أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علاء سامي - الرئيس السيسي يُبرِّئ الدين من إفك السُّلوك والمُمارسة














المزيد.....

الرئيس السيسي يُبرِّئ الدين من إفك السُّلوك والمُمارسة


علاء سامي
كاتب وباحث

(Alaa Samy)


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 08:15
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تُعَانِي المَنَاهِجُ الفِكرِيَّةُ وَالرُّوحِيَّةُ في التَّارِيخِ مِن جِنَايَةِ مُنتَسِبِيهَا أو مُدَّعِي الانتِسَابِ زُورًا أكثَر مِمَّا تُعَانِي مِن خُصُومِهَا؛ وتَكَادُ تَكُونُ تِلكَ حَقِيقَةً فَلسَفِيَّةً خَالِدَة، ولَكِن..
يَبلُغُ المَأزَقُ أقصَىٰ دَرَجَاتِ التَّركِيبِ -والتَّعقِيد!- حِينَ يَتَعَلَّقُ الأمرُ بالمُقَدَّس! إذ يَمِيلُ العَقلُ البَشَرِيُّ -في سِيَاقِ العَجزِ أو التَّدلِيس- إلى رَدمِ الفَجوَةِ بَينَ النَّصِّ الإِلَٰهِيِّ العَلِيِّ والتَّطبِيقِ البَشَرِيِّ القَاصِر، فيُحَاكَمُ المَبدَأُ بِجَرِيرَةِ الفِعل.. ويُسقَطُ زَلَلُ الشَّارِحِ/الفَاعِل على نَصَاعَةِ المَنهَج، ويَتِمُّ الخَلطُ بَينَ الذَّاتِيِّ والمُستَقِرِّ في المُطلَق.

مِن هَذِهِ الرُّؤيَةِ المَعرِفِيَّة، تَأتِي كَلِمَةُ السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي لِتَضَع حَدًّا فَاصِلًا بَينَ نسقَين؛ نسقِ الجَوهَر المَعصُومِ عن الخَلَل، ونسقِ السُّلُوكِ المَحكُومِ بالضَّعفِ والجَهلِ والنَّقص الإنسَانِيِّ أو التَّوظِيفِ المُنحَرِف والمُغرِض.
وحِينَ يُؤَكِّد الرَّئِيس أنَّ «..سلوك المسلمين قد لا يعكس بالضرورة صحيح الإسلام، وأن الفهم الحقيقي للدين هو التعبير عن الدين..» فهُوَ لا يُقَدِّمُ مَقُولَةً مُجَرَّدَةً اعتِبَارِيَّة، بل يُمَارِسُ عَمَلِيَّةَ تَفكِيكٍ نَقدِيَّةً لوَاحِدَةٍ مِن أخطَرِ المُغَالَطَاتِ المَنطِقِيَّةِ الَّتِي أُرهِقَ بِهَا ضَمِيرُ الوَعيِ الجَمعِيِّ.. لِيُعِيدَ رَسمَ الحُدُودِ بين البِنيَةِ التَّكلِيفِيَّةِ وقُصُورِ الكَائِن الأخلاَقِي.

