أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علاء سامي - تجريد التوحيد من حبال التقليد















المزيد.....

تجريد التوحيد من حبال التقليد


علاء سامي
كاتب وباحث

(Alaa Samy)


الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 21:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حِينَمَا تُرتَهَن القِيَمُ العُلوِيَّة المُفارِقَة لِلتَّدافُعِ البَشَرِي والمَكايدِ السُّلطَوِيَّة؛ يكُون المَأزِقُ الوُجُودِي في فَهمِ المَعنَىٰ ونَشر الرُّؤَىٰ التَّفسِيرِية والآرَاء المَذهَبِيَّة؛ حَيثُ تُصادَر الرُّؤيَة الحُرَّة للمُطلَق الحَيِّ لصَالِح رُؤَىٰ النِّسبِيَّة المَيِّتَة، وفي أبشَع صُوَر التَّمَظهُر الأيدِيُولوجي تُجَسَّد اللَّامَنطِقيَّة؛ لأنَّ المُعضِلَة لَيسَت في "الإلَٰهِيَّات" كَمَبحَث، بل في مَبادِئ التَّسييس اللَّاهُوتِي التي اختَزَلَت الانفِتاح على الغَيبِ في بُنًى مَاديَّة مُصمَتَة.

إنَّ البَاحِث في الفِكر السِّياسِي-الدِّينِي (مع التَّحفُّظ التَّام على اللَّفظ) يَشهَد الانتِكاسَة المَعرفِيَّةَ في الوَعي العَام، ويَرصُد الحالة التي أعَادَت تَدوِير الوَثَنِيَّة بتَمَام جَاهِليَّتِها في مَظهَرٍ حَداثِي، وبالبَحث يَكون هو ذاته المَظهَر القَدِيم؛ فالأسلُوب هو نَفسه وكذَلِك النَّتِيجة: تُتَرجَمُ الوصَايَة على نُصوص الإِيمَان، وتتَحوَّل إلى أصنامٍ ذِهنِيَّة مُفتَقِرَة للرُّوح.. ويُحصَر الصَّحيح في اجتِهَاد الأوَّلِين (أو الأقرَبِين) فيَصِيرُونَ هُم المَعبُود! ويكُون اليَقِين الزَّائِف هو القُربَان!

ها هُنا تُفَكَّك بِنيَة الاستِبدَاد اللُّغَوِي في الفِكر الدِّيني السِّياسِي؛ عِندَما يُمارَس تَقدِيس الشَيء كآلِيَّةٍ لِحَجب لامُتَنَاهِيَّة النَّص وسِعَة الوَحي وانفِتاحِه، وتَحدث مُحاوَلة سجن (الإِلَٰهِي) في حُدود الوَعي الفِقهِي الظَّاهِري وتَبدِيله إلى قَيدٍ لُغَوِيٍّ صامِتٍ غير حَيّ:- هو تَجسِيدٌ للغَيبِ ونَفيٌ لسَرمَدِيَّته بل ونفيٌ حتَّى حَياته وروحه -فَلِمَ التَّحَجُّر الصَّارِخ لِلمَعنَىٰ!-

