|
|
هيجل العربي وهيجل الأوربي: نقد التمثيل الماركسي
حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)
الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 22:50
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
مدخل: منذ عدة سنوات لفتت انتباهي التعليقات المحبة لأحد الأصدقاء الافتراضيين على دراساتي في منصة "أكاديميا"، وكذلك على منصة "فيس بوك"، واستمر التواصل الافتراضي بيننا لفترة أطول حتى لاحظت الكثير من المشتركات الفكرية بيني وبينه في مقاربة العديد من القضايا المعرفية الراهنة، واستطعت كذلك تبين المرجعية الماركسية أو الانتماء الأيديولوجي له. واستمر التواصل الافتراضي بيننا، حتى جاءت الفرصة مع صدور أحد كتبي وتقابلنا لأهديه ذلك الإصدار الأحدث ساعتها، مصحوبا ببعض الأعمال المنتقاة من إصداراتي السابقة. وجلسنا نتناقش مطولا خاصة في أعمالنا المستقبلية وكانت المصادفة أن هناك الكثير من المناطق القريبة التي نعمل عليها في السياق المستقبلي ذاته، خاصة في تصورات العولمة الثقافية والدراسات الثقافية وأزمة المثقف والنخب العربية، وكل ما إلى ذلك من تفاصيل وتمثلات يمكن الحديث عنها.
التغير الحاد بين الجزئي والكلي
لكن الوضع تغير تماما عندما انتقلنا من الحديث في التفاصيل ومسارات المستقبل الجزئية في العديد من النواحي المعرفية، للحديث في السرديات الكبرى وهل يمكن أن تجتمع تلك التفاصيل في سردية بديلة ما... كانت الصدمة بالنسبة لي هي التحول الكبير في موقف هذا الصديق العزيز الماركسي، وجدته عند الحديث عن السرديات الكبرى البديلة والممكنة يعود إلى كلاسيكيات المثقف الأيديولوجي العشريني (نسبة إلى القرن الـ20)، وتختفي تماما خطابات التجديد والنقد التي كان يسوقها عند الحديث عن بعض التفاصيل والتمثلات المعرفية الفرعية من هنا أو هناك. وما أبرز التغير الحاد في الشخصية تماما؛ أنه عند النقاش في يوم آخر حول إحدى المقولات التي طرحتها في كتابي الأحدث –في حينها- الذي أهديته إياه، التي ترى أن المركزية الأوربية أو كما أسميها "المسألة الأوربية" تدور حول فكرة وهم لامتلاك حضارة مطلقة وشمولية ونهائية لا ترى إلا نفسها، وأن هذه المسألة الأوربية تقوم حقيقة على ثلاثة تمثلات رئيسة هي: هيجل وتصوره للدولة/ الحضارة الشمولية المثالية الدينية الطبقية، وتلميذه ماركس الذي عكس مقولاته مقدما الدولة/ الحضارة الشمولية المادية العلمانية غير الطبقية، ثم ألمانيا وحركة الفولكش الألمانية التي طورت الدولة/ الحضارة الشمولية الاشتراكية القومية المعروفة بالنازية...
من الموضوعية إلى الاستقطاب
في ذلك اليوم وجدت شخصية أخرى تماما عند صديقي العزيز الماركسي هذا، شخصية تلجأ للحيل الكلامية وآليات المراوغة أو حتى "التشويه" ليسفه من وجهة النظر الأخرى، والتي تضع الماركسية على المستوى الفكري ضمن تمثلات المركزية والمسألة الأوربية ووهم امتلاك حضارة/ ثقافة/ أيديولوجيا تدعي لنفسها العالمية والصلاحية المستمرة، وكل ما سواها محلي وإقليمي يجب أن "يرتقي" ويسمو وينسلخ من ذاته التاريخية، ليذوب فيها أو يستلب لها باسم النضال والعمالية العالمية والعقلانية والتحديث والحداثة...! وما إلى ذلك من مسوغات قدمها الغرب لمركزيته الحضارية الشمولية للتجربة البشرية، وسعيه للمصادرة على مستقبلها وحصرها في تمثلات بعينها، على البشرية أن تصب نفسها قسرا بها حتى تلتحق بالشكل الوحيد والممكن المطلق لعملية "التحديث" والتقدم.
