|
|
تحديات الإدارة الثقافية على مستوى السرديات الكبرى
حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 22:15
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
مدخل: تأتي هذه المقالة الفكرية بعنوان (تحديات الإدارة الثقافية على مستوى السرديات الكبرى: إطار نظري ودراسة حالة تطبيقية)، حاملة إطارا نظريا موضحا لفكرتها مع دراسة حالة تطبيقية تبرز صعوبات التطبيق وتحدياته، وبالاستناد المرجعي للأطر والتصورات العامة التي طرحتها في كتابي: "نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة".. وتنطلق المقالة من سؤال مركزي مفاده: هل يمكن استخدام آليات الإدارة الثقافية نفسها التي تجري في النطاق التقليدي والروتيني، على النطاق الأوسع في القرن الـ21 الذي يشمل بدائل السرديات الثقافية الكبرى وتدافعاتها الإقليمية والعالمية؟ وبالتبعية لماذا تعجز المؤسسات الثقافية على المستوى السردي عن الانتقال من تشخيص الأزمة إلى إنتاج بديل سردي كلي وجامع ؟ والفرضية التي ستنطلق منها المقالة أن الذات العربية تأخرت كثيرا في الاهتمام بموضوع السرديات الثقافية الكبرى وبدائلها، نظرا للإشكاليات المرتبطة بهذا النطاق شديدة التشعب والتداخل والتأثير، بينما حضرت وصعدت الكثير من السرديات الإقليمية المنافسة للذات العربية. مع التأكيد في الفرضية ذاتها على أن هذا التأخر لا يكمن في نقص الموارد أو ضعف الوعي بالمشكلة، بل في غياب القدرة والإرادة والابتكار العلمي لبناء وإدارة بدائل سردية جديدة. والنمط المستقبلي أو الإطار البديل الذي ستسعى المقالة لتقديمه للتصدي لموضوعها؛ سيكمن في اختبارها لمفهوم جديد يعيد تعريف مجال العمل في هذا النطاق من السياسات الثقافية، تحت اسم "الإدارة الجيوثقافية" بوصفه مفهوما ومقاربة وطريقة تفكير جديدة. من هذا المنطلق، تتناول المقالة موضوعاً شديد الأهمية يطرح مفهوماً استراتيجياً في السياسات الثقافية العليا، وهو مفهوم "الإدارة الجيوثقافية" أو الإدارة الثقافية على مستوى السرديات الكبرى وبدائلها للجماعات البشرية، والذي يتعلق بالإدارة الثقافية وحوكمتها وتحدياتها في نطاقات السياسات العليا وصنعها، فيما يخص بدائل السرديات الثقافية الكبرى للدول والجماعات البشرية، والتي قد تؤثر في مصيرها. والمقصود بالعلاقات الجيوثقافية هنا أي العلاقات التي تعتمد على العوامل الثقافية ووجهة نظرها وأثرها على احتمالية ترابط الجغرافيا التاريخية لجماعة ما أو تفككها، وهو المفهوم الذي قاربته بشكل ما في كتابي الأحدث: "نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة: من جيوسياسي القرن الـ20 إلى جيوثقافي القرن الـ21". فليست كل مجالات وتطبيقات الإدارة الثقافية تجري في نطاق المؤسسات الصغيرة أو المواقع الموزعة جغرافيا على امتداد القطر الواحد، أو حتى بناء السياسات الثقافية العامة في إطارها التقليدي، إنما واقع التدافع العالمي والذي تقع في القلب منه منطقتنا العربية الإسلامية، يحتم الاهتمام بمجال الإدارة الثقافية على مستوى السرديات الثقافية الكبرى (الإدارة الجيوثقافية) والقدرة على طرح بدائل تؤكد على التماسك والترابط في الجغرافيا الثقافية العربية في مواجهة السرديات الإقليمية البديلة والسرديات الدولية المهيمنة. أولا: الإطار المفاهيمي وتحديد أبعاده 1- تفكيك المفاهيم وربطها بداية إن تعريف السرديات الكبرى في السياق المعاصر يستوجب الإشارة السريعة إلى مفهوم السرديات الكبرى (Grand Narratives) الذي طرحه جان فرانسوا ليوتار وكيف تُشكل الوعي الجمعي، والتحول