعلق بإعادة ترتيب السياسات العليا أو الاستراتيجية وتغييرها (للقيام بـ"التحول الجيوثقافي" المطلوب)، وليصبح ممكنا ضبط السياسات العامة التي تتسق معها، وبالتالي إعادة ضبط البناء الاجتماعي والبيروقراطي والفرز الطبيعي في البلدان العربية، وتجاوز الانسداد الراهن.
وهو ما يمكن أن نسميه المحددات العامة لـ"التحول الجيوثقافي" للدول المعاصرة، مع الإشارة إلى أن استخدامي لمفهوم "الجيوثقافي" قد يتضح أكثر بالإشارة إلى العنوان الفرعي للكتاب: "من جيوسياسي القرن الـ20 إلى جيوثقافي القرن الـ21"، حيث يطرح الكتاب تصوره الرئيس بأن السياسات العليا واستراتيجياتها يجب أن تنضبط في القرن الـ21 وفق تصورات ومحددات الجغرافيا الثقافية، وليس وفق محددات الجغرافيا السياسية القديمة التي هي إرث القرن الـ20 مثل دولة ما بعد الاستقلال، ووفق أطر نظرية وتطبيقية طرحها الكتاب.
من ثم سينصب اهتمام هذه المقالة على الإشارة لمحددات كلية في السياسات العليا.. هي ضابط الصعود أو التراجع، والتمدد أو الانكماش، والانتصار أو الهزيمة في الصراع الجيوثقافي أو صراع الجغرافيا الثقافية في القرن الـ21.

"التحول الجيوثقافي" للدول ومحدداته العامة:
من زاوية رئيسة ما؛ سيقوم القرن الـ21 في تصوراته الوجودية وسردياته الكبرى حول الوعي بأهمية المكون الجيوثقافي (الذي يقوم على وجود سردية ثقافية مقبولة محليا، مصحوبة بإدارة فاعلة للموارد المتاحة، وقوة صلبة تحرس هذه السردية في جغرافيتها التاريخية)، وقدرة هذا المكون الجيوثقافي على الاستجابة للمتغيرات الدولية والإقليمية، وذلك تحديدا على مستوى السياسات العليا الخارجية والداخلية، وقدرة دولة ما على القيام بـ"تحول جيوثقافي" جاد وجذري وتجاوز تناقضاتها الداخلية، لتضبط سياساتها العليا الخارجية سياساتها الداخلية، فتكسب سرديتها الكبرى وسياساتها العليا والعامة قبولا وقوة ناعمة داخلية، وقبولًا وقوة ناعمة خارجية على مستوى حاضنتها الجيوثقافية (في فضاءها الجغرافي وحضور إرثها التاريخي المشترك فيه) متنافسة بشكل مستدام مع دول تنتمي للحاضنة نفسها في قدرتها على تمثيل هذه الحاضنة أو صدارتها، وفي قدرتها على التدافع مع الحواضن الجيوثقافية الأخرى تمددا أو انكماشا، وتأكيدا على المشترك الثقافي في تلك الحاضنة الجيوثقافية، أو عجزا عن ذلك وتفجر التناقضات في "مستودع هوية" الحاضنة الجيوثقافية لصالح الآخر وتممده على حسابها.. وهو ما يمكن ان نسميه "الحيوية الجيوثقافية" أو "الفاعلية الجيوثقافية" التي قد تتطلب في لحظة ما القيام بإجراءات جذرية لتحقيق "تحول جيوثقافي" ينقل أمة ما من تموضع أو مكانة استراتيجي إلى تموضع أو مكانة أخرى.

