|
|
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
علاء سامي
كاتب وباحث
(Alaa Samy)
الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 00:23
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
ما جِئنَا لنَنبِش قُبورَ الماضِي، بل لنُوقِد مصَابِيح الحاضِر. وفِي البَدءِ كَانَت الفَلسَفةُ حتَّى النِّهايَة.
إنَّ الفَلسَفة لَيسَت تَرَفًا ذِهنِيًّا؛ بَل هِيَ استِردَادُ الوَدِيعَة الإِلٰهِيَّة الَّتي ضَاعَت في زِحَام النُّقُول، ولا أرُدُّ على "الغَزَالِي" بِصِفَتِه شَخصًا.. بل أرُدُّ على "الغَزَالِيَّة" كحَالَةٍ ذِهنِيَّة تَعتقِدُ في تَحقِير العَقل تَعظِيمًا للخَالِق أو حتَّى تَسبِيحًا! لِذَا فنَامُوسُ المَعَالِي هُوَ صَرخَةُ الرُّوح الَّتي تَرفُض أن يكُون الرَّبُّ الإلٰه مُعَرَّفًا: إرادَةً بِلا غَايَةٍ، أو قِدَمًا بِلا فَيض. ولقد ظَلَّت مَطارِقُ التَّهافُتِ تَهوي على كِتابات الحُكمَاء لقُرُون حتى تَوهَّم الخَلقُ أنَّ العَقلَ خَصِيمٌ للإِيمَان.. وأنَّ الفَلسَفة طَريقٌ للجُحود. هذا البَيانُ ليس رَدًّا على شَخص، فَقد أفضَىٰ أبُو حَامِد إلى ما قَدَّم.. ولكِنَّهُ رَدٌّ على سجنِ الفِكر وتحرِيرٌ لنَامُوسِ المَعَالِي الذي شَوَّش عَليهِ الصِّراعُ الكَلامِي في أغلالِ الظَّاهِر. فَأينَ الحَقِيقَة! هَل في النَّقلِ والأثَر؟ أم نَحو السَّمَاءِ والقَلب.. والنَّظَر، وبالحَقِيقَة أُؤمِن أنَّ النُّور مَنبَعُه في الذَّات لا في حِكَايَات النَّفس، فكَيفَ تَطلُب في "التَّهَافُت" مَعرِفَةً! والسَّيفُ يُشهَرُ في وَجه العَقل بالقَدَر!؟
إننا نُعِيد فَتحَ أكبَر المَلفَّاتِ وأعقَدِ ثُلاثِيَّتهَا (القِدَم، العِلم والمَعَاد) بصِفَتِها ليسَت جَدَلِيَّاتٍ قَديمَة.. وإنَّما هِيَ رَكِيزةُ دِينِ المَعرِفة الَّذي تَتلاقَىٰ فِيهِ الوَصَايا والتَّورَاة والمَزامِير والإنجِيل والقُرآن مَع بُرهَان العَقلِ الفَعَّال.
ولا نَبخَسُ أبَا حَامِدٍ حَقَّهُ؛ فَقَد كَانَ -كما مَعرُوفٌ عَنه- أنَّه مَن شَرَع بَاب المَنطِق لِلفُقَهاء! وقالها نَصًّا ومعنىٰ: (مَن لا يُحِيط بالمَنطِق لا ثِقَة بعُلومِه) ولَكِنَّهُ حِينَ أرَاد هَدم الفَلسَفة شَحَذ سَيفًا مِن مَعدِنها! فكانَت ضَربَتُه إيقَاظًا للعُقولِ مِن سُبَاتِ التَّقلِيد، وإن جَانَب الصَّواب في المَآل! فَنحنُ نَرُدُّ على النَّتِيجَة لا على النيَّة، ونُصَحِّح المَسَار لا نُحَطِّم المَنَار.
فمَن كان يَطلُب الحَيَّ بَينَ الأموَات فَلا مَقَام لَهُ هُنا؛ ومَن كان يَطلُب "الآن الأزَلِي" وانتِصَار الرُّوح.. فليَخلَع نَعل تَقلِيده.
...بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيم... ...بِسمِ الحَيِّ القُدُّوس الذي لا يَمُوت...
يا مَن وَقَفت بِبَاب العَقلِ شَاهِرًا ذَاتَ التُّهمَة الجَاهِزة، واستَعدَدت لإطلاقِها قَبل أوَّل حَرفٍ تصغهُ.. وشَحَذت نَصل الشكِّ لتَقطَع بِه حَبل السَّببِيَّة؛ ظَنًّا مِنك أنَّك تَنصُر "القُدرَة" وما دَرَيت أنَّك بمُحاولتِك حتى لم تَمسَّ الحِكمَة، بل والأُلوهِيَّة في نَفسِ الظَّن تَحتاج إلى سِجن الزَّمَان والمَادَّة لكي تَصِحَّ! وسِجن الحَرف بتَشيِيئِه وتَجسِيم مَعنَاه وتَفسِيره بَل والسَّعي في مُحاوَلة احتِكَار الاجتِهاد! فهَل يَجُوز؟ * لقَد نَصَبت فخاخَك المَنطِقِيَّة لتُقَيِّد طُيورَ الفَلسَفة! وأرَدتَ إنزَالَ "المَعَالِي" -تِلكَ الحَقائِق النُّورَانِيَّة- إلى سَاحةِ العَاداتِ الحِسِّية، فَكان التَّهَافُت تَهَافُتًا للمَبنَىٰ الوهمِي الذي شَيَّدتَهُ أنتَ خِصِّيصًا بهدَف السُّقُوط! فلا المَعنَىٰ تَهافَت أو حتَّى بَطل؛ وما أدرَكت أنَّ الفَيلَسُوف الحَقَّ هُوَ نَبِيٌّ بلا شَرِيعةٍ مُستلَمة، وأنَّ النَّبِي هُوَ فَيلسُوفٌ قُدسِيٌّ اتَّصَل بالوَحيِ بلا وَسِيط. * إنَّ العَقلَ لَيس قَاضِيًا مِن خَارِج المَملَكةِ الإلٰهِيَّة؛ بَل هُوَ النَّبيُّ البَاطِنُ الَّذِي بِه عُرِف الحَيُّ وبِهِ عُبِد، فإذا كانَ الوَحيُ هُوَ عَقلٌ مُنبَسِطٌ في لُغةِ البَشَر.. فإنَّ العَقلَ هُوَ وَحيٌ مُنطَوٍ في فَلسَفةِ الرُّوح وفِطرَة السُّؤَال والفَحص، ومِن هُنَا.. فإنَّ القَول بتَهَافُت الفَلاسِفَة هُوَ في جَوهَرِه قَولٌ بِتَهافُت الأدَاة الَّتي بِها أدركَنا خِطَاب الوَحي! وهُوَ انتِحَارٌ مَعرِفيٌّ بقَطع حَبل الفَهم الَّذي تَقِفُ علَيهِ الشَّرِيعَة.
ولَستُ أنا أكتُب رَدًّا بل أُقِيم بُنيَانًا.. أو حتى أُشِير لحجَر الزاوِية. وقَد جِئتُ بنَامُوس المَعالِي مِن ذَاتِ المُتَعالِي وكَلِمَتِه، ذَاك القَانُون الإلٰهِي الذي لا يتَبدَّل؛ لأُبيَّن أنَّ الفَلسَفة ليسَت عَدُوَّةً للدِّين بل هِيَ بَاطِنُه.. وأنَّ الدِّين لَيس قَيدًا للعَقلِ بل والفَلسَفة هِيَ مِعراجُ العَقلِ والرُّوح إلى صَاحِب الدِّين.
انقَشَع الغُبَار ها هُنا؛ واجتَمَعنا في دِيوَان الأزَل ومَقاله، حَيثُ لا تَقِيَّة أو مُوَارَبة..،
...فأهلًا بِكـ/م في حَانة الفَلسَفة...
هُنا يُعجَب سُقرَاط بجدَلِيَّتك التي نَبَّهَت العُقول، لكِنَّه يَبتسِم إشفَاقًا على استِنتاجاتِك الَّتي حَبسَت المُطلَق في أقفَاصِ الحُدوث -أو حاوَلت- وهُنا يَستَلُّ ابنُ رُشدٍ سَيف فَصلِ المَقال، ويُوقِد ابنُ سِينا مِصباح الشِّفاء ليُصفِّي النَّفس، بَينمَا يَضبُط الفَارابِي أوتَار قَوانِينه ليُقيم تَوازن النِّداء والصَّمت، ويأخُذوا شَرابًا.. ويَسكُب الخيَّام خَمر الحَقِيقة في كُؤوس أفلَاطُون وأرِسطُو وأيضًا ابن عَرَبِي ...ليُعلِنوا مَعًا -وأنا- سُقوط "الحِجَاب الغَزالِي" أمَام ٍالنَّامُوس الأسمَىٰ... (ولَيس سُقوط شَخص الغَزالِي) ...فالمَنطِقُ في خِدمَة الوَجد بالفَلسَفة؛ جِسرٌ تَعبُره العُقول لتُسَلِّم مَفاتِيحها إلى الرُّوح عِند سِدرَةِ المُنتَهىٰ.
وبالكَشفِ عن سِرِّ الحِكمَة، وبِقُوَّة هُدَىٰ التَّورَاة ونُور الإنجِيل وتِبيَان القُرآن وكل العُهود.. نَبنِي كَعبَة الحَقِيقة الَّتي يَطُوف حَولها العَارِفُون بينَما يَقِفُ المُتكلِّمُون عِند أستَارِها يتَجادَلُون، ونُقِيم هَيكَلًا لها قَصرًا ومَعبَدًا وفِيه نُقِيم قُدَّاسَ المَعرِفَة وعلى مَذبَحِ العِلم نَشرَب كَأس الفَلسَفة. فإنَّ الوُجُود في "نَامُوس المَعَالِي" لَيسَ رُكَامًا مِن المَادَّة؛ بَل هُوَ نَصٌّ إِلٰهِيٌّ بَاذِخ، وإذَا كَانَ الفَقِيهُ يبحَثُ عَن مَقاصِد الشَّارِع في الحَرفِ! فإنَّ الفَيلَسُوف يَبحَثُ عَن مَقَاصِد البَارِي في الخَلقِ. وبالنَّظرَة للعَالَم أنَّه الكَلِمَة المُنبَسِطَة والوَحيُ هُوَ العَقلُ المُتَجسِّد؛ فَلا انفِصَام بَين لُغَةِ الوُجُود ووُجُود اللُّغَة.. ومَن ظَنَّ أنَّ الفَلسَفة الكَلامِيَّة عَثرَةٌ لُغوِيَّةٌ تأوِيلِيَّة، لم يُدرِك أنَّ الإسم في الأزَلِ هُوَ عَينُ المُسَمَّىٰ في الأثَر وأنَّ تَهَافُت الغَزَالِي بَدأ حِين فَصَل بَين دَلالَةِ الإرادَة وضَرُورَةِ الحِكمَة.
«-- الفَصل الأوَّل --» أزَلِيَّة التَّجَلِّي في سِرِّ القِدَم والسَّرمَدِي ... ﴿..فِي البَدءِ كَانَ الكَلِمَةُ..﴾ ولم يَكُن الصَّمت؛ وقد رُمِيَ الفَلاسِفَة بالكُفر لقَولِهم ما شَابه بقِدَم العَالَم؛ كَحُكم لظَاهِر نَصِّ المَقَال، وبِهَذا يُختَلق الوَهم: أنَّ الأزَلِيَّة تَجعَل الخَلق نِدًّا للخَالِق! وهَذا يَقِينًا هُوَ قُصورٌ في فَهم المَعالِي، فالعَالَم لَيس إلٰهًا ثَانِيًا ولا هو الإلٰه، بل هو نَفَسُ الرَّحمٰن وفَيضُ جُودِه الذي لا يَنقَطِع. فإنَّ القَول بِحُدوثِ العَالَم بعد عَدَمٍ مَحضٍ يقتَضِي تَغَيُّرًا في الذَّاتِ الإلٰهِيَّة؛ وحَقًّا ما الَّذي دَعَا الخَالِق للخَلق في لَحظَةٍ عَينِيَّة لم يَدعُه قَبلَها أو بَعدَها؟ هل استَجَدَّ لَهُ "مُرَجِّح"؟ ..حَاشَا.. فالتغَيُّر مِن سِمَات الحَوادِث؛ والحَيُّ مُنَزَّهٌ عنِ الحُدوث.