في تنوعات الشخصية الماركسية
حقيقة وقبل أن أكمل أستعيد موقفي التاريخي المنفتح من بعض الأصدقاء الماركسيين الأعزاء في فترة التسعينيات من القرن الماضي، الذي كان الكثير منهم مخلصا ومتماهيا مع فكرته الأيديولوجية حد التوحد، لكن بداية يجب أن أشير إلى ضرورة التفرقة بين عدة أشياء والانتباه إليها، وهي مستوى الإخلاص الفردي والشخصي، ومستوى الاطلاع الفكري، ومستوى الارتباط التنظيمي. فكثيرا ما نجد الإخلاص لكن مع مساحة الاطلاع غير المتعمق في المستوى الفكري، مع الإشارة إلى أن كثير من المصادر والتصورات المعرفية تعرضت لعملية انتقاء وتوجيه جماعي كبير في القرن العشرين، أما المستوى التنظيمي للعمل السياسي فلابد أن نلتفت لفكرة التبرير والتأويل التي يسوقها بعضهم ليبرر بعض التصرفات أو الانحرافات، بأنها ضرورة واقعية في التطبيق العملي الواقعي، حتى ولو خالفت المعيار الفكري أو الأخلاقي. أشرت لهذا لأنني كثيرا ما رأيت ماركسيين عرب يتمسكون بزاوية معينة من الماركسية يرون فيها النبل والمثالية، ولكن دون وقوف كبير على الجذور الفكرية الحقيقية والنسق القيمي العام للماركسية في سياقها الأوربي، بعيدا عن التفاصيل والكتب الرائجة للتيار الماركسي، التي تسحب العقل من مناقشة الفكرة إلى الاستغراق في تفاصيلها وجزئياتها المتعددة. وكثيرا ما سمعنا أو شاهدنا ماركسيين عرب يهتمون بالشكل الإنساني للتعاطف مع الفقراء، ويقفزون على مسألة التنظيمات والشكل السياسي ويمارسون الماركسية كما تصوروها فعلا مثاليا نضاليا في محيط وجودهم القريب. كما أن بعضهم كان صريحا معتبرا الماركسية فكرة مادية تماما تنفي وجود قوى غيبية إلهية، وبعضهم كان يقدم تأويلا عربيا لماركسية تختلف في علاقتها بالغيبي عن الأصل الأوربي، لكن معظمهم كان يلتف بقوة حول فكرة "النضال" وكانت هالة قوية تمنح الشعور بـ"الخلاص" و"التحقق الوجودي"، وربما هذا الشعور يتحقق عند كل أصحاب المشاريع والتصورات الفكرية المؤمنين بها بحق. لكن بيت القصيد؛ أنه كانت هناك مساحة دائما تتعرض للتعمية أو الهروب... وهي مساحة النقاش حول الفكرة نفسها ومنطقيتها والعلاقة بين المادية كشكل تاريخي وتحويلها مثلا لشكل من أشكال اليوتوبيا المثالية مع الشيوعية او الماركسية أو المادية الأوربية الجديدة التي طرحها ماركس!