مؤسسات "السياسات العليا"
ولكي يتم ضبط السياسات العليا تلك في الدول ذات الصلة فنحن نتحدث عما يسميه البعض الـ"مؤسسات السيادية"، أو مؤسسات صنع واتخاذ القرار الاستراتيجي وفي تصور حاكم وعام للنظام السياسي السائد في بلد ما.
بداية يطرح المقال مفهوم بديل وهو مفهوم"مؤسسات السياسات العليا" وليس "مؤسسات السيادة"، فحقيقة هي ليست مؤسسات للسلطة المجردة أو المطلقة أو السيادة، بل هي مؤسسات ذات وظيفة محددة ومهام واضحة، وهي الاشتغال على المخطط طويل المدى للنظام السياسي للدولة، وتصورات إدارة موارده الكلية، وبناء تراتبه الاجتماعي ومعايير الترقي فيه، بما يجعلها في حقيقة الأمر منوطة بـ"السياسات العليا" في الدول الحديثة وتشتغل على مستوى الأساسات العميقة التي تضبط النسق القيمي لجماعة بشرية (وهو موضع اشتغال الدرس الثقافي عند تناوله وبحثه في السياسات العليا).
هذه المؤسسات نشأت في دول العالم الحديث تأثرا بالفكر الغربي للدولة المعاصرة، وتحديدا مع نشأة مفهوم "الأمن القومي" في أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، واستندت إلى مجموعة من المؤسسات التي تقوم بتبني السياسات العليا وتوزيعها على السياسات العامة وبناء التراتب الاجتماعي (شملت: أجهزة الأمن، والمخابرات، والجيوش النظامية، مراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة،...).
ولكن المأزق الوجودي لمعظم دول العالم النامي أو المتأخر حضاريا؛ أنهم استوردوا الشكل المؤسسي للدولة المعاصرة على مستوى السياسات العليا وأبنيته، دون فهم واستيعاب لمضمونه أو آلية عمله أو فلسفته العامة ومحدداته الحاكمة.
بداية تحولت أمريكا إلى مفهوم "الأمن القومي" مستبدلة مفهوم "الدفاع القومي" بعد الحرب العالمية الثانية، ذلك في تصورها لوجودها الاستراتيجي والانتشار الأمريكي وسياساته في العالم، سواء السياسات الخشنة أو الناعمة.. ووفق تطور في فهم المتغيرات الجديدة لما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما وصلت القوة الدفاعية أو الهجومية الخشنة لمستوى السلاح النووي، بما جعل القوة الخشنة خارج الحسابات التنفيذية في العلاقات الدولية، فنشأ مفهوم "الأمن القومي" لينقل الصراع إلى المستوى الناعم وتفكيك السرديات الكبرى الخاصة بكل من القوتين العظميتين في حينه، أمريكا والاتحاد السوفيتي.
لكن دول العالم الثالث التي تحررت حديثا في حينه من الاستعمار الأوربي القديم، حينما شرعت في بناء مؤسساتها السياسية اتبعت البناء الهيكلي الغربي ذاته، لكنها افتقدت لحيوية التجربة وقدرتها على التحول والتغيير، وهنا بيت الداء وموضع التعطل والانسداد.

الانقطاع السياسي ومأزق "التحول الجيوثقافي"
وأصبح هناك نموذج يمكن أن نسميه "الانقطاع السياسي" والوجود الصفري والبدء دوما من جديد دون تراكم واعتبار لما سبق. أي أن النظام السياسي افتقد القدرة على المرونة والحيوية للتعامل مع المتغيرات، وقُيدت مؤسسات "السياسات العليا" الخاصة به عن التفاعل مع المستجدات ومواكبتها بـ"سياسات" جديدة وفاعلة.
وحالة الانقطاع السياسي تلك أصبحت سمة سياسية لصيقة ببعض الدول النامية في مرحلة ما بعد الاستقلال عن الاحتلال الأوربي القديم، وصار هناك حالة من الانسداد السياسي الدائم دون قدرة على كسر تلك الدائرة المفرغة التي وقعت فيها تلك البلاد.
فإذا قال البعض إن منتصف القرن العشرين -وما بعد الحرب العالمية الثانية- شهد استقلال معظم دول العالم وتحررها من الاحتلال، وتأسيس دولة ما بعد الاستقلال، يمكن للبعض الآخر الرد عليه بأن دولة ما بعد الاستقلال في دول العالم الثالث (التي شملت الذات العربية وبلدانها) وقفت على مستوى "السياسات العليا" محلك سر، وتعذرت قدرتها على تجاوز التناقضات الهيكلية والجذرية التي صاحبت نشأتها، أو ما تسميه الدراسة القيام بـ"التحول الجيوثقافي" رغم ان هذه هي وظيفتها المركزية.
فأصبحنا نشهد دورات من الانسداد السياسي وحالة من "الانقطاع السياسي" المستمر، إذ تشهد الدولة نفسها نظام سياسي أقرب للنظام الرئاسي أي الذي يعتمد على سلطة مركزية لرئيس الدولة، ويستمر رئيس ما لفترة معينة ثم يستنفذ كل محاولات الاستمرار والبقاء لأطول فترة ممكنة حتى يصل الأمر لحالة الانسداد، فنصل للانقطاع السياسي وفق عدة أسباب تشمل: الوفاة المشكوك في حقيقتها (هل طبيعية أم مدبرة)، أو الاغتيال العلني، أو العزل الشعبي بعد انتفاضات جماهيرية، أو الانقلاب المؤسسي..
فيتعاقب على الدولة مجموعة من الرؤساء لكن دون تفعيل لروح "مؤسسات السياسات العليا" ودورها المهم، وقدرتها الوظيفية على التفاعل من المتغيرات فتصبح تللك المؤسسات في حالة من التيه والارتباك والعجز، تمنعها من أداء دورها الهيكلي لتقف على قدم المساواة مع نظيرتها الغربية والفلسفة العاملة بها، ولتطوير السياسات العليا مواكبة لطبيعة الحالة البشرية التي تتصف بالديمومة والاستمرارية والحركة الدائمة.