وبِهَذا العَجز السِّيميائِي يُحَوَّلُ النَّص من مَنَارةٍ إيمَانِيَّة إلى وَثَنٍ لُغَوي يُوَظَّف لِقَمع الحَق المَعرِفِي ومُصَادرة الحُرِّية الَتي هي جَوهَر الدِّين ورُوح التَّنزيل.
إذ..
* تتَخَلَّق الوَثَنِيَّة في رَحِم الفِكر حِين يَرتَهِن العَقل لِحَرفِيَّة النَّص المَعزُول عن رُوحه؛ وتتَجَسَّد مادِّيتهَا في اختِزَال السَّطوَة الإِلَٰهِيَّة داخِل حُدود الفَرد أو الشَيء أو القَول أو الفِعل، إنَّها سيكولُوجيا الاستِلاب التي تُعيد صِيَاغَة علاقَة العَبد بالصَّنَم عَبر وَسِيطٍ بَشَرِي يتَدَثَّرُ بدَعوَىٰ التَّفوِيض المِيتافِيزيقي، فيَغدُو تَذوِيبُ "الأنَا" الرُّوحِية في صَهر الجَمع -المُقَدَّس!- انتِحَارًا وُجُودِيًّا قاتِلًا.. لِتُنفَىٰ العَلاقَة الوُجُودِيَّة المُبَاشِرَة مع الخَالِق لصَالِح تَبَعِيَّة صَنَمِيَّة للرَّمز أو لِظِلٍّ وتُراب، مِمَّا يَنقل الفِعل السِّياسِي من مَدَار التَّدَافُع البَشَرِي الخَاضِع للخَطَأ والصَّواب إلى مَقَام الطَّقس التَّعَبُّدِي الذي يُؤَلِّه المَخلُوق ويُقَدِّس أعمَاله؛ فتُصلَب الحَقِيقة ظَاهِرًا كُلَّ يَومٍ على مَذَابِح الاستِبداد الفِقهِي والتَّفسِيري، لِتُبعَث في بَاطِن العَارِفِين حَقِيقةً لا تَمُوت.
* وتتَأَسَّسُ رادِيكالِيَّة الفِكر الدِّينِي المُؤَدلَج على جينَاتٍ إقصَائِيَّة تَنفِي الآخر بنيَوِيًّا ومَعنَويًا إنسَانيًا؛ فَحِين يَتِمُّ اختِزَال المُطلَق في صَنَمٍ مَعرِفِي، تُصبِح التَّعَدُّديَّة التَّفسِيرية واختِلاف زوَايَا الرُّؤية الحُرَّة مُرادِفًا للخُرُوج عن المِلَّة وطَعنًا في الثَوابِت والمَورُوثِ والصَّحِيح! إنَّ (لَعنَة التَّكفِير) لَيسَت إلا آلِيَّة سِياسِيَّة لتَجرِيف المَجَال العَام من التَّبَايُن والتَبَيُّن، كمَا اغتِيَال الغَيرِيَّة هو المَآل الحَتمِي لتَحوِيل التَّعَالِي الدِّينِي ولَاهُوتِه إلى قَسرٍ أيدِيُولوجِي (وقُصُور)، حَيثُ يُصَادَر الحَقُّ لحِسَاب الواحِد الشَّكلِي ويُقمَع كُلُّ تَجَلٍّ حُر بوَصفِه تهدِيدًا لكيَان الصَّنَم، لكنَّ هذا البَاطِل يظَلّ عَاجِزًا عن بُلُوغ مَآرِبه النهَائِيَّة؛ فالحَقُّ رُوحٌ مُتَحَرِّرة، لَا تُقيِّدُها أصنَامُ المَادَّة وكُلُّ مُحاوَلةٍ لاغتِيَال الغَيرِيَّة هي في جَوهَرِها اعتِرافٌ ضِمنِيٌّ بالعَجزِ عن مُواجَهَة نُور التَّعَدُّد المُتَسَامِي عن الخِلاف الدَّاعِم للاختِلاف.

يتَجَلَّىٰ الفَصلُ التَّنزِيهِي كضَرُورَةٍ أنطُولوجِيَّة تَسبِقُ كُلَّ تدبِيرٍ ظَاهِرِي؛ فهُوَ الفِعلُ الرَّادِع الذي آمَنَ أنَّ المُقَدَّس لَيس ضِمنَ قَوَائِم التَّسلِيع النَّفعِي، إنَّه تَهدِيمٌ للأَوثَان المَفَاهِيميَّة التي تَعتَرِضُ إشرَاق الحَقِيقة، لِيُعِيد مَعرِفَة الذَّات الإلَٰهِيَّة إلى مَدَار الشُّهُود العِرفَانِي والإيمَان الغَيبِي السَّلِيم والفِكر التَّحلِيلِي ويُحِيل الشَّأن العَام إلى مَحضِ نَشَاطٍ بَشَرِي عَرَضِي خَاضِعٍ للنَّقد والدَّحض، وعلى هذا نَتَبَيَّن.. حُرِّية الفِكرِ هي الحِصنُ الأوَّلُ والأخِير ضِدَّ ابتِذَال أطرُوحَات "الفِكر المَقصُود" (وكُلِّ فِكرٍ بَاطِل عن المُتَعَالِي) في مَزَادات الأرض وبَين سَاكِنيها.
ولذلك؛ فإنَّ "الفَصل والتَّحرِّي والتَّبيُّن" ليسَت مُجرَّد مُسمَّيَاتٍ مُبتدَعة وإنَّما هي أسَاسُ جَوهَر الإيمَان الحَقِّ الذي يُنَزِّه فِكر السَّمَاء عن عَبَثِ الأرض، لِيَبقَىٰ النُّور عَصِيًّا على القَبض، بعِيدًا عن مَذَابِح الاستِغلَال.