مغالطة استبعاد هيجل من اليوتوبيا العالمية
والآن حينما أعود لموضوع المقال نفسه مع الصديق الأكاديمي الماركسي العزيز هذا، إذا بعد انتهاء الموقف الأول حول كتابي وتصوره للماركسية ضمن إطار المركزية والمسألة الأوربية، وموقفه العدائي غير المنطقي تماما من جانبه، تجدد التواصل مؤخرا نقاشا حول دراسة جديدة له ودراسة جديدة لي، عرض علي اشتغاله على فكرة اليوتوبيا وحضورها في التاريخ البشري حتى اللحظة الراهنة، ورددت عله بأن هذا موضوع مهم للغاية وأنني أيضا سبق لي واشتغلت عليه في مشروع كبير –في أزمة كورونا وقبلها- مؤجل نشره حتى الآن، وطلبت الاستماع لتناوله ومقاربته للفكرة. وكانت المفاجأة أنه في عرضه لفكرة اليوتوبيا وتطورها عبر التاريخ أسقط هيجل تماما، وحين انتهى من عرضه وجهت له سؤالا مباشرا: ولكن أين هيجل في هذا التاريخ!؟ ووجدت في نبرة صوته استعادة لحالة القلق التي وجدتها حين تناقشنا من قبل في الماركسية والمركزية والمسألة الأوربية، ووجدت عنده معرفة ما بالأمر لكن وجدت في الوقت نفسه رغبة في تجاهله أو تشويهه، لإبراز دور السردية الماركسيةّ! وطال الحوار في الهاتف وتواعدنا على اللقاء، وعند اللقاء تجدد الحديث وشهدت عودته للشخصية الأخرى تماما التي تميل للمراوغة وآليات الاستقطاب السياسي والتشويه والتسفيه، والدفاع عن سردية كبرى لا تزال هي المظلة الكبرى التي يحتمي بها وتحتمي بها ذكرياته التاريخية بل وسرديته الذاتية والشخصية مع قليل من التدقيق. كان يتحاور ليس بغرض الوصول للحقيقة أو الاستماع لوجهة النظر الأخرى، بل كان يتحاور بغرض الاحتراب وتشويه فكرة أخرى يرى انها تهدد سرديته الماركسية.
بيرسونا (قناع الشخصية) الازدواج وتعايش نسقين قيميين داخل إنسان واحد
وحقيقة وجدت أنني في حاجة إلى توصيف علمي لما أراه امامي من ازدواج في الشخصية عند صديقي العزيز الماركسي هذا، ولأنني أعتمد "المنهج الثقافي الحر" أو "الدرس الثقافي الحر" الذي يبحث في الأنساق القيمية الكبرى والعميقة للظواهر البشرية العامة والفردية بدرجة ما، وجدت أنني أرجع لهذا المنهج وأغذيه بقراءاتي عن اللقاءات بيني وبين صديقي الماركسي هذا، لأجد التفسير يقفز فجأة أمامي. في حقيقة الأمر وجدت أن صديقي هذا يستند إلى نسقين قيميين متعايشين داخله، النسق القيمي الأول هو شخصية الباحث الموضوعي العلمي الذي يقارب الظواهر الجزئية مثل الترجمة والعولمة والشعر والدرس الثقافي والاستعمار وما على ذلك، أما النسق القيمي الثاني فهو شخصية الأيديولوجي المدمجة عميقا في بنيته التاريخية النفسية، والتي تظهر فجأة بشكل غير واع عندما تشعر بوجود تهديد للسردية الماركسية الكبرى، التي هي في الوقت نفسه السردية التي توحد معها في بنيته النفسية العميقة (خاصة إذا افترضنا أنه –بنسبة كبيرة- كان له دور تنظيمي في التيار الماركسي)، ودون سيطرة يتجه بشكل تلقائي لآليات التشويه والمراوغة والصراع السياسي إذا اقترب أحد من هذه السردية. من ثم وجدت نفسي أمام نسقين قيميين متعايشين داخل شخصية واحدة، يتبادلان الحضور والظهور، رغم أن كل منها عكس الآخر تماما. وبالعودة إلى موضوع النقاش ذاته، حاولت جاهدا الإشارة الموضوعية لجهد هيجل في تصوره الشمولي المثالي الديني، ليسعى صديقي الماركسي العزيز لنفي أن هيجل لديه أصلا تصورا لشكل سياسي!! متجاهلا –كما أخبرته- تصور هيجل الفلسفي السياسي للدولة، ودورها في إدارة البناء الاجتماعي/ الطبقي لصالح الكلي المطلق الإلهي، وكيف أنه أسس لـ"نهاية التاريخ" المرتبطة بالمثالية الجرمانية البروتستانتية، ولفكرة الحضارة المطلقة التي ترى في الجرمان البروتستانت ذورة الشكل المثالي والمصطفى عبر التاريخ... لكن كل ذلك كان دون فائدة حيث أنه كان قد ارتدى "بيرسونا" النسق القيمي الأيدولوجي، الذي يشعر بوجود ما يهدد سرديته الكبرى الموضوعية العامة التي في الوقت نفسه هي سرديته الذاتية والشخصية أيضا.