الذي طرأ عليها في عصر ما بعد الحداثة (تفتت السرديات). ثم استعادة المفهوم لثقله مرة أخرى مع ظهور مشروع الصدام الحضاري الأمريكي، والسرديات المضادة له من روسيا ومن الصين، واكتسابه معنى مقارب للروايات الكبرى التي تشكّل هوية أمة أو حضارة أو جماعة إنسانية. أما مفهوم الإدارة الجيوثقافية فيشير إلى كيفية الانتقال من الإدارة الثقافية بوصفها نطاق عمل تنفيذي/بيروقراطي إلى "فعل استراتيجي" يتعامل مع الهويات، القيم، والتوجهات الفكرية، والأنماط الحضارية وتدافعها في عالم القرن الـ 21. وعلى مستوى المصطلح المركب "الجيو-ثقافي" (Geo-cultural) فإن السابقة "جيو" (Geo) تأتي من الكلمة اليونانية القديمة (Gē) والتي تعني "الأرض" أو "الجغرافيا". والتي في السياق المعرفي الحديث لا تُشير إلى مجرد صخور وتضاريس صماء، بل تُشير إلى المجال، الفضاء الجغرافي، الحدود، والموقع الاستراتيجي. وارتبطت هذه السابقة تاريخياً بمصطلحات صلبة مثل "الجيوسياسي" (Geopolitics)، حيث تلعب الجغرافيا دور الحاكم في صراعات القوى الثروات، ومنافذ البحار، وموازين القوى العسكرية. الجزء الثاني من المصطلح "الثقافي" (Cultural) يحيل إلى كل ما ينتجه العقل البشري والوجدان الجمعي من: قيم، معتقدات، لغات، آداب، فنون، سرديات، وتاريخ مشترك . والجمع بينهما: "الجيو-ثقافي" (Geo-cultural) ننتقل من "جغرافيا التضاريس والحدود السياسية" إلى "جغرافيا الوعي والهوية" وتأثير المكون الثقافة على لحمة الجغرافيا أو تفككها. وباختصار؛ إذا كانت الجغرافيا السياسية (الجيوسياسية) تتعامل مع الأرض كـ "مساحة نفوذ وثروة"، فإن الجغرافيا الثقافية (الجيو-ثقافية) تتعامل مع الأرض كـ "حاضنة للوعي والسرديات الحضارية". 2- تجليات الإدارة الجيوثقافية وتحدياتها الاستراتيجية يتجلى موضوع الإدارة الجيوثقافية في مجال مواجهة هيمنة السرديات العولمية (المركزية الغربية) والاستجابات المضادة لها، التي قد تنطلق من الفكرة نفسها لمركزية الذات الغربية، بمعنى كيف تواجه الإدارة الثقافية المحلية/الإقليمية ضغط السرديات الكبرى العابرة للحدود، والتي تحاول تنميط الثقافات وتذويب الخصوصيات الحضارية، خاصة لو كانت هناك سردية إقليمية متعالقة ثقافيا وتمثل هذه السرديات الغربية سواء بشكل مباشر او بشكل غير مباشر. كما تتجلى الإدارة الجيوثقافية في مجال إدارة التنوع والهويات الفرعية، بوصفها التحدي المتمثل في كيفية صياغة "مشروع ثقافي جامع" (سردية كبرى وطنية أو قومية) في زمن تتصاعد فيه السرديات الصغرى والهويات الفرعية والمحلية، ويتم توظيفها من قبل سرديات أخرى إقليمية او غربية لتفكيك الذات العربية. وتحضرأيضا التحديات في الإدارة الجيوثقافية التي قد تتمثل في الفجوة بين النظرية والتطبيق؛ خاصة التحدي البيروقراطي والمؤسسي التقليدي والروتيني؛ وكيف يمكن للمؤسسات الثقافية (التي غالباً ما تتحرك بآليات قديمة) أن تواكب ديناميكية السرديات الكبرى وتحولاتها المتسارعة؟ 3- أبعاد الصراع المعرفي (الجيو-ثقافي) والتحديات التقنية تتبدى أبعاد الصراع المعرفي الجيوثقافي في نطاق الدبلوماسية الثقافية تحديدا كأداة للمواجهة والتدافع، وكيف يمكن أن تصبح الإدارة الثقافية الفاعلة وسيلة لتقديم "سرديات بديلة" تكسر الاحتكار المعرفي الرائج والمصحوب بـ"تقييم اتفاقي" عالمي، وتساهم في إعادة التوازن للحوار الحضاري والتنوع الحضاري الحقيقي. وتتبدى أيضا في نطاق صناعة المحتوى و"إعادة التأسيس" الثقافي، من أجل إنتاج معرفة وفنون وآداب قادرة على الصمود وتقديم طرح فكري رصين ينافس