إنَّ السُّلُوكَ البَشَرِيَّ -بَائِسًا كَانَ أو خَبِيثًا- مُجَرَّدُ مِرآةٍ، وحِينَ تَتَّسِخُ المِرآةُ أو تَنَكَسِر، يَكُونُ مِن عَمَىٰ البَصِيرَةِ أن نَلتَمِسَ العَيبَ في الضَّوءِ السَّاقِطِ عَلَيهَا! لأنَّ الدِّينَ -في حَقِيقَتِهِ الفَلسَفِيَّةِ والأخلاَقِيَّة- بِنيَةٌ مُتَكَامِلَةٌ للتَّعمِيرِ والبِنَاءِ والصِّدقِ ورَحمَة العَالَمِين.. أمَّا الخَرَابُ والدَّمَارُ والتَّطَاوُلُ بالإِفكِ والشَّائِعَاتِ، فلَيسَت سِوَىٰ آثَامٍ ذَاتِيَّةٍ يَرتَكِبُهَا أصحَابُهَا، ثُمَّ يُحَاوِلُونَ -في جُرأَةٍ مَعرِفِيَّةٍ وتَبَجُّحٍ أخلاَقِيٍّ- ثَنِيَ حَقِيقَةِ النَّصِّ لِيُغَطُّوا عوَارَ المُمَارَسَةِ الشَّخصِيَّةِ الآثِمَة، فتَغدُو المَفسَدَةُ مُحَاوَلَةً لِتَشجِيرِ الصَّحرَاءِ بأشجَارِ الزَّيف!
وهُنَا تَتَجَلَّىٰ الفَلسَفَةُ النَّقدِيَّةُ للرُّؤيَةِ السِّيَاسِيَّةِ والاِجتِمَاعِيَّة؛ إذ يَقَعُ التَّميِيزُ بين الأبعَادِ الوُجُودِيَّةِ لِلمَبدَأ وأوهَامِ الاِنتِسَاب..، فمَن يُمَارِسُ التَّدلِيسَ أو يَستَمرِئُ إشَاعَةَ الفَوضَىٰ تَحتَ لاَفِتَاتٍ عَقَدِيَّةٍ، يُمَارِسُ اِزدِوَاجِيَّةً مَعرِفِيَّةً؛ إذ يُحَاوِلُ مَنح الاِنحِرَافِ السُّلُوكِيِّ شَرعِيَّةً لا يَملِكُهَا النَّصُّ ذَاتُهُ -له-! فالنَّصُّ المَعصُومُ يَنزِعُ بالضَّرُورَةِ نَحوَ الإصلاَح، بَينَمَا يُنتِجُ التَّزيِيفُ البَشَرِيُّ حَالَةً مِن الاِنفِصَامِ بين القَولِ والفِعل، تَجعَلُ مِن المُمَارَسَةِ أدَاةً لِتَشوِيهِ الأصلِ بَدَلًا مِن التَّعبِيرِ عَنهُ.
وخُطُورَةُ الطَّرحِ تَكمُنُ في أنَّ الَّذِينَ يُرَوِّجُونَ للخَرَابِ بِاسمِ الدِّين، أو يَستَغِلُّون الشَّائِعَاتِ لإسقَاطِ الأوطَان، لا يُسِيئُونَ للوَاقِع السِّيَاسِيِّ والدِّيني فَحَسب، بَل يُمَارِسُونَ إفكًا مُزدَوَجًا؛ يُسِيئُونَ لأنفُسِهِم أَوَّلًا، ويَقتَطِعُونَ مِن رَصِيدِ الصُّورَةِ الذِّهنِيَّةِ للدِّينِ ثَانِيًا، فحَقًّا لا يُوجَدُ دِينٌ يُقَامُ على فِكرِ الفَسَاد، ولاَ تُوجَدُ عَقِيدَةٌ سَمحَاءُ تَنبُتُ في أرضِ الدَّمَار؛ إذ أنَّ الإعمَارَ والعَدلَ هُمَا التَّجسِيدُ الحَيُّ لِجَوهَرِ الإِيمَان، ومَا دُونَهُمَا هُوَ مُجَرَّدُ انحِرَافٍ في البُوصَلَةِ الأخلاَقِيَّة.

إنَّ هَذِهِ الصِّيَاغَةَ الفِكرِيَّةَ تُعِيدُ التَّكلِيفَ إلى مَوقِعِهِ الإِنسَانِيِّ الصَّحِيح؛ الإنسَانُ هُوَ المَسئُولُ عَن خِيَارَاتِهِ وَسُلُوكِه، والدِّينُ نِظَامٌ أخلاَقِيٌّ وقِيَمِيٌّ يُحَاسَبُ عَلَيهِ المُكلَّف، لا أن يُحَاسَبَ النِّظَامُ على زَلَلِ المُكلَّف.
ويَتَرَتَّبُ على ذلك خَلعُ ثَوبِ العِصمَةِ عن المُمَارَسَاتِ الاِجتِمَاعِيَّةِ والسِّيَاسِيَّةِ المُنتَسِبَةِ للَّدِين، وإتَاحَةُ المَجَالِ لنَقدٍ عِلمِيٍّ ونَظَرِيٍّ وعَمَلِيٍّ وعَقلاَنِيٍّ للمُمَارَسَةِ البَشَرِيَّة، وفَصلِ المُمَارَسَاتِ عن نَقَاءِ المَبدَأ.