العرب ودولة ما بعد الاستقلال في القرن الـ21
مأزق "التحول الجيوثقافي" وتفجر التناقضات
ومن ثم أصبحت دولة ما بعد الاستقلال لدى الذات العربية مأزومة خاصة في قدرتها على تطوير مجال "السياسات العليا" والاشتغال الفاعل به، وتعقد وجودها الجيوسياسي في القرن العشرين ونهاياته لأن الغرب طور مفاهيم "الأمن القومي" لمستويات إدارة السرديات الثقافية وعلاقتها بالتمدد الجغرافي للسيطرة على جغرافيا العالم وموارده وممراته الحاكمة، بالاستناد إلى تكتيك رئيس وهو تكتيك "تفجير التناقضات" في مستودع هوية المجموعات الحضارية الأخرى، وخلق أطراف محلية لديها القابلية للاستلاب النفسي والمادي له، لتمارس تلك الأطراف دور الوكيل المحلي أو الإقليمي له.
ووفق النظرية التي طرحتها في كتابي عن "الجغرافيا الثقافية الرابطة"؛ عجزت مؤسسات السياسات العليا –أو قيدت وغلت يدها في حقيقة الأمر- لدى الذات العربية وبلدانها عن تطوير علاقتها بالمكون الثقافي، خاصة عندما تفكك المكون السياسي الذي ارتبط بمرحلة ما بعد الاستعمار بشكل ما، وأصبحت قدرتها على الحركة والاستجابة للمتغيرات الإقليمية والدولية شبه منعدمة، وتحديدا مع صعود الغضب الشعبي مع "ثورات الربيع العربي" وأخيرا مع حرب غزة وتبعاتها الإقليمية والدولية، وصولا للحظة التاريخية الراهنة.
لأن هناك مشكلة هيكلية أو بنائية في الشكل المؤسسي لدولة ما بعد الاستعمار في الوطن العربي، تقيد مؤسسات السياسات العليا من أن تقوم بدورها وتفاعلها الطبيعي كما في الدول الغربية المعاصرة -حيث نشأ الشكل المؤسسي الشائع للدول المعاصرة من الأساس-؛ وهي غياب التطور الطبيعي لعناصرها الأساسية التي تشمل التفكير الاستراتيجي القائم على نظريات ومنظرين يعبرون عنها (لابد أن تصل وظيفتهم في مرحلة ما إلى الوعي بعملية الانتقال أو التحول الجيوثقافي والاستباق به أو إليه)، ومن ثم تحولت إلى تراتب مؤسسي دون فلسفة محركة، وتحول النظام الرئاسي في دولة ما بعد الاستقلال إلى دورات من الانسداد تلو الأخرى..
وهنا ننتقل لمساحة الدرس الثقافي المقارن ونستحضر النموذج الروسي والنموذج الصيني في وظيفة مؤسسات السياسات العليا ودورها؛ حيث أنه بعد انهيار سردية الاتحاد السوفيتي وفكرة الشيوعية، وبعد فترة من الارتباك، استطاعت المؤسسات الروسية العاملة في قطاع "السياسات العليا" أن تقول بعملية "تحول جيوثقافي" وتتبنى سردية جديدة ومغايرة تماما وهي سردية "الأوراسية الجديدة" التي طرحها المفكر ألكسندر دوجين. وبالمثل تسببت السردية الصينية عن "الشيوعية ذات الخصائص الصينية" في انسدادات ومجاعات متتالية، حتى استطاعت مؤسسات السياسات العليا هناك تبني سردية جديدة ومغايرة تماما تقريبا، وهي سردية "الحزام والطريق" مع تبني سياسات اقتصادية ليبرالية وتصالح ما مع المكون الثقافي الصيني (الكونفشيوسية).

السياسات العليا والتحول الجيوثقافي
مأزق الذاتي والموضوعي
وهنا يمكن القول صراحة إن مشكلة دولة ما بعد الاستقلال في الوطن العربي، إنها حولت الشكل المؤسسي من المحددات الموضوعية التي يمكن لها أن تحقق الفعالية الجيوثقافية وتلتقي مع نظرية مثل التي قدمها كتابي في الجغرافيا الثقافية الرابطة، إلى شكل من الوجود الذاتي الذي عادة ما يصل لحالة الانسداد لأنه لا يحقق الفرز الطبيعي، ولا يتجاوز فكرة التنظيم الذاتي وسياقاته والتعالق النفسي.
بما يؤدي في نهاية المطاف لتحول النظام السياسي إلى حلقة مفرغة تدور حول شخص واحد/ رأس النظام، يفتقد البدائل المؤسسية الفعالة على مستوى "السياسات العليا" لأنها تفتقد لآلية الوعي بعملية "الانتقال الجيوثقافي"، أو في صحيح الأمر أن تلك المؤسسات كانت تتعرض دوما لعملية "انقطاع سياسي"، فلا يحدث لديها تراكم معرفي وتاريخي بضرورة عمليات "الانتقال الجيوثقافي" من مرحلة إلى أخرى، ولا يتم على مستوى الوعي التاريخي استدعاء نماذج قامت على فكرة الدعم المؤسسي، إنما هناك ذاكرة من التجارب الشخصية التي لم تنجح في التحول إلى شكل مؤسسي داعم، خلاف الغرب الذي يقدم رؤى وتصورات في السياسات العليا ونظرياتها، ويجتهد رأس النظام السياسي في تطبيقها وفق تكتيكات واستراتيجيات تعرض عليه من مراكز صنع السيناريوهات والسياسات العليا أيضا.
وتلك معضلة تفكك ما دار حوله الكثير من المفكرين العرب في تناوله لمشكلة الذات العربية، بين من يقول بفكرة الاستبداد، وبين من يقول بفكرة فساد العقلية العربية الإسلامية، ومن يقول بفساد فكرة "دولة ما بعد الاستقلال" ذاتها التي ارتبط بالقومية الاشتراكية، ومن يقول بهيمنة المؤسسة العسكرية على تلك الدولة...

