أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - منير السباح - لوثة التدين














المزيد.....

لوثة التدين


منير السباح

الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 21:46
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


اللوثة الدينية ليست التزامًا حقيقيًا بالدين، بل حالة من التشوش والانحراف في فهمه وممارسته. وهي تظهر حين يتحول الدين من منظومة أخلاق وعدل ورحمة إلى مجرد مظاهر وأحكام جاهزة يُنصّب بها الإنسان نفسه وصيًا على الناس، يقيس إيمانهم ويصدر بحقهم أحكام القبول والرفض، بينما يفتقر في الأصل إلى الفهم العميق لجوهر الدين ومقاصده.

هذا النوع من التدين يكتفي بالقشور والشكليات، ويتغذى غالبًا على مفاهيم مبتورة، أو خطابات متشددة، أو بيئات مغلقة ورثت الخوف والكبت وسوء الفهم، حتى يصبح التدين فيها أقرب إلى حالة نفسية أو اجتماعية منه إلى وعي روحي وأخلاقي.

والمفارقة المؤلمة أن أصحاب هذا الخطاب قد يبالغون في التحريم والتشدد وإظهار التدين، لكنهم في واقع المعاملات يقعون في الظلم، والقسوة، وأكل الحقوق، والكذب، والرياء، وإيذاء الناس. وكأن الدين لديهم تحوّل إلى مظهر وهوية، لا إلى سلوك وقيم.

إن جوهر الدين لا يُقاس بطول المظاهر ولا بحدة الأحكام، بل بصدق الإنسان، وعدله، ورحمته، ونزاهته، واحترامه لحقوق الآخرين. فالدين الحقيقي ينعكس في المعاملة قبل الشعارات، وفي الأخلاق قبل الادعاء، وفي تهذيب النفس قبل مراقبة الناس وإدانتهم.

ما دفعني إلى هذا الحديث هو ذلك السيل من التعليقات القاسية التي وُجّهت إلى امرأة كبيرة في السن تواسي زوجها الراقد على سرير المرض في مستشفى شهداء الأقصى. بصوتها الشجيّ تواسيه، وتغمره بحنانٍ دافئ، كأنها تحاول أن تنتزع عنه قسوة اللحظة ووحشة السرير الأبيض. لم تكن تفعل سوى أن تُشعره بالحياة، وأن تقول له بطريقتها البسيطة: ما زلتُ هنا إلى جانبك.

كان المشهد إنسانيًا إلى حدٍ بالغ؛ امرأة تُحيط شريك عمرها بلطفها، وتسكب في روحه شيئًا من الطمأنينة، بينما انشغل البعض بمحاكمتها أخلاقيًا، وكأن الرحمة أصبحت تهمة، وكأن التعبير عن المودة خروج عن الوقار والدين.

ويقال إنها كفيفة، لكنها كانت ترى ببصيرتها ما لا يراه كثيرون بأعينهم؛ تدرك أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى الخوف والوعظ وتذكيره بالموت، بل يحتاج أحيانًا إلى الأمل، وإلى صوتٍ يحمله بعيدًا عن رهبة الألم ووحشة المرض.

المفارقة أن كثيرين اعترضوا لأنّها غنّت له، بينما لو جلست تقرأ عليه القرآن بصوت الوداع لما اعترض أحد، مع أن العرف الاجتماعي جعل تلاوة القرآن عند من يرقد على سرير المرض مرتبطة في أذهان الناس بلحظة الرحيل الأخيرة، وكأن الإنسان يُدفَع نفسيًا إلى الاستسلام للموت بدل التمسك بالحياة.

هي، ببساطتها الفطرية، اختارت طريقًا آخر؛ اختارت أن تبعث فيه حب الحياة، وأن تمنحه شيئًا من الأنس والدفء في لحظة هشّة وقاسية. وربما كان ذلك أصدق أثرًا في نفسه من كثير من خطابات التخويف والكبت التي اعتاد الناس ترديدها باسم التدين.

ثم إن دين الرحمة أوسع من هذه النظرة الضيقة؛ فقد مرّ في السيرة كثير من المواقف التي تُظهر فسحة الحياة ولطف المعاملة وحق النفس في الترويح والمودة. يكفي قول النبي ﷺ: «ساعة وساعة يا حنظلة»، وحديث الجاريتين اللتين غنّتا في بيته، وقصة المرأة التي كانت تشتاق زوجها الغائب حتى سأل عمر بن الخطاب ابنته حفصة بنت عمر عن صبر النساء على غياب أزواجهن، فأدرك حاجة البشر الفطرية إلى الأنس والقرب والمودة.

ليست كل مظاهر اللطف خروجًا عن الدين، وليست القسوة دليل تقوى. فالدين الذي لا يفسح مكانًا للرحمة والحنان والرفق، يتحول في أيدي البعض إلى أحكام جامدة تخلو من روح الإنسان.



#منير_السباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصاصة ورق
- ذاكرة الصوت والسمع
- زغردى يا ام الجدايل
- الم واجل
- سيرة ادبية
- فى يوم اللغة العربية ( زى اقلام)
- اكنت انت
- كيف تصبح منافقا


المزيد.....




- العراق: من هي الطفلة “كوثر بشار الحسيجاوي” التي احتفلت عائلت ...
- “إبستين عمان”.. القبض على طبيب اعتدى جنسيًا على 3 قصّر
- “بذريعة الشرف المزعوم!”.. احتفالات في بغداد بعد مقتل طفلة عل ...
- “رنين العبيد”.. عن تقاطع الذكورية مع الاحتلال على تصفية النس ...
- مليحة نصار.. امرأة تواجه وحدها جيشاً من المستوطنين
- إسرائيل تهاجم نيويورك تايمز لكشفها اغتصاب أسرى فلسطينيين
- أفيون وسائل التواصل الاجتماعي.. حين تُختطف الأسرة بصمت
- حرب السرديات.. كيف حاصرت شهادات الاغتصاب رواية إسرائيل؟
- كاتب أمريكي يوثق جرائم العنف الجنسي الممنهج في سجون الاحتلال ...
- المغني المغربي سعد لمجرد يمثل أمام القضاء الفرنسي بتهمة الاغ ...


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - منير السباح - لوثة التدين