أو يفكك السرديات المهيمنة، بدلاً من الاكتفاء بموقف الدفاع أو رد الفعل والمطالبة بالتمثيل المشرف والحضور الرمزي عالميا. وفي السياق ذاته على المستوى التقني هناك نطاق آخر للتحديات على المستوى الجيوثقافي المتقدم والمؤسسات الرسمية ذات الطبيعة الخاصة، يكمن في الخوارزميات الافتراضية وآلياتها ومؤسساتها التي يسيطر عليها الغرب، وتوجيه السرديات بشكل ناعم في الفضاء الافتراضي العالمي، أو كيف تفرض الفضاءات الرقمية والشبكات العالمية سرديات معينة (عبر التمويل، التوجيه، أو الحجب، او الترويج المفرد)، وتأثير ذلك على قدرة المدير الثقافي المحلي/ الإقليمي على الوصول للجمهور المستهدف، وطرح سردية بديلة في عالم تسيطر عليه آليات التوجيه الكثيف والناعم غير الملحوظ. وهنا تحضر أيضا مسألة السيادة الثقافية الرقمية وآلياتها التي تحتاج لعقول عاملة ابتكارية على قدر التحدي ومصادر تمويل واسعة، من اجل تأمين الفرصة الأولى والأساسية لتوطين المنتج الثقافي داخل فضاء رقمي لا يعترف بالحدود الجغرافية، وتسيطر عليه قوى عظمى افتراضية أيضا. ثانيا: دراسة حالة تطبيقية لنموذج في الإدارة الجيوثقافية 1- دراسة حالة لمؤسسة إقليمية وازنة ولكي نقرب مفهوم الإدارة الجيوثقافية هذه سوف نضرب مثلا بـ"دراسة حالة" فعلية، لمحاولة تطبيقية للقيام بعملية "إدارة ثقافية على مستوى السرديات" في مشروع علمي، أرى أنها أخفقت بدرجة كبيرة وتعرضت لأزمة إعادة إنتاج الخطابات القديمة ذاتها، والتي تصور المشروع نفسه في دعوته أنه سوف يتجاوزها، ويطرح لها البدائل والحلول. فربما يكون هناك عند البعض وعي بملاحظة المشكلة على مستوى السردية الثقافية الكبرى لجماعة إنسانية ما، ووعي بأطراف هذه المشكلة، لكن قد تغيب القدرات المنهجية واشتراطاتها من ناحية، وتغيب الموهبة الذاتية للقائم بعملية الإدارة الثقافية من ناحية أخرى. لأن الإدارة الثقافية على مستوى السرديات الكبرى تكون مهمتها الأبرز هي التأكيد على قدرة الجغرافيا التاريخية، على احتواء والتقاء الثقافات المتنوعة الموجودة والحاضرة بها، في كتلة حضارية تملك تمايزا جيوثقافيا في مواجهة مشاريع للتنميط الجيوثقافي العالمي والهيمنة السردياتية الدولية، وفي مواجهة مشاريع جيوثقافية إقليمية منافسة. وحتى لا يكون الكلام نظريا مجردا سوف أتناول تفاصيل تلك الواقعة المعينة –دون إفصاح عنها أو عن مكانها- لتكون دراسة حالة لتحديات الإدارة الثقافية على مستوى السرديات الكبرى في القرن الـ21...، فلقد حضرت مرة مشروعا علميا ثقافيا؛ نظمته إحدى المؤسسات العاملة في المجال السياسي العام الرسمي –لست في حل لذكر اسمها-، ولم تكن مؤسسة صغيرة بل كانت ذات صبغة إقليمية وازنة. كان المشروع مقترحا بأن تتصدى المؤسسة والمشاركون في مشروعها العلمي لتأسيس مقاربة جديدة، استجابة لإحدى الإشكاليات الثقافية ذات البعد السياسي عالي الاستقطاب والتدافعات في النطاق الجيوثقافي (الذي يتعلق بأثر الثقافة/ الهوية وسياساتها على التماسك السياسي للجغرافيا أو تفككه في المنطقة العربية). 