أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - منير السباح - الرأى الحر إن لم ينفع فإنه لايضر














المزيد.....

الرأى الحر إن لم ينفع فإنه لايضر


منير السباح

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 00:30
المحور: المجتمع المدني
    


في عالم تتقاطع فيه الرغبات وتتصارع فيه الإرادات، يبرز "الرأي" كمرآة تعكس وعي المرء أو انفعاله. غير أن هناك فجوة واسعة بين رأي ينطلق من انفعال عاطفي أو عصبي لحظي، وبين رأي حر رصين. إن الرأي الانفعالي ليس أكثر من فعل منعكس، يهدف في الغالب إلى تنفيس كبت النفس وتفريغ شحنتها الإنسانية المؤقتة؛ لذا فهو يفتقر إلى كامل الإحاطة، ويركز على زاوية ضيقة يحددها الألم اللحظي أو الفرح العابر. أما الرأي الحر، فهو ذلك الذي يصدر عن وعي وإدراك وإحاطة، وتجارب وخبرات عميقة تتعدى حدود المشاعر الآنية، متمسكاً بالقاعدة الأخلاقية الذهبية: إن لم ينفع.. لا يضر.ويتجلى هذا التباين بوضوح في الأوقات العصيبة؛ فلا شك أن ما يمر به شعبنا الغزي من آلام ممتدة، وجراح عميقة، وأحزان ودمار، قد جعل البنية النفسية والمجتمعية في حالة اضطراب انعكست مباشرة على طبيعة الآراء وسلاستها. لقد أنتجت هذه الصدمات الفادحة سيولاً من المواقف المتقلبة، فهناك رأي يائس، ورأي منفلت لا ينظر إلى العواقب، ورأي متردد أو متشائم، ورأي جريح يلوم ويحقد، يقابله رأي متفائل يمثل الفئة القليلة. هذا الاضطراب النفسي أفرز سيولة خطيرة في الاتهامات، وغياباً للثقة، ولجوءاً للشتيمة والطعن والتخوين والابتزاز العاطفي. وأخطر ما في هذه الحالة، هو تلك النرجسية الفكرية، حيث يعتقد كل طرف أنه وحده من يملك الصواب المطلق، وأن كل من يخالفه إما ناقص وعي أو مدفوع بالمصلحة. إن صاحب هذا الرأي المأزوم لا يشاهد إلا نفسه؛ ينظر في مرآة ذاته فتقول له: "أنت الوحيد الذي على حق والباقي على باطل". ويزداد الأمر وهماً حين يلتف حوله بعض الحاضرين المصفقين، ليدخل في خدعة كبرى يغذيها سجن الخوارزميات على منصات التواصل الاجتماعي، والتي تعزله في فقاعة تعرض له ما يحب أن يرى ويسمع فقط، فتتضخم نفسه وتتصلب أحكامه السياسية والمجتمعية.وأمام هذا التصحّر الفكري، تبرز قيمة التواضع الإنساني والاعتراف بالخطأ، فالإنسان ليس كاملاً، ويخطئ في التصور والفهم كما يخطئ سائر البشر. إن القناعة الراسخة بأن رأينا قد يحتمل الصواب والخطأ، أو المناصفة بينهما، هي أولى خطوات النضج، فكل منا ينظر إلى القضايا من زاوية مختلفة يحددها حجم الألم، والصعوبات، والمستوى العلمي، والفئة العمرية، والتخصص، والثقافة. علاوة على ذلك، فإن حجم الاطلاع يختلف من شخص لآخر؛ بل إن هناك أوقاتاً يفرض فيها الوعي الأخلاقي والإنساني والأمني التحفظ على بعض المعلومات وعدم الإفصاح الكامل عنها، مما يجعل الرؤية تبدو مختلفة لمن ينظر إليها من الخارج.إن إنتاج الرأي لا يخلو من تحديات، فالقرب أو البعد من قضية ما، أو الانتماء لفئة أو حزب، يوقع المرء شاء أم أبى في فخ التحيز اللاإرادي. هنا تكمن المعركة الحقيقية؛ قدرة الإنسان على إدارة نفسه وضبط بوصلته وسط هذا الواقع الملوث والمضطرب، للمحافظة على رأي يفيد الناس دون أن يجرح مشاعرها، ودون تركها تنجر وراء وهم الرأي السائد العاطفي. وإذا تركنا أنفسنا لهذا الوهم، فسوف نظل ندور في حلقة مفرغة، نكرر أنفسنا، ونعيد صياغة ذواتنا المأزومة، ونطبع مع حالة الزيف التي استشرت فينا. لذا، لا بد أن نفهم أن النقد الذاتي –وإن بدا لك أنه يخالفك أو يتساوق مع غير رأيك– هو طوق النجاة. لا تخشَ النقد؛ فهو الذي يصدمك ويخرجك من حيز غفلتك وتيهك. استرجع خبراتك السابقة وكبواتك: كم مرة بنيت أحلاماً على أوهام ثم خذلتك، لأنك تفكر بذات العقلية النمطية؟لا تخف ممن يقول لك شيئاً يختلف عما تراه؛ فلا يجب أن يتطابق الناس جميعاً، ولو تطابقوا لتوقفت عجلة الإنتاج ولتجمدت حركة الحياة. المعارضة الفكرية الواعية هي شكل من أشكال التصحيح, ولكنها تحتاج منا إلى وقوف جاد مع النفس، وتدقيق في التفاصيل، واستخدام وسائل أدبية جريئة لإجراء التغيير الحقيقي. وفي حالتنا الفلسطينية، صار الأمر معقداً وصعباً للغاية، خصوصاً بعد أهوال حرب غزة، ولكنه ليس مستحيلاً. إن الرأي الحر مسؤولية وأمانة؛ فإذا لم تتوفر للمرء الإحاطة الكافية، والقدرة على التجرد من الانحيازات الذاتية، فإن التريث يصبح فضيلة. إن لم يسعفنا الوعي لنقدم رأياً يبني، ويشفي، وينفع الناس؛ فإن أضعف الإيمان الأخلاقي أن نكفّ الأذى عن مجتمع أثقلته الجراح، ليبقى شعارنا الدائم والأسمى: الرأي الحر.. إن لم ينفع لا يضر.



