|
التوازن الناعم والخشن في مواجهة سيناء: مقاربة جديدة
حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)
الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 20:13
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
ونحن على مطلع شهر سبتمبر 2025م تقارب حرب غزة بعد عملية "طوفان الأقصى" عامها الثاني إلا شهرا الآن.. وأصبح تركيز دولة الاحتلال على الجبهة المصرية منذ فترة طويلة، ساعية بدعم معلن وعلني من دونالد ترامب الثاني (أي في ولايته الثانية) لتهجير سكان قطاع غزة المحاصر والذي يتعرض لحرب إبادة وتجويع، إلى سيناء المصرية. (إشكالية رد الفعل المصري) ولكي ندخل مباشرة في موضوع المقالة؛ فإن المشكلة التي سوف نطرحها في هذه المقالة العلمية هي رد الفعل المصري تجاه الاستهداف الصهيوني للجبهة المصرية في حرب غزة، ومدى مناسبته للفعل أو الخطوات السياسية والعسكرية الصهيونية. والإشكالية المرتبطة بالمشكلة نفسها ستكون التردد أو الحيرة في "رد الفعل" المصري ما بين وجهة نظر قديمة تعيش في "خيار السلام الاستراتيجي" وتبعاته التي فرضت نفسها على الاستراتيجية العامة للدولة المصرية بل والجماعة المصرية بشكل عام وسرديتها الكبرى جراء السياسات العامة المرتبطة بذلك، وبين وجهة نظر بديلة ترى أن "خيار السلام الاستراتيجي" كان مرحلة في الفكر الصهيوني والأمريكي انتهت مع سقوط الاتحاد السوفيتي، وأن أمريكا وإسرائيل يسيطر عليهما الآن خيار إستراتيجي آخر وهو "الصدام الحضاري"، والتوسع والتمدد تجاه المحيط العربي وجغرافيته ومن ضمنه الجبهة المصرية.
المتغير المطروح: غياب الحسم وظهور البديل وسوف تفترض مقالتنا العلمية أن العامل المتغير الذي يسيطر على وجهة النظر المصرية تجاه المواجهة في سيناء، هو غياب الحسم السياسي ووضوح البديل تجاه "إسرائيل" وأمريكا، وأن هذا الغياب أدى إلى اللجوء لنقل المواجهة إلى المسار العسكري وتحميله المسئولية السياسية، أو تصديره ليقوم بإرسال رسائل سياسية كان يجب أن يقوم بها الخطاب السياسي لوزارة الخارجية المصرية مثلا. أما النمط المستقبلي البديل الذي ستطرحه المقالة استشرافا لحل تلك الإشكالية وموضوع رد الفعل المصري ومحدداته في مواجهة سيناء، فسيكون تبني استراتيجة جيوثقافية جديدة تقوم على "الصعود والتمايز" الجيوثقافي وتمثل في طرح مقترح بخطاب سياسي جديد وغجراءات سياسية جديدة في مواجهة أمريكا وإسرائيل عموما، وفي ملف المواجهة في سيناء وموضع التهجير على وجه الخصوص.. مع عدم التخفيف أبدا من الاستعداد العسكرى ورفع مستوى الحشد، وتنويع الاختيارات الممكن عرضها أمام متخذ القرار (وتنويع الاختيارات هنا لا يعني تنويع مصادر التسليح، بل يعني تنويع الاختيارات والحلول العسكرية المتعددة والممكن تطبيقها، مثلا ما بين تكتيكات الجيوش النظامية وتكتيكات الجماعات الصغيرة، تكتيكات الحروب الخاطفة وتكتيكات جماعات الاستنزاف الطويل، تكتيكات الدفاع وتلقي الضربة الأولى وتكتيكات الاستباق وتحديد نقاط الاستهداف، تكتيكات التحالف الطويل وتكتيكات فك التحالف الطويل والتحول للحالة العدائية فجأة، .....).
