أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - منير السباح - هوية لا تمحوها المكائد















المزيد.....

هوية لا تمحوها المكائد


منير السباح

الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 09:25
المحور: القضية الفلسطينية
    


لم تعد المعارك السياسية الكبرى تُدار في أروقة الدبلوماسية التقليدية وبياناتها الرصينة، بل انتقلت بكامل تشنجها وصخبها إلى شاشات الهواتف الذكية وتفاصيل منصات التواصل الاجتماعي.
في هذا الفضاء الافتراضي المفتوح على الاحتمالات كافة، وتحديداً عبر منصات مثل الفيسبوك والإنستا وتيك توك، وغيرها تحولت النقاشات العربية البينية من مساحات للتلاقي إلى ميادين لحرب إلكترونية ناعمة وممنهجة؛ نجحت فيها الخوارزميات الموجهة، واللجان الإلكترونية، في إشعال فتن افتراضية عابرة للحدود.
والهدف الخفي وراء هذا الضخ اليومي هو تضخيم نبرة التحامل العشوائي، والتعمد الواضح لطمس وإخفاء مشاعر الوئام الفطري، والتعاطف التاريخي، والروابط العضوية التي تجمع هذه الشعوب على أرض الواقع.
في هذه المساحة الرقمية المشحونة، غالباً ما يصطدم الاعتزاز الفلسطيني بالهوية والاعتداد بالذات—وهو السلوك الذي وُلد تاريخياً كآلية دفاعية وجودية مشروعة لحماية الموروث الثقافى من المحو—مع هويات وطنية صاعدة واندفاعات رقمية في بعض الأوساط العربية.
هذا الاصطدام المفتعل يعيد قراءة الموروث الشعبي والرموز الفلكلورية لا كعوامل تقارب، بل كأدوات للسجال والتشريح والتنميط المتبادل؛ حيث تتقاطع فيه المظلومية التاريخية العميقة مع وقع الحروب المستمرة، وآخرها حرب غزة الضارية، التي وضعت الفلسطيني في حالة مستمرة من "العض على الجرح"، محاولاً التنفيس عن ألمه التاريخي بإثبات وجوده الكثيف في شتى المجالات.
إنه تشبث مستميت بهوية حية يخاف أن يفقدها أو يُطمس بريقها كما فُقد الوطن من قبل، فيغدو الاستعراض الفلكلوري والثقافي والمهني بمثابة درع أخير ضد النسيان والذوبان.
هذه الحالة المعقدة لا يمكن فصلها عن داء الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني الداخلي، الذي تحول إلى ثغرة كبرى نفذت منها مطابخ التحريض الافتراضي .
لقد ألقى هذا التشظي بظلاله الثقيلة على مشهد المناصرة، حيث يُستغل الانقسام رقمياً لضرب شرعية الرواية الفلسطينية برمتها، ومعايرة الفرد بفرقة قادته؛ لتتحول المناكفات السياسية الفصائلية إلى مادة دسمة تُغذي الاتهامات الجاهزة بالتقصير في إدارة البيت الداخلي، وهو ما يتلاقى بوضوح مع ظاهرة الاستقطاب والانقسام العربي-العربي.
هذا الانقسام الإقليمي حوّل القضية الفلسطينية في فضاء السوشيال ميديا إلى كرت سياسي وأداة للاصطفاف، حيث يُحسب التعاطف أو العداء بناءً على المحاور السياسية التي تنتمي إليها كل دولة.
فإذا ناصرت منصةٌ فلسطين، هوجمت من المحور المقابل، وإذا انتقدت أخرى سلوكاً فصائلياً، صُنفت فوراً في خانة الخيانة، مما جعل المشهد الرقمي ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية على حساب الوجع الإنساني الحقيقي.
تتجلى هذه الجدلية بوضوح في السجالات الدائرة بين بعض الحسابات الفلسطينية ونظيرتها في دول الخليج العربي؛ حيث تلجأ آلات التحريض الإلكتروني إلى نبش سرديات قديمة وشحنها وتحديثها لإحداث وقيعة جيلية.
يقع بعض المغردين في فخ استدعاء الفخر بالدور التنموي والتعليمي التاريخي الكثيف، أو الاستعراض الحاشد لرموز الهوية كالأثواب المطرزة وأغاني "الترويدة" و"الدلعونا" في غير سياقها، كمن يردد بلغة الفهلوة المعاصرة "إحنا اللي دهنّا الهوى دوكو" لإثبات الريادة المهنية والثقافية.