نقد "الرائج في الهامش" العربي
ووجدت أنها فرصة مواتية لأعرج على موضوع كنت أرجئ الحديث فيه في مشروعي للدرس الثقافي العربي المقارن، حيث كنت أرى أن هناك مساحة ما تحتاج للكثير من الجهد لتحرير المستقبل العربي من إرث الماضي، ومسألة احتكار التصورات الممكنة للمستقبل وبدائله الفكرية والثقافية، وهي تدور في سياق ما أسميه "نقد الرائج في الهامش" دون الاكتفاء بنقد المتون العربية وسردياتها القديمة، وهو النقد الذي أربطه دوما بطرح البديل الممكن وليس الإشارة الرمزية النقدية فقط في الاشتغال على بعض المجالات والتفاصيل الثقافية والمعرفية.
صورة "هيجل العربي"!
من ثم سياق هذه الفكرة لـ"نقد الرائج في الهوامش العربية"، سأتناول في هذا المقال التصور العربي الرائج للفيلسوف والكاتب الألماني هيجل، وكيف تمثلته الثقافة العربية وصنعت له صورة بعينها في حقيقة الأمر تبدو صورة مجتزأة ومنتقاة مرت عبر مرشحات كثيرة، لتأسس لصورة "هيجل العربي"... الذي من خلال عملي على مصادره الغربية أستطيع القول إن هناك "هيجل أوربي"، يختلف كثيرا عن صورته الرائجة/ المصنوعة في المشهد العربي.
هيجل "الأوربي" الغائب
بداية في قراءتي وأبحاثي في موضوع "المسألة الأوربية" وتعاليها الحضاري والثقافي؛ وجدت أن هيجل يمثل المركز ونقطة التأسيس الحقيقية لما أطلقُ عليه منذ عشر سنوات تقريبا "المسألة الأوربية"، فمن خلال اشتغالي على الدرس الثقافي المقارن للقيم التي تحكم الظاهرة الإنسانية، سعيا للوصول إلى منظومة القيم الكبرى التي تحكم التدافع أو الصراع العالمي، وجدت أن المركزية الأوربية ترتبط بفكرة "الحضارة المطلقة" التي تصلح لكل زمان مكان وتختزل كل تمثلات الظاهرة البشرية في نفسها، وتمارس نوعا من العنف المعنوي تجاه الآخر الثقافي يسبق ممارستها للعنف المادي/ الاستعماري تجاهه. وحين تتبعت فكرة "الحضارة المطلقة" هذه وجدت أنها ترجع إلى هيجل، الذي أسس للفكرة نظريا وفلسفيا وتطبيقيا وعمليا، نظريا قدم هيجل تصوره لمثالية أوربية مطلقة تنتصر في إرث الصراع التاريخي اليوناني بين المثالية والمادية الذي حملته أوربا على أكتافها عندما استعادة فكرة العقل البشري بعد هيمنة الكنيسة في العصور الوسطى.
