أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير السباح - الم واجل














المزيد.....

الم واجل


منير السباح

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 13:18
المحور: الادب والفن
    


لم يكن خروجه من البيت ذلك اليوم فعلًا عاديًا، بل كان أشبه بمحاولة هروبٍ من شيءٍ يسكنه ولا يتركه. كان متجهًا إلى أخته المريضة، نعم، لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أنه لا يملك لها شيئًا يخفف به وطأة ما تعانيه. كان يشعر—بوضوحٍ يكاد يكون مهينًا—بعجزه.
وهل هناك ما هو أثقل على الإنسان من أن يرى من يحب يتآكل أمامه… ولا يستطيع أن يفعل شيئًا؟
كانت أخته تمضي في طريقٍ يعرف نهايته، وتعرفها هي أيضًا، لكن كليهما يتواطآن على الصمت. كانت تصبر، تصبر بطريقةٍ تُخجله. أما هو، فكان يحاول أن يقنع نفسه أن حضوره وحده نوعٌ من الفعل… مع أنه في داخله كان يعلم أنه لا يكفي.
خرج إلى الشارع، فوجد السماء ملبدة، والبرد يتسلل إلى عظامه كأنه امتداد لما في داخله. لم يكن البرد خارجًا عنه، بل كان فيه. كل شيء كان يبدو متواطئًا مع حالته: الغيوم، الصمت، وجوه الناس التي تمر دون أن ترى.
ركب سيارة أجرة، وجلس صامتًا. لم يكن يفكر في شيء محدد، بل في كل شيء في آنٍ واحد، وذلك أسوأ. وعندما طلب السائق أجرة أعلى مما يجب، لم يغضب بقدر ما شعر بشيءٍ من الاشمئزاز. ليس من السائق وحده… بل من هذا العالم الذي يسمح لمثل هذه التفاصيل الصغيرة أن تستمر وكأنها طبيعية.
دفع نصف المبلغ ونزل.
لم يكن الأمر يتعلق بالمال، بل بشيءٍ أعمق: رفضه لأن يتواطأ مع ما يراه خطأً، حتى وإن كان بسيطًا. كان يشعر أن التنازل الصغير هو بداية انهيارٍ أكبر.
مشى.
لم يكن يمشي إلى مكان، بل كأنه يمشي داخل نفسه. كان الشارع مألوفًا إلى درجة الملل. كل شيء فيه مكرر: المباني، الأشجار المغبرة، الوجوه التي لا تلتفت. شعر فجأة أن العالم كله يتحرك دون أن يتغير.
ثم تعثر.
كان حجرًا صغيرًا… لكنه كان كافيًا ليوقظه.
رفع رأسه، وهنا حدث ما لم يكن في حسبانه.
رأى القطة.
في البداية لم يرَ قطة، بل رأى كتلة من الألم. شيئًا لا يمكن تسميته بسهولة. وحين اقترب، بدأت التفاصيل تظهر: الجسد الممزق، الرائحة التي تكاد تكون إدانة للعالم كله، والديدان التي وجدت في هذا الجسد مأوى.
تراجع خطوة.
ليس خوفًا منها… بل من نفسه.
في تلك اللحظة، أدرك أنه أمام اختبار. اختبار لا يتعلق بالقطة بقدر ما يتعلق به هو.
هل سيتوقف؟
أم سيمضي؟
فكر في أخته. فكر في أنه متأخر. فكر في أن هذا ليس شأنه. كل المبررات كانت حاضرة، جاهزة، منطقية.
وهنا كان الخطر.
لأن المبررات، حين تكون منطقية جدًا، تكون غالبًا طريقًا للهروب.
تذكر صديقه بكر. لم يكن تذكرًا عابرًا، بل كأن الذاكرة دفعت به عمدًا إلى هذا الموقف. رجل يحمل قطة جريحة ويأخذها إلى طبيب. لم يفهمه حينها… لكنه الآن يفهم.
اتصل به.
ثم عاد.
حين عاد إلى القطة، نظر إليها. لم تكن قد تحركت. لكن عينيها… كان فيهما شيء لا يمكن إنكاره. لم يكن رجاءً فقط… بل اتهامًا أيضًا.
كأنها تقول له:
أنت ترى… فماذا ستفعل؟
