أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - منير السباح - السعودية والدجل فى زمن الخوف والحرب














المزيد.....

السعودية والدجل فى زمن الخوف والحرب


منير السباح

الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 10:09
المحور: قضايا ثقافية
    


في أوقات الحروب والأزمات الوجودية الطاحنة، لا تقتصر المعارك على الجبهات العسكرية، بل تمتد لتستهدف الحصانة الفكرية والنفسية للمجتمعات الهشة. عندما يغيب الاستقرار ويصبح الفقد والدمار واقعاً يومياً كما يحدث في قطاع غزة، يقع الإنسان تحت وطأة ضغط نفسي ساحق. في هذه البيئة المضطربة، ينتعش سوق الدجل والشعوذة، حيث يجد الانتهازيون فرصة سانحة لتحويل دماء الضحايا وآلامهم إلى تجارة رابحة، مستغلين حاجة البشر الفطرية للأمان. ولفهم هذه الظاهرة، لا نحتاج فقط إلى نظريات صماء، بل إلى تشريح تجربة حية عشتُ فصولها بنفسي خلف قضبان السجن، لتكون مرآة صادقة لما يحدث اليوم في فضائنا الرقمي والواقعي.في تجربة مريرة مرت عليّ داخل السجن، قامت الإدارة بجمع المرضى النفسيين، والمدمنين الذين يعانون من أعراض انسحاب المخدرات القاسية وصرخاتهم المرعبة، في قسم واحد. كان الجو مشحوناً برعب يكفي لزلزلة أعتى العقول. وسط هذا المناخ، ادعى أحد الزملاء أن له صديقة من الجن تأتيه في المنام وتُدعى "زيتونة"، وكنا نلاحظ عليه كلاماً مضطرباً أثناء نومه —ربما كان كوابيس أو هلاوس قلق. ومع إلحاح الأسرى، وافق على "استحضارها" بشرط توفير طقوس تعجيزية: صمت مطبق، عتمة كاملة، وقراءة سور معينة من القرآن كـ "الصافات". وفرنا الشروط، وتحت وطأة الخوف الممزوج بالفضول، بدأ يتلوى تحت بطانيته بحركات أنثوية، ونطقت "زيتونة" بصوت متمايع. في سجن ذكوري موحش، جُرد فيه الأسرى من ملامح الحياة الطبيعية وصاروا يتلهفون لرؤية أي أنثى ولو كانت سجّانة قبيحة، دغدغ هذا الصوت المتموج كوامن الجميع. لكن، وسط هذا الذهول، ثقبت أذنَي حقيقة واضحة: الصوت كان صوته هو، متلاعباً به ومستغلاً الأجواء المرعبة ليدلس علينا. في تلك اللحظة، انتفضتُ على الخوف، سحبتُ عنه البطانية وقلت له بحسم: "فز انصرف.. إياك بعد هيك تعمل حركات من هذا النوع!". انهار المسرح، وانكشف الزيف، ومن يومها أدركت أن الشعوذة لا تمر على عاقل دون تفكيكها نفسياً واجتماعياً واقتصادياً.إن ما فعله زميل السجن، وما يفعله دجالو اليوم، يحكمه نفس المنطق النفسي والاجتماعي؛ فالإنسان في السجن أو الحرب عندما يُجرد من سلطته وقراره، يصبح ادعاء "المخاواة" حيلة نفسية لتعويض العجز، يتحول بها الشخص من خانة الضحية الضعيفة إلى الرجل الخارق الذي يمتلك قوى غيبية عابرة للأسوار أو القصف. وذكاء الدجال يكمن دائماً في رصد الجوع الجماعي للمحيطين به؛ فزميل السجن علم بحجم الحرمان العاطفي فجسد لهم "زيتونة"، ودجالو اليوم يرصدون حاجة الناس في غزة للأمان أو العلاج بعد تدمير المنظومة الطبية، فيجسدون لهم الحلول السحرية. هذا النوع من صناعة المسرح وطلب العتمة والصمت هو تكنيك كلاسيكي لتهيئة الضحية وإدخالها في حالة ترقب خائف تعطّل التفكير المنطقي، مما يجعل العقل يفضل الكذبة المريحة على الحقيقة المرعبة.واليوم، تخلص الدجال من بطانيته القديمة وانتقل إلى الفضاء الرقمي، مستغلاً الهواتف الذكية ومجموعات واتساب وتلغرام وفيسبوك ليتسلل إلى البيئات المنكوبة بأقنعة حديثة. تبرز هنا صفحات "العلاج الروحاني" والرقية التجارية التي تخلط ما بين الدين والخرافة بشكل ماكر؛ فلا تقدم الرقية كمواساة، بل كمنظومة تشخيصية وهمية تُقنع المصدوم من أشلاء القصف بأن قلقه ومصابه هو مسّ أو حسد لتستنزف ما تبقى في جيبه من مال. بالتوازي مع ذلك، يظهر مدّعو العلاج الطبيعي والطب البديل الوهمي، مستغلين شح الأدوية وتدمير المستشفيات لبيع خلطات عشبية ووصفات عشوائية لعلاج إصابات الحروب والكسور، مما يتسبب بتفاقم الإعاقات والالتهابات لغياب الرقابة الطبية.إن مواجهة الدجل الرقمي والواقعي في بيئاتنا الهشة لا تتم بالهجوم على الضحايا المنهكين، بل بتطبيق تلك الحركة العقلانية الشجاعة: سحب البطانية وكشف الزيف. يتطلب ذلك أولاً نشر الوعي العقلاني والديني القويم عبر خطاب يحث على الأخذ بالأسباب الواقعية وتفنيد أساليب الصفحات التجارية التي تستغل النص الديني لبيع الأوهام. وثانياً، توفير البدائل الموثوقة من خلال تفعيل شبكات الدعم النفسي والإغاثي والتثقيف الطبي الميداني والرقمي لملء الفراغ المؤسسي، ومساعدة الناس على تفريغ صدماتهم بطرق علمية آمنة ومجانية. والأهم من ذلك هو امتلاك النظرة التحليلية وتدريب عقول الشباب والمثقفين على عدم تمرير أي ظاهرة دون تمحيص أبعادها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، فالخوف يهزمنا فقط عندما نستسلم لمسرحياته. وحماية العقول في زمن الحرب لا تقل أهمية عن حماية الأبدان؛ فالمجتمع الذي يحافظ على وعيه وعقلانيته يظل صامداً وقادراً على النجاة وإعادة البناء، بينما المجتمع الذي يسقط في فخ "زيتونة" وشاشات الدجل يفقد بوصلة الحقيقة ويسهل استلابه وتدميره من الداخل.