لِذَا.. فإنَّ الدَّعوَة للتَّميِيزِ بين صَحِيحِ الدِّينِ وانحِرَافِ السُّلُوك هي نُقطَةُ الاِنطِلاَقِ الحَقِيقِيَّةُ لأيِّ إصلاَحٍ فِكرِيٍّ جَادٍّ للخِطَابِ الدِّينِي، إنَّهَا نَقلَةٌ مِن مَوقِعِ الدِّفَاعِ التَّبرِيرِيِّ إلى مَوقِعِ التَّفنِيدِ النَّقدِيِّ؛ حَيثُ يُعَرَّىٰ السُّلُوكُ الخَاطِئُ ليَبقَىٰ الدِّينُ خَالِعًا عَنهُ رِدَاءَ الزَّيف، وحَيثُ يُحَاسَبُ المُفسِدُ بصِفَتِهِ فَردًا أَثِم، لا بوَصفِهِ مُمَثِّلًا لرِسَالَةِ السَّمَاء.

وبِهَذَا الفُرقَان.. يَستَرِدُّ المَعنَىٰ مَركَزِيته، وتَتَحَرَّرُ الحَقِيقَةُ مِن أغلاَلِ الشُّبُهَات، وتَتَحَمَّلُ البَشَرِيَّةُ تَبِعَاتِ سُلُوكِهَا وأفعَالِهَا وأقوَالِهَا، ولأنَّ النَّصَّ المُقَدَّس لا يَحتَمِلُ المُنَافِقِين.. كَذَلِكَ كُلُّ حُرٍّ، لا يَقبَلُ.



#علاء_سامي (هاشتاغ)       Alaa_Samy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مؤسسة ميدان؛ والمنصات الإعلامية لجماعة الإخوان الإرهابية
- تحيا مصر؛ سقوط جماعة الإخوان الإرهابية أمر حتمي
- تحيا مصر؛ الدولة الوطنية تسحق جماعة الإخوان الإرهابية
- تصحيح مسار الخطاب الديني في الدولة الوطنية
- تراتيل التنوير: استنطاق الصمت بنور الوجود
- سَكِرتُ بالبَاطِن خَمر المَعنى والبَيان
- تَراتِيل التَّنوير: عن العقل الباحث في زحام النقل
- مَرايا الجهل ومُحاكمة السؤال باليقين
- الشعراوي؛ إمام الدُّعاة أم عرّاب التغييب!
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
- احتجاج الحقيقة ورؤياها عبر مرايا العدم
- تجريد التوحيد من حبال التقليد
- خمر الروح: ترياق التسامي في حانة الخيَّام
- إشراق الهوية القبطية بأسرار القومية المصرية
- سيادة الوعي: اعتزال الفوضى والضجيج
- تحرر المعنى من صنمية النص
- صرخة فوق هياكل الحروف
- جدلية اللوغوس وطواف العارفين
- قيامة الروح في ملكوت الباطن
- فردوس الاعتقاد وجحيم الإكراه


المزيد.....




- رضائي: نؤيد أي مشروع للوحدة الإسلامية بشرط .. مصر وإيران يجب ...
- -نهج الله هو الرحمة والعدالة-... ناشطون يهود يواجهون عنف الم ...
- اليابان تحظر المساجد والأذان والبرقع.. ما حقيقة القوانين الم ...
- سموتريتش يعرض خطة جديدة تهدف إلى تعزيز الاستيطان اليهودي في ...
- باسم يوسف يدافع عن محمد صلاح بعد انتقاله الى طرابزون التركي ...
- بسبب نظرية مثيرة للجدل.. الجامعة الإسلامية بماليزيا تكرم أست ...
- واشنطن توجه تعليمات عاجلة لبعثاتها حول العالم لحماية الكنس و ...
- بزشكيان: الوحدة الإسلامية تعني وضع أرضية للتعاون وليس توحيد ...
- التوتر في إيران يضاعف محنة الأقليات وتيرة الانتهاكات بحق ال ...
- 115 مستوطنا يقتحمون باحات المسجد الأقصى


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علاء سامي - الرئيس السيسي يُبرِّئ الدين من إفك السُّلوك والمُمارسة