/ أوَّلًا: البُرهَان العَقلِي والعِلَّة والمَعلُول بالتَأَمُّل والتَدبُّر؛ العِلَّةُ التامَّة لا تَتخَلَّف عن مَعلُولِها وفِعلِيًّا لابُد أنَّ الذَّات العُليَا جَوَادٌ مُطلَق.. والجُود صِفةٌ ذاتِيَّة، فإذا كان الخَالِق أزَلِيًّا.. فخلقُه لابُدَّ أن يكُون فَيضًا سَرمَدِيًّا كأزَلِيَّة ذَاتِه بمَبدأ الرُّوح، فقط التَّميِيز بين التَّقدم الزَّمانِي والتقدُّم بالذَّات. فَلَيس كُل تَقدُّمٍ هُوَ سَبقٌ في "الرُّوزنامَة"! بل هُنَاك سَبقُ الرُّتبَة والعِلِّيَّة؛ وها هو المِثال وتقريبيًا: ألا تَرَى يا صَاحِب المَنطِق أنَّك لو حَرَّكت يَدَك وفي إصبَعِك خَاتمٌ، لتَحَرَّك الخَاتَمُ مع اليَد في آنٍ وَاحِد دُون تَأخُّر زَمانِي ولو لطَرفَة عَينٍ؟ ومع هَذه المَعِيَّة الزَّمَنِيَّة تَبقىٰ اليَد سَابِقةً على حَرَكة الخَاتَم بالذَّات والسَّبَب؛ فَلَولا اليَدُ ما تَحرَّك الخَاتَم. هكَذا العَالَم مع الحَيّ؛ قَدِيمٌ مَعه زَمَانًا -لأنَّهُ ظِلُّه وفَيضُه- ولَكِنَّه حَادِثٌ عَنه ذَاتًا ومُفتَقِرٌ إلَيهِ كافتِقَار حَرَكةِ الخَاتَم لليَد، فلا هو إلٰهٌ ثَانٍ ولا هُوَ مُنفَكٌّ عن القُدرَة! فَالحَيُّ مُتقَدِّمٌ على العَالَم وكُل شَيء لأنَّه مُوجِد الشَيء؛ وكَما قِيل -مَع التَّحَفُّظ على التَّفسِير والتَّشبيه- تَتقَدَّمُ الشَّمسُ على ضَوئِهَا أو اليَدُ على حَركةِ الخَاتَمِ فِيها، فالعَالَمُ قَدِيمٌ زَمانًا لأنَّهُ لم يَسبِقهُ زَمانٌ إذِ الزَّمَانُ حَركةُ العَالَم، لَكِنَّهُ حَادِثٌ ذَاتًا لأنَّهُ مُفتَقِرٌ في كُلِّ آنٍ إلى مُوجِدِه.. والمُوجِدُ هُوَ الحَيُّ الأزَلِي! وهَل رَأيتَ ظِلًّا يَنفَكُّ عن شَاخِصِه؟ العَالَم هُوَ ظِلُّ القُدرَة كمَا الشَّمسُ لا تَنفَكُّ عن ضِيائِهَا؛ فقِدَمُ العَالَمِ لَيس نِدِّيَّةً للخَالِق -كمَا تَوَهَّم مَن حَجَبهُ الحَرف -بل هُوَ بَيانٌ لكَمالِ الجُود، لِذا الحَيُّ لا يَنتظِرُ زَمَانًا ليَخلق؛ لأنَّ الزَّمَان يَسجُد أمَام الكَاف والنُّون.. ولأنَّ العَالَم حَادِثٌ بالافتِقَار وقَدِيمٌ بالفَيض.. فَيا مَن تَطلُب للبِدَايَة تارِيخًا، إعلَم أنَّ التَّارِيخ للمَخلُوقَات، وأمَّا الخَالِق فبِدَايَتهُ هِيَ الآنُ الَّتي لا تَنصَرِم.
إنَّ الإرَادَة الإلٰهِيَّة عِند المُتكَلِّمِين بَدَت كأنَّهَا اختِيَارٌ طَارِئٌ يستَلزِم تَردُّدًا أو تَرجِيحًا، وهَذا هُوَ عَينُ التَّجسِيم المَعنَوِي؛ أمَّا في مِعيارِ النَّامُوس، فإنَّ إرَادَة الحَقِّ هِيَ جَبَرُوت حِكمَتِه ورَحمَته؛ فَهُوَ لا يَختَارُ الأفضَل بمَشِيئَةٍ مُستَجدَّة، بل بِجُودٍ ذَاتِي لا يَنفَكُّ عَن كَمالِه؛ لأنَّ الوُجُوبَ في الأزَلِ لَيس قَيدًا على القُدرَة، بل هُوَ تَنزِيهٌ لها عَن العَبَث، فالحَيُّ سُبحَانَهُ يَجِبُ عَنهُ الفَيضُ كَما تَجِبُ عَن الشَّمسِ الإضَاءَة، لا بقَهرٍ خارِجِي، بل بضَرُورَةِ الكَمالِ الدَّاخِلِي الَّذي يَتعَجَّبُ لهُ الفُقَهاء؛ إذ كَيفَ يَكُون الفَاعِل مُختَارًا وهُوَ لا يَفعَلُ إلَّا الحَق؟ والجَوابُ الَّذي يَعقِلُه القَلبُ ويأمَنُ لَه: أنَّ إرَادَتهُ هِيَ عَينُ ذَاتِه وذَاتَهُ هِيَ مَنبَعُ النَّامُوس.
فالوَهمُ الَّذي وَقَع فِيه المُتَهافِتُون هُوَ ظَنُّهم أنَّ الزَّمَان وِعاءٌ يَسبِقُ فِعل البَارِي، ومَا أدرَكُوا أنَّ الزَّمَان هُوَ نَبضُ الإمكَانِ في صَدرِ الوُجُود، فإذَا قُلنَا بقِدَم العَالَم فإِنَّما نُثبِتُ دَوَام فَاعِليَّة الوَاجِب لا مُشَارَكة المُمكِن في الوُجُوب. فالخَالِقُ لا يَسبقُ العَالَم بمُدَّةٍ تَنصرِم، بل برُتبَةٍ تَعلُو؛ تمَامًا كَما يَسبَقُ النُّور شُعَاعه، لا بالانتِظَار بل بالذَّات، فَمَن جَعَل بَين الحَيّ وبَين خَلقِه زَمَانًا خَالِيًا فَقَد جَعَل العَدَم قَيدًا على القُدرَة وصَير الأزَل تارِيخًا يَبدأُ وينتَهِي، وهَذا هُوَ عَينُ التَّجسِيم الزَّمَانِي الَّذي هَربُوا مِنهُ فَوَقعُوا فِيه. ويا مَن تَوهَّمت أنَّ اقتِرَان الأسبَاب بمُسبَّباتِها هُوَ مُجرَّد عَادَةٍ يُمكِن خَرقُهَا بغَيرِ حِكمَة؛ ...اقرَأ... وَأدرِك أنَّ النَّامُوس لَيس قَيدًا على الإرَادَة بل هُوَ تَجَلِّي الأمَانَةِ الإِلٰهِيَّة في خَلقِه، فلَو جَازَ أن تتَخَلَّفَ العِلَّةُ مَعلُولهَا بِغَيرِ نِظَامٍ أَزَلِيٍّ لَسَقطَتِ الثِّقَةُ بكَلِمَةِ الحَيِّ ولَصَار الكَونُ عَبَثًا لا يُقرَأ.. إنَّ حَقَّ المُعجِزَة لَيس في كَسرِ القَوانِين بل في الِاستِعلَاءِ بِهَا حَيثُ تَخرِقُ الرُّوحُ كَثَافَة المَادَّة لتَتَّصِل بالسَّبَبِ الأوَّل مُبَاشَرةً دُونَ أن تُلغِيَ سُنَّةَ مُوجِدِ الوُجود الَّذي لا تَبدِيل في ذَاتِه أو كَلِمَاته.
إنَّ القَول بأنَّ الحَيَّ يَخرِقُ العَادَات بِلا حِكمَةٍ أزَلِيَّةٍ يَجعَلُ مِن الوُجُودِ مَسرَحاً للعَبَث لا مَدرَسةً للتَّعَرُّف؛ فالقَانُون الطَّبِيعِي لَيس قَيدًا على القُدرَة، بل هُوَ وَفاءٌ إلٰهِيٌّ للمُمكِنَات.. وبِدُونِه تَسقُطُ الثِّقَة بالعَقلِ وبالوَحيِ مَعًا؛ إذ كَيف نَثِقُ بنَصٍّ أو بُرهَان في عَالَمٍ قد تَنقَلِبُ فِيه الحَقَائِقُ في أيِّ لَحظَةٍ بِلا نَاظِم؟ لِذا فَإنَّ القَولَ بحُدُوثِ العَالَم بَعد عَدَمٍ مَحضٍ يَرمِي الذَّات الإلٰهِيَّة بالِاستِكمَال بالغَير؛ فكَأنَّ الخَالِقَ انتَقَل مِن حَالَةِ عَدَمِ الخَلق إلى حَالَةِ الخَلقِ لسَبَبٍ طَرَأ عَليه! وهَذا مُحَالٌ في حَقِّ الأزَل.. لأنَّ قِدَمَ العَالَمِ هُوَ في الحَقِيقَة صِيَانَةٌ لتَوحِيدنا، فالعَالَمُ هُوَ ظِلُّ النُّور والنُّورُ لا يَنفَكُّ عَن ظِلِّه، فإذَا كَان الحَيُّ جَوَاداً بذَاتِه فَجُودُه لا يَحُدُّه زَمَانٌ، وإذَا كَان خَالِقًا بأزَلِيَّتِه فخَلقُه لا يَسبِقُه فَنَاءٌ.. ..إنَّ مِعيَار تَهَافُت الغَزَالِي هُنَا هُوَ تَوَهُّمُه أنَّ الإرَادَة هِيَ تَرجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ، بَينمَا الإرَادَةُ الإلٰهِيَّةُ هِيَ عَينُ الحِكمَة والحِكمَةُ تقتَضِي فَيضَ الجُودِ أبَداً.
أمَّا السُّؤال: «لِمَاذَا خَلَق الله العَالَم في هَذا الوَقتِ بالذَّات!؟» فهُوَ سُؤَالٌ يَفتَرِضُ أنَّ الله يَخضَعُ لِلزَّمَانِ وهو خَالقه! إنَّ إرَادَة الحَيِّ لَيسَت غَرَضًا طَارِئًا يَستَدعِي اختِيَار لَحظَةٍ بَعد تَردُّدٍ أَو مُرَجِّحًا يَنتظِرُ غَايَة؛ بل الإرَادَة الإلٰهِيَّة هي عَينُ الجُودِ الذَّاتِي، والجَوَادُ المُطلَقُ لا يُمسِكُ فَيضَهُ عن المُمكِنَات ولو طَرفَة عَين، فخَلقه للعَالَم هُوَ تَجَلِّي كمَالِه في صُورَة فِعلٍ دَائمٍ لا يَنقَطِع، لأنَّ الإمسَاك بَعد المَنع يَعنِي استِجدَاد حَالٍ لم يَكُن.. وَالحَيُّ مُنزَّهٌ عن الاستِجدَاد وتَغيُّر المَزاج، بل هُوَ دوَامُ الفَضل في حَضرَة الأَزَل. وأمَّا اعتِرَاضُ المُتكَلِّمِين بالتَّرجِيح بِلا مُرَجِّحٍ عِند اختِيَار لحظَةِ الخَلق، فَينُمُّ عَن تَصَوُّرٍ بَشَرِي للإرَادَةِ كحَالَةِ تَرَدُّدٍ تَسبِقُ الفِعل؛ ولَكِن في "نَامُوس المَعَالي" فالإرَادَةُ الإلٰهِيَّةُ هِيَ عَينُ الحِكمَة! والحِكمَةُ لا تَختَارُ الأفضَل بل هِيَ خَالِقَةُ الأفضَل؛ لأنَّ الأَزَل لَيس صَمتًا طَوِيلًا سَبَقَ النُّطق بل هُو كَلِمَةٌ مُستَمِرَّةٌ لا تَعرِفُ الِانقِطَاع؛ لأنَّ القَول بلَحظَةِ بَدءٍ زَمَنِيَّةٍ للإرَادَة يَجعَلُ الأزَل نَاقِصًا استَكمَل كمَالَهُ بفِعلِ الخَلق، والحَقُّ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَن الِاستِكمَال. ولَا تَحسَبَنَّ اكتِشَافَ حُدُوثِ الكَونِ مِن نُقطَةٍ رَتقَاء يَهدِمُ قِدَمَ الفَيضِ؛ بل هُوَ تَأكِيدٌ لَهُ.. فإن كَانَت المَادَّةُ قَد بَدَأت في لَحظَة، فإنَّ الطَّاقَةَ والنُّورَ والقَانُونَ سَابِقٌ على تَشَكُّلِهَا؛ فحَتَّى انفِجَارُ الذَّرَّةِ الأُولَى لَيس إلَّا نَبضَةً واحِدَةً في شريَانِ الأزَل، وتَحَوُّلًا مِن خَفَاءٍ إلى ظُهُور لا خُرُوجًا مِن عَدَمٍ مَحض؛ فالخَلقُ عِندَنَا إبدَاعٌ مُستَمِر، كُلَّمَا انطَوَىٰ عَالَمٌ نُشِرَ آخَرُ في دَائِرَةٍ سَرمَدِيَّة لا يَعلَمُ مُبتَدَأهَا إلَّا مَن بِيَدِه مَلَكُوتُ كُلِّ شَيء.