لحظات "التحول الجيوثقافي" والوعي بها
فالحقيقة التي هي مركز النسق الثقافي وقيمه الحاكم لدولة ما بعد الاستقلال؛ أنها لم تقم على مؤسسات ذات توصيف وظيفي فعال على مستوى مؤسسات "السياسات العليا"، إنما تعرضت تلك المؤسسات باستمرار لحالة من الانقطاع السياسي بعد دورات متتالية من الانسداد السياسي، بسبب ترسخ تقليد/ نمط عربي مشوه أن مؤسسات "السياسات العليا" هي موضع لقرار رأس السلطة، بينما في النموذج الغربي للسياسات العليا هناك منظرون ومفكرون يقومون بعملية العبور أو "الانتقال الجيوثقافي" من مرحلة إلى أخرى، ويتحرك رأس السلطة في منطقة الاختيارات المفتوحة في كل مرحلة.
بينما قلب الأزمة الوجودية للذات العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال ودولتها؛ هي غياب المفكر الاستراتيجي القادر على مواجهة الأزمة بشجاعة، وتجاوز التناقضات والتراشق التقليدي القائم على إلقاء التبعية السياسية على هذا أو ذاك.
انتقل الغرب بسلاسة بين عدة تصورات رئيسة في تصوره للسياسات العليا في الدولة المعاصرة؛ من الجغرافيا السياسية ونظرياتها المتنوعة منذ نهاية القرن الـ19 (التي ارتبطت بفكرة الحضارة الغربية وتفوقها المادي والمثالي والعرقي)، وصولا لمفهوم الأمن القومي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والصراع على السرديات الأيديولوجية والمقومات الحضارية الشاملة، إلى الصراع على مستوى السرديات الثقافية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي نهاية القرن العشرين.
انتقل الغرب في سياساته العليا التي تحكم حركته في الجغرافيا العالمية والصراع عليها، وفق تصورات ثقافية مختلفة أو ما يمكن ان نسميه "الانتقال الجيوثقافي" بين ثلاثة مراحل رئيسة، هي نهاية القرن التاسع والحرب العالمية الأولى والثانية (نظريات الجيوبولتيك الأساسية عن القوة البحرية بداية، ثم القوة البرية وقلب العالم الأوراسي)، ثم ما بعد الحرب العالمية الثانية (نظرية الاحتواء وتمثلاتها ومنطقة إطار العالم وحواف القلب الأوراسي وأهميته)، ثم ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ونظريات الاستباق بالتمدد والصدام الحضاري والهيمنة الثقافية (الصهيونية الإبراهيمية، وأوكرانيا الديمقراطية الساعية للانضمام لحلف الأطلسي، وتايوان الليبرالية المستقلة التي ترفض الانضمام للصين الأم).
كل هذه المراحل من الانتقال الجيوثقافي للغرب؛ تمت عبر مفكرين وباحثين مدمجين في مؤسسات السياسة العليا، كانوا يمهدون ويضعون الرؤى والتصورات وكان القرار السياسي يختار من بينها ويتحقق من خلالها.
بينما الأزمة الهيكيلية في بناء مؤسسات السياسات العليا في البلدان العربية؛ أنها لم تأخذ الفرصة لتجعل وجودها وبنائها طبيعيا، فافتقدت لأهم وظائفها وفلسفاتها الوجودية التي تقوم على الدور المحوري لها، وهو استشراف التغيرات الكبرى وعمل "الانتقال الجيوثقافي" المطلوب، استنادا لوجود قطاع فكري وتنظري بها يقوم بهذا الدور.

