أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - منير السباح - كيف تُعري الأزمات معادن النفس البشرية














المزيد.....

كيف تُعري الأزمات معادن النفس البشرية


منير السباح

الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 08:02
المحور: قضايا ثقافية
    


في أوقات الرخاء، يسهل على الجميع ارتداء أقنعة النبل، والحديث عن المروءة، والتجمل بمساحيق النفاق الاجتماعي، والشهادات، والوجاهة الجوفاء. لكن، حين تضع الحرب أوزارها الثقيلة، وتتداعى القوانين، وتغيب الرقابة، يحدث الزلزال الأخلاقي الأكبر؛ هنا لا تصنع الحرب معادن جديدة للبشر، بل تكتفي بتعريتها تماماً، ليفصل هذا المحك القاسي بين جيلٍ صقلته الشهامة فصار طوق نجاة لغيره، وبين نفوسٍ تغلغلت فيها النذالة فاستغلت الخراب لتقتات على آلام الناس.أهل الشهامة والأصالة يحترمون أنفسهم احتراماً مطلقاً؛ فلا يتزوّرون، ولا يتلوّنون، ولا تهزهم أعاصير الشدائد مهما بلغت قسوتها. تربأ نفوسهم العزيزة عن الشماتة بوقوع غيرهم، ويؤمنون يقيناً بشرف الخصومة، ويملكون من النبل ما يجعلهم يعيدون سيف المنازلة للخصم إذا سقط من يده أثناء المبارزة، ترفعاً عن طعن العاجز أو استغلال لحظة ضعفه، ثم يتركون الأمر كله لله، إيماناً منهم بأنه سبحانه هو الفصل في إحقاق الحقوق، ومن كان الله معه فمن عليه.وفي المقابل، فإن الكارثة الأكبر التي تصدم المجتمع في زمن الحرب تأتي تحديداً ممن كانوا يتسترون بالدين، أو العلم، أو الوجاهة الاجتماعية، ويتصدرون المجالس في الرخاء بشعارات الطهر والفضيلة. يتضح فجأة أن هذه العناوين لم تكن سوى "ديكور خارجي" لترقية مكانتهم، فلما جاء المحك الحقيقي وعرّت الحرب النفوس، سقط الستر الزائف وتبخرت الشعارات، وظهرت الخسة الكامنة خلف اللحى والشهادات والألقاب الجوفاء التي لم تتغلغل يوماً إلى عمق التربية أو السلوك.إن الهروب من المسؤولية عند النذل ليس سلوكاً عابراً، بل هو عقدة نقص متجذرة وبنية نفسية ضعيفة وعاجزة؛ فهو في الأصل إنسان هش لا يمتلك الصلابة الأخلاقية ولا الجلد النفسي لتحمل مسؤولية غيره أو إغاتهم. بمجرد أن يشعر بأن مساعدة أقاربه، أو جيرانه، أو تلبية نداء الملهوف أصبحت تُشكل عبئاً على مكتسباته الضيقة، يسارع إلى نسج ترسانة من الحجج الواهية والأعذار الكاذبة والتذرع بالظروف الشاقة، فينكفئ هرباً من مواجهة المحتاجين والخصوم على حد سواء، لعجزه وجبنه عن تحمل التزام مادي أو معنوي يتطلبه الموقف.ولا يكتفي النذل بهذا الهروب، بل يُصاب بحالة من الصدمة والذهول الممزوج بالمرارة حين يرى مشاهد الشهامة والمروءة الصادقة تتدفق من غيره وسط المأساة. هذه النماذج النبيلة تؤذيه في عمقه لأنها تصفع زيفه، وتنسف حججه الواهية التي يبرر بها تقاعسه حين يدعي أن "الوضع صعب على الجميع ولا أحد يستطيع فعل شيء"، فحين يرى الشهم يتقاسم لقمته مع أهله، ويحمي المستجير، ويصون العرض تحت النار، يشعر النذل بالتعري الكامل أمام التزام أخلاقي لا يعرفه أصلاً ولم يتربّ عليه، فيتحول ذهوله وعجزه إلى حقد مبطن يحاول من خلاله الكذب، والتلون، والبحث عن طرق خبيثة لتحميل الآخرين المسؤولية، بل ولوم الضحايا واتهام المحتاجين بأنهم هم من جلبوا المشاكل لأنفسهم، وذلك كله فقط ليخفف من عقدة الذنب التي تلاحقه ويغطي على سوأته النفسية.حين يتفلت النذل من عقاله مستغلاً غياب سلطة القانون وانشغال الروّاد والرواشد الاجتماعية بإخماد نيران الأزمات الكبرى، يرى في هذه الفوضى بيئة مثالية للاستقواء على الضعفاء، فيندفع بلا رادع نحو التنصل التام من كافة مسؤولياته المالية، والأسرية، والأخلاقية، والدينية، والإنسانية. يبدأ بصياغة مصوغات مشوهة وأجوبة مضللة يفرزها من قرارة نفسه المريضة، ومن قاع الدونية والأنانية التربوية التي نشأ وتربى عليها، متجرداً من كل رابط يربطه بمجتمعه أو أهله، بل ويتجرأ على أكل الحقوق بجحد الديون، وحبس الأمانات، والاستيلاء على المساعدات، مستنداً إلى قاعدته الدنيئة التي يهمس بها لنفسه: "من سيسأل عن الحقوق وسط هذا الخراب؟".إن التناقض بين من عاش الشهامة ومارسها كمنظومة حياة من خلال محطات دائمة من البذل، وبين من فصّل الحياة على مقاس جشعه وخوفه، هو الفارق بين إرث من المواقف النبيلة تفتخر به الأجيال، وتركة من الدناءة والنسيان تلاحق صاحبها. الحرب لم تغير أحداً، بل رفعت الستر فقط، فبينما غاص الأنقياء في عمق الإنسانية ليتحولوا إلى مصدات أمان للمجتمع، هوى الانتهازيون المتسترون إلى قاع النذالة، أما الأنذال فستلاحقهم لعنات التاريخ وجحود المجتمع وازدراء النفوس الشريفة لهم، تاركين خلفهم حقيقة تاريخية مكررة، وهي أن القناع مهما طال بقاؤه في الرخاء، تمزقه أول رصاصة في الحرب، وأن معادن الرجال الحقيقية لا تُختبر إلا في عتمة الشدائد.