إنَّ الغَزَالِي حَصَرَ الإلٰهَ في الزَّمَانِ الجَارِي، فَصَوَّرَهُ بأنَّهُ كبَنَّاءٍ يَنتَظِرُ لَحظَةً ليَبدَأ البِنَاء.. وهَذا قُصُورٌ في إدرَاكِ الآنِ الدَّائِم؛ لأنَّ العَالَم لَيس مُنفَصِلًا عَن الحَيِّ انفِصَال الصَّنعَةِ عَن الصَّانِع، بل هُوَ صُدُورُ المَعنَى مِن اللَّافِظ؛ فَهَل يَسبِقُ المُتحَدِّثُ كَلِمَتهُ بِزَمَان؟ لِذا.. الكَلِمَةُ مَعَ المُتَكلِّم، ولَكِنَّ رُتبَةَ المُتَكلِّم تَسبِقُ رُتبَة الكَلِمَة.. هَكذَا العَالَمُ قَدِيمٌ بِفَيضِه، حَادِثٌ بِرُتبَتِه، وهَذا هُوَ سِرُّ التَّثلِيثِ المَعرِفِي بَين الذَّاتِ والكَلِمَةِ والفَيض الَّذي أشَارَ إلَيهِ العَارِفُون في كُلِّ مَقَال.
لِذا، مَا يُعرَفُ عَن المَعلُومَاتِيَّةِ الكَونِيَّة لَيس إلَّا الوَجه المَادِّي للكَلِمَةِ الأزَلِيَّة؛ فالوُجُود في جَوهَرِه لَيس رُكَامًا مِن المَادَّة، بل هُوَ فَيضٌ مِن المَعنَىٰ تَشكَّلَ في صُوَرِ طَاقَةٍ وجُسَيمَات.. فَقِدَمُ العَالَمِ الَّذي نُثبِتُه لَيس قِدَم الصُّوَرِ المُتَغيِّرَة، بل قِدَمُ الرُّوحِ الإلٰهِيَّة في الخَلق.. وبتَشبِيه المَادَّة بكَثافَةِ المَعلُومَة والرُّوحِ بلَطافَةِ الحِكمَة، يَتجَلَّىٰ النَّامُوس كَالجِسر الَّذي يَربِطُ بَين نُطقِ الخَالِق وتَجَلِّي كَلِمَتِه وبَينَ ظُهُور المَخلُوق؛ فالعَالَمُ قَدِيمٌ بقُوَّةِ المَعلُومَة في عِلمِ الحَيِّ ووَجدِه، ولَكِنَّهُ حَادِثٌ بفِعلِ التَّجَلِّي في أُفُقِ الزَّمَان.
// ثَانِيًا: نَامُوس الكُتُب وَوحدَةُ الشَّهَادَة * في التَّورَاة: ﴿..فِي البَدءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ..﴾ الكَلِمَةُ العِبرِيَّةُ "في البَدءِ" (בְּרֵאשִׁ֖ית) في سِفرِ التَّكوِين لا تُطَابِقُ أبَدًا نُقطَةً زَمَنِيَّة، بل أَقرَبُ إلى تَفسِيرِها "فِي الحِكمَة" أيِ التَّرتِيبَ الوُجُودِيَّ الأزَلِي في عِلمِ الحَيِّ، لا الحُدُوث الطَّارِئَ في رُوزنَامَةِ الزَّمَن كخَلقٍ وإرَادَة. * في الإنجِيل: ﴿..فِي البَدءِ كَانَ الكَلِمَةُ..﴾ واستِخدَامُ صِيغَةِ الدَّيمُومَةِ ب(Logos) "ὁ λόγος" تَأكِيدًا أنَّ العَالَم صَدَىٰ الكَلِمَة، والصَّدَىٰ لا يَنفَكُّ عَن الصَّوت.. هل يُعقَل أن يَكُون الحَيُّ مَوجُودًا بِلا عَقلِه الكُلِّي ثُمَّ أحدَثَهُ؟ فكَيف هُوَ أصلًا الحَيُّ! * في القُرآن: ﴿..هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ..﴾ ولَو كَان للعَالَم بدَايَةٌ مِن العَدَم لَكَانَ العَدَمُ سَابِقًا لَهُ، ولَكَان اللهُ "ثَانِيًا" بَعدَ العَدَم أو يَتَخَلَّلُه عَدَمٌ أو فَرَاغ! لَكِنَّهُ الأوَّلُ مُطلَقًا وكذَا الآخِرُ مُطلَقًا، فَلا ذَاتُه تَحتَكِمُ لِلقَبلِيَّةِ الزَّمَنِيَّة –أو الأسبَقِيَّة- ولا أصلًا ذَاتُه يَحُدُّهَا زَمَانٌ أو مَكَان، وكُلُّ اعتِبَارٍ لُغَوِيٍّ أَو مَادِّي اعتقد حَصر الذَّات العُليَا فَلَيس بِعَارِفٍ للذَّات الأزَلِيَّة.. فالأزَلُ لَيس زَمَانًا طَوِيلًا، بل هُوَ سُقُوط الزَّمَان في حَضرَةِ الدَّوَام.
إنَّ "الآنَ" الأزَلِيَّ لَيس فِكرَةً نَدرُسُهَا، بل هِيَ حَالَةٌ نَعِيشُهَا حِين تَصمُت ضَوضَاءُ الرُّوزنَامَة في دَاخِلنَا.. حِين تَقِفُ فِي حَضرَةِ الجَمَال فتَنسَى المَاضِي بِهُمُومِه والمُستَقبَل بأوهَامِه، أنتَ هُنَا لَمَست نَامُوس المَعَالِي.. هَذا الوُجُود الحَاضِرُ هُوَ نَفَسُ الخَالِق فِيك؛ فالحَيُّ لم يَخلُق ويَمضِ، بل هُوَ يَخلُق الآنَ في كُلِّ لَحظَةٍ تَنبِضُ بِهَا رُوحُك.. فالخَلقُ إبدَاعٌ دَائِم، ومَن حَبَسَ نَفسَهُ في الزَّمَانِ المَاضِي فَقَد بَحَثَ عَن الحَيِّ بَين الأموَات! «-- الفَصل الثَّانِي --» عِلمُ الإحاطَةِ والعِلمُ الانفِعَالِي ومُعضِلَةُ الجُزئِيَّات ... (يَعلَمُ النَّملَة) لأنَّ مَاهِيَّتهَا تَنطِقُ بِاسمِه وهُوِيَّتُهَا وبَاطِنُها، يَعلَمُها لأنَّهُ صَنَعَها أي خَلَقَها أي أوجَدَها، لا لأنَّهُ رَآها فعَلِمَ بِها. وهَذا لرَدِّ الزَّعمِ أنَّ الفَلاسِفَة يَنفُوا عِلمَ الحَيِّ الخَالِق بالجُزئِيَّات، وهَذا بُهتَانٌ عَظِيم؛ فمَا نَفَوا عِلمَهُ سُبحَانَهُ بل نَزَّهُوه عَن العِلمِ الانفِعَالِي الطَّارِئ الَّذي يَحدُث عَن طَرِيق الحَوَاس الزَّمَنِيَّة والمَكَانِيَّة المُدَّعَاةِ على ذَاتِه.. حتَّى لو ظَاهِرُ النَّصِّ المُقَدَّس فِيه ما يُفَسَّرُ بدَعمِ نَظرِيَّاتٍ غَيرِ هَذِه وإنَّمَا البَاطِنُ فِيه دَائِمًا الخَلَاص.. ألَيس هَذا حَقَّ الإيمَان والرُّوح! قُرآنًا: ﴿..هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ..﴾. وبِكُلِّ تأكِيدٍ أرفُض أيَّ أُطرُوحَةٍ تُصَوِّرُ الإلٰهَ وكَأنَّهُ تِلمِيذٌ للحَوَادِث كشَيءٍ مِن انتِظَار وُقُوع الفِعل ليَتِمَّ العِلم! وهَذا يَجعَلُ الذَّات مَحَلًّا للتَّغَيُّر والاستِفَادَةِ مِن الغَير..، وكَيف والغَيرُ هُوَ المَخلُوق؟
ولا تَظُنَّن أنَّ عِلمَ الحَيِّ بالكُلِّيَّات يُخرِجُه عَن إحَاطَتِه بذَرَّةِ الرَّمل في فَلاتِها؛ بل اعلَم أنَّ النَّامُوس هُوَ سِرُّ الكُلِّيَّة الَّتي تَنطَوِي فِيها كُلُّ التَّفَاصِيل.. فَكمَا أنَّ المُقَنِّنَ الَّذي يُرسِي قَانُون الجَاذِبِيَّة يَعلَمُ سَلَفًا مَسَار كُلِّ حَجَرٍ يَسقُط؛ لا لأنَّهُ يُرَاقِب الحَجَر بِعَينٍ بَشَرِيَّة، بَل لأنَّ القَانُون هُوَ الحَجَرُ في حَقِيقَتِه المُجَرَّدَة؛ فالحَيُّ يَعلَمُ الجُزئِيَّات لأنَّهَا تَتَنزَّلُ مِن كُلِّيَّاتِه، والعِلمُ بالأصلِ عِلمٌ بالفَرعِ بالضَّرُورَة؛ الغَزَالِي جَعَل عِلمَ الحَيِّ انفِعَالًا بالأشيَاء يَحدُث بِحُدُوثِها، ونَحنُ نَجعَلُه فِعلًا للأشيَاء تَحدُث بِعِلمِه.. وليَحكُم القَارِئُ وطَالِبُ العِلمِ والفَقِيهُ والعَارِف بِما حَالًا قَد قَرَأ.
/ أوَّلًا: بُرهَان عِلمِ الإيجَاد بالمِثَال التَّشبِيهي؛ هل يَعلَم المُهَندِس الَّذي صَمَّم القَصر عَدَد غُرَفِه لأنَّهُ دَخَلَها بَعد بِنَائِها وعَدَّها! أم يَعلَمُها لأنَّهَا خَرَجَت مِن أصلِ هَندَسَتِه؟ والجَوَابُ الأقرَبُ للمَنطِق أنَّ عِلمهُ سَابِقٌ وهُوَ سَبَبٌ لوُجُودِ المَعلُوم. هَكذَا هُوَ الحَقُّ؛ يَعلَمُ الجُزئِي بكَونِه عِلَّةً للجُزئِي لأنَّ عِلمهُ عِلمُ إيجَادٍ لا عِلمُ استِرجَاعٍ أو مَعرِفَة.. هُوَ يَعلَمُ دَبِيب النَّملَةِ لأنَّهُ خَالِقُ دَبِيبِها لا لأنَّهُ يَرَاقِبُها أو يَنظُر أفعَالهَا -إلا على سَبيل التَّقرِيب! وذَاك مَبحث آخَر- فعِلمُه بالكُلِّي والجُزئِي نَوعٌ واحِد وهُوَ عِلمُه بذَاتِه المُتَجَلِّيَة عن مَرَاتِب الوُجُود.
