أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علاء سامي - إشراق الهوية القبطية بأسرار القومية المصرية















المزيد.....

إشراق الهوية القبطية بأسرار القومية المصرية


علاء سامي

الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 09:42
المحور: قضايا ثقافية
    


عاشت كِمِت وستعيش أبد الآبدين؛ آمين.

تستَعصي الهُويَّة المِصريَّة في مُختبر المَعرفة المُعاصر على أدوات الاختِزال المادي؛ فهي لا تُمثِّل فحسب مَكانًا جُغرافيًّا يُعدُّ قَلب العَالَم، ولا سَردًا زمنيًا تاريخيًا هو الأعظم وصَار عِلمًا تَنبِثقُ مِنه العُلوم.. ولكِن "المِصرية" أيضًا هي انبثاقٌ وُجوديٌّ ونامُوسٌ كَوني يُؤتىٰ سُلطانه في أرضٍ اصطفاها القَدَر، وعقيدةٌ مؤصَّلة في الذَّات المِصريَّة مُنذ فَجرِ التَّاريخ..، فيُصبح القُرب نقدًا وبحثًا في تلك الذات يَستوجِبُ هَجر الصِّيغة الإخبارية والارتِقاء إلى الأنطولوجيا الرُوحيَّة للإنسان المِصري الذي صَهَر المَعرفة في تَنُّور الرُوح، فصَارت الدَّولة تَجلِّيًا للهَيبَة والوَطن مِحرابًا للذات.

تَكمُن عَبقرية "المِصريَّة" في جدليتها بين المركز والخلود، وفي قُدرتِها الباطنية على الانبعَاث والإشرَاق الذَّاتي لتُنِير العُقول والقُلوب؛ ويَشهد التاريخ أنَّ الرُّوح المِصرية كانت وستبقى تَجسيدًا حَيًّا لتعَاليم "مَاعت" وتَرانِيم الاعتِراف وسُلطان الحَقِّ والتَّحَقُّق، فَهِي المِيزان التَّاريخِي نفسه الذي يَقمَعُ العَمَاء ويُعلِي صَرح النِّظام والحَضَارة والإنسَان.
وبمَنظورٍ بَحثِيٍ مُتَجرِّد، يَستحِيل يومًا أن تكون "مِصر" سُلطَةً إداريَّة مُجرَّدة، بل ضَرورة فيزيقية وميتافيزيقية تَحمِي قَلب العَالَم من التَّلاشي في فَوضىٰ المُحيط السِّياسِي والعَسكَري والثَقَافي للأمُم..، لأنَّها هي قَلب العَالَم، والتَّاريخ يُؤكِّد نقدًا وبحثًا أنَّ مِصر تَتجلَّىٰ دائمًا بمَركَزِيَّتهَا السِّيادِية الذَّاتية؛ وهي اللَّحظة الفَارقة التي تَتَلاشىٰ فيها "أنا" الأغيَار في حَضرَة "الكُلّ" المِصري، فَتَرتَدُّ المَاهِيات طَيفًا أمام سُطوع الذَّات الحَضَاريِّة وقَدَاسَة المَعنى، وتَتَعالىٰ مِصر وَحدها قُطبًا للثبَات في عُلاها.

ذلك وأنَّ الانتِماء القِبطي الفرعوني (ولسنا في مَبحَث عن أصل الكَلِمَة: فرعون/فراعنة، فالمَقصود جَلِيٌّ) في فِكرنا ليس "نوستالجيا" رومانسية، بل هو استِحضارٌ للچين الوُجودي الأصِيل في مُجابَهة هَبَاء التَفتُّت والشَّتات؛ فالجِذر القِبطي كَينونة وليس مُجرَّد ذَاكرة، لأنَّ المِصري المُعاصِر ليس وريثًا لأثرٍ ورَمز صَامِت كَتُوم! على العكس تمامًا.. هو عارِفٌ بالسِرّ اللَّاهُوتي الذي يُقدِّس الأرض والإنسَان وحَياته وأعمَاله وأثَره، ويرىٰ في الأرض الاستِقرار والقَرار كما يُؤمِن بالنُّبوءة والحَضَارة، لِذا.. ما نَشهَده من انبِعاثٍ قَومِي هو صلوٰة استِسقاء من أجل الوَعي؛ حيث تنعَتقُ الذَّات من أسرِ التَّبعِية لأطرُوحاتٍ وافِدة حَاولت تَغييب الأصَالة على مَرِّ العُصور لِصَالح هُويَّات هُلامِيَّة تَفتقِر الرُّسوخ التَّاريخي عَملًا واحتِرامًا وهَيبَة، أو حتى تُحسَب أفعالها وأقوَالها على صَعِيد التَّعاون السِّياسي الإقلِيمي والدولي سَواء كان اقتِصاديًا أو أمنِيًا عَسكريًّا.