أولا: الخلفية التاريخية (ألفيتين من الحكم غير الوطني وسردية التحرر والاستقلال الأولى) مرت مصر المعاصرة بسرديتين كبريتين منذ التحول للجمهورية مع ثورة عام 1952م، السردية الأولى هي سردية "التحرر والاستقلال" عن الاستعمار الغربي، والتي أسست لدولة ما بعد الاستقلال عن الاحتلال الأجنبي في مصر وساهمت في دعم كل حركات التحرر الوطني في كافة ربوع العالم، وفي الوطن العربي وأفريقيا تحديدا، وارتبطت بمشروع القومية العربية ووجهها الاقتصادي الاشتراكي وطابعها التحرري عموما، وهي الفترة التي شهدت عودة الحكم الوطني للمصريين لبلادهم للمرة الأولى (مع تنظيم جيش المصري المعروف بتنظيم الضباط الأحرار) منذ احتلال الفرس الثاني لمصر عام 343 ميلاديه تقريبا، حيث تبعهم احتلال الإسكندر المقدوني لمصر عام 332م ثم دولة البطالمة المقدونيين في مصر (نشأت على يد أحد قادة جيش الإسكندر ويدعى بطليموس الأول). وسقطت دولة البطالمة في عام 30 قبل الميلاد على يد الرومان (حكت حوالي 300عام)، واستمر الحكم الروماني والبيزنطي حتى 641م (حكمت حوالي 600 عام)، ثم فتح العرب المسلمون مصر في عهد الخلافة الإسلامية والخليفة عمر بن الخطاب (641م - 868م)، وأصبحت مصر ولاية تابعة للخلافة الإسلامية (الراشدية ثم الأموية ثم العباسية). ثم ظهرت دول عدة مستقلة اسميًا عن الخلافة العباسية، ولكنها كانت تحكم مصر فعليًا، وهي: الدولة الطولونية (868م - 905م)، الدولة الإخشيدية (935م - 969م). ثم ظهرت الدولة الفاطمية الشيعية (969م - 1171م) حيث احتلت مصر من قبل الفاطميين الذين جاءوا من المغرب العربي، ثم ظهرت الدولة الأيوبية (1171م - 1250م) التي أسسها صلاح الدين الأيوبي بعد إنهاء الحكم الفاطمي، ثم ظهرت دولة المماليك (1250م - 1517م) الذين حكموا مصر والشام لفترة طويلة بعد ضعف سلالة صلاح الدين الأيوبي. بعد ذلك ظهرت الدولة/ الخلافة العثمانية (1517م - 1805م) بعد هزيمة للمماليك وأصبحت مصر ولاية تابعة للدولة العثمانية، وفي عام في عام 1805م تولى محمد علي المبعوث من جانب الدولة العثمانية حكم مصر بعد ثورتها على الاحتلال الفرنسي، لكن محمد علي تمرد على الدولة العثمانية وكون دولة سميت بالأسرة العلوية أو المحمدية العلوية (1805- 1952م) حوالي 150 عاما. وشمل الحكم العلوي فترة الولاية (1805 - 1867) التي بدأت مع محمد علي، واستمرت الولاية من بعد محمد علي مع أبنائه وأحفاده، مثل إبراهيم باشا، وعباس حلمي الأول، ومحمد سعيد باشا، وإسماعيل باشا. وصولا إلى فترة الخديوية (1867 - 1914) عندما حصل إسماعيل باشا على لقب "خديوي" من السلطان العثماني عام 1867، مما منحه استقلالًا ذاتيًا أكبر في حكم مصر. ثم فترة السلطنة (1914 - 1922) بعد دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى ضد بريطانيا، أعلنت بريطانيا الحماية على مصر وأنهت التبعية الاسمية للعثمانيين، وتغير لقب الحاكم من "خديوي" إلى "سلطان"، وكان أول من حمل هذا اللقب هو حسين كامل، ثم خلفه فؤاد الأول. ثم فترة المملكة (1922 - 1953) حيث أعلنت بريطانيا استقلال مصر، وتغير لقب الحاكم من "سلطان" إلى "ملك" وأصبح فؤاد الأول أول ملك على مصر، ثم خلفه ابنه الملك فاروق. وانتهت هذه الفترة بقيام ثورة 23 