#منير_السباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَجَرَّةُ السَّعَف: عِشْقٌ يَتَحَدَّى النَّوَامِيس
- متاهة الوعي الفلسطيني: حين يبتلع التيه الثوابت وتصبح -العمال ...
- كاريزما الزعامة وأوهام الصناديق: كيف تهبط بنا الارتجالية من ...
- جذور اللاسامية: من التأسيس العرقي في أوروبا إلى التوظيف السي ...
- السعودية والدجل فى زمن الخوف والحرب
- صابر ابو القمصان يدق ناقوس النسيان
- الرأى الحر إن لم ينفع فإنه لايضر
- رقم السنوار الغامض: هل كان ال 1111 موعداً زمنياً أم إحداثية ...
- مأزق الصناديق في غزة: سيكولوجية الانكفاء، -بلوك- حماس الصلب، ...
- وهم الرقمِ ووعيُ الخيمة: لماذا سقط حراك -26/6- وانتصر الشارع ...
- 26/6 عمل شمشونى ووصفة سريعة للانتحار الجماعى
- الكلمةالطائشة والوطن المستباح: عندما تصبح الكتابة في الشأن ا ...
- الوعي بالذات الوطنية ومقاومة سقوط الهوية الكفاحية للشعب الفل ...
- محكمة الضمير الإنساني تلاحق كل من يخالف الفطرة السليمة
- سقوط الرواية الصهيونية فى احقيتها بأرض فلسطين على ايدى علماء ...
- الدبكة الفلسطينية نبض الأرض وايقونة الهوية العابرة للاجيال
- جدلية الفرح والحزن: بين رفض الموت وصُنْعِ الحياة
- الاعراض النفسية لصدمة مابعد الحرب
- الشهادة بين جلال المقدس وفداحة الخسارة
- شكرا للضمير العالمى


المزيد.....




- صباح السبت.. ارتفاع عدد قتلى الفيضانات الكارثية في نيبال
- لماذا تتنافس الولايات المتحدة والصين على مركز للذكاء الاصطنا ...
- ارتفاع حصيلة ضحايا فيضانات نيبال إلى 626 قتيلا
- تسريب تفاصيل إجلاء نجل نتنياهو في الولايات المتحدة
- أوروبا متخوّفة من موجة حرّ شديدة جديدة ولا تسمح بتركيب مكيفا ...
- توقّعات مهمّة: متى سينتهي الصراع مع أوكرانيا وأوروبا وماذا س ...
- الصين والهند نحو تقاربٍ حميد
- الجيش الأمريكي يغرق سفينة بتهمة -دعم تهريب المخدرات- في المح ...
- مصادرة أرباح موظف سابق بالبيت الأبيض استغل منصبه للمراهنة عل ...
- -خاتم الأنبياء- لنتنياهو: نحن بحاجة للسلاح النووي لوقف جنونك ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - منير السباح - كيف تُعري الأزمات معادن النفس البشرية