المطلق= التوليف= الجدل
بداية؛ المطلق عند هيجل هو فكرة التوليف أو التصور الوسط الذي يقع بين تصورين (اشتهرت الفكرة باسم الجدل)، فالمطلق هو القدرة على التوليف وتوظيف هذا التوليف/ الجدل، وفي الصراع الأشهر بين المثالية والمادية ذلك الإرث اليوناني الأوربي، رأي هيجل أن التوليف المركب منهما هو اعتباره أن كل عقلي/ مثالي لابد أن يكون له تمثل واقعي/ مادي، ودون فصل ولا يمكن التفرقة بينهما، فالمثالية المطلقة عند هيجل هي القدرة على النظر للحياة من خلال رؤية تمزج بين المثالي والمادي، الديني والدنيوي، ولا تخلق العداء بينهما. على المستوى التطبيقي والواقعي قدم هيجل تصورا لتلك الفكرة المطلقة الشمولية في رؤيته لشكل الدولة المثالية المطلقة التي يجب أن تسود، وهي فكرة الدولة التي تستلهم القيم الدينية وروح المطلق الإلهي المسيحي البروتستانتي الكبير، وهنا علينا أن نقف أمام عدة سمات لتلك الدولة المطلقة التي طرحها هيجل، من خلال صفات أنها مطلقة وشمولية وأنها مهمينة على إدارة عمليات الإنتاج في المجتمع. هي مطلقة لأنها تستمد وجودها من المطلق الإلهي المسيحي البروتستانتي وتعتبره التطور الأقصى والمطلق للشكل المثالي الروحي عبر التاريخ ونهايته التي لا تطور بعدها. وهي شمولية لأنها ترى ضرورة أن تكون الحياة السياسية شكلا حصريا يسير في اتجاه هذه الفكرة دون سواها، وتوظف كل عناصر المجتمع ومكوناته لتصب في صالح هذه الفكرة دون غيرها أو تجاور مع غيرها، فهي فكرة أحادية لا تؤمن بوجود فكرة صحيحة مجاورة لها.
بناء هيجل الطبقي
أما فكرة الهيمنة الإنتاجية داخل المجتمع فتقوم على أن هيجل رأى ان تلك الدولة عليها أن تنظم عملية الإنتاج في المجتمع، وتضع كل فرد في المكان الذي يناسبه، وفق ثلاثة أبنية طبقية أو اجتماعية عموما، هي الطبقة الزراعية (الجوهرية) والطبقة التصنيعية التجارية (الإنتاجية) والطبقة البيروقراطية (الكلية) التي تحمل فكر الدولة وتنفذه.. وأن هذه الهيمنة الانتاجية إلى جوار بقية أخواتها هي الشكل المثالي الأمثل للحياة على الأرض. وهذا التصور الإنتاجي الشمولي للدولة وهيمنتها في حقيقة الأمر هو الجذر التاريخي للبناء الطبقي الرأسمالي، الذي في طبقات وإضافات فلسفية أخرى سيرتبط أحيانا بالحرية الفردية (كما في أطروحات جون ستيوارت ميل عن الفردانية)، وأحيانا أخرى بحرية الأفراد داخل النظام الاجتماعي الكبير المطلق الذي تسيطر عليه الدولة بما يخدمها إجمالا في الوقت نفسه (كما في فكرة "اليد الخفية" لآدم سميث التي تشرعن السعي الفردي كخدمة للنظام الكلي)، إلى أن يصل الأمر ويتطور تصور هيجل الطبقي الرأسمالي إلى الدولة الديمقراطية الليبرالية في أمريكا، التي في جوهرها ومتونها الكبرى تحمل الكثير من سمات الحضارة البروتستانتية المطلقة التي طرحها هيجل، مع سماحها في الهوامش بوجود تصورات أخرى لا تتعارض مع متونها الحاكمة.
مازق التمثيل الماركسي العربي لهيجل
وبالعودة إلى النقاش الذي دار مع صديقي الماركسي العزيز؛ وجدت أنه في تناوله العلمي والتأريخي لفكرة اليوتوبيا والمثالية الأوربية، قد استبعد هيجل من الإطار تماما!! ودخلنا في نقاش مطول الكثير من تفاصيله علمية وإجرائية لكن الكثير من أحكامه وتصوراته كانت مسبقة وأيديولوجية. في حقيقة الأمر، يرى الكثير من الماركسيين الذين قدموا هيجل للثقافة العربية هيجل غير الذي عرفته الثقافة الأوربية! ويكتفون بعدة مقولات للخلاف بين ماركس وهيجل وأن ماركس صحح "الجدل" الهيجلي..!! بينما في حقيقة الأمر أول ما نقله ماركس عن أستاذه هيجل كانت فكرة الحضارة المطلقة ذاتها، واليوتوبيا على الأرض ولكن بمرجعية مادية. قدم ماركس رؤية تطورية للشكل المادي في العالم –محاكيا تطورية هيجل المثالية البروتستانتية- معتبرا أن الشكل المفترض لمادية عمالية عالمية هو الشكل النهائي للتطور والمطلق للظاهرة البشرية. وقدم شمولية سياسية مثله مثل هيجل تماما، وقدم هيمنة إنتاجية طبقية مثله مثل هيجل تماما لكن في تلك الهيمنة لم ينتصر لفكرة مثالية، إنما رأى أن العمال هم الشكل الأكثر تمثيلا لفكرة المادة، ورأى أن النظام السياسي يجب أن ينتصر لهم، عبر تصور للثورة على دولة هيجل وطبقاته الثلاثة.
