أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علاء سامي - سيادة الوعي: اعتزال الفوضى والضجيج














المزيد.....

سيادة الوعي: اعتزال الفوضى والضجيج


علاء سامي

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 22:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في مَديح الانعِتاق السَّامِي ما فَتِئت الحقيقة تتوارَى خلف سُدُم الصَّخب المادي؛ فكلما أوغل العصر في استنطاق العَدَم ازداد الإنسان اغترابًا عن مَكنونه الأزلي، فالمَأساة لا تتواجد في صَمَمِ الآذان والعقول بل في ضَحالة ما يُلقىٰ فيها، حيث غَدَا العقل مُستباحًا أمام جَحَافِل العَبَث وأصبح الفِكر ظهيرًا أمام فيالقه التي تَلوكُ المَعاني وتجترُّ الأوهام، هَا هُنا.. ينبثقُ السُّكون لا كحَالة استِنفارٍ سلبية بل كفِعل يُمنطِق السِيادة المُطلقة للذات، ليُعلِن فيه الوَعي تَحرُّره من التجميد اللئيم للكَلِمَة ويَتَبنَّىٰ طُهر الحِكمَة دون مَذاهِب التَشويه التي طالت سيرتها بأيديولوجيات الثرثرة البَشرية.

إنَّ تهافت الصَّخب حول الكَلِمَة وسَرِقة كينونتها لا يتوقف؛ فالتَضَخُّم اللِّساني الذي يَرزَح في تِيهه وتحت وطأته إنسان الجَهل، ليس سوىٰ قِناع لسَتر العُري الوُجودي فيه -إنسان الجهل- وفي فَضاءات التَفاعُلات الشاذة تِجاه صِدق الكَلِمَة، تَحوَّلت الكلمة من كَشفٍ للمَاهية إلى حِجَابٍ للجَوهر، حيث يُجبَر الفَرد على الانخِراط في ضَجيج القَطيع ليَضمَن لنفسه مَلمحًا في مَرايا المَادة! فالفوضى ليست صوتًا عابرًا وإنما هي تِقنية كَيانية تستهدف تفتيت "الأنا" وصهرها في بَوتقة الجَمع المُغيَّب، لذا.. فإنَّ الخطوة الأولى نحو الاستِنارة تبدأ بتمزيق هذا الوِشاح السَّمعِي والفِكري، والعَودة إلى البَراءة الصَّامتة الفاعلة التي تَسبِق تَشويه العَالَم بالعِبارات المُعلَّبة.

وبسيكولوجية التَّعالي وإرادة التَمَنُّع السِيادي، تَتجلَّىٰ العَظَمَة الذاتية في القُدرة على مُمارسة الزُهد التَعبيري المَعنوي؛ فبينما يَهرع الآخرون لملء الفراغ بالضوضاء! يختار المُتأمل تشييد حِصنه الداخلي وبِناء قَلعَته المَنيعة على أُسس فِكره الخاص، ولذلك يكون المُصطلح والمفهوم "سيادة الوعي" هو اعتزال الفوضى والضجيج بتمثيله الذُروة في فلسفة الرَفض؛ فهو ليس هروبًا من الواقع بل تَرَفُّع عِرفَاني عن سُخف التفاصيل والأحداث، إنَّ حُرِّية الوَعي حين تُطرَح أينما كانت.. يُستَدرك فورًا أنَّ قيمتها لا تُستمَد من اعتراف الحشود بل من شَهادة الذات، حيث تسقط الحاجة للبَرهنة اللَّفظية وتغدو السَّكِينَة هي الحُجَّة الدامغة على نُضج الكيان والفِكر واستقلاليتهما.
وبالرَمزية المَلكوُتية لتجلِّيات النَّصر في صَمت القَدَر (حِكمَة)؛ فبالنظر إلى مآل الصراعات بين الحق والباطل نجد أنَّ الحقيقة لا تصرخ وإنما تَسطع، وتلك الرَمزية العَميقة التي يتبناها الفِكر السَّامِي وفيها أنَّ الانكِسار الظاهري أمام الضجيج ليس إلا مَكيدة إلٰهية لإعلاء شأن الرُوح، فالجلَّاد يستهلك جُهده في الصُراخ والتمثيل المَادي والتفاخر، بينما الحق يرتفع في صَمتٍ مَهيب مُتجاوزًا حدود الزمان والمكان، فالصَمت هُنا هو لُغَة القَدَر الذي يَسُوق البشر إلى نهاياتهم التي تُقرِّ بداية أبديتهم، ووَحدَهُ الحق يَهب الباطِل سَراب الفَوز اللَّحظي ومجدًا زائلًا، ويَمنح الرُوح ظَفرًا خَالدًا وتُتَوَّج بإكلِيل خُلودها.