إنَّ عِلمَ الحَيِّ بالجُزئِيَّات لَيس استِخبَارًا أو استِذكَارًا أو انفِعَالًا مِن الحَوَادِث؛ بل هُوَ شُهُودٌ لصُوَرِ أسمَائِه، وعِلمٌ إشرَاقِيٌّ حُضُورِي في مَرَايا الأعيَانِ والأشيَاء؛ فالحَيُّ لا يَعلَمُ سُقُوط الوَرَقةِ لأنَّ حَاسَّةً رَصَدَتها! بل يَعلَمُها لأنَّ قَانُون السُّقُوط هُوَ مِن كَلِمَتِه، والوَرَقة هِيَ تَجَسُّد حِكمَتِه.. فالمَسَافَةُ بَين الحَيِّ وبَينَ أصغَرِ جُزئِيَّةٍ في الكَونِ هِيَ مَسَافَةُ الوُجُود وقَانُونِه -أم عَدَم!- الَّذي هُوَ أيضًا مِن كَلِمَتِه؛ فكَيف يَغِيبُ الوُجُود عَمَّن هُوَ واجِبُ الوُجُود؟ فالتَّفَاصِيل الكَونِيَّة لَيسَت أجزَاءً مُبَعثَرَةً تُجمَع في مَعرِفَةٍ أو عِلم، وإنَّما هِيَ تَرَدُّدَات في نَسِيج العِلمِ المُحِيط والكُلِّي؛ وكمَا أنَّ إنكَار عِلمِ الحَيِّ بالجُزئِيَّات هُوَ إنكَارٌ لرُبُوبِيَّتِه.. فالعِلمُ الإلٰهِي عِلمٌ فِعلِيٌّ تَتبَعُه الأشيَاء لا عِلمٌ انفِعَالِيٌّ يَتبَعُ الأشيَاء؛ ومِن هُنَا يَسقُط التَّغَيُّر عَن الذَّات لأنَّ المُتغَيِّرَات تَسبَح في بَحرِ عِلمٍ ثَابِت كالأموَاج تَضطَرِب والبَحرُ صَمَدٌ لا يَتبَدَّل. فعِلمُه بالجُزئِيَّات لَيس عِلمَ رَصدٍ للأجسَام والخَلق! بل هُوَ عِلمُ رَسمٍ لمَوجَات الحَيَاةِ في كُلِّ خَلقِه؛ فكُلُّ جُزئِيٍّ في الوُجُود هُوَ كَلِمَةٌ في كِتَابِ القُدرَة، والخَالِقُ لا يَحتَاجُ لرُؤيَةِ الكَلِمَة ليعرِفَها بل هُوَ الَّذي نَطَقَها فكَانَت؛ لِذا، فالتَّغَيُّر في المَعلُوم (كَحرَكَةِ النَّملَة) هُوَ تَغَيُّر في تَجَلِّي الكَلِمَة لا في أصلِ العِلم؛ تمَامًا كمَا تَتغَيَّر الصُّوَر والضَّوء المُنبَعِث عن مَصدَرِه وفِيه، فعِلمُه مُحِيطٌ حتَّى بالتَّحَوُّل دُون أن يَكُونَ هُوَ مُتحَوِّلًا!
أم حَسِبت رَبَّ الكَونِ يَجهَل ذَواتنَا وفي ذَرَّاتِنا قَد أودَعَ الحِكَم! فإذَا كَانَ الرَّسَّامُ والألوَانُ فَيضَته؛ فهَل يَخفَىٰ على واجِدِ المَرسُومِ ما بِه قَد رُسِم؟ لأنَّ عِلمِي بِه كعِلمِ الغَرِيق بِبَحرِه وأمَّا عِلمُه بِي فَيُسكِتُ القَلَم ويُصدر الأمر في كُلّ تَجرِبَة: اقرأ!
وأمَّا وَهم أنَّ تَغَيُّر المَعلُوم (كمَوتِ زَيدٍ بَعد حَيَاتِه) يُوجِبُ تَغَيُّر العِلمِ في ذَاتِ الإلٰه! فَهَذا قِيَاسُ الغَائِبِ على الشَّاهِد.. وقِيَاسُ مَن يَحيَا دَاخِل الزَّمَن على خَالِق الزَّمَن؛ فالحَيَّ لا يَنظُر إلى شَرِيط الزَّمَان لَحظَةً فلَحظَة كمَا نَفعَلُ نَحنُ بل إنَّ الزَّمَان كُلَّه -مَاضِيه وحَاضِره ومُستَقبَلِه- مَبسُوطٌ أمَام حَضرَتِه كنُقطَةٍ واحِدَة في آنٍ دائِم؛ فَعِلمُه بِمَوتِ زَيدٍ لَيس عِلمًا طَارِئًا حَدَث يَوم مَاتَ زَيد! بل هُوَ عِلمٌ أزَلِيٌّ رَأَىٰ فِيه المِيلَاد والمَوت في مَشهَدٍ واحِدٍ سَرمَدِي دُونَ أن يَتغَيَّر في ذَاتِه شَيءٌ أو عِلمُه..، كَمَن يَرَى القَافِلَة كُلَّها مِن أعلَى الجَبَل بَينَما مَن في السَّفح لا يَرَى إلَّا مَن يَمُر أمَامَه.
وهَذا العِلمُ المُحِيط لَيس بِبَعِيدٍ عَنك؛ فالعَقلُ البَشَرِيُّ لَيس إلَّا مِرآةً صُقِلَت لتَعكِسَ أشِعَّةَ العَقلِ الفَعَّالِ، وحِينَ تَتخَلَّص النَّفسُ وتَتطَهَّر مِن كَدَرِ الحَوَاس وتَخرُج مِن سِجنِ الزَّمَان (اتَّحَدَت) بسِرِّ النَّامُوس وصَارَت عَارِفَةً بالأشيَاء لا بطَرِيقِ الِاستِنتَاج والتَّخمِين، بل بطَرِيقِ الحُضُور؛ هَا هُنَا ينمَحِي الفَرقُ بَين الذَّات والمَوضُوع وتُدرِك أنَّ عِلمَك بجَمَالِ الخَالِق هُوَ جُزءٌ مِن عِلمِ الخَالِق بجَمَالِه فِيك.
// ثَانِيًا: شَوَاهِد النَّامُوس وعِلمُ الحُضُور والقَيُّومِيَّة * في المَزَامِير: ﴿..رَأَت عَينَاكَ جَوهَرِي، وَفِي سِفرِكَ كُتِبَت كُلُّ الأَيَّامِ..﴾ فالعِلمُ هُنَا كِتَابَةٌ وُجُودِيَّة سَابِقَةٌ ومُحِيطَة، والمَعرِفَةُ هِيَ نَسجٌ للكَائِنِ مِن دَاخِلِه. * في الإنجِيل: ﴿..أَمَّا أَنتُم فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُم جَمِيعُهَا مُحصَاةٌ..﴾ والإحصَاءُ لَيس عَدًّا حِسَابِيًّا بل هُوَ الإحَاطَةُ الكُلِّيَّة بالجَوهَرِ المُكَوِّن للشَّعرَة لأنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ قائِمَةٌ بكَلِمَتِه. * في القُرآن: ﴿..وَمَا تَسقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعلَمُهَا..﴾ وعِلمُ سُقُوطِها هُوَ إيجَادُ فِعلِ السُّقُوط ذَاتِه، وقَولُه ﴿..يَعلَمُ السِّرَّ وَأَخفَى..﴾ ف"الأخفَى" هُوَ مَا في اللَّاوَعي الكَونِي أيِ بمَعنَى المَاهِيَّات قَبل ظُهُورِها حتى دُون الظُّهور! فالتَّهَافُت الحَقِيقِي هُوَ مُحَاولَةُ جَعل الحَيِّ مُرَاقِبًا خَارِجِيًّا بَينَما هُوَ المُحِيطُ القَائِل ﴿..وَنَحنُ أَقرَبُ إِلَيهِ مِن حَبلِ الوَرِيدِ..﴾ فالقَرِيبُ لا يَرقُب بل يُوجِد.
فَيَا مَن حَسِبت أنَّ تَنزِيهَنا للذَّات تَعطِيلٌ للفِعل؛ إنَّكَ قِستَ الخَالِق بالمَخلُوق حِينَ ظَنَنت أنَّ الحَيَّ يَملِكُ عِلمًا أو يَحُوز قُدرَةً كمَا تَحُوز أنتَ مَتَاعَك! حَاشَا.. الحَيُّ لا صِفَة لَهُ زائِدَةً على ذَاتِه؛ فهُوَ العِلمُ كُلُّه، وهُوَ القُدرَةُ كُلُّهَا.. إنَّ صِفَاتِه لَيسَت عَرَضًا يَطرَأ، وإنَّمَا شُعَاعُ الجَوهَر الَّذي لا يَنفَصِلُ عَنه.. فَلا تَقُل: "اللهُ عَلِيمٌ بِعِلمٍ"، بل قُل: "اللهُ عِلمٌ تَجَلَّىٰ"؛ فبَسَاطَةُ الوَاحِد هِيَ أقصَىٰ مَرَاتِب الكَمَال، وتَعَدُّد الصِّفَات في الذِّهن لَيس إلَّا قُصُورًا في بَصَرِ المُتكَلِّم الَّذي يَرَى ألوَانَ الطَّيفِ ويَعجَزُ عَن إدرَاكِ النُّور الأبيَضِ الوَاحِد!
إنَّ تَهَافُت التَّهَافُت يكمُن في الفَصلِ بَين الذَّاتِ العَارِفَة والمَوضُوع المَعرُوف في حَقِّ الأزَل؛ فالحَيُّ لا يُحِيطُ بالأشيَاء كإِحَاطَةِ الوِعَاء بالمُحتوَى، بل كإِحَاطَةِ النُّور بشُعَاعِه.. وأمَّا العِلمُ الإلٰهِي بالجُزئِيَّات فهُوَ شُهُودٌ ذَاتِي؛ لأنَّهُ لا يَرَى النَّملَة مِن الخَارِج بل يَشهَدُها مِن بَاطِن هُوِيَّتِها لأنَّهَا قَائِمَةٌ بكَلِمَتِه.. هُنَا يَسقُط الِاعتِرَاضُ الغَزَالِي؛ فالتَّغَيُّر يَطرَأ على الصُّوَر لا على العِلم، كالمِرآةِ الَّتي تَعكِس صُوَرًا شَتَّى وهِيَ في ذَاتها صَامِتَةٌ مُستَقِرَّة، لا يَزِيدُهَا الانعِكَاسُ كَمالًا ولا ينقُصها غِيَابُه تَشخِيصًا.
ويا مَن نَسَفت عُرَى السَّبَبِيَّة بدَعوَى نصرةِ العَادَة؛ أدرِك أنَّكَ قَد هَدَمت مِحرَاب العِلمِ ومِنبرَ الشَّرِيعَة مَعًا! إنَّ اقتِرَان النَّار بالإحراقِ لَيس مُجَرَّد تكرَارٍ اتِّفَاقِي، وإنَّمَا هُوَ عَهدٌ وُجُودِي ونَامُوسٌ ثَابِت.. فالحَيُّ الَّذي لا يخلِف المِيعَاد في الوَحي لا يخلِف المِيعَاد في الخَلق.. إنَّ السَّبَبِيَّة هِيَ أمَانَةُ الخَالِق في الأشيَاء وبدُونِها يَسقُط بُرهَان العَقلِ على الخَالِق ويَتحَوَّل الكَونُ إلى مَسرَحٍ للمُصَادَفات؛ لأنَّ المُعجِزَة لَيسَت كَسرًا للقَانُون بل هِيَ استِعلَاءٌ بنَامُوسٍ خَفِي فَوقَ نَامُوسٍ جَلِي، وهِيَ ارتِقَاءٌ مِن عَالَم الشَّهَادَةِ إلى عَالَم الغَيبِ بذَاتِ الأدَوَات النُّورَانِيَّة.