2- الصدمة والنتيجة العكسية بدا كل شئ جميلا ومنظما، ديباجة الدعوة للورشة العلمية، والمحاور، والمخرجات المفترضة، والتنظيم، والمشاركون، كل شئ بدا مثاليا ورائعا.. لكن في اليومين المخصصين للورشة وفاعلياتها التنفيذية كانت الصدمة أن الأوراق والمقاربات المستخدمة تجاه موضوع الورشة ومحاورها، جاءت عكس الهدف منها تماما!! انتقلت المقاربات من طرح تصورات بديلة للإدارة الثقافية على مستوى السرديات الكبرى، يكون هدفها معالجة مشاكل الاستقطابات وتفجير مستودع الهوية العربي داخليا وبينيا وإقليميا، إلى نوع من المزايدة في التأكيد على تماسك السردية الرسمية العربية! واستحضار خطابات فوقية بعيدة كل البعد عما مفترض أن تكون عليه فلسفة الورشة العلمية والإدارة الثقافية على مستوى السرديات الكبرى (وأرى من المهم هنا توضيح أن الإدارة الجيوثقافية أو الإدارة الثقافية على مستوى السرديات، تعني بصيغة أخرى حضور المكون الثقافي في السياسات العليا للدول والقدرة على طرح استراتيجيات جديدة لهذا المكون الثقافي تساهم سياسيا في حضور سردية كبرى فاعلة في مواجهة عالم جديد أصبح الوجود فيه يقوم أساسا على قدرة الجماعات البشرية المختلفة، على طرح سرديات ثقافية كبرى خاصة بها في مواجهة دعوات التنميط والهيمنة والسيطرة من قبل سرديات بعينها). نتيجة الورشة العلمية المشار إليها كانت صفرية، وتسير في عكس الفلسفة الموضوعة للورشة العلمية وضدها تماما! وحضر السؤال أمامي فجأة؛ لماذا فشلت الإدارة الثقافية للورشة أو المؤتمر –حسبما قد يحلو للبعض التسمية- في تحقيق الهدف الذي وضعته لنفسها، رغم الإعداد الجيد والامكانيات المتوفرة والباحثين أصحاب الخبرات؟ في حقيقة الأمر يفتح هذا السؤال الجرح الكبير، وهو أزمة البناء المعرفي العربي المرتبط بالسياسة والأكاديمية والثقافة في راهن القرن الـ21. لقد فعلت الإدارة الثقافية الورشة معظم الإجراءات المنهجية لعقد الندوة، لكنها افتقدت لشرط أساسي وهو امتلاك الميسر/ المدير الثقافي/ رئيس المؤتمر/ المقرر العلمي للمضمون المعرفي الكافي لتناول الظاهرة الثقافية موضوع الورشة وطرح البدائل لها على مستوى السرديات، في أبعادها السياسية وتدافعاتها تحديدا، فليس المهم هنا الإجراءات الشكلية بقدر توفر الامكانيات والقدرة العلمية التأسيسية والابتكارية عند القائمين على الورشة، بما يمكنهم من خلال الإدارة الثقافية لورشة علمية من توجيه الحضور والمشاركات للانضباط وفق فلسفة الندوة ومحورها الرئيس. كانت مخرجات الندوة أو الورشة العلمية على عكس الهدف منها وفلسفتها تماما، في مجملها جاءت على شكل مزايدات من الشركاء المؤسسيين/ المراكز البحثية تدعي أهمية الحفاظ على المجتمع العربي، وتحذر من خطورة الاختراق الثقافي، دون أن تعترف أن الاختراق الثقافي يعني وجود العجز في حائط الصد، ودون أن تهتم بطرح تصورات بديلة حقيقية للظاهرة والإشكالية موضوع الورشة. يجب على إدارة المشاريع الثقافية في تلك الحالة؛ أن تقوم بإعداد طويل لنفسها وللخلفية العلمية للمشروع (تحديدا المنهجية المقترحة والفلسفة الممكنة) والبنية المعرفية المشروع ( بمعنى القدرة على ابتكار مفاهيمي ونظري منطقي وحجاجي).. وحين تمتلك إدارة الندوة الخلفية العلمية والبنية المعرفية يمكنها بكل سهولة ويسر أن توجه المشاركين بقوة ناعمة طوعية ومقبولة نحو الهدف والمخرجات المطلوبة. 3- إجراءات علمية افتقدتها الورشة
- إجراءات منهجية كانت ممكنة "التواصل القبلي" كان يمكن لإدارة الندوة استخدام ما أسميه "التواصل القبلي"، أي في مرحلة ما قبل الانعقاد من خلال دعوة المشاركين لإرسال الملخصات البحثية، ثم كان عليها المبادرة والاستباق علميا بضبط الملخصات وتوجيه أصحابها نحو فلسفة الورشة العلمية، وهو إجراء ناجح للغاية ينقل للمشاركين فلسفة الورشة ويؤكد لهم على وضوح رؤية فريقها العلمي منذ البداية، فهنا تخضع الملخصات لعملية تحكيم علمي مبكر وجاد ربما أهم من تحكيم الأبحاث الكاملة التي ستنتج عنها. "التواصل القبلي" وحوكمة الملخصات علميا وفق الفلسفة المطروحة، كان سيؤكد على