يوليو عام 1952، التي أجبرت الملك فاروق على التنازل عن العرش لابنه الرضيع أحمد فؤاد الثاني، قبل أن يتم إعلان الجمهورية في عام 1953. أي اننا منذ عام 343م وحتى 1953 كنا في حكم أجنبي أو غير وطني متواصل على مصر أي حوالي 2266 سنة بالتمام والكمال، او ازيد من ألفيتين من الزمان.. حتى استعادة فكرة الحكم الوطني وبروز السردية المصرية الأولى للتحرر والحكم الذاتي بعد اكثر من ألفين عام من الحكم الأجنبي. وهي سردية مصرية للغاية تختلف عن سرديات كل دول ما بعد الاستقلال عن الاحتلال الأوربي في العالم، لأنها تواكبت مع استعادة فكرة الحكم القائم على المصريين، بما يحمله من العديد من الأفكار المسكوت عنها التي تحتاج لتأسيس جديد وتصورات ومقاربات نظرية فاعلة تكسر المقاربات التقليدية التي تضعها في السياق التقليدة ولا تنظر لحالة مصر التاريخية. ووفق تصورات جديدة، منها أن الحكم الوطني لمصر واستعادته ارتبطت بظهور قوة منظمة مسلحة، وتحول تلك القوة لفكرة ضرورة الحكم الذاتي (الجيش المصري الذي يضم مصريين الذي خرج للوجود مع دولة محمد علي تدريجيا) مع تنظيم الضباط الأحرار وانقلابه على الحكم الملكي لأسرة محمد علي، بعد محاولة أولى للجنود المصريين النظاميين مع أحمد عرابي. ثانيا: السردية الثانية (سردية السلام والتحالف الاستراتيجي) ستتعرض سردية التحرر والاستقلال الأولى للأزمة والتكسر على يد الذراع الطويل للغرب الذي تركته في المنطقة أي "إسرائيل" عام 1967م، وما عرف بنكسة عام 1967م، التي تسببت في شرخ الحلم المصري الجديد في حلته العربية القومية الاشتراكية من المحيط للخليج، فالسردية المصرية للتحرر والحكم الوطني بعد ألفيتين من الحكم الأجنبي ارتبط بها مشروع القومية العربية الاشتراكية، وارتبط بها مشروع عدم الانحياز، وفكرة البديل المغاير للمسألة الأوربية ومركزيتها ومتلازماتها الثقافية ما بين الرأسمالية أو المثالية المسيحية الأوربية، وما بين الشيوعية أو المادية العلمانية الأوربية (إرث الجدل والصراع اليوناني القديم بين المثالية والمادية). وستتمثل هذه السردية الثانية في فكرة "السلام والتحالف الاستراتيجي" أي السلام مع المشروع الصهيوني ودولته والتحالف مع القائد الجديد للغرب أي أمريكا التي رعت في الوقت نفسه عملية السلام. وسوف تتبدى تلك السردية الجديدة في تجسدات عدة؛ اقتصاديا ستتمثل في التحول من الاقتصاد الاشتراكي إلى الاقتصاد الرأسمالي الهش القائم على الاستيراد وخصخصة الشركات العامة وبيعها، في فترة التسعينيات، ثقافيا ستتمثل في تبني أفكار ما بعد الحداثة عن نهاية السرديات الكبرى، وستبرز الأزمة الثقافية أكثر مع ظهور مشروع العولمة وغياب رد الفعل المصري الثقافي تجاهها. وعلى المستوى السياسي ستتمدد "إسرائيل" في الفضاء الجيوثقافي المصري في البلدان العربية، وأفريقيا في الاتحاد الأفريقي وفي منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل، وفي ملفات بعينها مثل انفصال السودان تحول أرتيريا عن الانضمام لجامعة الدول العربية، تدويل منطقة باب المندب وظهور قواعد عسكرية عدة فيها لدول أجنبية.. واستراتيجيا تبنت مصر فكرة "الحد الأدنى" وزاد نفوذ اللوبي القائم على المصريين التابع لأمريكا داخل البلاد، الذين يقدمون