في المقابل، يقتنص الذباب الإلكتروني هذا الاعتداد العفوي بالذات، ويقوم باجتزاء المقاطع المرئية وتصديرها للمواطن الخليجي بوصفها استعلاءً أو استنقاصاً من الكفاءات الوطنية الصاعدة، مما يولد ردود فعل حادة تدعو إلى الانكفاء على الداخل تحت شعارات ضيقة، متناسين جميعاً أن المبالغة في التمسك بالثوب والأغنية والكفاءة في المغترب كانت وسيلة الفلسطيني اليتيمة للبقاء وحفظ كينونته من الذوبان، وليست استعلاءً على أشقاء احتضنوه.
أما على جبهة الجوار الشامي في الأردن ولبنان، فتأخذ المعارك الرقمية طابعاً أكثر حساسية، كونها تمس تداخلاً ديمغرافياً حياً وتاريخاً مشتركاً من المعاناة اليومية ووحدة الإيقاع في فنون الدبكة والزجل والعتابا. هنا، تعمل الحسابات الموجهة على اتهام الفلسطيني بالتصلب الفكري والإنكار، ولسان حالها يرفع شعار "عنزة ولو طارت"، بدعوى أنه يرفض رؤية الأزمات الاقتصادية والأمنية الطاحنة التي تمر بها تلك الدول المضيفة، ويصر على جعل قضيتها المحور الوحيد للكون.
تزداد هذه الفجوة عمقاً بفعل الاستقطاب الرقمي الحاد؛ إذ يتم محاكمة التعارضات السياسية والمواقف المتباينة من الأزمات الإقليمية بحدّة واضحة، ليتحول الخطاب الافتراضي إلى ساحة لتبادل اللوم والعتاب المفرط، أو استدعاء قسري لقيم "المروءة والنخوة" المفترضة تاريخياً من الأشقاء، دون الالتفات إلى أن لكل مجتمع عربي همومه، ومتطلباته، وضرورات بقائه، ومخاوفه السياسية والاقتصادية والوجودية المشروعة أيضاً، والتي عمّقها الانقسام والاصطفاف الإقليمي العام.
هذا السجال العقيم يخلق عداءً نفسياً متخلقاً في الفضاء الأزرق، بينما تخفي الخوارزميات عمداً ملايين رسائل التضامن والمصاهرة ووحدة الدم الحقيقية التي تُترجم يومياً في البيوت والمخيمات والمدن.
ولم يسلم العمق العراقي، صاحب الرصيد الوجداني الهائل في الذاكرة الفلسطينية، من مبضع الفتنة الرقمية. إذ تركز الحسابات المستعارة على نبش الخلافات السياسية التاريخية وتحولات المواقف الرسمية السابقة لإضعاف الحاضنة الشعبية، مستخدمة أسلوب التشكيك والمعايرة بالخلاف الداخلي والانقسام، كمن يوظف المثل الشعبي القائل "ما أفلح في أرضه بدّه يفلح في أرض غيره" لتبرير رفع اليد عن مساندته والتقليل من تضحيات أجيال تغنى بحبها حداؤو الزجل في الميجانا والعتابا عبر العقود.
إن غياب الود والتعاطف عن الواجهات الافتراضية ليس تعبيراً عن حقيقة مشاعر الشعوب، بل هو هندسة دقيقة لغرف الحرب الإلكترونية المعادية، التي تدرك جيداً أن الشتائم ومشاعر الغضب تحقق أعلى معدلات تفاعل وانتشار على المنصات.
تصنع هذه المطابخ حسابات وهمية بأسماء وصور عربية لتشتم الكوفية والثوب والقضية، وتدير في الوقت نفسه حسابات بأسماء فلسطينية لترد بالعمى والتخوين، والنتيجة هي حصار نفسي متبادل يجبر النخب والعقلاء في كل المجتمعات على الانكفاء والصمت، متجرعين ألم هذا التمزق المستحدث، في حالة تجسد تماماً معنى "أكلنا الصبر بشوكه"، حيث غدا وخز الأشقاء الافتراضي أشد وطأة من آلات الاحتلال على الأرض.
إن كسر هذا الحصار الرقمي المسموم يبدأ من الوعي الجمعي بآليات عمل هذه المنصات؛ بتفكيك الحسابات المجهولة، وتحدي الخوارزميات وضخ محتوى بديل يركز على المشتركات الثقافية والفنية والوجدانية.
وعلى الفلسطيني أيضاً أن يدرك، من باب النضج السياسي والاجتماعي، أن كبرياء الضحية واعتزازه بهويته لا يمنحانه الحق في القفز فوق خصوصيات وأزمات الشعوب الشقيقة التي تنوء بأحمالها الخاصة ولها أولوياتها الحياتية ومخاوفها من تداعيات المحاور السياسية. في النهاية، ما يبدو على السطح كنفور وشوفينية مضادة ليس سوى فقاعة اصطناعية، ومن يحاول تفكيك نسيج الدم والتاريخ العربي المشترك عبر الفضاء الافتراضي مستغلاً الخلافات العابرة، إنما يحاول "الفلاحة في البرص"؛ لأن الجذور العميقة للود الممتدة في الأغاني والذاكرة والأرض أصلب وأبقى من أن تمحوها تغريدة موجهة أو وسم عابر.@