المثقف والسياسات العليا
وأزمة التحول الجيوثقافي
لكي نضع أيدينا على مكان الجرح لدى الذات العربية في القرن الـ21؛ يمكن القول بكل وضوح أنها مشكلة مركبة ومتعددة الأطراف تقيد المحصلة الحضارية الكلية للذات العربية وسرديتها بمكونيها الناعم والخشن، فالعمل على محددات "الانتقال الجيوثقافي" لم تمكن منه "مؤسسات السياسات العليا"، ولم يكن نطاقا شائعا للدراسات العلمية والمعرفية في الأكاديمية العربية بطبيعة الحال التي كانت تخضح لتوجيه "مؤسسات السياسات العليا".
والأبرز أن منطقة "الانتقال الجيوثقافي" ظلت بعيدة كل البعد عن اهتمام المثقف العربي؛ لعدة أسباب منها أن المثقف العربي تأثر دوره بالسياق الغربي التقليدي الذي ركز على دور المثقف النقدي الذي ينشغل بالعموميات ويشتبك معها متمردا، دون اهتمام بطرخ البديل.
وكذلك انشغل المثقف العربي بفكرة الصوت العالي وأنه "معارض" على يسار السلطة؛ دون اهتمام كاف بفكرة "التأسيس وطرح البدائل"..
والأهم ارتباط تصور المثقف عند الكثيرين بفكرة الانتماء الأيديولجي؛ وأن المثقف هو شخص ينتصر لاختيار جاهز ومسبق، وليس عليه الانشغال بتأسيس اختيار جديد أو بديل جديد والعمل عليه.
كل ما سبق وخلافه؛ جعل المثقف العربي يدور حول فكرة النقد والصوت المرتفع والانشغال بالعمويات والاحتجاج والتمرد ورفض احتكار الفضاء السياسي أو ترسخ الاستبداد وآلياته، والتمسك بشعارات عامة تدور حول الديمقراطية والحرية والحقوق الأساسية، دون تركيز على التعمق في بناء النظام السياسي الأساسي، وتفكيك مكوناته إلى وحدات صغيرة بحثا عن موضع العطل والأزمة..
وبالتالي ظل المثقف العربي غير مهتم بالبحث في بنية النظان السياسي لدولة ما بعد الاستقلال؛ بقدر اهتمامه بنقده، أو الانتصار إليه عند بعضهم، أو الترويج لنظام بديل غربي يحظى بالترويج الفائق عالميا (يسارا أو يمينا).. وبالتالي لم ينشغل المثقف العربي بفكرة "السياسات العليا" ومؤسساتها سوى على مستوى النقد والوصف بالاستبداد أو غياب الديمقراطية وحرية التعبير، ولم يهتم بلحظات التحول التاريخي التي هي في حقيقتها لحظات للتحول أو "الانتقال الجيوثقافي" والبحث عن نظريات ورؤى لرصف طريق الذات العربية من خلالها للمستقبل.