سردية عجيبة ومشوهة يتحدثون عن الليبرالية والسلام والوطنية! ويغمضون أعينهم عن واقع الصدام الحضاري ونظرياته التي تحكم أمريكا حاليا. وعلى المستوى المعرفي والعلمي انتقلت فكرة "الحد الأدنى" هذه للرقابة على الخطوط العامة للأكاديمية المصرية من قبل بعض أجهزة الدولة الأمنية، خاصة في الدراسات الإنسانية والثقافية التي تم تسطيحها تماما وتم فرز عناصرها لاختيار الأضعف أو الأكثر قدرة على الميوعة القيمية والأخلاقية ليقبل بفكرة "الحد الأدنى"، وسردية السلام والتحالف بمعناها الذي يعني قبول هيمنة السردية الأمريكية والإسرائيلية، وترديد ان ذلك هو الاختيار الاستراتيجي الأنجح! حقيقة مصر لم تتأزم في ثورة 25 يناير 2011م بل مصر كانت في تلك الوجهة الاستراتيجية من زمن طويل، وأن السبب الحقيقي للثورة واستجابة الناس لها –أيا كانت الروايات التي يرددها البعض عن بعض الأسماء التي تصدرتها ودوافعهم وخلفياتهم- هو أن السردية المصرية لـ"السلام والتحالف الاستراتيجي" وصلت لنهاية قدرتها في الحفاظ على التناقضات الداخلية. ولكن البعض لا يريد أن يعترف بذلك صراحة ولكن يقدم رؤى وتفصيلات صغيرة للمشاكل التي تحدث في مصر، لأننا لا نملك شجاعة الاعتراف بالتأزم والانسداد والبحث عن البديل، بل يقوم البعض بالربط بين سردية "السلام والتحالف الاستراتيجي" وبين سردية الوطنية ودولة ما بعد الاستقلال والنظام الجمهوري في مصر! بينما العكس هو الصحيح حيث نشأت تلك السردية على أساس "التحرر والاستقلال".
أزمة حرب 7 أكتوبر والجبهة المصرية: فيما يخص تفاصيل الاستجابة المصرية لما يحدث في حرب غزة، وقبلها ما يحدث في حوض النيل واتفاقية سد النهضة وغيرهما، الأزمة إن البعض ينظر لذلك بغض النظر عن الاستراتيجية والمحددات التاريخية التي تحكم البلاد، ولا يدرك انه لا يمكن لخطط تكتيكية مهما كانت عبقريتها أن تنجح دون مواجهة الواقع الصادم بأن سردية "السلام والتحالف الاستراتيجي" ضاغطة ومهيمنة، بمعنى أن المدخلات التي تمارس بها الدولة المصرية عملية وجودها السيادي محكومة ومقيدة بهذه السردية، وهي بيت الداء. تخللت حرب غزة بعد عملية طوفان الأقصى مواقف عدة تطلبت على المستوى السياسي ردود فعل سياسية مغايرة تماما، لكن القرار المصري على المستوى السياسي كان محكوما بالفضاء الجيوثقافي الضعيف العام لسردية "السلام والتحالف الاستراتيجي"، وهذا ليس عيبا في القرار السياسي المصري ذاته أو من يتخذه، ولكن العيب في أن سردية "السلام والتحالف الاستراتيجي" هي سردية انتهت صلاحيتها وتجاوزها الطرف الآخر تماما أي أمريكا وإسرائيل، وأصبحت قيدا حديديا يكبل مصر. في مرحلة ما قبل دخول رفح من الجانب الفلسطيني وسيطرة جيش الاحتلال على محور صلاح الدين/ فيلادلفي؛ طالب البعض برفع مستوى الاستجابة السياسية المصرية والعسكرية عند انتقال جيش الاحتلال للجبهة المصرية واستهداف السيطرة عليها، لكن مشكلة متخذ القرار حينها أن الاستراتيجية الكبرى الحاكمة لمصر عموما لم تكن قادرة على مساعدته في دعم مثل هذا التوجه، لا على مستوى التجهيز العسكري ولا على مستوى التصورات السياسية أو القوة الناعمة وقدرتها على العمل الدبلوماسي وبدائله في الفضاء السياسي الخارجي متعدد الطبقات والمستويات والحضور.