«-- الفَصل الثَّالِث --» مِعرَاج الرُّوح وسُقُوط وَثَنِيَّة المَادَّة والمَعَاد الحَق ... إنَّ حَشر الأجسَاد الَّذي يُنكِرُه أهلُ النَّظَر ويَتمَسَّكُ بِه أصحَابُ القُشُور؛ يُحَلُّ في عَالَمِ المِثَال؛ فالرُّوحُ في ارتِقَائِها لا تَترُك مَادَّتَها فَنَاءً بل تُصَفِّيها لتَصِير جَسَدًا نُورَانِيًّا.. فَكُلُّ ذَرَّةٍ في الجَسَدِ التُّرَابِي هِيَ فِكرَةٌ ستَتجَسَّدُ في الآخِرَةِ بصُورَةٍ إلٰهِيَّة؛ ليَكُونَ الثَّوَابُ والعِقَاب شُهُودِيًّا بالرُّوح لا كَثيفًا بالمَادَّة، وبذَلِك نُصَدِّقُ الوَحي في الحَشر ونُنَزِّهُه عَن الجُمُودِ الطِّينِي. ولَعلَّها صَعبَةُ الفَهمِ لَكِنَّها واضِحَةُ الرُّوح والذَّات. وعَلى الفَقِيهِ أن يُدرِك أنَّ النَّامُوس الفَلسَفِي هُوَ الرُّوحُ الَّتي تَسرِي في جَسَدِ الشَّرِيعَة؛ فالصَّلَاةُ هِيَ مِعرَاجٌ عَقلِي والتَّحرِيمُ هُوَ صِيانَةٌ لترَدُّدَاتِ الرُّوح مِن كَدَرِ المَادَّة.. نَحنُ لا نَرُدُّ على الغَزَالِي لنَنفِي الدِّين بل لنُثبِت أنَّ الدِّين هُوَ فَلسَفةُ السَّمَاءِ المُوَجَّهةُ للأرض.. وأنَّ إنكَارَ القَوانِين العَقلِيَّة بِاسمِ القُدرَة ما هُوَ إلَّا مُحَاولَةٌ لإِضعَافِ هَيبَة الخَالِق! لأنَّ عَظَمَة المَلِك تَظهَر في استِقرَار نِظَامِه لا في اضطِرَاب أحكَامِه.. فالإيمَانُ الحَقُّ هُوَ الَّذي يَرَى في السَّبَبِيَّة وَفَاءً إلٰهِيًّا بالوَعد وفي العَقل والرِّسَالةِ رَسُولًا بَاطِنِيًّا لا يَنطِقُ عَن الهَوَى أو يُخطِئ.
إنَّ القَول بحَصرِ المَعَادِ في تَرمِيمِ الطِّين هُوَ استِهانَةٌ بجَوهَر الرُّوح الَّتي نَفَخَها الحَيُّ مِن سِرِّه؛ فالقِيَامَةُ لَيسَت مَصنَعًا لإعَادَةِ تَدوِيرِ الأجسَادِ بل هِيَ انكِشَافُ الغِطَاءِ عَن حَقِيقَةِ النَّفس الَّتي صَاغَت جَسَدَها في الدُّنيَا بأعمَالهَا.. والجَسَدُ لَيس إلَّا ظِلًّا كَثِيفًا للرُّوح، وفي المَعَادِ يَستَحِيلُ الظِّلُّ إلى حَقِيقَة النُّور.. فالفَيلَسُوف يَرَى المَعَاد عُرُوجًا بالهُوِيَّة لا جَمعًا للكَمِّيَّة لأنَّ الحَيّ الَّذي أَبدَع النَّامُوس جَعَل لكُلِّ رُوح بَدَنًا يُنَاسِبُ صَفَاءَها أو كَدَرَها في عَالَمِ المَلَكُوت؛ فالمَعَادُ رُوحَانِيٌّ بالذَّاتِ جِسمَانِيٌّ بالتَّجَلِّي حَيثُ تَصِيرُ الصُّوَر النَّفسِيَّة هِيَ الأجسَادَ العَينِيَّة ولا تَعَارُض إلَّا في عَقلِ مَن حَبَس الوُجُود في حُدُودِ اللَّمسِ والعيَان. فالجَسَدُ سِجنٌ لَاهِب وقَفَصٌ ضَيِّق.. والقِيَامَةُ عَودَةُ الغَائِب وطَيرَانُ الرُّوح، وتَكَادُ السَّمَاواتُ يَتفَطَّرن وتَنشَقُّ الأرضُ أمَامَ مُحَاولاتِ خَذلِ المَعَالِي لانتِصَارِ الطِّين! سَواءً كَانَت المُحَاولاتُ عَن غَيرِ قَصدٍ أو بِه، وَيُكَفَّرُ مَن قَالَ برُوحَانِيَّة المَعَاد!؟ وقَائِلُ التُّهمَة يُصِرُّ أنَّ الخُلُود لا يَكتَمِلُ إلَّا بأَكلٍ وشُربٍ ونِكَاح وكأَنَّ الفِردَوس سُوقٌ للمَلَذَّاتِ لا حَضرَةٌ للتَّجَلِّيَات! والمَقَالُ أنَّ الحَيَّ قَادِرٌ على إعَادَةِ تجمِيعِ الذَّرَّات.. أَلَيسَ أُؤمِنُ أنَا بالقُدرَةِ الكُلِّيَّة ونُؤمِنُ كُلُّنَا؟ ولَكِن تَصَيُّدًا للعَبَثِ فالقُدرَةُ لا تَتعَلَّقُ بالعَبَث. فإعَادَةُ الرُّوح إلى سِجنِ المَادَّة بَعد تَحَرُّرِها هُوَ بمَثابَةِ نَكسٍ في الخَلقِ تَقرُّبًا مِن قَولِ الحَيِّ ﴿..وَمَن نُّعَمِّرهُ نُنَكِّسهُ فِي الخَلقِ..﴾ فالكَمَالُ في الصُّعُود لا في النُّزُول ومِن صُعُودِ المَسِيح نَأخُذ نَهجَ مَذهَبِنا.
/ أوَّلًا: فَلسَفةُ المَنطِق وجَوهَره ولأنَّ المَعَاد لَيس تَجمِيعًا لِذَرَّاتٍ فَنِيَت -فَهذَا استِهلَاكٌ للقُدرَة في إعَادَةِ مَا سَبَق وغَيرُ كِتَابِي وحَتَّى غَيرُ مَنطِقِيٍّ في مَسَار فَهم اللَّاهُوت!- بل هُوَ ارتِقَاءٌ بالوَعيِ لِيتَجَسَّد في قَالَبٍ نُورِيٍّ رُوحِي يَلِيقُ بحَضرَةِ البَقَاء.. فالجَسَدُ الدُّنيَوِيُّ كَان تَرجَمة كَثِيفَةً لِلرُّوح، وأمَّا الجَسَد الأُخرَوِيُّ هُوَ تَرجَمةٌ علوِيَّةٌ لهَا.. والقِيَامَةُ هِي لَحظَةُ استِبيَان السِّر مِن تِجَاهِنا نَحنُ -بَنِي آدَم-؛ حَيثُ تَخرُج الرُّوح مِن شَرنَقةِ الزَّمَان لِترَى الحَقَائِقَ عَيَانًا بِلا حِجَابِ المَادَّة.. فالفَيلَسُوفُ الَّذي قَالَ بالمَعَاد الرُّوحَانِي لَم يُنكِر البَعث بَل نَزَّهَهُ عَن الحَاجَاتِ البِيُولُوجِيَّة الَّتي هِيَ مِن لَوازِم النَّقص وأثبَتَهُ كَأعلَى مَرَاتِب الِاتِّصَالِ بالكَمَال. وباعتِبَار الجَسَد ظُلمَة الهيُولَى؛ والرُّوح هِيَ النُّورُ المَحض.. والمَوتُ هُوَ لَحظَةُ خَلعِ النَّعلَينِ لِدُخُول الوَادِ المُقَدَّسِ؛ فَكَيف يُحشَرُ النُّورُ في سِجنِ الظُّلمَةِ مَرَّةً أُخرَى؟ أَلَيسَ حَتَّى المَذهَبُ المُرِيدُ للجَسَدِ -والجَنَّة والنَّار- والمُفَسِّرُ لِنُصُوص البَعثِ والحَشر أقرَب لتَفسِير البَعثِ رُوحِيًّا بتَمجِيدًا نُورَانِيًّا أو ذَمًّا ظَلَامِيًّا سَواءً ذَاتُ الجَسَد أو ذَاتُه مُعَدَّلًا بِشَكلٍ مَا ليَكُونَ قَابِلًا للخُلُودِ في النُّور أو الظَّلَام! لَقَد شَرِبَ سُقرَاط السُّمَّ ضَاحِكًا لأنَّهُ عَلِم أنَّهُم يَقتُلُوا الإنَاءَ لا الشَّرَاب؛ فتِلكَ عِبَادَةُ الإنَاء بَينمَا يَعشَقُ العَارِفُون الجَوهَر ومَا ذِكرُ الفَواكِه والخَمرِ في النُّصُوص إلَّا أمثَالٌ لتَقرِيبِ لَذَّة المَعرِفَة لِعَوَام الخَلقِ الَّذِينَ لا يُدرِكُونَ لَطَائِف التَّجرِيد.
// ثَانِيًا: سُخرِيَّةُ الصَّلب وبُرهَان النَّامُوس إنَّ الرُّوح لا تُعَادِي الجَسَد كخَصمٍ بل تَستَعمِلُه كقَمِيصٍ مِن نُورٍ ليَتجَلَّىٰ في عَالَم الكَثافَة؛ فالمَعَادُ الرُّوحَانِيُّ لَيسَ هُرُوبًا مِن المَادَّة بل هُوَ بُلُوغ المَادَّة غَايَتها القُصوَى في الرُّوح.. إنَّ قِيَامَة الإنسَان هِيَ استِردَادٌ لهُوِيَّتِه النُّورَانِيَّة الَّتي كَان الجَسَدُ ظِلَّها؛ فالظِّلُّ لا يَزُولُ بطُلُوعِ الشَّمسِ بل يَرتَفِعُ إلى أَصلِه. وبالتَأمُّل في مَشهَد الصَّلب بعَينِ العَارِف؛ لَقَد ظَنَّ الطُّغَاةُ وَهُم رَمز المَادَّة والعَمَى أنَّهُم ثَبَّتُوا الحَقَّ على الخَشَب واختَرَقُوا جَسدَهُ بالمَسَامِير، ولَكِنَّهم أبَدًا لَم يَمَسُّوا الحَقِيقَة.. وكَيفَ وهُوَ رُوح الحَيِّ. * في القُرآن: ﴿..وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُم..﴾ هَذَا التَّشبِيه هُوَ أعظَمُ سُخرِيَّةٍ إلٰهِيَّةٍ مِن المَادَّة، لَقَد صَلَبُوا جَسَد المَسِيح وأمَّا لُبُّ الحَقِّ فِيه ورُوحُه وذَاتُه وطَبِيعَتُه وأصلُهُ [فَلَم يَمَسُّوه] لأنَّهُ قَامَ وعَرَج وتَسَامَىٰ ﴿..بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ..﴾ فالمَعَادُ هُوَ الرَّفعُ لا الإعَادَةُ إلى التُّرَاب. * في الإنجِيل: ﴿..لِمَاذَا تَطلُبنَ الحَيَّ بَينَ الأَموَاتِ؟ لَيسَ هُوَ هَهُنَا لَكِنَّهُ قَامَ..﴾ ويكتب بُولس الرَّسُول (..إِنَّ لَحماً وَدَماً لَا يَقدِرَانِ أَن يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ..) فالكثَافَة لا تَدخُل عَالَم الرُّوح. * في التَّورَاة: ﴿..فَيَرجِعُ التُّرَابُ إِلَى الأَرضِ كَمَا كَانَ، وَتَرجِعُ الرُّوحُ إِلَى اللهِ..﴾ فالمَعَادُ هُوَ رُجُوع الفَرع إلى أصلِه لا رُجُوع الرُّوح إلى سِجنِ قَبرِهَا.
فَلَو كَانَ الكَمالُ في الأجسَاد لَبَقِيَ المَسِيح في الأرضِ بَعد قِيَامَتِه المَجِيدَة؛ لِيُثبِت أنَّ المَجد في الأرضِ والتُّرَاب! لَكِنَّ الآيَة الكُبرَىٰ كَانَت أنَّ أَعظَم انتِصَارٍ للرُّوح على المَادَّة –في الصَّلبِ والقِيَامَة- تَوَّجَهُ الحَيُّ بالصُّعُود ومُغَادَرة عَالَمِ المَادَّة إلى عَالَم الرُّوحِ ولَكِنَّهُ هُوَ وَحدَهُ بجَسَدِه المُبَارَك المُمَجَّد مِن ذَاتِ الحَيِّ لأنَّهُ كَلِمَتُهُ ورُوحٌ مِنه.. فَهَل يُعقَلُ بَعد أن نَجَّانَا الرُّوح مِن سِجنِ الطِّين أن يَكُون الثَّوَابُ الأكبَر في الفِردَوس هُوَ العَودَة إلى الطِّينِ مَرَّةً أُخرَى لمُمَارَسةِ الأكلِ والجِنس؟! إنَّ هَذَا لَيس خُلُودًا بَل هُوَ نُكُوصٌ وعَودَةٌ إلى القُيُود بَعد تَحطِيمِها؛ والحَيُّ يُكَرِّمُ الأروَاح بالقُربِ لا بِإشبَاعِ الغَرَائِز الفَانِيَة. ولَيس قَولُنا بِنَفيِ الطِّينِ هُوَ نَفيًا للتَّعَيُّن؛ فإنَّ للرُّوح في عَالَمِ الخُلُود قَمِيصًا نُسِجَ مِن نُورِ أعمَالِها يُسَمِّيه الرَّاسِخُونَ الجِسمَ الآخَر؛ هُوَ جَسَدٌ لا يَبلَى.. صُورَةٌ تَلِيقُ بحَضرَةِ القُدسِ تَجمَعُ بَين لَذَّةِ الشُّهُود الرُّوحِي وتَمَايُز الهُوِيَّة الشَّخصِيَّة.. فالحَيُّ أكرَمُ مِن أن يَترُكَ الرُّوح هَيَامًا بِلا مَظهَر، ولَكِنَّهُ أجَلُّ مِن أن يَحشُرَها في شِبهِ جَسَدِ الطِّين.