وضوح رؤية فريق الإدارة العلمية الثقافية للورشة، وكان سيبرز للباحثين المشاركين وجهة نظرها، تعديلا ربما على عناوين البحوث ومحتواها وفلسفتها ومنهجها... لأن الورشة العلمية تعقد وفق فلسفة بعينها وموضوع بعينه ولهدف واضح ومحدد في البعد السياسي الكبير للمكون الثقافي في المجتمع. - الاستقطاب وتجاوز التناقضات "التحضير والتخيل العلمي" في حقيقة الأمر اجتهدت إدارة الندوة كثيرا لكنها لم تملك الخيال العلمي والقدرة الإبداعية المعرفية الكافية لتوجيه المشروع البحثي، مثل هذه المشاريع تحتاج للجمع بين عدة مهارات وملكات مجتمعة، وعي سياسي أولي مع قدرة على طرح بدائل سياسية، إحاطة ثقافية بالمفاهيم السائدة وقدرة معرفية على طرح مفاهيم جديدة تتجاوز الاستقطاب وأشكاله، مع أهمية توفر تراكم معرفي ذاتي وسمعة مرموقة تكتسب احترام المشاركين موضوعيا وذاتيا. تلمس المشكلة الجيوثقافية في السردية العربية الكبرى الحاضرة أمر، والإصرار وتوفر الإرادة النفسية الصلبة لوضع بدائل لها هو أمر آخر تماما.. قد ينخدع الميسر الثقافي/ المقرر العلمي بأنه لمس إشكاليات جيوثقافية في واقع الذات العربية ومشروعها الرسمي أو غير الرسمي، لكنه قد لا يملك الملكة المعرفية أو الإرادة السياسية للمبادرة بطرح حلول وفلسفات عامة توجه المشروع نحو بر الأمان. وتبدو المشكلة هنا أقرب لغياب "الخيال العلمي" وإلقاء تبعية الحلول برمتها على الباحثين المفترضين الذين سيشاركون في الورشة أو السينمار العلمي أو الندوة –حسب ما يسميها بعضهم-، البعض يكتفي بتحديد المشكلة والإطار لكن عندما يفتقد القدرة على طرح الفلسفة البديلة والجرأة على المكاشفة وتوجيه المشاركين، يفقد المبادرة تماما ويضطر لقبول الأمر الواقع ويخضع له. - الخضوع للشركاء المؤسسيين بدلا من "إدارتهم" لهدف الورشة وهنا تحضر السنن الكونية وطبائع البشر المعتادة، فعندما تغيب البدائل والحلول لدى مستوى الإدارة الثقافية، يتم إعادة إنتاج الاستقطابات وأطرافها وتكريس الأزمة بدلا من الاستباق وحلها... إذا طرحت مشكلة ما في المجال العام ولم تبادر بتقديم حلول لها، فسينتهي بك الأمر إلى إعادة إنتاج الحلول والخطابات القديمة، وهذا ما وقعت فيه هذه الندوة العلمية تماما. الإدارة الثقافية ليست في جانبها التأسيسي والجيوثقافي فعلا يقوم على الشعارات أو رفع الصوت النقدي أو الركون لنفوذ المنصب الرسمي، إنما الثقافة هنا في حقيقة الأمر هي أعلى أشكال المعرفة الإنسانية التي تتصدى لحل التناقضات المجتمعية المركبة، وذات الأبعاد الإشكالية المتعددة.. تحتاج لحزمة مهارات مجتمعة تقوم على مهارات سياسية ودبلوماسية ومعرفية وتنظيمية، وحال افتقادها ستخضع الإدارة الثقافية للشركاء المؤسسيين وخطابهم. وهذا ما جرى بالضبط في ختام الورشة العلمية نتيجة لعدم مبادرة الإدارة الثقافية/ العلمية بضبط مسارات الملخصات، وتوضيح الفلسفات والمقاربات البديلة بكل ثقة واقتدار للمشاركين، المراكز البحثية وممثليها في الورشة العلمية فرضوا خطابهم التقليدي على الإدارة الثقافية للورشة، ولم تستطع الورشة ان تقدم المخرجات التي وضعتها لنفسها في ديباجة المؤتمر ذاته! لأنها لم تملك الجرأة على قطع الطريق كله وفرحت بأن أشارت له دون أن تملك جرأة إدارة الشركاء المؤسسين/ المراكز البحثية، لأنها في تقديري الموضوعي لم تقم بإعداد نفسها معرفيا وعلميا للموضوع وإدارة السرديات الكبرى عربيا وبدائلها في القرن الـ21، بقدر ما فرحت بأنها طرحت المشاكل وافترضت أنها ستحل من تلقاء نفسها من جانب الباحثين المدعوين للمشاركة.