وهنا لم يعد يستطيع أن يمضي.
حملها.
لم يكن الحمل جسديًا فقط، بل كان كأنه حمل قرارًا. وضعها في صندوق، وأخذها إلى الطبيب.
في العيادة، حين فُتح الصندوق، خرجت الرائحة كأنها حقيقة لا يمكن إخفاؤها. الحقيقة دائمًا لها رائحة، فكر في نفسه.
سأله الطبيب إن كان قد عاش في السويد.
ابتسم داخليًا.
حتى الرحمة أصبحت تُفسر جغرافيًا.
حين سأله عن إمكانية علاجها، لم يُجبه فورًا. كان الطبيب يعمل، ينظف، يزيل، يقاوم ما يمكن مقاومته. ثم قال إنها قوية… إن عينيها تقولان ذلك.
العينان.
عادتا مرة أخرى.
كأن كل شيء في هذه القصة يعود إلى تلك العينين.
وحين سأل عن مستقبلها، عن قدرتها على المشي، جاءت الإجابة قاسية وبسيطة: لن تمشي. قد تُبتر أقدامها.
وهنا ظهر السؤال الحقيقي.
سأل عن إبرة الرحمة.
لكنه، في أعماقه، لم يكن يسأل عن القطة… بل عن نفسه.
هل يريد أن ينهي ألمها؟
أم يريد أن ينهي عبئه؟
رفض الطبيب.
تركه مع السؤال.
حمل القطة وعاد إلى البيت، وهو يشعر أنه لم يعد الشخص نفسه الذي خرج قبل ساعات.
تسلل إلى الداخل، كأن ما يحمله سر. وضعها في السطح، في صالة خالية. مكانٌ يشبه البداية… أو النهاية.
أحضر لها طعامًا. لم تأكل.
أحضر قماشًا. لفّها به، كأن الدفء يمكن أن يعوّض ما فقدته.
ظل يعود إليها كل ساعة.
لم يكن يراقبها فقط… بل كان يراقب نفسه معها.
وفي كل مرة كان ينظر إلى عينيها، كان يشعر أن السؤال ما زال قائمًا.
حتى نام.
حين استيقظ قبل الفجر وصعد، كان في داخله شيء يعرف… لكنه لا يريد أن يعترف.
فتح الصندوق.
وكانت الإجابة هناك.
ساكنة.
هادئة.
كأنها أنهت صراعها بصمت.
وقف طويلًا.
لم يشعر بانتصار، لأنه لم يكن هناك انتصار.
ولم يشعر بهزيمة، لأن الأمر لم يكن معركة عادلة أصلًا.
شعر بشيءٍ آخر…
شيء يشبه انكشاف الحقيقة.
أن الأمل لا يلغي الأجل.
وأن الإنسان، مهما حاول، لا يملك دائمًا أن ينقذ.
لكنه يملك أن يختار:
أن يكون حاضرًا… أو غائبًا.
وأدرك، متأخرًا وربما في الوقت المناسب،
أن الرحمة ليست أن تغيّر النهاية…
بل أن ترفض أن تترك الألم وحيدًا.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيرة ادبية
- فى يوم اللغة العربية ( زى اقلام)
- اكنت انت
- كيف تصبح منافقا


المزيد.....




- بألحان أم كلثوم.. أطفال غزة يغالبون قسوة النزوح بالغناء لـ - ...
- -متحف الانتحار- يفتح جرح لا مونيدا: المدى تحصل على حقوق ترجم ...
- خسائر فادحة في قطاع الزراعة بجنوب لبنان.. القصف الإسرائيلي ي ...
- الشاعر والكاتب الراحل ياسين السعدي... وحُلم العودة إلى المز ...
- أمين لجنة -اليونيسكو- بإيران: إيران قد تبدأ اتخاذ إجراءات ق ...
- سردية المابين في رواية -رحلتي بين النيل والسين- لفتيحة سيد ا ...
- البصرة تستعد لانطلاق مهرجان -السوبر ستار- للأفلام القصيرة
- السعودية تحتفي بمهرجان الفنون التقليدية
- بزشكيان: تتجلى أصالة الحضارات في منعطفات تاريخية هامة. فمواق ...
- -الأطلال-: 60 عاما من الخلود في حضرة -الهرم الرابع- أم كلثوم ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير السباح - الم واجل