#منير_السباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف تُعري الأزمات معادن النفس البشرية
- مَجَرَّةُ السَّعَف: عِشْقٌ يَتَحَدَّى النَّوَامِيس
- متاهة الوعي الفلسطيني: حين يبتلع التيه الثوابت وتصبح -العمال ...
- كاريزما الزعامة وأوهام الصناديق: كيف تهبط بنا الارتجالية من ...
- جذور اللاسامية: من التأسيس العرقي في أوروبا إلى التوظيف السي ...
- السعودية والدجل فى زمن الخوف والحرب
- صابر ابو القمصان يدق ناقوس النسيان
- الرأى الحر إن لم ينفع فإنه لايضر
- رقم السنوار الغامض: هل كان ال 1111 موعداً زمنياً أم إحداثية ...
- مأزق الصناديق في غزة: سيكولوجية الانكفاء، -بلوك- حماس الصلب، ...
- وهم الرقمِ ووعيُ الخيمة: لماذا سقط حراك -26/6- وانتصر الشارع ...
- 26/6 عمل شمشونى ووصفة سريعة للانتحار الجماعى
- الكلمةالطائشة والوطن المستباح: عندما تصبح الكتابة في الشأن ا ...
- الوعي بالذات الوطنية ومقاومة سقوط الهوية الكفاحية للشعب الفل ...
- محكمة الضمير الإنساني تلاحق كل من يخالف الفطرة السليمة
- سقوط الرواية الصهيونية فى احقيتها بأرض فلسطين على ايدى علماء ...
- الدبكة الفلسطينية نبض الأرض وايقونة الهوية العابرة للاجيال
- جدلية الفرح والحزن: بين رفض الموت وصُنْعِ الحياة
- الاعراض النفسية لصدمة مابعد الحرب
- الشهادة بين جلال المقدس وفداحة الخسارة


المزيد.....




- خبراء روس: قمة -شنغهاي- في بيشكيك قد تُدخل تعديلات على ميثاق ...
- لندن تلوح لإسرائيل بسيف العقوبات
- موسكو: سفارتنا في ستوكهولم تعرضت لـ25 هجوما بالمسيّرات خلال ...
- الولايات المتحدة.. مقتل شخصين وفقدان ثالث بفيضانات اجتاحت أر ...
- الحرس الثوري يعلن استهداف ناقلة تحت عين الحراسة الأمريكية
- معمر القذافي وأسطورة نسب الدم الكورسيكي!
- -شاومي- تكشف عن أول شريحة للقيادة الذكية بتقنية 3 نانومتر من ...
- ما سبب قلق نتنياهو؟
- معركة داؤود وجالوت: إسرائيل تطرد الأوروبيين
- واشنطن تعوّض في فنزويلا ما خسرته في الشرق الأوسط


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - منير السباح - هوية لا تمحوها المكائد