دونالد ترامب الثاني: الصدمة وجها لوجه إنما وصلت الأزمة لذروتها مع نجاح دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية وولايته الثانية، حينما أعلن صراحة تخليه عن سردية السلام والتحالف الاستراتيجي، ودعم الاستيلاء على غزة وتهجير أو طرد أهل غزة إلى سيناء المصرية، وعاد إلى تكتيكاته القديمة في الربط بين ملف سد النهضة وملف صفقة القرن المعلة لتهجير أهل غزة، والتي بح صوت البعض في الإشارة لها في ولايته الأولى دون جدوى. وأصبح الطريق منسدا في لحظة معينة، هي تمسك الخطاب والسردية الأمريكية والإسرائيلية بمشروع التهجير، وتكرار هذا الأمر بطرق عدة كلما أثبت طرق ما فشلها، وأصبح الخطاب السياسي المصري عاجزا عن الاستجابة وتقديم رد فعل على القدر نفسه، ليس لعيب في القرار السياسي وليس في متخذ القرار، إنما لأنه بالفعل يقوم على ماكينة سياسية ضخمة داخليا وخارجيا يحكمها سردية ماتت وانتهت، وهجرها الطرف الآخر تماما أي سردية "السلام والتحالف الاستراتيجي". ولم يعد من سبيل آخر سوى اللجوء للمستوى الخشن والقوة العسكرية نتيجة لعجز الخطاب السياسي أو القوة الناعمة، وهنا ذروة الخطر الذي تشير له هذه المقالة وفرضيتها التي تفسر تردد وعجز القرار السياسي المصري تجاه المواجهة في سيناء، هو غياب الحسم السياسي ووضوح البديل تجاه "إسرائيل" وأمريكا، وأن هذا الغياب أدى إلى اللجوء لنقل المواجهة إلى المسار العسكري وتحميله المسئولية السياسية، أو تصديره ليقوم بإرسال رسائل سياسية كان يجب أن يقوم بها الخطاب السياسي لوزارة الخارجية المصرية مثلا. وهذا هو نمط شديد الخطوة لأن الدول التي تواجه انسداد سرديتها الاستراتيجية، تعرضت لأزمة في المكانة اضطرت معها للجوء للقوة الخشنة لتعويض أزمة المكانة هذه، ويخبرنا التاريخ أن هذه آخر مراحل انكسار الدول وتفكك لحمتها أو المشترك الثقافي الجامع الذي يحوط بأهلها.
النمط البديل: سردية "التمايز والصعود الجيوثقافي" أما النمط المستقبلي البديل الذي ستطرحه المقالة استشرافا لحل تلك الإشكالية وموضوع رد الفعل المصري ومحدداته في مواجهة سيناء، فسيكون تبني استراتيجة جيوثقافية جديدة تقوم على "الصعود والتمايز" الجيوثقافي، وتتمثل تطبيقيا في طرح مقترح بخطاب سياسي جديد وإجراءات سياسية جديدة في مواجهة أمريكا وإسرائيل عموما، وفي ملف المواجهة في سيناء وموضع التهجير على وجه الخصوص. والأسس العامة طويلة الأجل لهذه السردية تشمل الاعتراف طبعا بالالتزامات السياسية للاتفاقيات الرسمية التي وقعت عليها الدولة المصرية، لكنها في الوقت نفسه سوف تشمل تغيير سياسة التعامل مع هذه الاتفاقيات ووضعها في حجمها الحقيقي، كي لا تصبح قيدا على مواكبة الجماعة المصرية لتطورات القرن الحادي والعشرين ونظريات الصدام الحضاري ومشروع الشرق الأوسط الجديد.. وحاليا في المواجهة حول سيناء وملف التهجير ستقدم سردية "التمايز والصعود الجيوثقافي" مجموعة من الإجراءات الممكنة. وهذه الإجراءات ستحتاج بالطبع لبنية استراتيجية مساندة قد تقوم على "فرق العمل" المؤقتة لحين دمج الاستراتيجية الجديدة في السياسات العامة لمؤسسات الدولة ذات الصلة. وهذه الإجراءات قد تشمل تقييد