أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - منير السباح - صابر ابو القمصان يدق ناقوس النسيان














المزيد.....

صابر ابو القمصان يدق ناقوس النسيان


منير السباح

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 04:50
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


فتحت أعيننا في مخيم الشاطئ الشمالي بغزة على "صابر"، ذلك الشاب الصغير الذي كان من أصحاب القدرات المحدودة، بملامحه البسيطة وألفاظه الجريئة. لكن خلف تلك القدرات المحدودة، كانت تسكن روح لم تعرف الخوف يوماً. لا أعرف حقاً من أين امتلك كل تلك الجرأة، وكيف لشخص بمثل حالته أن يضع هذا الهدف الكبير بين عينيه، ويقرر بمحض إرادته أن يعيش معاناة مواجهة الاحتلال اليومية.منذ صغرنا، كنا نرقب صابر وهو مشغول طوال وقته بهدف واحد: كيف يشاغل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين الذين كانوا يأتون إلى غزة. كان يترصدهم يومياً على وجه الخصوص عند "التلة الشمالية" المطلة على المخيم. هناك، كان يقف شامخاً ليرجم بحجارته الجيبات العسكرية التي تمر من المكان، والحافلات التي كانت تنقل المستوطنين القادمين لاستطلاع المخيم، والتفكير في كيف يمكن أن يكونوا جيراناً لأهله في حال استوطنوا بجوارهم.بجرأته الاستثنائية، استطاع صابر أن يلف حوله أطفال المخيم، وأن يجعلهم يقلدونه في أفعاله. لقد صنع بيده أول مقلاع أراه في حياتي، وكان يتقدم بكل شجاعة إلى أقرب نقطة ممكنة، في تماس مباشر وصادم مع جنود الجيش. كان المستوطنون يحاولون استدراجنا وإغراءنا ببعض الحلوى—لربما ليحببونا فيهم، أو ليتّقوا شرّ حِجارتنا—لكن صابر كان صاحب المدرسة الأولى؛ علّمنا أن نأخذ منهم الحلوى، ثم نمطرهم مباشرة بالحجارة، حتى يندموا على اليوم الذي فكروا فيه بالمجيء إلى هذا المكان.وفي أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، قررت الحكومة الإسرائيلية بناء مستوطنة مجاورة لمخيم الشاطئ الشمالي، وتحديداً في الأرض المعروفة باسم "المشتل" من الناحية الغربية الشمالية، وهي المنطقة الغنية بالآثار، والممتدة تقريباً من المثلث الشمالي محاذيةً لمسجد الشهداء وحتى نصل إلى فندق المشتل.حوط الاحتلال كامل تلك الأرض بالأسلاك الشائكة تمهيداً لبدء البناء، فما كان من صابر إلا أن جعل من تلك الأسلاك معركته الخاصة. كان يتسلل كل يوم إلى المكان، يغافل الدوريات العسكرية الدائمة المرابطة هناك، ويقوم بفك وطي تلك الأسلاك ثم إلقائها في عرض البحر. تكرر الأمر حتى أصاب الذهول جنود الاحتلال، فقرروا التربص وعمل كمين محكم لضبط هذا "المخرب الخفي".نجح الكمين، واقتادوا صابر إلى مقر الزراعة الذي كان يتخذه الاحتلال مقراً مؤقتاً لإدارة المكان. هناك، قاموا بتربيطه وإشباعه ضرباً مبرحاً، ثم استدعوا والده ليتكفل به ويسلمه إياه. لكن صابر لم يكن شخصاً عادياً؛ كانت لديه عقيدة راسخة وعقدة لا تنحل مع الاحتلال. لم يثنهِ الضرب، ولم تكسره قسوة الاعتقال، بل عاد بعد تلك الحادثة أكثر عناداً وأشد عنفاً في مواجهتهم.استمر صابر على هذا النهج، وزرع في قلوب أطفال المخيم—وأنا من ضمنهم—بذور الجرأة ومقاومة المحتل، حتى أصبح كل طفل يفعل تماماً ما يفعله صابر. لقد كانت أفعاله وبطولاته البسيطة هي التهيئة الحقيقية والتوطئة لجيل "أطفال الحجارة" الذين فجروا انتفاضة عام 1987. وبفضل صمود صابر، وبفضل تلك السواعد الصغيرة التي علّمها الشجاعة، أُفشِل مخطط بناء مستوطنة المشتل، والتي كان الاحتلال يخطط لبنائها ربما باسم افترضه "مشتليوت".رحل ذلك الزمان، لكننا نروي اليوم هذه الحكاية ليدق اسم صابر أبو القمصان ناقوس النسيان؛ لئلا تنسى الذاكرة رجلاً بسيط القدرات، عظيم الأثر، حمى أرضاً بجرأته، وصنع جيلاً قاوم بقلب لا يعرف الخوف.رحمة الله عليك يا صابر.. لقد كنت بطلاً قاوم الاستيطان.



#منير_السباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرأى الحر إن لم ينفع فإنه لايضر
- رقم السنوار الغامض: هل كان ال 1111 موعداً زمنياً أم إحداثية ...
- مأزق الصناديق في غزة: سيكولوجية الانكفاء، -بلوك- حماس الصلب، ...
- وهم الرقمِ ووعيُ الخيمة: لماذا سقط حراك -26/6- وانتصر الشارع ...
- 26/6 عمل شمشونى ووصفة سريعة للانتحار الجماعى
- الكلمةالطائشة والوطن المستباح: عندما تصبح الكتابة في الشأن ا ...
- الوعي بالذات الوطنية ومقاومة سقوط الهوية الكفاحية للشعب الفل ...
- محكمة الضمير الإنساني تلاحق كل من يخالف الفطرة السليمة
- سقوط الرواية الصهيونية فى احقيتها بأرض فلسطين على ايدى علماء ...
- الدبكة الفلسطينية نبض الأرض وايقونة الهوية العابرة للاجيال
- جدلية الفرح والحزن: بين رفض الموت وصُنْعِ الحياة
- الاعراض النفسية لصدمة مابعد الحرب
- الشهادة بين جلال المقدس وفداحة الخسارة
- شكرا للضمير العالمى
- قم من عثرتك
- حظ النفس
- الانسان اسم وعنوان
- كنعان منذ أول الزمان
- لوثة التدين
- قصاصة ورق


المزيد.....




- بورنهام زعيما لحزب العمال البريطاني
- بيان مشترك تضامنا مع الرفيق حمّه الهمامي ضدّ الدعوة لاغتياله ...
- بـلاغ اخباري حول تطورات معركة الكرامة في المديرية الحهوية لل ...
- ساويرس يرد على هجوم بسبب توزيع هدايا على -لاعبي مصر الأغنياء ...
- موسكو تحتج رسميا على هدم النصب التذكاري السوفييتي في إستونيا ...
- صعود الاشتراكيين الديمقراطيين يشعل معركة هوية داخل الحزب الد ...
- بورنهام يخلف ستارمر في زعامة حزب العمال.. ما أسباب التوافق ع ...
- الرجل -عالي التستوستيرون- أو الحملة الجديدة لوزير الدفاع الأ ...
- Albania’s Flamingo Revolution Tests the New Western Order
- The People of Asia Demand Sovereignty and Solidarity


المزيد.....

- في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما ... / محسين الشهباني
- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - منير السباح - صابر ابو القمصان يدق ناقوس النسيان