وأمَّا حَشرُ الأجسَاد؛ فَاعلَم أنَّ الجَسَد في نَامُوسِنا هُوَ ثَوبُ الرُّوح، والثِّيَابُ تُفَصَّلُ على قَدرِ القَامَات.. فَمَن كَانَت رُوحُه مُظلِمَةً حُشِرَ في كثَافَةِ طِينِه، ومَن لَطُفَت رُوحُه حُشِرَ في نُورَانِيَّة يَقِينِه.. لأنَّ لَذَّاتِ الجَنَّةِ وآلَامَ الجَحِيمِ لَيسَت خَارِجِيَّةً تُجلَبُ إلَيكَ بل هِيَ بَاطِنِيَّةٌ تَنبَعُ مِنكَ ولَك.. إنَّكَ في كُلِّ يَومٍ تَحِيكُ جَسَدَك الأُخرَوِيَّ بخُيُوط أفكَارِك وأفعَالِك.. فَمَا البَعثُ إلَّا نَزعُ القِنَاعِ عَن الرُّوح؛ لتَرَى حَقِيقَتها الَّتي كَانَت تَصنَعُها في الدُّنيَا؛ فَمَن كَانَ في هَذِه أعمَى عَن الحَقِيقَة فَهُوَ في الآخِرَة أعمَى وأضَلُّ سَبِيلًا. فالمَعَادُ لَيس فَقَط عَودَةً للقَدِيم! بل هُوَ ولَادَةٌ للحَقِيقِيِّ؛ وكمَا أنَّ الجَنِين لا يَرتَدُّ إلى النُّطفَةِ بَعد كمَالِ خَلقِه، كذَلِك الرُّوح لا تَرتَدُّ إلى كثَافَةِ الطِّين بَعد تَحَرُّرِها.. ومَا الجَسَدُ الآخَر إلَّا كثَافَةُ الرُّوح حِينَ تُعلَنُ القِيَامَة.. وهُوَ صُورَةٌ لا تَحجُب النُّور ولا تُنِير الظَّلَام بل تُنقَل للمَصدَرِ الوَاحِد.. فالفِردَوسُ -بالتَّشبِيه- لَيس مَكَانًا نَذهَبُ إلَيه بل هُوَ حَالَةٌ مِن الشَّفَافِيَّة المُطلَقةِ نَصِيرُ إلَيهَا حِينَ يَتطَابَقُ ظَاهِرُنَا مَع بَاطِننَا؛ وعلى رَجَاءِ القِيَامَة يُشرِقُ الإيمَانُ بنُورِ رَبِّ الرُّوح.
والقِيَامَةُ هِيَ انتِصَارُ المَعنَى على المَبنَى وسُقُوط صَنَمِ الجَسَد أمَامَ سُلطَانِ الرُّوح؛ كَانبِعَاثِ وَعي الرُّوح بحَقِيقَتِها الأزَلِيَّة.. وسُقُوط آخِر أقنِعَةِ الوَهمِ الزَّمَانِي، هِيَ اللَّحظَةُ الَّتي يكتَشِفُ فِيها العَارِفُ أنَّ "نَامُوس المَعَالِي" لم يَكُن خَارِجًا عَنهُ يَومًا وإنَّمَا هُوَ النَّبضُ البَاطِنِيُّ في عَقلِ قَلبِه.. والكَلِمَةُ الَّتي بِها كَانَ وبِهَا يَعُود.. هَا هُنَا يَسكُت الكَلَام ويَنكَشِفُ الحِجَابُ ولا يَبقَى إلَّا الحَيُّ الَّذي بِه ومِنهُ وإلَيهِ كُلُّ جَمَال.
«-- الفَصل الرَّابع --» نَامُوس السَّبَبِيَّة -لَا- يَخرِقُ عَهدَهُ ولا يَنقُض سُنَّتَه ... النَّار تُحرِقُ بكَلِمَة الحَيِّ فِيهَا لا بصُدفَةٍ تُخلَقُ عِندَها؛ فالحَيُّ عَمَلُه بحِكمَةٍ لا برَغبَة في طَبِيعَتِها التَّقَلُّب أو فِيها شَيءٌ مِن المِزَاج المُؤَنسَن..، وأمَّا الزَّعمُ أنَّ الاقتِرَان بَين السَّبَبِ والمُسَبَّب لَيس ضَرُورِيًّا والمَقَالُ أنَّ النَّارَ لا تُحرِق بَل الحَيُّ يَخلق الحَرق عِندَها! وأمَّا القَول بقِصَّةِ القُطنِ والنَّار: "إنَّنَا نُشَاهِد حُدُوث الحَرقِ عِند مُلَاقَاةِ النَّار ولا نُشَاهِد حُدُوثَهُ بالنَّار" فهَذِه سَفسَطَةٌ تُفرِغُ الأشيَاء مِن هُوِيَّتِها؛ فإذَا سَلَبت عَنِ النَّارِ طَبِيعَة الإحرَاقِ فبِمَاذَا تَتميَّزُ عَنِ المَاءِ أو التُّرَاب إذَن؟ إنَّمَا النَّارُ نَارٌ بأثَرِهَا، ولَو كَانَ الحَرق يُخلَق مِن الحيِّ مُبَاشَرةً دُونَ وَسَاطَةِ طَبِيعَةِ النَّار لكَانَ وُجُود النَّار عَبَثًا زَائِدًا ولَكَانَ الحَيُّ -حَاشَاه- مُمَوِّهًا حِينَ خَلَق سَبَبًا لا يُسَبِّب! وظَاهِرًا لا بَاطِن لَهُ. إنَّ قُوَّة الإحرَاقِ مُودَعَةٌ في النَّار بإِذنِ بَارِئِهَا؛ كمَا أُودِعَت الحَيَاة في الجَسَد ونَفيُ الطَّبَائِعِ هُوَ نَفيٌ للحِكمَةِ في الخَلق وتَسوِيَةٌ بَينَ المُتنَاقِضَات.
إنَّ إنكَار السَّبَبِيَّة الضَّرُورِيَّة لَيس تَعظِيمًا للقُدرَةِ الإلٰهِيَّة كمَا تَوَهَّمَ الغَزَالِي؛ بل هُوَ هَدمٌ للعَقلِ الَّذي هُوَ آلَةُ مَعرِفَةِ الحَيِّ.. فَلَو جَازَ أن تُحرِقَ النَّارُ حِينًا وتُبَرِّد حِينًا آخَر بِغَيرِ نِظَامٍ مُودَعٍ فِيها، لَمَا استَقَامَ استِدلَالٌ على صَانِعٍ ولَصَارَ الكَونُ مَسرَحًا للعَبَث.. إنَّ النَّارَ تُحرِقُ بإِذنِ الحَيِّ الكَامِن في هُوِيَّتِها الَّتي جُعِلَت عَلَيها لا بمِزَاجِيَّةٍ تَطرَأُ في كُلِّ لَحظَة.. والمُعجِزَةُ لَيسَت خَرقًا للقَانُون بل هِيَ استِحضَارٌ لقَانُونٍ أعلَى ونَامُوسٍ عَلوِيٍّ يَغلِبُ القَانُون الأدنَى؛ تَمامًا كمَا يَغلِبُ السِّرُّ السَّارِي في الوُجُود جُمُود الطَّبِيعَة أو حَتَّى حَياتَها. وبهَذا قَد جُعِل الكَونُ فَوضَى وتَحَوَّل إلى مَسرَحٍ عَبَثِي يُبطِل العَقل ويَهدِمُ العِلمَ واليَقِين؛ فإنكَارُ الطَّبَائِع هُوَ في حَقِيقَتِه إنكَارٌ لحِكمَةِ الصَّانِع، لَقَد أودَعَ الحَيُّ في النَّار قُوَّةَ الإحرَاق وهَذِه القُوَّة هِيَ عَينُ كَلِمَتِه فِيها.. ولَو لَم تَكُن للنَّار طَبِيعَةٌ ثَابِتَة لَمَا جَازَ لَنا أن نُسَمِّيهَا نَارًا! ولَسَقطَتِ الحَوَاس والتَّكلِيفُ الشَّرعِيُّ مَعًا.
وحَتَّى مَا يَراهُ الرَّاصِدُون في بَاطِن الذَّرَّةِ مِن اهتِزَازٍ واحتِمَال، يَظُنُّه البَعضُ فَوضَى تَكسِر النَّامُوس.. ومَا هُوَ بفَوضَى؛ بل هُوَ طَوَافٌ مَلَكُوتِي على إيقَاعٍ خَفِيٍّ لا تُدرِكُه المَقَايِيسُ الكَثِيفَة.. إنَّ الِاحتِمَال في عِلمِ الحَيِّ هُوَ عَينُ اليَقِينِ في تَدبِيرِه؛ فَلا شَيءَ يَخرُج عَن السَّلطَنَة، سَوَاءً كَانَ حجَرًا يَسقُط بحَتمِيَّة أو قَبسًا نُورَانِيًّا يَسبَحُ في غَمامَةِ المَشِيئَة؛ فالكُلُّ يَسجُد في مِحرَاب السَّبَبِيَّة؛ ولَكِنَّ الأسبَابَ تَتنَوَّعُ بَينَ ظَاهِرٍ نَرَاهُ ومَلَكُوتِيٍّ نَجهَلُه فنُسَمِّيه عَارِضًا مَجهُولًا! أو حَتَّى طلسمًا مَعرِفيًّا!
/ أوَّلًا: حِكمَةُ النَّامُوس ومَعنَى المُعجِزَة بالطَّبعِ أرفُض كُلَّ مَقَالٍ وكُلَّ تَفسِير -أيًّا كَانَ قَائِلُه ومَصدَرُه- يُصَوِّرُ الحَيَّ وكأَنَّهُ سَاحِرًا يُغَيِّرُ القَوانِينَ بارتِجَالٍ أو أقَامَ مَشهَدًا تَحضِيرِيًّا لِلخَلق، ورُوحِي تُوَافِقُ بشِدَّةٍ كُلَّ مَقَالٍ أنَّهُ كُلِّيُّ الحِكمَةِ ووَاضِعُ النَّوَامِيس لَيس رَغبَةً وإنَّمَا لتُعرَف بِها إرَادَتُه. وأمَّا خَرقُ العَادَةِ أو المُعجِزَةُ فَهِيَ لَيسَت إلغَاءً للسَّبَبِيَّة بل هِيَ سِيَادَةُ سَبَبٍ أعلىٰ على سَبَبٍ أدنَى..، فحِينَ مَشَىٰ المَسِيحُ على المَاءِ لم يَلغِ قَوَانِين الأرضِ في طَبِيعَة مَادِّيَّتِها؛ وإنَّمَا استَخدَم نَامُوس الرُّوح الَّذي هُوَ أقوَىٰ مِن كثَافَةِ المَادَّة لِيتَحَكَّم فِيها بشَخصِه رُوحًا لِلحَيِّ ووَجِيهًا لَهُ في العَالَمِين، وهَذا تَصرِيحُ الحَيِّ في القُرآن ﴿..وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ وَرُوحٌ مِنهُ..﴾ ﴿..اسمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابنُ مَريَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ..﴾ فالمُعجِزَةُ إذَن هِيَ قَانُونٌ مَجهُول يَظهَر أمَامَ قَانُونٍ مَعلُوم وكُلُّ ذَلِك يَجرِي بدِقَّةٍ لا عَبَث فِيها.