مكونات الجماعة المصرية
وموقفها من "التحول الجيوثقافي"
هناك مشكلة وجودية تؤرق الجماعة المصرية ومكوناتها تجاه التحول الجيوثقافي ومتطلباته، وهذه المكونات المقصودة هي: النظام السياسي- المثقفين- الجماهير- السياسيين والأحزاب- الأكادميين والباحثين..
وهذه المشكلة نعيد صياعتها بأنه عند ظهور الحكم الذاتي (دولة ما بعد الاستقلال) بعد مئات السنين من الحكم الأجنبي المتصل –في المعظم- يرجعها البعض للمائة الرابعة قبل الميلاد، مع الاحتلال المقدوني/ الإغريقي والاسكندر الأكبر.. لم يأخذ الحكم الذاتي للمصريين الوقت الكافي ليستقر، وينتقل من الثورة إلى الدولة إلى المؤسسة والقدرة على التطور الذاتي، والأهم القدرة على القيام بـ"التحول الجيوثقافي" والوعي به وحتميته في اللحظات التاريخية المفصلية.
وهذه المشكلة رغم أنها ترتبط بالدولة المصرية و"سياساتها العليا" إلا أنها تنطبق على معظم مكونات الجماعة المصرية، وتسبب عجزا هيكليا واضحا ومكبلا يمنع مصر من بناء سردية جيوثقافية مواكبة للحظة التاريخية الراهنة، ويسبب عجزا مفصليا في الوعي بأهمية حدوث "التحول الجيوثقافي"، ويجعل البلاد منذ لحظة ما بعد الاستقلال والثورة على الحكم الأجنبي (أسرة محمد علي) تدور في حلقة مفرغة من الانسداد السياسي المصخوب دوما بانقطاع سياسي، وعجز عن القيام بـ"تحول جيوثقافي" يواكب السرديات الدولية المعاصرة وتحولاتها في القرن الـ20 والـ21، مما يجعل البلاد بكل أسف تدور في حلقة مفرغة وغير مأهلة للتحول الجيوثقافي –بالمعطيات الحالية-، وعرضة مستمرة للتراجع والتهميش العالمي.
لدينا أزمة في "النظام السياسي" المعاصر، مرجعها أن "السياسات العليا" التي هي قلب الدولة الحديثة وجوهرها لا تقوم بوظفيتها المركزية، وهي استشراف التحولات الجيوثقافية وسردياتها والقيام بعملية "تحول جيوثقافي" استباقي، لتكون مصر على قدر اللحظة التاريخية الراهنة في القرن الـ21، ودون "توصيف وظيفي" جرئ لتلك "السياسات العليا" ومؤسساتها المصرية لا أمل حقيقي في أن تصل مصر لمكانتها التي تتفق مع مخزونها الحضاري، لأن دولة ما بعد الاستقلال الأولى مع تنظيم الضباط الأحرار، لم تأخذ فرصتها كاملة في التحول للشكل المؤسسي، ولم يتم الفصل بين "السياسات العليا" ومؤسساتها وبين النظام السياسي حتى هذه اللحظة، ونعيش في حلقة مفرغة تتكرر مع كل نظام سياسي يدمج بين وجوده وبين مؤسسات السياسات العليا، ومع انسداد كل نظام سياسي وحدوث انقطاع سياسي، نبدأ من الصفر مورطين "مؤسسات السياسات العليا" مع نظام جديد لا يختلف عن سابقه سوى في الاسم فقط.
هناك وظيفة غير مفعلة في مؤسسات السياسات العليا وهي الوعي بالتحولات الجيوثقافية وسردياتها، والتأسيس لوجود مصري فاعل وفق "تحول جيوثقافي" مواكب، والفصل بين "النظام السياسي" وبين مؤسسات السياسات العليا.
لن يكون هناك ازدهار جيوثقافي في ظل حالة "التدوير السياسي" للحظة ما بعد الاستقلال، وتحويل كل نظام سياسي جديد إلى مأزق وجودي يسحب من رصيد الجماعة المصرية العامة، يستمر في "إعادة تدوير" نفسه ورجاله المقربين، حتى يصل إلى العحز والانسداد، ثم الانقطاع السياسي، ثم نبدأ دورة جديدة من الفعل نفسه مع نظام سياسي جديد! وكأن الجماعة المصرية تعيش حالة وجودية عبثية!
أزمة السردية المصرية المعاصرة ليست شخصية أبدا؛ ليست خطأ تنظيم الضباط الأحرار وسعيه لتحرير البلاد من الحكم الأجنبي، لكنه لم يأخذا الفرصة الكاملة لبناء مؤسسات دولة تفصل بين السياسات العليا والسياسات العامة، ويضبط معايير الدمج والتصعيد الاجتماعي والفرز الطبيعي.
وليست أزمة أسماء سواء اختلفت مع سياساتها العامة أو اتفقت (عبد الناصر- السادات- مبارك- السيسي)؛ بل هي أزمة هيكل مؤسسي لم يستقر ولم يتم وضع توصيفه الوظيفي بحيث يتم الفصل الحقيقي بين أدوار ذلك الهيكل المؤسسي، ولا نقع في حالة الشخصنة والذاتية، لأنه في حقيقة الأمر البناء المؤسسي المصري الحالي سوف يحول أي اسم يتولى رأس البناء السياسي إلى حالة من الشخصنة والذاتية، لأن الأدوار الوظيفية لم تستقر منذ لحظة عام 1952م ونحتاج لوقفة تاريخية قبل أن نكرر ما سبق، ونختبر ما تم اختباره مجددا سواء بعد عام او عشرة او عشرين.
مؤسسات السياسات العليا في مصر مسئولة عن إقرار السياسات العامة؛ وعن القيام قبل ذلك بوضع الخطوط العامة لإدارة الموارد الكلية وفق طبيعة "الجغرافيا الاقتصادية" وتنوعها، لكنها مقيدة وفق توصيفها الوظيفي غير المكتمل عن القيام بذلك، من ثم العجز في دولة ما بعد الاستقرار في مصر يرجع لمشكلة في السياسات العليا وتوصيفها الوظيفي.
أما المثقفين المصريين فهم –كما أسلفنا- ليسوا بأحسن حالا؛ مفهوم المثقف الذي ساد في مصر والوطن العربي ارتبط بفكرة المثقف العمومي النقدي صاحب الصوت المرتفع؛ ولم يرتبط بفكرة المثقف التأسيسي الذي يطرح البدائل ويفكك بناء السلطة المؤسسية ويحدد مواطن الضعف ويطرح البدائل، بل في علاقة المثقف المصري بالسلطة نجده عامة يميل لفكرة المقولات التعميمية والعمومية، مثل: المثقف على يسار السلطة، والبلاد تعاني من الاستبداد وغياب الديمقراطية. ويروج بعضهم لأشكال بديلة جاهزة تمثل إرث الأيدولوجيا المتعالقة ثقافيا مع الغرب سواء في أشكال ليبرالية أو ماركسية، لكن المثقف المصري الشائع أو العمومي لم ينشغل كثيرا بدراسة البنية الهيكلية، ناهيك عن "مؤسسات السياسات العليا" وأدوارها.
وعلى مستوى السياسيين الحزبيين؛ نشأت تجربة الأحزاب المصرية في سياق الفضاء السياسي الموجود بالفعل، ولم تهتم ببنيتها التنظيمية الحزبية بالاشتغال على مؤسسات الدولة السياسية، بقدر ما انشغلت بمساة العمل السياسي والنيابي والبرلماني.
والجماهير العريضة في مصر؛ لديها إرث حضاري قوي وراسخ من التعامل مع المتغيرات والتكيف معها، تدرك مساحة الأزمة وتتحدث في مظاهرها وتستنكر مسارات الانسداد وتعلم مآلاتها، لكنها مع خبرتها وتجربتها الحضارية الموروثة لا تملك حلولا ولا مساحة للتحاور مع مؤسسات السياسات العليا وسردياتها، سوى عبر الانتفاضات الشعبية كلما تخطت الأمور المدى، أو ظهر مؤشر على الانسداد السياسي.
والبحث العلمي والأكاديمي؛ يخضع لـ"سياسة عامة" يتم إقرارها في مؤسسات "السياسات العليا" لمجالات عمله واهتماماته، فلا يجد الفرصة ولا الدعم والمساحة للاقتراب من هذه المنطقة، وينشغل بعضهم في المجالات التي تفتحها "السياسة العلمية العامة" بإقرار من مؤسسات السياسات العليا، خاصة في مجال العلوم السياسية التي يتم توجيهها وتوظيفها نحو الدعم السياسي الدعائي وقليلا ما اهتم القطاع العلمي والأكاديمي بفكرة السيناريوهات المستقبلية وبدائلها، ناهيك عن إمكانية اشتغاله على بينة النظام السياسي نفسه، وعلى "مؤسسات السياسات العليا" ذاتها.