ثالثا: في متطلبات الإدارة الجيوثقافية ومستقبلها 1- باحثون من نوع خاص للإدارة الجيوثقافية مجال الإدارة الجيوثقافية أو الإدارة الثقافية على مستوى السرديات الكبرى، هو من أصعب المجالات ومخاطر الإدارة التي ستواجهها الذات العربية الإسلامية في العقد القادم تحديدا، لأنه مجال شديد الصعوبة في استقطابه وعلاقته بالسياسات العليا الرسمية من جهة، وعلاقته بالنفوذ المتزايد وتمثلاته لخطابات المجموعات الثقافية/ العرقية الأقل عددا في الحاضنة العربية.. إذا لم يضطلع به باحثون ثقافيون على أعلى مستوى فكري وسياسي وتنظيمي وإداري، يمتلكون القدرة على طرح بدائل فاعلة تجمع الفرقاء وتتجاوز الاستقطابات والتناقضات التي تفجرت، فإنه بكل أسف سيكون معرضا لخطر التنميط وإعادة إنتاج الخطابات التقليدية دون قيمة مضافة أو فائدة حقيقية. لأن هذا القطاع في الإدارة الثقافية تحديدا يتطلب مهارات خاصة، بعضها إجرائي ومنهجي، وبعضها يتعلق بضرورة امتلاك سمات "المثقف التأسيسي" القادر على إعادة إنتاج الروح الجمعية لأمة ما. وبما يتجاوز "التعالق الثقافي" والتصورات والأفكار النمطية الرائجة عالميا، ووفق "مستودع الهوية" التاريخي والعناصر المكونة له والمتراكمة والمتعايشة معا عبر التاريخ، فهنا "المثقف التأسيسي" هو مثقف لـ"الكتلة الجامعة" التي تعبر عن "المشترك الثقافي" لأمة أو جماعة بشرية ما. 2- نموذج استرشادي: سردية "الجغرافيا الثقافية الرابطة" ومن النماذج التي يمكن الاسترشاد بها في هذا المجال ما أسميته "الجغرافيا الثقافية الرابطة" في كتابي الأحدث الصادر بداية هذا العام في معرض القاهرة الدولي للكتاب (نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة: من جيوسياسي القرن الـ20 إلى جيوثقافي القرن الـ21)، والتي تعتبر أن المكون الثقافي في القرن الـ21 هو الجوهر خاصة عندما تتعرض التمثلات السياسية لأزمة العجز والانسداد، وأنه عند انسداد السياسي يجب أن يصعد الثقافي ويتحول لسردية كبرى مشتركة جامعة تستعيد حضورها في الفضاء الجغرافي، وتعيد إليه الترابط وتدفع تمدد الآخر بسردياته المتنوعة للوراء. وقدمت تصورا مغايرا تماما لمفهوم الأمن القومي معتبرا أنه يقوم على اجتماع عاملين معا، الأول هو القوة الخشنة العسكرية ومقوماتها والإدارة الناجحة لموارد البلاد الصلبة، والعامل الثاني هو القوة الناعمة وحضور سردية كبرى فاعلة تمثل الغطاء الثقافي لحضور ونفاذ القوة الخشنة فوق الجغرافيا التاريخية الخاصة بها. وطبقت هذه النظرية على الذات العربية في راهن لحظتها التاريخية وحرب غزة وأزمتها، والتدافع مع السرديات الإقليمية الأربعة المعادية (الصهيونية والأثيوبية) والمنافسة (الإيرانية والتركية)، وكذلك في مواجهة سردية الحضارة المركزية الغربية (الصدام الحضاري) ومنافسيها الجدد من الصين وروسيا (الحزام والطريق والسردية الأوراسية)، وطرحت مشروعا لفك "التعالق الثقافي" القائم وتمثلاته عند العرب والمسلمين. ولم تكن هذه النظرية سوى الكتاب الرابع في مشروعي للإدارة الثقافية على مستوى السياسات العليا العربية، أو على مستوى السرديات الثقافية الكبرى، سبقه ثلاثة كتب هي: (الدبلوماسية الثقافية البديلة- مدرسة الدراسات الثقافية العربية المقارنة- السياسة الثقافية الثالثة)... بما يجعل بالإمكان تقديم سردية "الجغرافيا الثقافية الرابطة" بوصفها نموذجا استرشاديا في مجال "الإدارة الجيوثقافية". 