#منير_السباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صابر ابو القمصان يدق ناقوس النسيان
- الرأى الحر إن لم ينفع فإنه لايضر
- رقم السنوار الغامض: هل كان ال 1111 موعداً زمنياً أم إحداثية ...
- مأزق الصناديق في غزة: سيكولوجية الانكفاء، -بلوك- حماس الصلب، ...
- وهم الرقمِ ووعيُ الخيمة: لماذا سقط حراك -26/6- وانتصر الشارع ...
- 26/6 عمل شمشونى ووصفة سريعة للانتحار الجماعى
- الكلمةالطائشة والوطن المستباح: عندما تصبح الكتابة في الشأن ا ...
- الوعي بالذات الوطنية ومقاومة سقوط الهوية الكفاحية للشعب الفل ...
- محكمة الضمير الإنساني تلاحق كل من يخالف الفطرة السليمة
- سقوط الرواية الصهيونية فى احقيتها بأرض فلسطين على ايدى علماء ...
- الدبكة الفلسطينية نبض الأرض وايقونة الهوية العابرة للاجيال
- جدلية الفرح والحزن: بين رفض الموت وصُنْعِ الحياة
- الاعراض النفسية لصدمة مابعد الحرب
- الشهادة بين جلال المقدس وفداحة الخسارة
- شكرا للضمير العالمى
- قم من عثرتك
- حظ النفس
- الانسان اسم وعنوان
- كنعان منذ أول الزمان
- لوثة التدين


المزيد.....




- روسيا تشن إحدى أكبر هجمات الصواريخ الباليستية منذ بدء حربها ...
- ترامب، وليس إيران، هو الخطر الأكبر على العالم – مقال في الغا ...
- قاعدة موفق السلطي: ماذا نعرف عن القاعدة الجوية في الأردن الت ...
- واشنطن تنهي موجة ثامنة من الضربات على إيران بعد استهداف جنود ...
- روسيا.. مقتل شخص وإصابة 3 بهجوم مسيرات أوكرانية
- مصادر أردنية لـRT: لا صحة لإخلاء مطار وميناء العقبة
- روسيا.. نفوق 30 مليون نحلة إثر رش الحقول بميدات زراعية بلا ت ...
- مخاوف إسرائيلية ويونانية من التعاون العسكري المصري التركي
- روسيا.. العثور على لؤلؤة أحفورية نادرة عمرها 90 مليون سنة
- طهران تعلن تعرض محطة -دارخوين- النووية لقصف صاروخي أمريكي وت ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - منير السباح - السعودية والدجل فى زمن الخوف والحرب