أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علاء سامي - فردوس الاعتقاد وجحيم الإكراه














المزيد.....

فردوس الاعتقاد وجحيم الإكراه


علاء سامي

الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 17:37
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إنّ حرية الاعتقاد في عُمقها الفلسفي ليست مُجرد حق تمنحه الدساتير وبنود القوانين؛ بل أصل تكويني يسبق الوجود المادي للإنسان، إنها "النَفخة القُدسية" التي ميّزت الرُوح حين الشهادة في عالم الغيب وفصّلها لنا الحقّ كِتابًا *..أَلَستُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَىٰ..* قرآنً، والشاهد توراةً *..قَبلَمَا صَوَّرتُكَ فِي البَطنِ عَرَفتُكَ..* وإنجيلً *..النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنسَانٍ آتِيًا إِلَى العَالَمِ..* كان هذا الإقرار نابعًا من مكنون الحرية وبأسمىٰ معانيها إذ لا قيمة لـ "بَلَىٰ" إن لم يكن "الرفض" مُمكنًا بُرهانيًا.
والاعتقاد في ذاته هو "عقد" بين اللَّاهُوت الكامن في الرُوح والمُطلَق المُتجلّي في الوُجود، وهذا العقد لا ينعقد إلا بالقصد الروحي والقصد في ميزان العقل الباطني هو جوهر التكليف؛ فمن حاد عن الحُرّية فقد حاد عن إنسانيته قبلما يحيد عن فاطِر ما فوقه وتحته، ومن أراد قهر الكَلِمَة كمن في محاولة بائسة لدفن النور في تراب الظُلمة وهذا محال في فيزياء الرُوح قبل استحالة الواقع.
باستقراء النصوص المُقدّسة برؤية تتقصىٰ ما وراء الحرف، نجد أن الحُرّية هي الثابت الوحيد في مُعادلة الوجود..، يتجلىٰ الحق بالقرآن المَجيد *..لَا إِكرَاهَ فِي الدِّين..* ليس كنَهي تشريعي فحسب يُبلّغه البَشير مُحمَّد، وإنما قانون وإخبار عن -استحالة وجودية- لأن الاعتقاد إذعان رُوحي والنَذير أتمّ بلاغ الرسالة وحقًا صَدَق ذات قائلها كل حين، والرُوح بطبعها مجازًا تعَشق النورانية ولا تقع تحت سطوة المادة والآية تُقرّ الرُشد والغيّ مداران لا يلتقيان إلا في مساحة الاختيار الإنساني، فالمشيئة الإلٰهية ها هنا تُكرم الإرادة الإنسانية ليكون الإيمان محبة لا سُخرَة..، كذلك في هُدىٰ الإنجيل يسطع نور الكَلِمَة في الآية باسم الناصري الجليل ذاته *..وَتَعرِفُونَ الحَقَّ، وَالحَقُّ يُحَرِّرُكُم..* وها هنا يصبح الحق بالآية مُرادفًا للحرية لا يقبل التضاد، فالسَّيد المَسيح لم يأتِ ليرصف طُرقًا للمادة بل ليفتح معارج الروح ذلك لأن الانعتاق من نامُوس الحرف إلى روح الناموس هو قِمّة التجلّي لحُرّية الاعتقاد، فالمَحبة التي نادت بها الكُتب المُقدّسة هي -تعريف وحماية للحرية- إذ لا يمكن للمرء أن يُكرَه على الحب! والاعتقاد هو حق الحب.
ليس الخالق يُريد الأحزان والآلام والتضييق؛ بل هُوَ عِلّة الوجود وقُدّوس النور، فالهِجرة قَدَرًا والصَّلب خَلاصًا إلٰهيًا جعل الطُغاة يُشبَّه لهم واهمين أنهم قَهرُوا الحق وأطفأوا نُور الكَلِمَة بتصفية الجَسد وإبعاده، مُحاولين يائِسين قَمع الاعتقاد ساقطين في ذات الفَخّ الإلٰهي، وبكل سذاجة يُمارسون السُخرية الإلٰهية على أنفسهم والاستهزاء؛ إذ كلما زادت مُحاولاتهم دفن الفكرة.. زاد تجلّيها وقيامتها وتحرُّرها من قيود الطِّين، فالحقيقة لا تُقتَل أو تُطرَد أو تُصلَب لأنها تنتمي مُباشرة لعالم الملكوت لا لأرض المادة وما محاولات وأد حرية الاعتقاد إلا أركان طبع خبيث تُثبِت في نهاية المَطاف أن الروح غالبة المادة وأن الحق لا يكون إلا لمَن ارتقت بصيرته فوق إكراهات الزمان والمكان.
نقف اليوم أمام حتمية إعادة القراءة في الإيمان كفِعل تحرُّر سيادي، فالمُعتقد هو البرزخ الذي يربط الفَانِي بالمُطلَق وأي مساس بهذا البرزخ هو اعتداء على النُظم الإنساني والإلٰهي، وفُقهاء الروح وعُلماء اللِّسان يُدركون تمامًا أن الكَلِمَة إن لم تخرج من مِشكاة الحُرّية تظل جسدًا بلا رُوح وصوتًا بلا معنى لأن الحرية تُمثِّل محراب الوجود ومن اعتزل هذا المِحراب ضَلّ طريق المعنى والصِّراط.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- مسعود بارزاني من الفاتيكان: عودة داعش خطرٌ على الجميع ونحتاج ...
- لأول مرة.. إسرائيل تسمح لمقتحمي الأقصى باصطحاب أوراق الصلاة ...
- نابليون في القاهرة وعكّا.. كيف حاول استخدام الإسلام قوة ناعم ...
- عاجل | مراسل الجزيرة: مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى بحماية ...
- العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد
- مدفوعة بتسهيلات ضريبية.. تزايد ملحوظ في هجرة يهود بريطانيا إ ...
- دراسة أميركية تربط حل أزمة السودان بكسر قبضة -الإخوان-
- مدير الحرم الإبراهيمي يروي تفاصيل إبعاده عن المسجد
- مدير الحرم الإبراهيمي يروي تفاصيل إبعاده عن المسجد
- سوريا: فشل جديد للمفاوضات بين دمشق و-قسد- وقلق حول مصير سجنا ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علاء سامي - فردوس الاعتقاد وجحيم الإكراه