المستقبل وامكانية استباق "دورة الانسداد السياسي"
مع سرد هذ الواقع السياسي وتفكيك بنيته ومكوناته وأسبابه ومركز القيم الخاص به ونقطة بناء نموذجه التاريخي؛ التي تكمن في تعطيل الدور الوظيفي لمؤسسات السياسات العليا عن الوعي بمتطلبات "التحول الجيوثقافي" والقيام بها، وعجز الجماعة المصرية بمعظم مكناتها السياسية الرسمية المؤسساتية، وقطاع المثقفين، وقطاع السياسيين، وقطاع الجماهير، وقطاع الأكادميين والباحثين.. يمكن أن نطرح السؤال: هل من وسيلة لكسر حالة العجز المصري عن القيام بتحول جيوثقافي مواكب للراهن الدولي؟
والإجابة ترتبط بالوعي أن السردية الجيوثقافية الكبرى لجماعة ما ترتبط في حقيقة الأمر بفكرة سياسية تحظى بالقبول الداخلي، وتحقق "المشترك الثقافي" لتلك الجماعة في فضائها الجغرافي التاريخي المحيط بها، مع القدرة على إدارة مواردها وبناء قوة خشنة تتناسب مع حجم التحديات التي تطرحها السرديات المنافسة الإقليمية والدولية.
ولكي تحقق مصر ذلك سيمر الأمر بثلاثة سيناريوهات؛ السيناريو الأول أن يملك نظام سياسي ما الوعي بأزمة الدولة المصرية التاريخية منذ لحظة ما بعد الاستقلال، ويبدأ في القيام بـ"تحول جيوثقافي" مواكب للمتغيرات الدولية، ويحرر "مؤسسات السياسات العليا" ويفعل توصيفها الوظيفي، ويكون قادرا على دفع الثمن السياسي ويكون المجتمع بالوعي الكافي لقبول هذ المسار.
والسيناريو الثاني، هو استمرار الوضع على ما هو عليه وفي هذه الحالة لن تحقق مصر شرط "التحول الجيوثقافي"، وسوف نستمر في حالة "الاستهلاك المحلي" والتدافع الصفري، بين مكونات الجماعة المصرية التي يذهب بعضها قوة بعضه، وسوف تستمر مصر دون مكانتها التاريخية التي تستحقها بين الأمم.
السيناريو الثالث، وهو ضغط الضرورة التاريخية أي أن الواقع سيفرض على المؤسسات ذات الصلة ضرورة التحول الجيوثقافي كشرط للبقاء، ولن يبقى هذا الاختيار ترفا فكريا محتملا وغائبا، فيتم اكتساب التوصيف الوظيفي والدور وفق واقع الحال وضرورة الاستجابة للمتغيرات الخارجية وكبح جماح التناقضات الداخلية الذاتية.

إجمالا؛ قدم هذا المقال تشريحاً بنيوياً لأزمة "دولة ما بعد الاستقلال" في مصر والوطن العربي، مستنداً إلى أطروحة كتابي "نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة"، ويمكن تلخيص جوهر المقال في النقاط الخمس التالية:
التمييز الوظيفي بين "السياسات العليا" و"السياسات العامة"، يرى المقال أن مأزق الدولة يكمن في الخلط بين إدارة الشأن اليومي الخدمي (السياسات العامة) وبين صياغة الوجود الاستراتيجي والهوية الحضارية (السياسات العليا). فبينما استقرت الهياكل الإدارية، ظلت "مؤسسات السياسات العليا" تعاني من عدم تفعيل توصيفها الوظيفي وفق فلسفة قادرة على صياغة سردية للنجاة في القرن الـ21.
عقدة "الانقطاع السياسي" والدورات الصفرية، يشخص المقال حالة "الانقطاع السياسي" التي تعاني منها الجماعة المصرية؛ حيث يؤدي غياب المأسسة الحقيقية للسياسات العليا إلى تحول النظم السياسية إلى حلقات مفرغة من "الانسداد" الذي ينتهي بانهيار النظام والبدء من الصفر، دون تراكم معرفي أو تاريخي يحمي الدولة من التراجع، ويخلط بين مؤسسات الدولة وبين النظام السياسي ويحافظ على مسافة فاصلة مع الجماعة المصرية.
حتمية "التحول الجيوثقافي"، يطرح المقال ضرورة الانتقال من جيوسياسي القرن العشرين (القائم على صراع الحدود والموازنات الصلبة) إلى "جيوثقافي القرن الحادي والعشرين" (القائم على السيادة المعرفية وإدارة السرديات الثقافية)، هذا التحول يتطلب توصيفا وظيفيا جديدا لـ"المفكر الاستراتيجي" في قلب مؤسسات السياسات العليا، كما هو الحال في النماذج الدولية الغربية والشرقية.
نقد الذات (المثقف والأكاديمية)، يوجه المقال نقداً حاداً لنمط "المثقف النقدي" التقليدي الذي انشغل بالاحتجاج والشعارات العمومية دون تقديم بدائل تأسيسية، كما يشير إلى قصور البحث الأكاديمي الموجه، مما خلق فجوة بين "الفكر" وبين "هياكل صنع القرار السيادي".
سيناريوهات المستقبل (الوعي أو التهميش أو ضرورة التغيير)، يضع المقال الدولة أمام ثلاثة خيارات: الأول: ثورة إدارية وفكرية من داخل مؤسسات السياسات العليا تتبنى "التحول الجيوثقافي" وتفصل بين "النظام السياسي" المتغير وبقاء "الدولة" المستمر ومتطلباته. الثاني: الاستمرار في حالة "إعادة تدوير" المأزق الشخصي والذاتي، مما يعرض الدولة لمزيد من التهميش الإقليمي والدولي وتآكل القوة الناعمة والصلبة معاً. الثالث وهو (ضغط الضرورة التاريخية)، أي أن الواقع سيفرض على المؤسسات التحول الجيوثقافي كشرط موضوعي للبقاء يحتم تجاوز المتغير الذاتي.