وفي سِياق النِّقاش؛ تُشرَح الصِّراعات ويُواجِه الوَعي القَومِي غَارات دَؤوبَة تَرومُ تَفكِيك المَركزِية المِصرية عبر أيديولوجيات تَسعى لفَرض سيول الهُويَّات الدَّخِيلة التي تَسلِب المُواطِن المِصري طمأنينته الوَطنية، وهنا يَبرز الدور النَّقدي والثَّقافي للذَات المِصرية؛ ليُكشَف أن هذه الغُربَة الفِكريَّة ما هي إلا مُحاولة لتَعطِيل نَبض الدَّولة وشلّ الوَطَن، بينما تُتَّهم القومية بالانغِلاق..! ونُواجِه تِلك الرُّؤى نقدًا بإعلان أنَّ العَمل الوطني (فِعلًا كان أو قَول) والثَقافة التَّاريخِيَّة كِلاهُما مِشكاةُ القومية المصرية، فبقدر ما نُمعِن في مِصرِيَّتِنا حُبًّا؛ نهدي للعَالَم نمَاذج تَاريخيَّة ليس أعظَم مِنها، لذلك تَكون الاسترَاتِيجيَّة الدِّفاعيَّة (الأدَبِيَّة والنَّقدِية) للدَّولة اليوم هي في جَوهَرها إعَادةُ اعتِبارٍ للأنَا القَومِيَّة الوَطَنِيَّة التي تَأبىٰ أن تكون صَدىً لضَجِيج الآخر أو عُدوان أفعاله وأقواله وكُل مَا يَصدر عَنه، كمَا تَرفُض في الآنِ ذَاتِه أن تكون مَصدَرَ إزعَاجٍ لشَقيقٍ أو حَلِيف.

بَحثيًا وفي القِراءات المُتعَدِّدة وزَوَايا دِراسة الهُويَّة والزَّمان؛ تُرصَد إرَادةُ الوَعي المَعنِيِّ بمُكاشَفة الحَقِيقة وتَجسِيد الرُّوح الوَطَنِيَّة، وهي العَقيدة التي تَزدَري العَدَمِيَّة القَومِيَّة، وتُؤمِن أنَّ الوُجود والتَّواجُد الإنسَانِي على الأرض هو بمَثابَة قُربَانٍ وَطَنِيٍّ في مِحرَاب الخُلود (وتلك هي القَومِيَّة المِصريَّة) وعلى مَذبَح الحَضَارة يُقَام قُدَّاس الوَطَن ويُدرَس أصل قَومِيَّتِه وجِذر أهلِه، وبالنَّظر للفِكر العَام واحتِياجاته، فأولًا وأخيرًا: ثَمَّة عمَلِيَّة بِناءٍ للوَعي تُوازي -بل تَسبِق- هَندسَة البُنيَان في حِرَفِيَّتها وتَطلُّبها للمقوِّمات العِلمِيَّة والإمكانِيَّات المَعرفِيَّة.. بِناءٌ فِعليٌّ ومَعنويٌّ مُستمر، ودراسَة دائِمة وتَدريسٌ مُتواصل.. وتَشكِيل حتَّى للهَواء تَشكِيلًا وطنيًّا قوميًّا، لأننا أمام إقرارٍ وُجودي يُقرِّر مَكانَته كصَانع للتاريخ وكاتب له؛ رافضًا أي دورٍ سِواه، فليس هو بِمُتفرج على ما مَضىٰ أو ما يُستحدَث من صِراعَات عَابِرة ولا ينزل عند رِوايَات التَّواجُد وسِجَالات الأفضَليَّة أو الأسبَقيَّة، لأن هذا الإقرَار الوُجودي هُوَ المَركَز وهُوَ القَرَار.

إنَّ الدِّفاع عن القَومِيَّة المِصريَّة وتمثيلها هو دِفاعٌ عن التَّوازن الوُجودي للعَالَم؛ فـ مِصر هي الحَقِيقة التي تَتَحطَّم عليها أوهَام الفَوضَىٰ الأرضيَّة، لأننا فيها نَعِيش لحظَة التَجلِّي الأكبر حيث ينقشِع الحِجَاب عن وَجه مِصر: وجهٌ يَجمع صَرَامَة المُؤسَّسة بقُدسِية الأرض ورُوحِها، ومَجد الأزَل بتَطلُّعات المُستقبل ودراسِة المَاضِي بالعَمل حَاضرًا، وليس فيها غُلوٌّ في العِشق..، ولا مَدحٌ باطِل أو تَقديسٌ زائِف؛ فالهُويَّة المِصريَّة هي الحَقِيقة مَالِكة البِدايَة والنِّهايَة؛ فالحقُّ في أرضِ النِّيل، و"كِمِت" برُوحها هي تَجلِّي الحقِّ في مَلكوت اللَّحظة والأرض المُباركة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيادة الوعي: اعتزال الفوضى والضجيج
- تحرر المعنى من صنمية النص
- صرخة فوق هياكل الحروف
- جدلية اللوغوس وطواف العارفين
- قيامة الروح في ملكوت الباطن
- فردوس الاعتقاد وجحيم الإكراه


المزيد.....




- اليابان تعزز جاهزيتها العسكرية.. CNN تحصل على فرصة نادرة للا ...
- من الخيال إلى الواقع.. فارسة إماراتية تتحدى إعاقتها الجسدية ...
- أخبار اليوم: ترامب يكشف عن رغبة إيران في حل دبلوماسي
- تركيا تعلن حظر التظاهر لستة أيام في ولاية ماردين المتاخمة لس ...
- بوليتيكو: البيت الأبيض يخشى تداعيات تشدده بمكافحة الهجرة
- تونس تقترح تنظيم مؤتمر جامع لحل الأزمة الليبية
- لولا دا سيلفا يطلب من ترمب قصر مجلس السلام على غزة
- منظمة أممية: نزوح 400 أسرة في اليمن خلال 3 أسابيع
- فرنسا تحمي أطفالها.. وسائل التواصل حرام على من هم دون 15 عام ...
- حاكم مينيسوتا: لاحظت -تغيرا- في نبرة ترامب خلال مكالمة هاتفي ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علاء سامي - إشراق الهوية القبطية بأسرار القومية المصرية