3- بناء "المشترك السردياتي" الجديد إن طرحي لهذا المفهوم الجديد نفسه أي الإدارة الجيوثقافية (الإدارة الثقافية على مستوى السرديات الثقافية)، هو دعوة لأن نهتم بكل جدية بهذا التخصص المعرفي والعلمي الذي تأخرنا فيه كثيرا. هذا المفهوم يوجه التنافس القطري نحو بناء سردياتي مشترك وجامع، يحترم التنافس والتدافع لكن يلتزم بالقيم المشتركة في مواجهة السرديات الأخرى المنافسة والمعادية، الإقليمية والدولية. ويسعى المفهوم لتجاوز الاستقطاب السياسي التقليدي إرث القرن العشرين، على أمل الوعي بممكنات ومكتسبات التحول الطوعي، وظهور سرديات جديدة تحقق "مشتركا ثقافيا" جديدا يجتمع عليه الفرقاء، ويكون قادرا على إعادة تأسيس الذات العربية وثقافاتها وسردياتها في عالم جديد، عالم من لا يستطيع فيه أن يتجاوز تناقضاته التاريخية ويعي بأهمية تطوير سردية عربية جديدة، تكون قادرة على أن تتحول إلى كتلة جيوثقافية جامعة...، سيكون البديل بكل أسف هو المزيد من "التعالق الثقافي" والمزيد من الانسداد وإعادة إنتاج الخطابات القديمة. إن العجز عن الانتقال من رصد المشكلة إلى تأسيس فلسفتها البديلة هو ما يجعل المشاريع الثقافية تعيد إنتاج الخطابات القديمة، لأنه ليست النوايا وحدها قادرة على مواجهة التحديات، فالإدارة الثقافية للتحديات التي تواجه الأمم لا تدار بالأمنيات، ولا بالهياكل الإدارية البيروقراطية التقليدية التي تفتقر للخيال العلمي والابتكار المعرفي... عدم الالتفات لأهمية بناء "المشترك السردياتي" الجديد هو الذي يجعل مشاريعنا الفكرية تقع في فخ المزايدة وإعادة إنتاج الخطابات الفوقية والتقليدية ذاتها، والارتداد طوعاً إلى شرك "التعالق الثقافي" مع المركزيات المهيمنة أو السرديات الإقليمية المنافسة.
خاتمة: سيكون مجال "السياسات الخارجية" للدول من أبرز النطاقات التي يمكن لـ"الإدارة الجيوثقافية" العمل فيها، وتوسيع الخيارات أمامها وامام صانع القرار بقوة في منطقة تقع في قلب استقطاب إقليمي وعالمي، كذلك حركة المؤسسات الإقليمية العاملة في السياسات/ الدبلوماسية الثقافية العليا وتطبيقاتها، ويمكن تأسيس الكراسي العلمية الجديدة لموضوع "الإدارة الجيوثقافية" وتحدياتها مع مجموعة الشركاء المهتمين به... إن "الإدارة الجيوثقافية" كمفهوم ومصطلح جديد بالمنظور التأسيسي الذي نسعى لتأصيله، ليست حاجة كمالية، إنما هي ضرورة استراتيجية لصناعة "حائط الصد" العربي والإسلامي في قرن تدافع السرديات الكبرى الشرس الذي نعيشه الآن. وعندما تصل التمثلات السياسية إلى لحظات العجز والانسداد، فإن صعود السردية الثقافية الجامعة والمشتركة يصبح هو القاطرة الوحيدة القادرة على صيانة الجغرافيا، وحماية الهوية، وإعادة ضبط موازين الأمن القومي في أبعاده الشاملة. وتبقى المسئولية الملقاة على عاتق "المثقف التأسيسي" واضطلاعه بمجال "الإدارة الجيوثقافية" اليوم تتجاوز التنفيذ البيروقراطي والتمثيل المشرف، إلى خوض معركة الابتكار المنهجي والتأصيل المعرفي. فلن تنهض سردية "الجغرافيا الثقافية الرابطة" إلا بعقول تملك شجاعة المكاشفة، وجرأة الصياغة، والقدرة على حوكمة وتوجيه المشاريع الثقافية الكبرى، لكي يتحول "مستودع الهوية" من حالة كمون تاريخي، إلى قوة دفع حضارية واستشرافية تصنع المستقبل ولا تكتفي بانتظاره.