التعاون الاقتصادي تصاعديا (لأنه يرسل رسائل خاطئة ومرتبكة للغاية عن الاستراتيجية المصرية وجديتها، مثل الإعلان غير الموفق تماما عن صفقة الغاز الأخيرة)، وقد تشمل التصعيد السياسي والدبلوماسي سواء محليا (عبر أدوات مثل مؤتمر القاهرة للسلام)، أو إقليميا في المؤسسات والاتحادات القارية، أو في المؤسسات الأممية الدولية ونزع الغطاء السياسي والدبلوماسي الذي قدمته مصر لأمريكا وإسرائيل في المرحلة الماضية مع سريدة "السلام والتحالف الاستراتيجي". ولكن الأكثر جذرية أن هذه السردية الجديدة لـ"التمايز والصعود الجيوثقافي" ستتطلب حزمة من السياسات الداخلية لمواكبة فكرة التحول إلى القوة والتمايز عن أمريكا وإسرائيل والصعود إقليميا ودوليا، وبناء مشترك وطني جامع جديد وتجاوز الاستقطابات التاريخية والراهنة.
خاتمة: نهاية سردية وولادة أخرى لا يمكن لفعل أو مقترح تكتيكي أو قصير المدى أن ينجح في التصدي لضوابط استراتيجية مقيدة قائمة منذ زمن طويل وممتد، ولكن يمكن تغيير الضوابط الاستراتيجية لتقبل بالمستجدات التكتيكية ومتطلباتها شيئا فشيئا، ونحتاج بشدة لرفد الاستجابة السياسية تجاه متغيرات المواجهة في سيناء، وعدم الاعتماد على توظيف القوة الخشنة للرد على الخطوات السياسية الإسرائيلية والأمريكية. انتهت صلاحية سردية السلام والتحالف الاستراتيجي، وعدم الاعتراف بالحقيقة ومواجهتها سيعني التفكك والضعف والتآكل الداخلي والخارجي، وحقيقة لم تكن ثورة يناير في جوهرها –وبعيدا عن بعض الأسماء- التي استجاب لها الشعب خرقا للأمن القومي بل دفاعا عنه، ورسالة بأن سردية ما انتهت وفقدت صلاحيتها وأصبحت تهدد الأمن القومي المصري. إذا لم يحدث التصالح بين رغبة الشعب في سردية جديدة واستمر الربط بين السردية القديمة وبين الوطنية ووجود الدولة المصرية نفسها، فإن التآكل الجيوثقافي سوف يستمر ويضرب الجماعة المصرية دون توقف، حتى نصل إلى نقطة جديدة من التوافق والتصالح بين رغبة الشعب وبين السردية القديمة السائدة، لكن الكلفة الجيوثقافية ستكون ثقيلة كلما طالت المدة وطال الشقاق بين الموقفين، كما حدث في مرحلة ما بعد 2013 وحتى الآن. تمثل سردية "التمايز والصعود الجيوثقافي" مقترحا ممكنا لبناء "مشترك جامع" جديد يجتمع عليه الفرقاء، ويؤسس للحظة مفصلية جديدة من وجود حكم المصريين لبلادهم بعد ألفيتين وأزيد من حكم الأجانب، ويسعى لتقديم تعريف جديد وصهر القوة المنظمة الخشنة داخل النسيج العام للجماعة المصرية، وتجاوز سياقات التأسيس وتناقضاتها والعبور نحو المستقل بأفق جديد وآمل. كما لا يجب أن تٌفهم هذه المقاربة أبدا بأنها دعوة لتخفيف الاحتشاد العسكري وخفض مستواه، بل إنها تؤكد على أهمية زيادة مستوى الاحتشاد العسكري ورفع مستواه وتحالفاته على كافة الأصعدة ولأعلى درجة ممكنة، ولكنها تؤكد على خطورة الدفع به عند غياب البدائل السياسية الناعمة للاستراتيجية المصرية القائمة على سردية "السلام والتحالف الاستراتجي" والحد الأدنى، وإفلاس هذه السردية وعجزها عن الاستجابة، وترى ضرورة التمرد على تلك الاستراتيجية الخانقة وتبني استرتيجية جديدة وسردية جديدة أسمتها "سردية التمايز والصعود الجيوثقافي".