ولَعَلَّ سَائِلًا يَسأَل لو يَملِك طَبِيعَتِي المُرِيدَة للسُّؤَال:- إذَا كَانَ القَدَرُ نَامُوسً لا يَتبَدَّل فَمَا جَدوَى الصَّلَاة -الصَّلوٰة-؟ ألَا نَطلُب تَغيِير الأقدَارِ أحيَانًا؟ فنُجِيبُ بلِسَانِ العِرفَان: إنَّ الصَّلَاة لَيسَت مُحَاولَةً لتَغيِير إرَادَة الحَيِّ -حَاشَاهُ- بل هِيَ لِقَاءٌ رُوحِيٌّ شَخصِي بَين المَرءِ ورَبِّ رُوحِه؛ تَحمِلُ أيضًا ارتِقَاء إرَادَةِ المَرءِ لِتتَوافَق مَع سِرِّ بَاطِن الرَّحمَة.. فإنَّ النَّامُوس يَقضِي بنُزُولِ المَطَر والدُّعَاءُ هُوَ تَجهِيزُ الأرضِ وحَرثُهَا لِاستِقبَالِه لا استِجدَاءُ السَّحَاب.. الدُّعَاءُ يُغَيِّرُكَ أنتَ فَيُصَفِّي مِرآتَك فتَصِيرُ أهلًا لعَطَاءٍ هُوَ بالضَّرُورَةِ مَبذُولٌ لَكِنَّهُ كَان يَنتَظِرُ القَابِليَّة.. فنَحنُ لا نَدعُو لِنُلفِت نَظَرَ الحَيِّ! بل نَدعُو لنَفتَح أعيُننَا نَحنُ على فَيضِه.
// ثَانِيًا: بَراهِينُ النَّامُوس الثَّابِت ووحدَةُ العَهد * في سِفرِ إرمِيَا: ﴿..هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: إِن كُنتُ لَم أَجعَل عَهدِي مَعَ النَّهَارِ وَاللَّيلِ، فَرَائِضَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ..﴾ فالحَيُّ يَصِف القَوانِين الطَّبِيعِيَّة بأنَّهَا عَهدٌ وحَاشَا للحَيِّ أن يَنكُثَ عَهدَهُ أو يَجعَل في خَلقِه شَيئًا مِن العَشوَائِيَّة. * في القُرآن: ﴿..فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحوِيلاً..﴾ فالشَّيءُ لا يَنفَكُّ عَن طَبِيعَتِه الَّتي جَبَلهُ الحَيُّ عَليهَا، وإنكَارُ السَّبَبِيَّة هُوَ طَعنٌ في مِصدَاقِيَّة السُّنَنِ الإلٰهِيَّة.. وتِلكَ هِيَ مُعضِلَةُ الجَسَد والرُّوح. ولَو جَازَ أن يُخلَق الشِّبَعُ عِند الأكلِ لَا بِه.. لَجَازَ أن يَرَى الأعمَى وهُوَ أعمَى ولَجَازَ أن تَكُونَ النَّارُ بَردًا في ذَاتِها وحَرًّا باتِّفَاقٍ طَارِئٍ وهَذا يُؤَدِّي إلى سُقُوطِ العِلم واستِحَالَة التَّفَكُّر. إنَّ الكَون قَائِمٌ على قُدسِيَّة القَانُون؛ والحَيُّ يُعبَدُ بتَدَبُّرِ هَذِه الأسبَابِ لا بإنكَارِها نُصرَةً لتَصَوُّراتٍ كَلامِيَّةٍ بَاهِتَة.
ولا تَظُننَّ أنَّ ثَبَاتَ النَّامُوس قَيدٌ لمَشِيئَتِك، أو أنَّ قُدرَةَ الحَيِّ تَلغِي حُرِّيَّة رُوحك؛ فَمَا خَلَقَك الحَيُّ لتَكُون صَدًى بَاهِتًا بل لتَكُون نُورًا مُختَارًا في مِحرَابِ وَجدِه.. إنَّ حُرِّيَّتك هِيَ عَينُ السَّبَبِيَّة العُليَا؛ حَيثُ تَتَّحِدُ إرَادَتُك الجُزئِيَّة بنَامُوس الكُلِّ فتَصِيرُ مَشِيئَتك فِعلًا إلٰهِيًّا مَجرَاهُ جَسَدُك ونَفسك.. فَمَن ظَنَّ أنَّهُ مَجبُورٌ فَقَد عَبَد المَادَّةَ في صُورَةِ قَدَر! ومَن ظَنَّ أنَّهُ مُستَقِلٌّ فَقَد عَبَد ذَاتَهُ في صُورَةِ إلٰه! وأمَّا العَارِفُ فَيرَىٰ أنَّ حَركَة يَدِه هِيَ نَبضُ الأزَلِ حِين تَعشَق الرُّوح مَولَاهَا.
ولا يَسألَنَّ سَائِلٌ: أينَ حِكمَةُ النَّامُوس مِن شُرُورِ العَالَم؟؛ فإنَّ مَا تُسَمِّيه شَرًّا لَيس إلَّا نَقصَ القَابِلِيَّة في المَادَّة أو هُوَ الظِّلُّ الَّذي لا بُدَّ لَهُ أن يَظهَر ليُعرَفَ النُّور.. إنَّ النَّامُوس لا يَخلق قُبحًا بل المَادَّةُ في كثَافَتِها تَضِيقُ عَن استِيعَاب فَيضِ الجَمَال الكُلِّي؛ فَكانَ الألَمُ هُوَ مِطرقَةُ الرُّوح لتَحطِيمِ قَفَصِ الطِّين. إنَّ الشَّرَّ عَرَضِيٌّ لا يَثبُت أمَامَ الحَقِيقَة، كمَا لا تَثبُت العَتمَةُ أمَام مِصبَاح الحِكمَة.. فالنَّامُوس ثَابِتٌ في جَوهَرِ الخَير ومَا تَراهُ مِن كَدَرٍ إنَّمَا هُوَ احتِكَاكُ الصُّعُود لا فَوضَى الخَلِيقَة.
«-- الفَصل الخَامِس --» النُّبوَّة والوَحيُ مِن الدَّهشَة إلى الإشرَاقِ -النَّبِيُّ هُوَ العَقلُ في ذروَةِ طَهَارَتِه- ... عِندَما تُفَسَّر النُّبوَّةُ خَرقًا مَادِيًّا وتَخوِيفًا بالحَوَاس!؛ يَرتهِنُ الإيمَانُ بالمُعجِزَات أمَّا الفَلاسِفَة رفَعُوا تَفسِيرَ النُّبُوَّةِ إلى المَعَالِي.. والبُرهَان الأرسطِيُّ/الرُّشدِي.. النُّبوَّةُ هِيَ اتِّصَال العَقلِ البَشرِي بالعَقلِ الفَعَّال والنَّبِيُّ هُوَ إنسَانٌ صَفَت مِرآةُ نَفسِه فاستَقبَلت الفَيض جُملًة واحِدَةً بِلا كَسبٍ ذَاتِي.. فالمُعجِزَةُ الحَقِيقِيَّة هِيَ الكَلَامُ الَّذِي يُحيِي الأُمَّة والنَّامُوس الَّذِي يُنَظِّم حَياةَ البَشَر.. والقُرآن مُعجِزةٌ عَقلِيَّة لا حِسِّية وهَذا دَلِيلٌ صَرِيح أنَّ النُّبُوَّة هِيَ كمَالُ الفَلسَفة لا نَقِيضُها. فإنَّ الحَرف جَسَدٌ والمَعنَىٰ رُوح وتَهَافُت القَول يَبدأُ حِينَ نَحبِس الرُّوح الكُلِّيَّة في ضِيق القَامُوس البَشَرِي؛ لَقَد غَابَ عَن حُرَّاس الظَّاهِر أنَّ الوَحي لَيس رَصَّ حُرُوفٍ بل هُوَ تَجَلِّي الصَّمتِ الأزَلِي في مِرآةِ الصَّوت.. فَمَا نَطَق الأنبِيَاءُ ليَرسمُوا حُدُودًا للعَقل بل -وكأنَّهم- يُشِيرُوا بيَد الوَحي إلى شَمس الحَقِيقَة؛ فَمَن نَظَر إلى اليَد "اللَّفظ" ضَلَّ ومَن نَظَر إلى مَا تُشِير إلَيه "المَعنَىٰ" وَصَل إلى نَامُوس المَعَالِي.
/ بَراهِينُ النَّامُوس: * في سِفرِ زكَرِيَّا: ﴿..لَا بِالقُدرَةِ وَلَا بِالقُوَّةِ، بَل بِرُوحِي قَالَ رَبُّ الجُنُودِ..﴾ فالقُوَّةُ لَيسَت في خَرقِ المَادَّة بل في سَطوَةِ الرُّوح. * في القُرآن: ﴿..قُل سُبحَانَ رَبِّي هَل كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا..﴾ لَقَد رَفَض النَّبِيُّ تَحوِيلَ الجِبَالِ ذَهَبًا؛ ليُؤَكِّد بِهَذا الرَّفض أنَّ الرِّسَالَة "كَلِمَةُ" عَقلٍ والكَلِمَةُ لا تَحتَاجُ إلَى مَسرَحِيَّةٍ مَادِيَّة -خُصُوصًا مَعَ النَّبِيِّ الخَاتَم- لتُثبِت صِدقَها وإنَّمَا تَحتَاجُ بَعضَ المَواقِف المَصِيرِيَّة وشَيئًا مِن الحِكمَة.
«-- الفَصل السَّادِس --» * وَحدَةُ الدِّين والمَحَبَّةِ -ظَاهِرهَا إمَامَة وبَاطِنُها قِيامَة- * القُدرَةُ الإلٰهِيَّة والضَّرُورَة العَقلِيَّة ... إنَّ تَقسِيم العَالَمِ خَالِقٌ وَبَشَر لَهِيَ قِسمَةٌ قَاصِرَة؛ وأمَّا إقَامَةُ جِدَار التَّكفِير لِمَن يَرَىٰ الوَحدَةَ أو يَعتَنِقُ مَا فِيها مِن تَنزِيه فلَيسَ مِن الحِكمَة البَاطِنِيَّة في شَيء.. بل إنَّ مِن الحِكمَةِ رُؤيَة الكمَالِ الوُجُودِي ووَحدَتِه الَّتي تَتجَلَّىٰ في صُوَرٍ شَتَّى. فالحَقِيقَةُ هِيَ نُور الأنوَار الَّذي يَتجَلَّىٰ في الإِمَام وفي العَارِف وفي ذَرَّاتِ الوُجُود؛ ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ﴾ والوَجهُ في تَعرِيف الرُّوح هُوَ الذَّاتُ فالوُجُود كُلُّه مِرآةٌ للحَق.. فكَيفَ يُكَفَّرُ مَن يَرَىٰ المُصَوِّر في صُورَتِه؟ كَذَا والَّذي صَاغَ اللُّبَاب مِن النُّهَى.. صَاغَ الشُّعَاع في سِرَاج الغَيهَب؛ وكُلُّنا مِن أصلٍ وَاحِد ولَكِنَّ الفَرقَ بَين الفَلاسِفَة وغَيرِهم: أنَّ غَيرَهُم يَرَى في الغَيرِيَّةِ -الحَيِّ وغَيرِه— مَلاذًا لنَظَرِيَّاتِه، وأمَّا الفَلَاسِفَة فَلا يَرونَ إلَّا "هُوَ". ومَا الدِّينُ إلَّا جَوهَرُ المَحَبَّة والخَلَاص الَّذِي فِيه تَنبِضُ ثُلَاثِيَّةُ الكُتُب الشَّرِيفَة -تَورَاةٌ وإنجِيلٌ وقُرآن- ومِن بَوتَقةِ العِشقِ الإلٰهِيِّ يُعلَن الإيمَان.
وقَد يُقَالُ ويُكَرَّرُ المَقَال -بشَيءٍ مِن الفَلسَفةِ أو تَقَرُّبًا مِنها- "إنَّكُم تُقَيِّدُونَ قُدرَة الحَيِّ بقَوانِينِ العَقل والحَيُّ خَالِقُ العَقلِ وقَوانِينِه!" والحَقِيقَةُ أنَّنَا لا نَقتَدِر أصلًا على تَقيِيد الحَيِّ! بَل نُنَزِّهُه عَن العَبَث..، فالعَقلُ هُوَ خَاتَم الحَيِّ في خَلقِه. ونُعِيد صِيَاغةَ الضَّرب الفَلسَفِي القَائِل: "هَل يَستَطِيعُ الخَالِق أن يَخلق مُرَبَّعًا مُستَدِيرًا!؟؛ ولَكِنَّنِي هُنَا في إعَادَةِ الصِّيَاغَة الفَلسَفِيَّة واللَّاهُوتِيَّة أسأَل: هَل الحَيُّ يَستَطِيعُ أن يَكُون غَير حَيٍّ؟ .. أي: هَل الخَالِقُ يَستَطِيعُ أن يَكُون غَيرَه؟ والإجَابَةُ القَطعِيَّة للأسئِلَة الثَّلَاثَة وأكثَرَ: (لا) إذَن لَيس لنَقصٍ في قُدرَتِه! بل لأنَّ المُرَبَّع المُستَدِير "لا شَيء" في ذَاتِه وكَذَلِك مَسَارُ التَّحلِيلِ الفَلسَفِي لبَاقِي الأسئِلَة.. فكُلُّه بُطلَانٌ مَحض وكَذَلِك خَرقُ النَّوَامِيس بِلا حِكمَةٍ هُوَ بُطلَان. فالحَيُّ واجِبُ الوُجُود؛ ووَاجِبُ الوُجُود يَعمَل بحِكمَةٍ لا بِشَهوَة! فقُدرَتُه هِيَ عَينُ حِكمَتِه وحِكمَتُه تَقتَضِي ألَّا يَتنَاقَض فِعلُه مَع عِلمِه ..والحَدِيثُ يَطُول والفَحصُ أعقَد..
