أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منير السباح - مأزق الصناديق في غزة: سيكولوجية الانكفاء، -بلوك- حماس الصلب، وترهل فتح التنظيمي














المزيد.....

مأزق الصناديق في غزة: سيكولوجية الانكفاء، -بلوك- حماس الصلب، وترهل فتح التنظيمي


منير السباح

الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 03:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في المشهد الفلسطيني المعقد، لم يعد السؤال عن مستقبل الحكم، أو إمكانية إجراء انتخابات مقبلة، حكراً على حسابات التحالفات الإقليمية وموازين القوى العسكرية. إن الغوص في تفاصيل الواقع المعاش، وتحديداً في قطاع غزة، يكشف عن معادلة ثلاثية الأبعاد يتداخل فيها العامل النفسي بالبنيوي والتنظيمي، لتصنع مشهداً سياسياً يبدو في ظاهره راكداً، لكنه يحمل في طياته تحولات عميقة ومقلقة لكافة الأطراف.تُعلمنا تجارب التاريخ أن سقوط الأنظمة الحاكمة أو تراجع الحركات الشمولية يرتبط عادةً بانفجار الحاضنة الشعبية ضد سياسات إقصاء التعددية أو الفشل في إدارة الأزمات. لكن هذا القانون التاريخي يصطدم في قطاع غزة بحالة نفسية جمعية فريدة ومعقدة، يمكن تسميتها بـ "سيكولوجية الإنهاك والتجنب". إن غياب التفاعل الجماهيري مع دعوات التغيير أو الاحتجاج لا يعكس رضا عاماً عن الواقع، بل هو نتاج مباشر لاضطرابات ما بعد الصدمة التراكمية التي يعيشها المواطن الغزي. لقد تحولت الطاقة النفسية والذهنية للمجتمع من مربع المشاركة العامة والشغف السياسي إلى مربع الانكفاء على الذات وصراع البقاء اليومي. فحين يصبح تأمين قوت اليوم، وطابور الماء، والحفاظ على رمق الحياة وأمان العائلة هي الأولوية القصوى، يتراجع الشأن السياسي ليصبح ترفاً لا يملكه المواطن المنهك. هذا الإنهاك ولّد حالة من العجز المكتسب، حيث تسرب الإحباط إلى الوعي الجمعي بأن أي تحرك أو محاولة لإعادة صياغة الواقع قد تقود إلى جولة عنف جديدة أو فوضى لا تقوى الأجساد والأرواح المنهكة على تحمل كُلفتها، فيفضل الشارع السكون حمايةً لما تبقى من رماد استقراره.ولم تكن هذه القراءة النفسية مجرد ترف نظري، بل تجسدت واقعاً ملموساً في الاستحقاق المحلي الأخير لانتخابات بلدية دير البلح. تلك المحطة شكلت نموذجاً حياً لكيفية ترجمة الذهول النفسي إلى سلوك سياسي على الأرض. لقد عكس إحجام قطاع واسع من الجمهور عن التفاعل والمشاركة صرخة صامتة ضد المنظومة الحزبية القائمة. وفي ظل هذا الفراغ الذي خلفته الأغلبية الصامتة، تراجعت الهوية المدنية والسياسية لصالح الروابط التقليدية الأولى، فطغت العائلية والعشائرية على المشهد بفضل حجمها وقدرتها الذاتية على الحشد والتحرك في مناخات الركود العام. أما الحزبية التقليدية، فقد بدت متداخلة شكلاً وصورية، ومخادعة في الجوهر؛ حيث آثرت الفصائل الكبرى التخفي وراء لافتات المستقلين أو كتل التكنوقراط، في محاولة واضحة للالتفاف على غضب الشارع أو هرباً من مواجهته ببرامج وشعارات تقليدية لم تعد بضاعة رائجة في سوق الوعي الغزي المكلوم.هذا العزوف العام والإنهاك السيكولوجي يقودنا إلى قراءة توازنات القوى الإيديولوجية والتنظيمية في حال الذهاب إلى انتخابات عامة. وهنا تبرز المفارقة التي ترجح كفة حركة حماس برغم حجم الدمار والكارثة المحيطة بالقطاع. تكمن قوة حماس الانتخابية في امتلاكها لما يمكن تسميته "البلوك الإيديولوجي الصلب"، فهذا القطاع من الجمهور لا يصوّت بناءً على تقييم الأداء المعيشي أو الخدماتي، بل ينطلق من التزام عقائدي وتربوي صارم يرى في مساندة الحركة واجباً تنظيمياً. يضاف إلى ذلك تميز حماس بآليات تواصل مستمرة تتجاوز المواسم الانتخابية، عبر شبكات تربوية ودعوية وحلقات مساجد تصنع حالة تلاحم مجتمعي يومي يحافظ على تماسك القواعد. والأهم من ذلك، هو ديناميكية تجديد القيادات داخل حماس؛ وهو تجديد يفرضه عاملان: الالتزام الأيديولوجي الشوري من جهة، والغياب القسري للقادة بفعل الاغتيالات والمواجهات من جهة أخرى. هذا التجدد التلقائي يضخ دماءً شابة ومتحمسة بانتظام في سدة الهرم، مما يبقي التنظيم حيوياً وقادراً على محاكاة تحولات الأجيال.على الطرف المقابل، تبدو حركة فتح غارقة في أزمة ترهل تنظيمي حاد يهدد أطرافها بالتآكل. تعاني الحركة من معضلة التكدس القيادي في أعلى الهرم، حيث تستأثر النخب التقليدية والتاريخية بالمشهد، حارمةً القاعدة العريضة والكوادر الشابة من فرصة الصعود أو إحداث تدافع أجيال طبيعي. هذا الانسداد التنظيمي، مصحوباً بسياسات إقصائية داخلية، يعزز حالة الاغتراب لدى جيل الشباب الذي لا يرى نفسه في خطاب الحركة الحالي، مما يشتت أصوات جمهورها التقليدي ويفقدها القدرة على تقديم البديل الجاذب والمنظم الذي ينتظره الشارع.إن الإجابة على ثنائية سقوط حماس أو نجاح فتح لا تكمن في قراءة النوايا أو إطلاق الشعارات، بل في فهم متى وكيف سيتعافى الوجدان الجمعي في غزة من صدماته المتلاحقة. لن تسقط حماس بفعل الضغط الخارجي طالما احتفظت بكتلتها الصلبة في مواجهة تنظيمات مترهلة، ولن تنجح فتح في وراثة المشهد وهي عاجزة عن تجديد دمائها وفتح قنوات الهرم لقواعدها. التحول الحقيقي سينتظر اللحظة التي يخرج فيها الشارع من مرحلة الذهول النفسي إلى مرحلة التعافي والمبادرة، ليولد من رحم المعاناة وعي سياسي جديد، يتجاوز الخوف وصراع الإيديولوجيات، ويطالب ببنية ديمقراطية اتحادية تعددية تضع كرامة الإنسان الفلسطيني واستقراره النفسي والمعيشي فوق أي اعتبار فصائلي.