خاتمة:
لكن يبقى الأمل رغم كل شيء في سيناريو أمثل وحالم، بأن نعي جميعا وندرك سويا -ونحن الجماعة المصرية بكافة مكوناتها- ضرورات المرحلة للقيام بـ"التحول الجيوثقافي" ونتجاوز عن الذاتي؛ وننتقل بإرادة واعية للموضوعي أو ما أسميته في مقال سابق "التحول الطوعي لدولة ما بعد الاستقلال".(1)، لنكون على قدر التحديات الوجودية والحضارية الملحة، ونقف في وجه التمدد الصهيوني والأمريكي ونشكل اختيار عالميا جديدا أسميته في كتابي "الكتلة الجيوثقافية الثالثة"...
ويبقى الأمل..



هامش:
- انظر
حاتم الجوهري، رؤية فكرية للحوار الوطني: الفرصة البديلة للتحول الطوعي لدولة ما بعد الاستقلال، موقع الحوار المتمدن، 6/6/2022م
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=758453



#حاتم_الجوهرى (هاشتاغ)       Hatem_Elgoharey#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تصبح مصر دولة الممانعة الوحيدة!
- النظام الدولي: مأزق الوستفالية والحضارة المطلقة
- الصدام الحضاري وإسرائيل: من أثينا الليبرالية إلى اسبرطه
- تجمع الدول الست من أجل غزة: مقاربة في الإسناد السياسي
- التوازن الناعم والخشن في مواجهة سيناء: مقاربة جديدة
- جيوثقافية الشرق المأزوم: بين المثقف العمومي والمثقف التأسيسي
- الممثل الرئاسي لشئون مساعدات غزة وإدارتها
- متغيرات استراتيجية.. وضعف عربي في الاستجابة
- في ذكرى ميلاد مؤسس الصهيونية الماركسية
- الشرق الأوسط الجديد: النووي والوزن النسبي ولماذا ضَربتْ إسرا ...
- زيارة ترامب إعلان غير رسمي للشرق الأوسط الجديد
- الجماعة المصرية: جدل الأمن القومي والمشترك الجيوثقافي العام
- زيارة ماكرون: أوربا ترد على ترامب في ملف فلسطين
- مصر وجدل الاستراتيجية والمعرفة: الدروس الجيوثقافية لمآلات حر ...
- الحداثة الأبدية قراءة نقدية مقارنة للمشروع الغربي
- مصر والاستراتيجية زيرو: تدافع الموانع والممكنات
- هل خسرت المقاومة أم تخاذلت الحاضنة العربية الإسلامية!
- السودان ومصر: إلى أين، سيصل كل منا على حده!
- النمط العسكري للاحتلال: التصعيد ثم التوزان واحتمال اشتعال ال ...
- حروب اليوم وعالم الغد: بين الجيوحضاري والجيوسياسي والجيوثقاف ...


المزيد.....




- أرامل داعش في مخيم روج.. حلم بالعودة للوطن وبدء حياة جديدة
- تقرير: واشنطن بصدد سحب كامل قواتها من سوريا في غضون شهر
- إيران.. احتجاجات بالجامعات ورسائل للطلبة عبر الهاتف ونفي است ...
- صحف عالمية: أوروبا تشكك في جدوى الضغط العسكري على إيران
- مسلسل -الست موناليزا- يتصدر المشاهدات.. جدل واسع وانقسام جما ...
- قصة صادمة تهز مصر: مهندسة طاقة ذرية في الشارع بلا مأوى
- السلطة الفلسطينية: مستعدون لتولي الحكم والأمن في غزة بدعم عر ...
- -ما وراء الخبر- يتناول تعقيدات ترشيح المالكي والضغط الأمريكي ...
- السيسي ومحمد بن سلمان يبحثان التطورات الإقليمية
- واشنطن تسحب موظفين من سفارتها بلبنان وتحذر من السفر


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - حاتم الجوهرى - مأزق السردية الجيوثقافية: دور السياسات العليا والعامة