#حاتم_الجوهرى (هاشتاغ)
Hatem_Elgoharey#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هيجل العربي وهيجل الأوربي: نقد التمثيل الماركسي
-
الصهيونية الإبراهيمية: نهاية مسار وبداية آخر
-
السرديات الكبرى بين المتن والهامش: راهن دولة ما بعد الاستقلا
...
-
بناء النماذج المعرفية وتجديد السردية المصرية/ العربية
-
الصهيونية الإبراهيمية: من التأسيس إلى سردية الهيمنة
-
حرب إيران : نظرية المتغير الأكثر بروزا والمحور الإبراهيمي
-
هل كانت الحرب لتفكيك الاحتشاد العربي/ الإسلامي؟
-
اغتيال المرشد والوجه الخشن لصفقة القرن
-
الحلف الهندوإبراهيمي وفضاء الصهيونية الجيوثقافي
-
مأزق السردية الجيوثقافية: دور السياسات العليا والعامة
-
هل تصبح مصر دولة الممانعة الوحيدة!
-
النظام الدولي: مأزق الوستفالية والحضارة المطلقة
-
الصدام الحضاري وإسرائيل: من أثينا الليبرالية إلى اسبرطه
-
تجمع الدول الست من أجل غزة: مقاربة في الإسناد السياسي
-
التوازن الناعم والخشن في مواجهة سيناء: مقاربة جديدة
-
جيوثقافية الشرق المأزوم: بين المثقف العمومي والمثقف التأسيسي
-
الممثل الرئاسي لشئون مساعدات غزة وإدارتها
-
متغيرات استراتيجية.. وضعف عربي في الاستجابة
-
في ذكرى ميلاد مؤسس الصهيونية الماركسية
-
الشرق الأوسط الجديد: النووي والوزن النسبي ولماذا ضَربتْ إسرا
...
المزيد.....
-
صرخته أقوى من الطائرة.. رجل يحطم الرقم بأعلى صوت في العالم
-
الاتحاد الأوروبي يدرس إرسال بعثة لدعم جيش لبنان وتعزيز سلطة
...
-
روبيو يطمئن الخليج: لا اتفاق مع إيران على حساب أمن الحلفاء
-
-الخماسية الأوروبية- تسعى لتعميق الشراكة بين الناتو وأوكراني
...
-
قاضية فيدرالية تمنع ترامب من تطبيق شرط تقديم دليل المواطنة م
...
-
ماكرون: هناك تقارب بين الأوروبيين والأمريكيين بشأن أوكرانيا
...
-
حادثة صادمة.. موظفات في -وينديز- يقدمن لزبونة طعاما من سلة ا
...
-
تل أبيب تجابه واشنطن.. لن ننسحب من لبنان
-
الجزائر تستنفر جاليتها في مصر قبل الانتخابات التشريعية
-
وزارة الصحة الإسرائيلية في حالة صدمة: سرقة طحينة ملوثة بالس
...
المزيد.....
-
النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط
/ محمد مراد
-
افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار
...
/ حاتم الجوهرى
-
الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن
/ مرزوق الحلالي
-
أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال
...
/ ياسر سعد السلوم
-
التّعاون وضبط النفس من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة
...
/ حامد فضل الله
-
إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية
/ حامد فضل الله
-
دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل
...
/ بشار سلوت
-
أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث
/ الاء ناصر باكير
-
اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم
/ علاء هادي الحطاب
المزيد.....
|