الأشكال الثلاثة للحضارة المطلقة والمسألة الأوربية
هناك مفكر رئيس أنتج وهم الحضارة المطلقة التي لا يمكن تجاوزها، والتي نعاني من آثارها حاليا مع دونالد ترامب ومشروع الصدام الحضاري، والاستباق بمنع الآخرين من تداول الحضارة البشرية وريادتها، يجوز تسمية مشروع هيجل بالدولة الشمولية المسيحية الطبقية. ثم خرج تلميذه ماركس وعكس كل مقولات هجيل –مع الكثير من التفصيل والسرد في عرض وجهة نظره- بوهم لحضارة مطلقة أخرى، هو الدولة الشمولية العلمانية غير الطبقية (وفق تصوره). وكذلك خرج تصور آخر لوهم الحضارة المطلقة والمسألة الأوربية، لكن مصحوب هذه المرة بمسحة عرقية عنصرية، وهو الدولة الشمولية القومية الاشتراكية النازية، التي رأت أن الجنس الجرماني الآري يجب أن يسود الحضارة البشرية!
هل قتلوا هيجل ليقيموا سردية ماركس؟
موضع النقد الرئيس هنا؛ أن بعض الأصدقاء الأعزاء الماركسيين تعمدوا تجاهل الكثير من تصورات هيجل الكبرى، وتعمدوا إبراز الكثير من تفاصيل ماركس وسرده.. أو في قول آخر تعمدوا قتل هيجل ليقيموا سردية ماركس والماركسية. في واقع الأمر لا يمكن إسقاط هيجل من تاريخ اليوتوبيا، بل إن "الجنة الماركسية" (المجتمع اللا طبقي) هي في الحقيقة "الملكوت الهيجلي" لكن بعد تنزيله من السماء إلى المصنع، حاملا فكرة الشمولية والحضارة المطلقة والمسألة الأوربية ذاتها. وما يمكن أن نخرج به من هذا المقال القصير أن المسألة الأوربية برمتها ووهم الحضارة المطلقة المثالية أو المادية أو الاشتراكية القومية العنصرية، هو طور يجب على البشرية أن تتجاوزه، ويجب على المثقف الحقيقي أن يدعو لظهور انماط حضارية أخرى تقبل بالتعايش والتعدد والتجاور.
الخاتمة:
لم أقدم في هذا المقال "شهادة ذاتية" فقط إنما قدمت "نقدا معرفيا"، وتناولت البنية "النفس-معرفية" لنموذج للمثقف العربي المعاصر، وكشفت كيف يمكن ان يحدث للبعض توحد مع الأيديولوجيا بشكل يمنع أو يرفض رؤية الحقيقة ويحمي الهوية الشخصية من الانهيار أمام الحقيقة التاريخية، وبل تجعل هناك ازدواج في "البيرسونا" وقناع الشخصية الذي يتم استخدامه. في حقيقة الأمر هذه مقال ليس لنقد شخصي أبدا ، بل إن معزة هذا الشخص عندي لم ولن تتغير، ولكنني أنقد الحالة والتأثر والتبعية لأزمة المسألة الأوربية ومتلازماتها الثقافية/ الأيديولوجية. القرن الـ21 مازال يحمل أبرز تمثلات المسألة الأوربية وأثر هيجل، وهو فكرة الحضارة المطلقة البروتستانتية مع ترامب التي ترى في نفسها الذرورة ونهاية التاريخ، وتريد أن تمارس "صداما حضاريا" مع الجميع كي تستبق فكرة انتقال الدورة الحضارية، وتوقف سنة التاريخ وصيرورته. نحتاج الكثير من الوقت والجهد لنواجه أنفسنا، ونواجه الافتعال الذي بنى به البعض سردياته تحايلا على الحقائق التاريخية (متخيلين أن هذا نوع ما من النضال!)، ولكن المستقبل لن يولد بسلاسة ويسر، إنما عبر المواجهة والحوار المنطقي العقلاني، والكشف عن كل الرواسب "الرائجة في الهامش" بالدرجة نفسها التي نكشف بها عن "الرائج في المتون"... وهذا هو مجال مهم لتطبيق مشروعي في الدرس الثقافي العربي المقارن. ويبقى الأمل
#حاتم_الجوهرى (هاشتاغ)
Hatem_Elgoharey#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الصهيونية الإبراهيمية: نهاية مسار وبداية آخر
-
السرديات الكبرى بين المتن والهامش: راهن دولة ما بعد الاستقلا
...