#منير_السباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رقم السنوار الغامض: هل كان ال 1111 موعداً زمنياً أم إحداثية ...
- مأزق الصناديق في غزة: سيكولوجية الانكفاء، -بلوك- حماس الصلب، ...
- وهم الرقمِ ووعيُ الخيمة: لماذا سقط حراك -26/6- وانتصر الشارع ...
- 26/6 عمل شمشونى ووصفة سريعة للانتحار الجماعى
- الكلمةالطائشة والوطن المستباح: عندما تصبح الكتابة في الشأن ا ...
- الوعي بالذات الوطنية ومقاومة سقوط الهوية الكفاحية للشعب الفل ...
- محكمة الضمير الإنساني تلاحق كل من يخالف الفطرة السليمة
- سقوط الرواية الصهيونية فى احقيتها بأرض فلسطين على ايدى علماء ...
- الدبكة الفلسطينية نبض الأرض وايقونة الهوية العابرة للاجيال
- جدلية الفرح والحزن: بين رفض الموت وصُنْعِ الحياة
- الاعراض النفسية لصدمة مابعد الحرب
- الشهادة بين جلال المقدس وفداحة الخسارة
- شكرا للضمير العالمى
- قم من عثرتك
- حظ النفس
- الانسان اسم وعنوان
- كنعان منذ أول الزمان
- لوثة التدين
- قصاصة ورق
- ذاكرة الصوت والسمع


المزيد.....




- الأمم المتحدة تحذر من سوء التغذية ومخلفات الذخائر في السودان ...
- الأمم المتحدة: استئناف العمليات القتالية بين الولايات المتحد ...
- رايتس ووتش تدعو فيفا لمكافحة العنصرية والسياسات التمييزية في ...
- منظمة حقوقية: الدعم السريع يحتجز 6 آلاف مدني بسجون الفاشر
- الأمين العام للأمم المتحدة: أحث إيران وأميركا على استئناف ال ...
- السودان.. حكم غيابي بإعدام حميدتي وشقيقيه و13 آخرين من منتسب ...
- حق العودة الفلسطيني.. لا يسقط بالتقادم
- السودان.. حكم غيابي بإعدام قائد قوات الدعم السريع
- حكم بإعدام حميدتي واتهامات أمريكية تزيد عزلة السودان
- محكمة سودانية تصدر حكما غيابيا بإعدام قائد قوات الدعم السريع ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - منير السباح - الرأى الحر إن لم ينفع فإنه لايضر