#منير_السباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وهم الرقمِ ووعيُ الخيمة: لماذا سقط حراك -26/6- وانتصر الشارع ...
- 26/6 عمل شمشونى ووصفة سريعة للانتحار الجماعى
- الكلمةالطائشة والوطن المستباح: عندما تصبح الكتابة في الشأن ا ...
- الوعي بالذات الوطنية ومقاومة سقوط الهوية الكفاحية للشعب الفل ...
- محكمة الضمير الإنساني تلاحق كل من يخالف الفطرة السليمة
- سقوط الرواية الصهيونية فى احقيتها بأرض فلسطين على ايدى علماء ...
- الدبكة الفلسطينية نبض الأرض وايقونة الهوية العابرة للاجيال
- جدلية الفرح والحزن: بين رفض الموت وصُنْعِ الحياة
- الاعراض النفسية لصدمة مابعد الحرب
- الشهادة بين جلال المقدس وفداحة الخسارة
- شكرا للضمير العالمى
- قم من عثرتك
- حظ النفس
- الانسان اسم وعنوان
- كنعان منذ أول الزمان
- لوثة التدين
- قصاصة ورق
- ذاكرة الصوت والسمع
- زغردى يا ام الجدايل
- الم واجل


المزيد.....




- جنبلاط للشيباني: أفضل العلاقة المتوازنة مع سوريا على اتفاق - ...
- غالوزين: مطالبة سيبيغا لروسيا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات أم ...
- ممثل المرشد الإيراني في الهند: مجتبى خامنئي لن يحضر جنازة وا ...
- ترامب يهنئ ماسك بعد استعادته لقب التريليونير ويؤكد استمرار ا ...
- المغرب.. حريق في -غابة المعمورة- ينتهي بسقوط طائرة خفيفة ومص ...
- هاكان فيدان يتحدث عن -توحد- تركيا ومصر والسعودية وباكستان
- -القسام- تبث مشاهد استشهاد أحد مقاتليها أثناء تنفيذه كمينا ض ...
- الداخلية السورية تكشف التفاصيل الكاملة لتفجير مقهى في دمشق
- الشيباني في بيروت.. رسائل إلى لبنان و-حزب الله- وإسرائيل
- ترامب: لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منير السباح - مأزق الصناديق في غزة: سيكولوجية الانكفاء، -بلوك- حماس الصلب، وترهل فتح التنظيمي