وفي ذِروَة التَّجرِيد الفَلسَفِي، تَتَجَلَّىٰ الحَقِيقةُ (كَينُونَةً نُورَانِيَّة) تتَسَامَىٰ فَوق أسوَار الامتِثَال؛ ومَهمَا أمعَن الوَعي الجَمعِي -المُكَبَّلُ بأصفَاد الجُمُود المُتَمَثِّل في عَقِيدَة "هَذَا ما وَجَدنَا عَلَيه آبَاءنا"- في خَنق الفِكر الحُر، لم تَزدَد الفِكرَةُ إلا تَوَهُّجًا واستِعصَاءً.. فالحَقُّ لا يَذوِي تَحت وَطأَةِ الجُمُود، ولا يَندَثِرُ بإِنكَار الكَثرَة بل يَرتَقِي فَوق رُكَام التَّبَعِيَّة؛ ليَظَلَّ جَوهَرُ الوُجُود مُحَلِّقًا في فضَاءَات المَعنَىٰ التي تَعجَزُ عن بُلُوغها أرواحٌ ألِفَت قُيُود التَّلقِين، ووَجَدَت في مُحَاكاةِ مَن سَبَقُوهُم مَلَاذًا للقَرَار.

استَفِيقُوا مِن عَمَاءِ التَّلقِين؛ فإنَّ التَّحَرُّر لَيس إلا استِردَاد الإنسَان لسِيَادَته الوُجُودِيَّة مِن أوهَامِ أوثَانِ الامتِثَال، لن نُدرِك سِرَّ الحَيَاةِ ما دُمنَا نُقايِضُ صَنَمًا حَجَرِيًّا بآخَرَ أيدِيُولوجي! فالإيمَان الذي لا يَعتِقُ صَاحِبَه مِن أغلَالِ الخَوفِ هو طَقسٌ أَجوَف، والعَقلُ الذي لا يُحَطِّم قوَالِب الوصَايَةِ هو عَقلٌ مُستَلَب.
آن الأوَانُ لِنَعبُر مِن ضِيق الكَهَنُوت الأرضِي إلى رَحَابَة رَهبَانِيَّة الحَقِّ ووِلايَتِه؛ التي لا تَعتَزِلُ العَالَم، بل تَعزِلُه عن أوهَامِه، حَيثُ الإنسَان هو الغَايَة.. والحَقِيقةُ هي القِبلَة.. والحُرِّية هي المِعرَاجُ وسِدرَةُ المُنتَهَىٰ والنُّور.



#علاء_سامي (هاشتاغ)       Alaa_Samy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خمر الروح: ترياق التسامي في حانة الخيَّام
- إشراق الهوية القبطية بأسرار القومية المصرية
- سيادة الوعي: اعتزال الفوضى والضجيج
- تحرر المعنى من صنمية النص
- صرخة فوق هياكل الحروف
- جدلية اللوغوس وطواف العارفين
- قيامة الروح في ملكوت الباطن
- فردوس الاعتقاد وجحيم الإكراه


المزيد.....




- شرطة نيويورك تفتح تحقيقًا في جريمة كراهية إثر حادث صدم سيارة ...
- لأول مرة منذ 25 عاما.. مستوطنون يصلون -الصباح اليهودي- في قب ...
- بعد رسالتها المؤثرة.. شيخ الأزهر يستقبل الطالبة الإندونيسية ...
- المقاومة الإسلامية في البحرين: التهديدات الأميركية بما فيها ...
- مندوب الجمهورية الاسلامية الايرانية في الأمم المتحدة يبلغ مج ...
- مندوب الجمهورية الاسلامية الايرانية في الأمم المتحدة: واشنطن ...
- حرس الثورة الاسلامية يؤكد جاهزيته لمواجهة كافة السيناريوهات ...
- المتحدث باسم حرس الثورة الاسلامية العميد نائيني: جاهزون لكل ...
- المجتمعات اليهودية والمسلمة في ألمانيا والسعي نحو التضامن
- اليهود والمسلمون في البوسنة ـ مثال للتعايش الديني والثقافي


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علاء سامي - تجريد التوحيد من حبال التقليد