فأيُّ الإلٰهَين أحَقُّ بالتَّعظِيم! إلٰهُ النَّامُوس الَّذي لا تَتغَيَّر سُنَّتُه لأنَّهُ حَقُّ الأزَلِيَّة أم إلٰهُ الاتِّفَاق الَّذي يَستَطِيع غَدر العَهد –وخَلقَ مُرَبَّعٍ مُستَدِير-؟
«-- تَهَافُت التَّهَافُت وتَجَلِّي حَقِّ بَيانِ القِيَامَة الفِكرِيَّة --» ... * إنَّ الأنبِيَاء هُم فَلاسِفَةُ الوَحي والفَلَاسِفَة أنبِيَاءُ العَقل وأمَّا الرُّوح فَتنتَصِرُ على الصَّلِيب والمَعنَىٰ يَنتَصِرُ على المَبنَى. أمَّا مَن أرَادُوا حِمَايةَ العَقَائِد الدَّاعِمَة للتَّعجِيزِ الفِكرِي واللُّغَوِي فكِدتُم تَقتُلُوا يَقِينَ العُلَمَاء! ويَا حُرَّاس النُّصُوص الأرضِيَّة وسَجَّانَة العُقُول في زَنازِين الحَرفِيَّة.. إنَّهَا القِيَامَةُ الكُبرَىٰ على نَظَرِيَّاتِكُم الَّتي تَخلَّلَها التَّشكِيكُ بِسبَب مُتُونِها الهَاوِيَة. * لِذا؛ فنَامُوس المَعَالِي لا يَسكُن الفَهم وَحدَه بل هُوَ دُستُور المَدِينَةِ العَادِلَة.. فحِينَ سَقَط الحِجَاب الغَزَالِي على العُقُول صَارَ التَّقلِيد دِينًا والخُضُوع للقَهرِ قَدَرًا! ونَحنُ نَقُول: إنَّ الحَاكِم الحَقَّ هُوَ مَن يَحكُم بالعَدلِ الَّذي هُوَ نَامُوس الحَيِّ في الأرض لا بالهَوَى الطَّارِئِ.. فالعَقلُ الفَعَّال حِين يَتَّصِلُ بقَلبِ الرَّعِيَّة يَنقَلِبُ الفَسَاد صَلَاحًا لأنَّ العِلم بالأسبَابِ هُوَ طَرِيقُ التَّمكِين وإنكَارُ السَّبَبِيَّة في الشُّؤُون لَيس إلَّا دَعوَةً للخَرَابِ باسمِ التَّوَكُّل. فكُونُوا أبنَاءَ النَّامُوس في العَمَل كمَا أنتُم أبنَاؤُه في النَّظَر.
فيَا أبَا حَامِدٍ؛ مَا كَان رَدُّنَا هَذا انتِصَارًا لذَواتِنَا بل إشفَاقًا على الحَقِيقَة الَّتي حَبَستَها في زِنزَانةِ العَادَة وضِيقِ اللَّفظ! لَقَد ظَنَنت أنَّك تَنصُر الخَالِق بتَعجِيزِ العَقل ومَا دَرَيت أنَّ العَقل هُوَ نُور الحَيِّ في أرضِه.. فَمَن أطفَأ النُّور ليَرَى مَصدَر النُّور فَقَد ضَلَّ الطَّرِيق والصِّرَاط! لَقَد أرَدت سَجن المُطلَق في مَقايِيس البَشَر ونَحنُ مَا جِئنَا إلَّا لنَفُكَّ عَن رُوحك قُيُود هَذا التَّهَافُت لتَرَىٰ أنَّ الحَيَّ أعظَمُ مِن أن يُخَالِف حِكمَتهُ نُصرَةً لِارتِجَال.
― ها هُنَا في «دِيوَانِ المَعَالِي» يُصدَر الحُكم ببَرَاءَة الفَلاسِفَة مِن تُهمَةِ الإلحَاد. وبِإدَانَتِهِم بتُهمَةِ الإفرَاطِ في التَّنزِيه. ―
نَعَم؛ أُؤمِن أنَّ الجَمَال في النِّظَام لا في الفَوضَى وأنَّ القِدَم لا يَعنِي الِاستِغنَاء وأنَّ السَّبَبِيَّة هِيَ سُنَّةُ الحَيِّ الَّتي لا تَتبَدَّلُ أو تَتغَيَّرُ أو يَطرَأُ عَليهَا حَدَثٌ زَمانِيٌّ أو مَكَانِي.. وغَيرُ هَذا بِمَثابَةِ مُحَاولَاتٍ لِإطفَاء نُور الحَيِّ بكَلامِ البَشَر.. وأمَّا الفَلسَفة فَتعِيش لأنَّهَا عَاشِقَةٌ لذَاتِ مُوجِدِها وكَلِمَة الحَي. وتَحيَا الكَلِمَة.
وفِي عُقدَة التَّهَافُت الكُبرَى «المَعَاد»؛ إنَّ الغَزَالِي ارتَهَن لظُلمَة الكَثَافَة الهُيُولِيَّة ليُوَارِي عَجز العَقل عَن إدرَاكِ جَوهَر الرُّوح؛ لأنَّ المَعَاد لَيس عَودَةً لذَرَّات التُّرَاب الَّتي بَلِيت بل هُوَ عَودَةُ الفَرع إلى أصلِ النُّور.. ولَنا في صَلب المَسِيح أعظَمُ بُرهَانٍ فَلسَفِي؛ فَبينَما كَان الطُّغَاةُ يظُنُّون أنَّهُم قَيَّدُوا الظِّل بحَدِيدِ الوَهم كَانَت الحَقِيقَة تَرتَقِي وتَتسَامَىٰ مُتهَكِّمَةً على شبه المَوتِ والقَتل.. إنَّ الصَّلب لم يَكُن هَزِيمَةً للجَسَد بل كَان تَتوِيجًا للرُّوح فَوق عَالَم المَادَّة.. فالمَعَادُ هُوَ انتِبَاهَةُ السِّر مِن غَفلَةِ الطِّينِ والبَعثُ هُوَ تَجَلِّي الجَوهَر مِن كَثافَةِ العَرَض وهَذا مَا غَاب عَن الغَزَالِي حِين حَصَر الحَشر في عَودَةِ العِظَامِ مُتَناسِيًا أَنَّ العَظمَ يَبلَى والكَلِمَة "اللُّوغُوس" بَاقِيَةٌ لا تَمُوت. لأنَّ الحَشر الَّذي نُؤمِن بِه هُوَ حَيَاة المَعنَىٰ مِن مَوت المَبنَى ولَيس البَعثُ مُجَرَّد إعَادَةٍ لتَجمِيع ذَرَّاتٍ بَلِيَت بل هُوَ تَجَلٍّ للرُّوح في صُورَتِها الأزَلِيَّة بَعد أن خَلَعَت رِدَاء المَادَّة.. فإذَا كَانَت الكَلِمَة تَبقَى بَعد فَنَاءِ الحِبر فإنَّ الذَّات تَبقَى بَعد انحِلَال الهَيكَل.. وإنَّ العِظَام رُمُوزٌ والحَشرَ تَأوِيل والفَقِيه المُحَقِّق يَعلَم أنَّ العِبرَة بالمَقَاصِد لا بالألفَاظ ومَقصِد الخَلق هُوَ اتِّصَالُ الرُّوح بوَاجِد الرُّوح لا ارتِدَادُ الهَبَاء إلى الثَّرَى.
وبِهَذا تَتلَاقَىٰ السُّبُل وتَذُوب الفَوَارِق؛ فَلَيس الفَيلَسُوف الحَقُّ إلَّا نَبِيًّا أصغَىٰ بقَلبِه لصَوتِ الحِكمَةِ الأزَلِيَّة ولَيس النَّبِيُّ إلَّا فَيلَسُوفًا قُدسِيًّا عَرَجَ برُوحِه إلى مَنبَعِ الكَلِمَة.. هِيَ مِشكَاةٌ واحِدَة تَنطِقُ بِها المَزَامِيرُ ويُشِعُّ مِنها الإنجِيلُ ويَفِيضُ بِها القُرآن ليُعلِنُوا مَعًا أنَّ دِين المَعرِفَة هُوَ دِينُ الحُبِّ الأسمَىٰ وأنَّ الرُّوح قَد انتَصَرت على حِجَابِ المَادَّة وغَلب النَّامُوس تَهَافُت الحَرف. فَلا قِيَامَة إلَّا باليَقِين ولا خَلَاص إلَّا بِالعِلم.
انقَشَع الكَابُوس باستِبيَانِ حَقِّ النَّامُوس واستَنارَت المَحَجَّة.. ولا عَزَاء للتَّهَافُتِ! وتَهَافَت الغَزَالِي لأنَّهُ أرَادَ سَجن المُطلَق وبَقِيَ «نَامُوس المَعَالِي» لأنَّهُ وَحيُ العَقلِ والرُّوح الَّذي لا يَزُول. وتَجَلَّىٰ نَامُوس المَعَالِي: قِدَمٌ يُثبِت أزَلِيَّة الجُود وعِلمٌ يُثبِت إحَاطَة الوُجُود ومَعَادٌ يُثبِت انتِصَار الرُّوح.. فَلَيس تَهَافُت الغَزَالِي إلَّا وُقُوفًا عِند حُدُود الحَرف ولَيس رَدُّنا إلَّا عُبُورًا نَحو المَعنَىٰ حَيثُ لا خُصُومَة بَين الفَيلَسُوف والنَّبِي بل هُمَا جَنَاحانِ يُحَلِّقَان في سَمَاءِ الحَقِيقَة الوَاحِدَة.
﴿.. وَقُلِ اعمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُم وَرَسُولُهُ وَالمُؤمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ..﴾
#علاء_سامي (هاشتاغ)
Alaa_Samy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
احتجاج الحقيقة ورؤياها عبر مرايا العدم
-
تجريد التوحيد من حبال التقليد
-
خمر الروح: ترياق التسامي في حانة الخيَّام
-
إشراق الهوية القبطية بأسرار القومية المصرية
-
سيادة الوعي: اعتزال الفوضى والضجيج
-
تحرر المعنى من صنمية النص
-
صرخة فوق هياكل الحروف
-
جدلية اللوغوس وطواف العارفين
-
قيامة الروح في ملكوت الباطن
-
فردوس الاعتقاد وجحيم الإكراه
المزيد.....
-
تأثراً بصمود غزة.. شاب إسباني يعتنق الإسلام ويروي تفاصيل رحل
...
-
بعد الوجه الإيراني.. كيف يواجه البرهان الضغوط بشأن الإخوان؟
...
-
حرس الثورة الاسلامي يدمر رادارات أميركية استراتيجية بدول الم
...
-
ما هي مهام ومسؤوليات وصلاحيات المرشد الأعلى في النظام الإيرا
...
-
جيش الاحتلال يعلن اغتيال القائم بأعمال رئيس مكتب المرشد الأع
...
-
من هو مجتبى خامنئي أحد المرشحين لخلافة المرشد الأعلى في قياد
...
-
السلطات الليبية تعلن تحديد هوية ثلاثة مشتبه بهم في اغتيال سي
...
-
غارات وضربات متواصلة على إيران.. كم من الوقت ستصمد الجمهورية
...
-
النيابة العامة الليبية تحدد 3 مشتبهين بقتل سيف الإسلام القذا
...
-
في المجلات: -إغتيال خامنئي, يعني نهاية الجمهورية الإسلامية؟
...
المزيد.....
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|