ويبقى الأمل ..
#حاتم_الجوهرى (هاشتاغ)
Hatem_Elgoharey#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جيوثقافية الشرق المأزوم: بين المثقف العمومي والمثقف التأسيسي
-
الممثل الرئاسي لشئون مساعدات غزة وإدارتها
-
متغيرات استراتيجية.. وضعف عربي في الاستجابة
-
في ذكرى ميلاد مؤسس الصهيونية الماركسية
-
الشرق الأوسط الجديد: النووي والوزن النسبي ولماذا ضَربتْ إسرا
...
-
زيارة ترامب إعلان غير رسمي للشرق الأوسط الجديد
-
الجماعة المصرية: جدل الأمن القومي والمشترك الجيوثقافي العام
-
زيارة ماكرون: أوربا ترد على ترامب في ملف فلسطين
-
مصر وجدل الاستراتيجية والمعرفة: الدروس الجيوثقافية لمآلات حر
...
-
الحداثة الأبدية قراءة نقدية مقارنة للمشروع الغربي
-
مصر والاستراتيجية زيرو: تدافع الموانع والممكنات
-
هل خسرت المقاومة أم تخاذلت الحاضنة العربية الإسلامية!
-
السودان ومصر: إلى أين، سيصل كل منا على حده!
-
النمط العسكري للاحتلال: التصعيد ثم التوزان واحتمال اشتعال ال
...
-
حروب اليوم وعالم الغد: بين الجيوحضاري والجيوسياسي والجيوثقاف
...
-
دور الإسناد الجيوثقافي في الحضور المصري بالصومال
-
استراتيجية الأمل: أي تجديد من أجل التجديد الثقافي العربي!
-
الوعي الجيوثقافي و دور الدبلوماسية الثقافية في رفد الدبلوماس
...
-
الثقافة بوصفها مشتركا مجتمعيا عند التحولات التاريخية
-
فوق صفيح ساخن: بيانان ثلاثيان ومذبحة ورد منتظر
المزيد.....
-
ترامب يعتزم إلغاء حوالي 5 مليارات دولار من المساعدات الخارجي
...
-
صورة مزعومة لـ-أحدث ظهور لبشار الأسد-.. ما صحتها؟
-
مسؤولون سابقون في إدارة بايدن: نتنياهو كان العقبة الرئيسية أ
...
-
المرصد السوري: قرابة 2000 قتيل في أحداث السويداء بينهم مدنيو
...
-
شاهد.. حالة كارثية لمعقل رايو فاليكانو قبل مواجهة برشلونة في
...
-
إلام تشير استعانة إسرائيل بروبوتات لتدمير أحياء غزة؟ الدويري
...
-
حرب روسيا وأوكرانيا.. هل عادت الأزمة إلى المربع الأول؟
-
لماذا تفشل نماذج الذكاء الاصطناعي في التحقق من الصور؟
-
دوريات صينية -جاهزة للقتال- قرب جزر متنازع عليها
-
هل تعرضت بياناتك على -باي بال- للتسريب؟
المزيد.....
-
النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط
/ محمد مراد
-
افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار
...
/ حاتم الجوهرى
-
الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن
/ مرزوق الحلالي
-
أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال
...
/ ياسر سعد السلوم
-
التّعاون وضبط النفس من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة
...
/ حامد فضل الله
-
إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية
/ حامد فضل الله
-
دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل
...
/ بشار سلوت
-
أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث
/ الاء ناصر باكير
-
اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم
/ علاء هادي الحطاب
المزيد.....
|