-
بناء النماذج المعرفية وتجديد السردية المصرية/ العربية
-
الصهيونية الإبراهيمية: من التأسيس إلى سردية الهيمنة
-
حرب إيران : نظرية المتغير الأكثر بروزا والمحور الإبراهيمي
-
هل كانت الحرب لتفكيك الاحتشاد العربي/ الإسلامي؟
-
اغتيال المرشد والوجه الخشن لصفقة القرن
-
الحلف الهندوإبراهيمي وفضاء الصهيونية الجيوثقافي
-
مأزق السردية الجيوثقافية: دور السياسات العليا والعامة
-
هل تصبح مصر دولة الممانعة الوحيدة!
-
النظام الدولي: مأزق الوستفالية والحضارة المطلقة
-
الصدام الحضاري وإسرائيل: من أثينا الليبرالية إلى اسبرطه
-
تجمع الدول الست من أجل غزة: مقاربة في الإسناد السياسي
-
التوازن الناعم والخشن في مواجهة سيناء: مقاربة جديدة
-
جيوثقافية الشرق المأزوم: بين المثقف العمومي والمثقف التأسيسي
-
الممثل الرئاسي لشئون مساعدات غزة وإدارتها
-
متغيرات استراتيجية.. وضعف عربي في الاستجابة
-
في ذكرى ميلاد مؤسس الصهيونية الماركسية
-
الشرق الأوسط الجديد: النووي والوزن النسبي ولماذا ضَربتْ إسرا
...
-
زيارة ترامب إعلان غير رسمي للشرق الأوسط الجديد
المزيد.....
-
سنتكوم: اعتراض إحدى سفن -أسطول الظل- الإيراني في بحر العرب
-
لماذا يصر نتنياهو على إبقاء جبهة غزة مشتعلة؟
-
نتنياهو يوجه بضربات -قوية- بلبنان وسموتريتش يخيّر إيران بين
...
-
مستشار الخارجية الإيرانية: منهجية الضغط الأمريكية لن تحقق أه
...
-
سلسلة غارات إسرائيلية على مناطق متفرقة من جنوب لبنان
-
ترامب: إيران قدمت عرضًا جديدًا بعد إلغاء سفر ويتكوف وكوشنر..
...
-
لماذا تقتصر الانتخابات في غزة على دير البلح؟ مراسل CNN يوضح
...
-
الحرس الثوري يؤكد أن السيطرة على مضيق هرمز استراتيجية إيراني
...
-
وسائل إعلام أمريكية: انقسامات داخل طهران وراء فشل المحادثات
...
-
نظارة ذكية تتحدث وتوجه وتكشف الطريق
المزيد.....
-
علاقة السيد - التابع مع الغرب
/ مازن كم الماز
-
روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي
/ فاروق الصيّاحي
-
بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح
/ محمد علي مقلد
-
حرب التحرير في البانيا
/ محمد شيخو
-
التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء
/ خالد الكزولي
-
عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر
/ أحمد القصير
-
الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي
/ معز الراجحي
-
البلشفية وقضايا الثورة الصينية
/ ستالين
المزيد.....
|