في فَلسفة الجَمال المُتعالي كَمَال المَعنى والمَبنى؛ ويُعدّ الصمت وَسط الضَّوضاء هو المَشورة المُقدَّسة التي تمنح للسكون قوامًا، إنَّ اعتِناق السَّكِينَة في أوقات السَّرطان الكَلامي هو فِعلٌ إبداعيٌ يكاد يَتَّصِل بإشراق الذَّات العُليا؛ فهو يُعيد للوجود وَقاره المَفقود وَسط الزّحام، ولهذا فَنّ الانتِقاء يقتضي البُعد عن الفوائض اللُّغوية والكَلامية للوصول إلى صُلب الجوهر، ومنه يتبين المُتحدث؛ مُؤمنًا بالكَلام والإلقاء والطرح كان أم مُنافقًا! فالصَّمت هو القِمَّة التي تطلّ منها الرُوح على هُراء النزاعات الأرضية وسطحية ساكنيها، مُدركة أنَّ المُطلَق لا يُحدّ بحدود العبارة وأنَّ الجَمال الأسمىٰ هو ذاك الذي يُبصَر في خلوة السكون، لا هذا الذي يُسمع في جَلبة الأسواق.

فمُقاوَمة الفَوضىٰ بالسَّكِينَة والعَمَل هي الرِسالة الوُجودية الأخيرة؛ كَي لا يَبتلعك مُحيط الوَهم المَادي ويُسيطر عليك هيَاجه، كُن أنت بَاطِن مُحيط الحقيقة واستَخلص من السُّكون عُمقًا وعِبرةً، ولا تَلتِفت لعَبثية موج الأوهَام واجعل من اعتِزالك الفَوضىٰ مِعراجًا نحو الذات الإلٰهية الكامِنة في رُوعك، واعلَم يقينًا أنَّ الحقَّ الذي تَسكنُ إليه في صَمتِك شامخًا كمَنارَة لاهُوتِية حِين تَذرو الرِّياح عَبَث العابثين، وكُن أنت المُنتهىٰ لضجيج البَشر.. وابدأ تَراتِيل الوُجود وتَهلَّل بترَانيم الرَّهبة، مُعلنًا أنَّ الأرض لم تكن يومًا لِمَن مَلأها بالصُراخ.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحرر المعنى من صنمية النص
- صرخة فوق هياكل الحروف
- جدلية اللوغوس وطواف العارفين
- قيامة الروح في ملكوت الباطن
- فردوس الاعتقاد وجحيم الإكراه


المزيد.....




- معركة قانونية قد تكلّف ميتا وتيك توك ويوتيوب مليارات الدولار ...
- هيفاء وهبي ترقص -السامري- في الرياض وأحمد سعد يدعم مهند البا ...
- بعد توجيه السيسي.. مصر تعمل على تشريع ينظم استخدام الأطفال ل ...
- ترامب وغرينلاند: كيف تمتلك دول أراضٍ خارج حدودها؟
- حزب الله يعلن موقفه بوضوح: لسنا على الحياد.. وأي هجوم على إي ...
- -القوة الضاربة- تصل إلى الشرق الأوسط.. والإمارات: نرفض الهجو ...
- غزة أمام الاستحقاق الأصعب بعد الرهائن: الهدنة وسلاح حماس في ...
- الدبلوماسية تحت الغارات: اجتماع بين سفارتي الولايات المتحدة ...
- ضبط -المتمارضين-.. مهنة جديدة تزداد رواجا في ألمانيا
- ترامب يرسل مسؤولا إلى مينيابوليس ولا يريد أن يرى -جرحى أو قت ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علاء سامي - سيادة الوعي: اعتزال الفوضى والضجيج